Indexed OCR Text

Pages 341-360

رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير على، لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل
فيه رحمه، ولا يعلم للّه فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله
مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لى مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته ،
فوزرهما سواء)).
ولفظ ابن ماجه: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا
وعلماً فهو يعمل بعلمه فى ماله ينفقه فى حقه ، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالا
فهو يقول : لو كان لى مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل)). قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((فهما فى الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم
يؤته علماً ، فهو يختبط فى ماله ينفقه فى غير حقه ، ورجل لم يؤته علماً ولا
مالا وهو يقول : لو كان لى مثل مال هذا عملت مثل الذي يعمل ، فهما فى
الوزر سواء».
كالشخصين إذا ماثلا فى إيمان القلوب معرفة وتصديقاً وحباً وقوة وحالا
ومقاماً ، فقد يتماثلان ، وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن
الآخر، كما جاء فى الأثر: أن المؤمن قوته فى قلبه وضعفه فى جسمه ، والمنافق
قوته في جسمه وضعفه في قلبه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
الصحيح: ((ليس الشديد ذو الصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))
وقد قال: ((رأيت كأنى أزع على قليب ، فأخذها ابن أبى قحافة، فنزع ذنوباً
أو ذنوبين وفى نزعه ضعف والله يغفر له ، فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في
٣٤١

يده غرباً ، فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى صدر الناس بعطن))، فذكر أن أبا بكر
أضعف ، وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر ، فلا ريب أن
أبا بكر أقوى إيماناً من عمر. وعمر أقوى عملاً منه كما قال ابن مسعود: ما زلنا
أعزة منذ أسلم عمر ؛ وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل ، وصاحب
الإيمان يكتب له أجر عمل غيره ، وما فعله عمر فى سيرته مكتوب مثله لأبى بكر
فإنه هو الذي استخلفه .
وفى ((المسند)) من وجهين عن النبى صلى الله عليه وسلم أن النبى صلى الله عليه
وسلم وزن بالأمة فرجح ، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة
فرجح ، وكان فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر بسبب
أبي بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن عنده ، فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير
وأعانه عليه بجهده ، والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان كفاعله ،
كما ثبت فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من جهز
غازياً فقد غزا، ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا)) وقال: ((من دل على خير
فله مثل أجر فاعله)) وقال: (( من فطر صائماً فله مثل أجره)).
وقد روي الترمذي ((من عزى مصاباً فله مثل أجره)) وهذا وغيره مما
يبين أن الشخصين قد يتماثلان فى الأعمال الظاهرة ، بل يتفاضلان ويكون
المفضول فيها أفضل عند الله من الآخر ، لأنه أفضل فى الإيمان الذي فى القلب،
وأما إذا تفاضلا فى إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند الله ألبتة ،
٣٤٢

وإن كان المفضول لم يهبه الله من الإيمان ما وهبه للفاضل ، ولا أعطي قلبه من
الأسباب التى بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول(١)، ولهذا فضل الله
بعض النبيين على بعض ، وإن كان الفاضل أقل عملاً من المفضول، كما فضل
الله نبينا صلى الله عليه وسلم - ومدة نبوته بضع وعشرون سنة - على نوح وقد
لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، وفضل أمة محمد وقد عملوا من صلاة
العصر إلى المغرب على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر ، وعلى من عمل
من صلاة الظهر إلى العصر ، فأعطى الله أمة محمد أجرين، وأعطى كلا من أولئك
أجراً أجراً، لأن الإيمان الذي فى قلوبهم كان أكمل وأفضل ، وكان أولئك
أكثر عملاً ؛ وهؤلاء أعظم أجراً ، وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التى
تفضل بها عليهم وخصهم بها .
وهكذا سائر من يفضله الله تعالى، فإنه يفضله بالأسباب التى يستحق بها
التفضيل بالجزاء ، كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم، وبقوة ينال بها
اليقين والصبر والتوكل والإخلاص ؛ وغير ذلك مما يفضله الله به، وإنما فضله
في الجزاء بما فضل به من الإيمان. كما قال تعالى: ( وَقَالَتَ طَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
الْكِتَبِءَامِنُواْ بِالَّذِىّ أُنِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *
وَلَا تُؤْمِنُوْاْإِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ
أَوْبُحَجُوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّاُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) وقال فى الآية الأخرى: (اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) وقال: (اللَّهُيَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ
النَّاسِ ) وقال: (يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ).
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( الفاضل )
٣٤٣

وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب، وكذلك يرزق من
يشاء بغير حساب، وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق .
وإذا كان من الإيمان ما يعجز عنه كثير من الناس ويختص الله به من يشاء
فذلك مما يفضلهم الله به ، وذلك الإيمان ينفي عن غيرهم، لكن لا على وجه الفم
بل على وجه التفضيل ، فإن الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل محظور.
لكن على ما ذكره أبو طالب . يقال: فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار
ويقال: إنهم مؤمنون باعتبار آخر ، وعلى هذا ينفي الإيمان عمن فاته الكمال
المستحب ؛ بل الكمال الذي يفضل به على من فاته ، وإن كان غير مقدور للعباد
بل ينفى عنه الكمال الذي وجب على غيره، وإن لم يكن في حقه لا واجباً ولا
مستحباً، لكن هذا لا يعرف فى كلام الشارع ، ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي
الإيمان يقتضى الذم حيث كان، فلا ينفي إلا عمن له ذنب، فتبين أن قوله: «أو
مسلم)) توقف فى أداء الواجبات الباطنة والظاهرة كما قال جماهير الناس .
ثم طائفة يقولون : قد يكون منافقاً ليس معه شيء من الإيمان، وهم الذين
يقولون : الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من الإيمان شيء، وهذا
هو القول الذي نصره طائفة ، كمحمد بن نصر ، والأكثرون يقولون: بل
هؤلاء لم يكونوا من المنافقين الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم ، وإن كان
فيهم شعبة نفاق؛ بل كان معهم تصديق يقبل معه منهم ما عملوه للّه ، ولهذا
جعلهم مسلمين؛ ولهذا قال: ( أَنْ هَدَ نَّكُمْ لِلْإِيمَنِ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ ) كما
٣٤٤

قالوا مثل ذلك فى الزاني والسارق وغيرهما ممن نفى عنه الإيمان ، مع أن معه
التصديق. وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم.
وأبو طالب جعل من كان مذموماً لترك واجب، من المؤلفة قلوبهم الذين
لم يعطوا شيئاً، وجعل ذلك الشخص مؤمناً غيره أفضل منه. وأما الأكثرون
فيقولون : إثبات الإسلام لهم دون الإيمان إثباته لذلك الشخص كان مسلماً
لا مؤمناً كلاهما مذموم ، لا لمجرد أن غيره أفضل منه. وقد قال النبى صلى الله
عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ولم يسلب عمن دونه الإيمان.
وقال تعالى : ( لَا يَسْتَوِى مِنكُمَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ).
فأثبت الإيمان للفاضل والمفضول ، وهذا متفق عليه بين المسلمين ، وقد
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن
اجتهد فأخطأ فله أجر)) وقال لسعد بن معاذ لما حكم فى بني قريظة: ((لقد
حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة)) وكان يقول لمن يرسله فى جيش
أو سرية: ((إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلاتنزلهم
على حكم الله ، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ؛ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم
أصحابك)). وهذه الأحاديث الثلاثة في ((الصحيح)) وفى حديث سليمان عليه
السلام : وأسألك حكماً يوافق حكمك.
فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم
٣٤٥

بإحسان أن أحد الشخصين قد يخصه الله باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز
عنه غيره فيكون له أجران ، وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه ؛ وذلك
العلم الذي خص به هذا، والعمل به باطناً، وظاهراً زيادة فى إيمانه، وهو إيمان
يجب عليه، لأنه قادر عليه . وغيره عاجز عنه فلا يجب. فهذا قد فضل بإيمان
واجب عليه وليس بواجب على من عجز عنه .
وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية
إذا خص أحدهما بمعرفة الحق فى نفس الأمر مع اجتهاد الآخر وعجزه ، كلاهما
محمود مثاب مؤمن ، وذلك خصه الله من الإيمان الذي وجب عليه بما فضله به
على هذا؛ وذلك المخطئ لا يستحق ذماً ولاعقاباً ، وإن كان ذاك لو فعل مافعل
ذم وعوقب، كما خص الله أمة نبينا بشريعة فضلها به، ولو تركنا مما أمرنا به فيها
شيئاً ؛ لكان ذلك سبباً للذم والعقاب؛ والأنبياء قبلنا لا يذمون بترك ذلك
لكن محمد صلى الله عليه وسلم فضله الله على الأنبياء وفضل أمته على الأمم من غير
ذم لأحد من الأنبياء ، ولا لمن اتبعهم من الأمم .
وأيضاً فإذا كان الإنسان لا يجب عليه شيء من الإيمان إلا ما يقدر عليه
وهو إذا فعل ذلك كان مستحقاً لما وعد الله به من الