Indexed OCR Text
Pages 381-400
وعبادهم ، وأما جمهور نظاره من الجهمية، والمعتزلة، والضرارية ، وغيره ، فإنما يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو فوق العالم. وكذلك كلامهم فى «القدرية)» يحكون عنهم إنكار العلم والكتابة، وهؤلاء م القدرية الذين قال ابن عمر فيهم: إذا لقيت أولئك فأخبرم أنى بريء منهم وأنهم برءاء مني، وهم الذين كانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهام، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك، فعلمه بعد ما فعلوه! ولهذا قالوا : الأمر أنف ، أي : مستأنف؛ يقال: روض أنف إذا كانت وافرة لم ترع قبل ذلك، يعني أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي، ويبتدئ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك على ولا كتاب ، فلا يكون العمل على ما قد قدر فيحتذي به حذو القدر ، بل هو أمر مستأنف مبتدأ ، والواحد من الناس إذا أراد أن يعمل عملاً قدر فى نفسه ما يريد عمله ثم عمله كما قدر فى نفسه ، وربما أظهر ما قدره في الخارج بصورته، ويسمى هذا التقدير الذي فى النفس خلقاً ، ومنه قول الشاعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض الناس يخلق ثم لا يفري يقول : إذا قدرت أمراً أمضيته وأنفذته ، بخلاف غيرك فإنه عاجز عن ) وهو سبحانه يعلم إمضاء ما يقدره، وقال تعالى: ( إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدٍَ قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون ، وهو يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده ، وعلمه وإرادته قائم بنفسه، وقد يتكلم به ويخبر به كما فى قوله : (لَأَمْلَأَنَّ ٣٨١ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقال: (وَلَوْلَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى) وقال تعالى: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِنْنَالِعِبَادِنَالْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَهُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُ الْغَلِبُونَ ) وقال تعالى: (وَلَقَدْءَ اتَيْنَا مُوسَى أَلْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ) وهو سبحانه كتب ما يقدره فيما يكتبه فيه، كما قال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) قال ابن عباس: إن الله خلق الخلق وعلى ما هم عاملون ثم قال لعلمه: كن كتاباً ؛ فكان كتاباً، ثم أزل تصديق ذلك في قوله ( أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) وقال تعالى: (مَآأَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّ فِ كِتٍَ مِّن قَبْلٍ أَنْ تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) وقال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ ن الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَاِعِبَادِىَ الصَّلِحُونَ) وقال: (يَمْحُواْاللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثُ وَعِندَهُأُمُ الْكِتَبِ ) وقال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَمِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ ) فالملائكة قد علمت ما يفعل بنو آدم من الفساد وسفك الدماء، فكيف لا يعلمه الله، سواء علموه بإعلام الله - فيكون هو أعلم بما علمهم إياه، كما قاله أكثر المفسرين : - أو قالوه بالقياس على من كان قبلهم ، كما قاله : طائفة منهم ، أو بغير ذلك والله أعلم بما سيكون من مخلوقاته الذين لا علم لهم إلا ما علمهم وما أوحاه إلى أنبيائه وغيرهم مما سيكون هو أعلم به منهم، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. ٣٨٢ وأيضاً فإنه قال للملائكة : (إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) قبل أن بأمرهم بالسجود لآدم، وقبل أن يمتنع إبليس ، وقبل أن ينهى آدم عن أكله من الشجرة، وقبل أن يأكل منها ويكون أكله سبب إحباطه إلى الأرض ، فقد علم الله سبحانه أنه سيستخلفه مع أمره له ولإبليس بما يعلم أنهما يخالفانه فيه، ويكون الخلاف سبب أمره لهما بالإحباط إلى الأرض والاستخلاف فى الأرض. وهذا يبين أنه على ما سيكون منهما من مخالفة الأمر ، فإن إبليس امتنع من السجود لآدم وأبغضه فصار عدوه، فوسوس له حتى يأ كل من الشجرة فيذنب آدم أيضاً ، فإنه قد تألى إنه ليغوينهم أجمعين، وقد سأل الإنظار إلى يوم يبعثون فهو حريص على إغواء آدم وذريته بكل ما أمكنه ، لكن آهم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه ربه وهداه بتوبته، فصار لبني آدم سبيل إلى نجاتهم وسعادتهم مما يوقعهم الشيطان فيه بالإغواء، وهو التوبة، قال تعالى: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ اُلْمُنَفِقِينَ وَالْمُتَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ). وقدر الله قد أحاط بهذا كله قبل أن يكون، وإبليس أصر على الذنب ، واحتج بالقدر ، وسأل الإنظار ليهلك غيره ، وآدم تاب وأناب ، وقال هو وزوجته: (رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنِ لَّْتَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) فتاب الله عليه فاجتباه وهداه ، وأنزله إلى الأرض ليعمل فيها بطاعته؛ فيرفع الله بذلك درجته ، ويكون دخوله الجنة بعد هذا أكمل مما كان ، فمن أذنب من أولاد آدم فاقتدى بأبيه آدم فى التوبة كان سعيداً، وإذا تاب وآمن وعمل صالحاً ٣٨٣ بدل الله سيئاته حسنات ، وكان بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة ، كسائر أولياء الله المتقين . ومن اتبع منهم إبليس فأصر على الذنب ، واحتج بالقدر ، وأراد أن يغوي غيره كان من الذين قال فيهم : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِّعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ). والمقصودهنا ذكر القدر؛ وقد ثبت فى ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ؛ وكان عرشه على الماء )» وفى ((صحيح البخاري)) عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء ، وكتب فى الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض)) وفى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه أخبر : أن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار ، وما يعمله العباد قبل أن يعملوه . وفى ((الصحيحين)) عن عبدالله بن مسعود: «أن الله يبعث ملكا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه ؛ فيكتب أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد)). وهذه الأحاديث تأتي إن شاء الله فى مواضعها. فهذا القدر هو الذي أنكره ((القدرية)) الذين كانوا فى أواخر زمن الصحابة . وقد روى أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس ، وتلقاه عنه معبد الجهني ، ويقال : أول ما حدث فى الحجاز لما احترقت الكعبة، فقال ٣٨٤ رجل: احترقت بقدر الله تعالى. فقال آخر: لم يقدر الله هذا. ولم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر ؛ فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى من الصحابة ، كعبد الله بن عمر ، وعبدالله بن عباس ، وواثلة بن الأسقع ، وكان أكثره بالبصرة والشام ، وقليل منه بالحجاز؛ فأكثر كلام السلف فى ذم هؤلاء القدرية ، ولهذا قال وكيع بن الجراح : القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل ؛ والجهمية يقولون: المعرفة بجزئ من القول والعمل . قال وكيع: وهو كله كفر ورواه ابن (١). ولكن لما اشتهر الكلام فى القدر ، ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد . صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق . وعن عمرو بن عبيد فى إنكار الكتاب المتقدم روايتان. وقول أولئك كفرتم عليه مالك، والشافعى، وأحمد وغيرم. وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك ؛ وفى هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم. وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم ، لكن من كان داعية إليه لم يخرجواله، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره : أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس ، وإن كان فى الباطن مجتهداً، وأقل عقوبته أن يهجر، فلا يكون له مرتبة فى الدين (١) بياض فى الأصل . ٣٨٥ لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك. ومذهب مالك قريب من هذا، ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ، ولكن رووا ثم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية ، والمرجئة والخوارج، والشيعة . وقال أحمد: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة ، وهذا لأن ((مسألة خلق أفعال العباد، وإرادة الكائنات)) مسألة مشكلة، وكما أن القدرية من المعتزلة وغيرم أخطئوا فيها ، فقد أخطأ فيها كثير ممن رد عليهم أو أكثرهم، فإنهم سلكوا فى الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان، وأتباعه، فنفوا حكمة الله فى خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده ، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقاً وأمراً، وجحدوا من الحقائق الموجودة فى مخلوقاته وشرائعه ما صار ذلك سبباً لنفور أكثر العقلاء الذين فهموا قولهم عما يظنونه السنة، إذ كانوا يزعمون أن قول أهل السنة في القدر هو القول الذي ابتدعه جهم ، وهذا لبسطه موضع آخر . وإنما المقصود هنا أن ((السلف)) فى رده على المرجئة والجهمية والقدرية وغيرهم، يردون من أقوالهم ما يبلغهم عنهم وما سمعوه من بعضهم. وقد يكون ذلك قول طائفة منهم، وقد يكون نقلاً مغيراً. فلهذا ردوا على المرجئة الذين يجعلون الدين والإيمان واحداً؛ ويقولون هو القول. وأيضاً فلم يكن حدث فى زمنهم من المرجئة من يقول : الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفة ٣٨٦ في القلب . فإن هذا إنما أحدثه ابن كرام. وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام. وأما سائر ما قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري ولا غيره ممن يحكي مقالات الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا . وأما سائر أقواله فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه. ولم يكن ابن كرام فى زمن أحمد بن حنبل ، وغيره من الأئمة، فلهذا يحكون إجماع الناس على خلاف هذا القول ؛ كما ذكر ذلك أبو عبدالله أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرها . وكان قول المرجئة قبله : إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب ، وقول جهم : إنه تصديق القلب ؛ فلما قال ابن كرام : إنه مجرد قول اللسان. صارت أقوال المرجئة ثلاثة، لكن أحمد كان أعلم بمقالات الناس من غيره ، فكان يعرف قول الجهمية في الإيمان ، وأما أبو ثور . فلم يكن يعرفه، ولا يعرف إلا مرجئة الفقهاء ، فلهذا حكى الإجماع على خلاف قول الجهمية والكرامية . قال أبو ثور فى رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي وغيره : عن إدريس بن عبد الكريم قال : سأل رجل من أهل خراسان أباثور عن الإيمان وما هو ، أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل؟ أو تصديق وعمل ؟ فأجابه أبو ثور بهذا فقال : سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو ، يزيد وينقص ؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل ؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم. ٣٨٧ إعلم يرحمنا الله وإياك: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد ، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع ، ثم قال: ما عقد قلى على شيء من هذا ؛ ولا أصدق به؛ أنه ليس بمسلم ، ولو قال : المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام ، ثم قال: لم يعقد قلبى على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن ، فلما لم يكن بالإقرار إذالم يكن معه التصديق مؤمناً ، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمناً ، حتى يكون مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه . فإذا كان تصديقاً بالقلب وإقراراً باللسان، كان عندم مؤمناً ، وعند بعضهم لا يكون مؤمناً حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمناً، فلما نفوا أن يكون الإيمان بشىء واحد ، وقالوا : يكون بشيئين فى قول بعضهم، وثلاثة أشياء فى قول غيرم. لم يكن مؤمناً إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء؛ وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء. فكلهم يشهد أنه مؤمن ؛ فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح . فأما الطائفة التى ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان ، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت. عند أهل العلم. (5)١ من قال: إن اللّه لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ وإن قالت : أراد منهم الإقرار قيل : فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٣٨٨ : لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: اعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمناً ؟ فإن قالوا : لا. قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به ؛ أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا : نعم . قيل ما الفرق ؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر ، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمناً ، لا فرق بين ذلك. فإن احتج فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله: أن يعمله فى وقته إذا جاء ، وليس عليه فى هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً ؛ ولو قال: أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان. قلت: يعني الإمام أبو ثور - رحمه الله - أنه لا يكون مؤمناً إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار ، وإلا فلو أفر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمناً. وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثورهو دليل على وجوب الأمرين : الإقرار والعمل وهو يدل على أن كلا منهما من الدين ، وأنه لا يكون مطيعاً لله، ولا مستحقا للثواب ولا ممدوحا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعا، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا . وأما من يقول: إنها من الدين ويقول: إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ببعض الدين وهو الإيمان عنده ، وترك بعضه؛ فهذا يحتج عليه بشيء آخر ، لكن أبو ثور وغيره من علماء السنة عامة احتجاجهم مع هذا الصنف ، وأحمد كان أوسع علما بالأقوال والحجج من ٣٨٩ أبي ثور. ولهذا إنما حكى الإجماع على خلاف قول الكرامية؛ ثم إنه تورع فى النطق على عادته ، ولم يجزم بنفي الخلاف؛ لكن قال: لا أحسب أحداً يقول هذا، وهذا فى رسالته إلى أبى عبد الرحيم الجوزجاني، ذكرها الخلال فى كتاب ((السنة )) - وهو أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد فى مسائل الأصول الدينية وإن كان له أقوال زائدة على ما فيه، كما أن كتابه فى العالم أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد فى الأصول الفقهية . قال المروذي: رأيت أبا عبد الرحيم الجوزجانى عند أبى عبد الله، وقد كان ذكره أبو عبد الله فقال: كان أبوه مرجئًا، أو قال : صاحب رأي. وأما أبو عبد الرحيم فأثنى عليه ، وقد كان كتب إلى أبى عبد الله من خراسان يسأله عن الإيمان وذكر الرسالة من طريقين عن أبى عبد الرحيم ، وجواب أحمد بسم الله الرحمن الرحيم : أحسن الله إلينا وإليك فى الأمور كلها، وسلمنا وإياك من كل شربرحمته، أنانى كتابك تذكر ما تذكر من احتجاج من احتج من المرجئة . واعلم رحمك الله أن الخصومة فى الدين ليست من طريق أهل السنة وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه ، فهم شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم، وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له فى القرآن، وما عني به ، وما أراد به أخاص هو أم ٣٩٠ عام ؟ فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ، فهذا تأويل أهل البدع ؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكما عاما، ويكون ظاهرها على العموم ، وإنما قصدت لشيء بعينه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك، فقد تكون الآية خاصة؛ أى معناها مثل قوله تعالى: (يُوصِيكُللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنْشَيَيْنِ) وظاهرها على العموم، أي من وقع عليه اسم (ولد) فله ما فرض الله ، فجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرث مسلم كافراً . وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم - وليس بالثبت - إلا أنه عن أصحابه أنهم لم يورثوا قاتلاً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن الكتاب أن الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر ، ومن حملها على ظاهرها لزمه أن يورث من وقع عليه اسم الولد كافراً كان أو قاتلاً ، وكذلك أحكام الوارث من الأبوين وغير ذلك مع آي كثير يطول بها الكتاب ، وإنما استعملت الأمة السنة من النبى صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه ، إلا من دفع ذلك من أهل البدع والخوارج وما يشبههم ، فقد رأيت إلى ما خرجوا. قلت : لفظ المجمل والمطلق والعام كان فى اصطلاح الآثمة ، كالشافعى وأحمد ، وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء، لا يريدون بالمجمل ما لايفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ فى ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده فى ٣٩١ العمل به وإن كان ظاهره حقاً، كما فى قوله تعالى: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم ◌ِهَا ) فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم ، ليست مما لا يفهم المراد به؛ بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده فى العمل فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم ، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال أحمد يحذر المتكلم فى الفقه هذين ((الأصلين)). المجمل والقياس. وقال: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس ، يريد بذلك ألا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده؛ ولا يعمل بالقياس قبل النظر فى دلالة النصوص هل تدفعه ، فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس ؛ فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثاً يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك، وهذا هو الواقع فى المتمسكين بالظواهر والأقيسة، ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه طريق أهل البدع. وله فى ذلك مصنف كبير . وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار ، طريق أهل البدع. ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولاً فاسداً ، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وقوله تعالى: (يُوصِيكُاللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ) سموه عاماً وهو مطلق فى الأحوال، يعمها على طريق البدل كما يعم قوله: (فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ) جميع الرقاب، لا يعمها كما يعم لفظ الولد ٣٩٢ للأولاد . ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن ، بل أخذ بما ظهر له مما سكت عنه القرآن ، فكان الظهور لسكوت القرآن عنه ، لا لدلالة القرآن على أنه ظاهر ، فكانوا متمسكين بظاهر من القول لا بظاهر القول ؛ وعمدتهم عدم العلم بالنصوص التى فيها على بما قيد ، وإلا فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو حق ؛ بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن ، كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة . قال أحمد : وأما من زعم أن الإيمان الإقرار ، فما يقول فى المعرفة ؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف ؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين ، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقراً ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء ؛ وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولاً عظيماً ، ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء . قلت أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قدعرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه؛ فلا يكون إلا شيئاً واحداً فلا يكون ذا عدد : اثنين أو ثلاثة ، فإنه إذا كان له عدد ، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه، بل لا يكون إلا شيئاً واحداً، ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء واحد فى القلب . وقالت الكرامية : إنه شيء واحد على اللسان، كل ذلك فراراً من ٣٩٣ تبعض الإيمان وتعدده ، فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئاً واحداً، كما قلتم. فأبو ثور احتج بما اجتمع عليه ((الفقهاء المرجئة) من أنه تصديق وعمل ، ولم يكن بلغه قول متكلميهم وجهميتهم ، أو لم يعد خلافهم خلافاً ، وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار ، وقال : إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ! ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية ، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق ؛ ولكن تقول : لا يدخل فى اسم الإيمان حذراً من تبعضه وتعدده ، لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع فى القلب إيمان وكبر ، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك، كماذكرهذا الإجماع الأشعري وغيره. وهذه الشبهة التى أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل فى ((إرجاء الفقهاء)) جماعة م عند الأمة أهل علم ودين . ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحداً من ((مرجئة الفقهاء)) بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال؛ لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب ، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير فى اللفظ سباً لخطأ عظيم فى العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول فى ذم ((الإرجاء) حتى قال إبراهيم النخعى : لفتنتهم - يعنى المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة ٣٩٤ الأزارقة . وقال الزهرى : ما ابتدعت فى الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء . وقال الأوزاعي : كان يحي بن أبى كثير، وقتادة بقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندم على الأمة من الإرجاء . وقال شريك القاضى - وذكر المرجئة فقال -: ثم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثاً ، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابرى وقال قتادة : إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث . وسئل ميمون بن مهران عن كلام ((المرجئة)) فقال: أنا أكبر من ذلك وقال سعيد بن جبير لذر الهمدانى: ألا تستحي من رأي أنت أكبر منه؟! وقال أيوب السختياني : أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء. رجل من أهل المدينة من بنى هاشم يقال له : الحسن . وقال زاذان : أتينا الحسن ابن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذى وضعت ؟ وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة فقال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب، فإن الخطأ فى اسم الإيمان ليس كالخطأ فى اسم محدث؛ ولا كالخطأ في غيره من الأسماء ، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق . وأحمد - رضى الله عنه - فرق بين المعرفة التى فى القلب وبين التصديق الذي فى القلب، فإن تصديق اللسان هو الإقرار؛ وقد ذكر ثلاثة أشياء، وهذا يحتمل ((شيئين)) يحتمل أن يفرق بين تصديق القلب ومعرفته، وهذا قول ٣٩٥ ابن كلاب، والقلانسى. والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب ، فإن تصديق القلب قوله. وقول القلب عندج ليس هو العلم، بل نوعاً آخر ؛ ولهذا قال أحمد: هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج إلى أن يكون مصدقاً بما عرف ؛ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين ، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقراً ومصدقاً بما عرف فهو من ثلاثة أشياء، فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق. فقد أبى عظيما ولا أحسب امرءاً يدفع المعرفة والتصديق. والذين قالوا : الإيمان هو الإقرار . فالإقرار باللسان يتضمن التصديق باللسان. والمرجئة لم تختلف أن الإقرار باللسان فيه التصديق ؛ فعلم أنه أراد تصديق القلب ومعرفته مع الإقرار باللسان ؛ إلا أن يقال : أراد تصديق القلب واللسان جميعاً مع المعرفة والإقرار؛ ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق كما قال تعالى: ( وَإِذْأَ خَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْمَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ) فالميثاق المأخوذ على أنهم يؤمنون به وينصرونه ، وقد أمروا بهذا، وليس هذا الإقرار تصديقاً، فإن الله تعالى لم يخبرهم بخبر؛ بل أوجب عليهم إذا جاءم ذلك الرسول أن يؤمنوا به وينصروه. فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه، فهذا هو إقرارم. والانسان قد يقر للرسول بمعنى انه يلتزم ما يأمر به مع غير معرفة ، ومن غير تصديق له بأنه رسول الله، لكن لم يقل أحد من المرجئة: إن هذا الإقرار يكون إيماناً. ٣٩٦ بل لابد عندهم من الإقرار الخبري وهو أنه يقر له بأنه رسول الله كما يقر المقر بما يقر به من الحقوق، ولفظ الإقرار بتناول الالتزام والتصديق، ولابد منها، وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة ؛ والمرجئة تارة يجعلون هذا هو الإيمان وتارة يجعلون الإيمان التصديق والالتزام معاً ، هذا هو الإقرار الذي يقوله فقهاء المرجئة: إنه إيمان ، وإلا لو قال : أنا أطيعه ولا أصدق أنه رسول اللّه، أو أصدقه ولا ألتزم طاعته، لم يكن مسلماً ولا مؤمناً عنده. وأحمد قال : لابد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقاً ، وأن يكون عارفاً ، وأن يكون مصدقاً بما عرف. وفى رواية أخرى : مصدقاً بما أقر، وهذا يقتضي أنه لابد من تصديق باطن ، ويحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده يتضمن القول والعمل جميعاً ، كما قد ذكرنا شواهده أنه يقال : صدق بالقول والعمل ، فيكون تصديق القلب عنده يتضمن أنه مع معرفة قلبه أنه رسول الله قد خضع له وانقاد ؛ فصدقه بقول قلبه وعمل قلبه محبة وتعظيماً، وإلا فمجرد معرفة قلبه أنه رسول الله مع الإعراض عن الانقياد له ولما جاء به، إما حسداً وإما كبراً، وإما لمحبة دينه الذي يخالفه وإما لغير ذلك، فلا يكون إيماناً . ولابد فى الإيمان من على القلب وعمله فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له، تابعاً له، محبا له معظما له ، فإن هذا لا بد منه ، ومن دفع هذا عن أن يكون من الإيمان ، فهو من جنس من دفع المعرفة من أن تكون من الإيمان ، وهذا أشبه بأن ٣٩٧ يحمل عليه كلام أحمد؛ لأن وجوب انقياد القلب مع معرفته ظاهر ثابت بدلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ، ومن نازع من الجهمية فى أن انقياد القلب من الإيمان فهو كمن نازع من الكرامية فى أن معرفة القلب من الإيمان ، فكان حمل كلام أحمد على هذا هو المناسب لكلامه فى هذا المقام . وأيضاً فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالى عن الانقياد الذي يجعل قول القلب ؛ أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب، والأشعري من الفرق ، كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق، وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب، قالوا : ففي قلبه خبر بخلاف علمه ، فدل على الفرق. فقال لهم الناس : ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علماً حقيقياً ولا خبراً حقيقياً، ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة، إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات لا إلى جنس آخر يخالفها . ولهذا قالوا : إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه؛ وإنما يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه ، فهذا غير ممكن، وهذا مما استدلوا به على أن الرب تعالى لا يتصور قيام الكذب ٣٩٨ بذاته، لأنه بكل شيء عليم ، ويمتنع قيام معنى بضاد العلم بذات العالم، والخبر النفساني الكاذب بضاد العلم . فيقال لهم: الخبر النفسانى لو كان خلافاً للعلم لجاز وجود العلم مع ضده كما يقولون مثل ذلك فى مواضع كثيرة ، وهي من أقوى الحجج التى يحتج بها القاضي أبو بكر وموافقوه فى مسألة العقل وغيرها، كالقاضي أبي يعلى، وأبي محمد ابن اللبان ، وأبى علي بن شاذان ، وأبى الطيب، وأبى الوليد الباجي ، وأبى الخطاب، وابن عقيل وغيرهم؛ فيقولون: العقل نوع من العلم ، فإنه ليس بضدله فإن لم يكن نوعا منه كان خلافاً له، ولو كان خلافاً لجاز وجوده مع ضد العقل وهذه الحجة وإن كانت ضعيفة - كما ضعفها الجمهور ، وأبو المعالي الجوينى ممن ضعفها - فإن ما كان مستلزماً لغيره لم يكن ضداً له، إذ قد اجتمعا، وليس هو من نوعه ؛ بل هو خلاف له على هذا الاصطلاح الذي يقسمون فيه كل اثنين إلى أن يكونا مثلين ، أو خلافين أو ضدين ، فالملزوم كالإرادة مع العلم أو كالعلم مع الحياة، ونحو ذلك ليس ضداً ولا مثلاً؛ بل هو خلاف، ومع هذا فلا يجوز وجوده مع ضد اللازم، فإن ضد اللازم ينافيه ، ووجود الملزوم بدون اللازم محال ، كوجود الإرادة بدون العلم، والعلم بدون الحياة ، فهذان خلافان عندم ، ولا يجوز وجود أحدهما مع ضد الآخر . كذلك العلم هو مستلزم للعقل، فكل عالم عاقل، والعقل شرط فى العلم. فليس مثلاً له ولا ضداً ولا نوعاً منه ، ومع هذا لا يجوز وجوده مع ضد العقل، ٣٩٩ لكن هذه الحجة تقال لهم فى العلم مع كلام النفس الذي هو الخبر ، فإنه ليس ضداً ولا مثلاً، بل خلافاً ؛ فيجوز وجود العلم مع ضد الخبر الصادق وهو الكاذب ، فبطلت تلك الحجة على امتناع الكذب النفساني من العالم ، وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقاً مجرداً عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق . ثم احتج ((الإمام أحمد) على أن الأعمال من الإيمان بحجيج كثيرة فقال وقد سأل وفد عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ، وأن تعطوا خمساً من المغنم)) فجعل ذلك كله من الإيمان . قال : وقال النبى صلى الله عليه وسلم ((الحياء شعبة من الإيمان)) وقال: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). وقال: ((إن البذاذة من الإيمان)). وقال ((الإيمان بضع وستون شعبة ، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرفعها قول لا إله إلا الله)) مع أشياء كثيرة، منها: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)): وما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى صفة المنافق: ((ثلاث من كن فيه فهو منافق)» مع حجج كثيرة. وما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم فى تارك الصلاة وعن أصحابه من بعده ، ثم ما وصف الله تعالى فى كتابه ٤٠٠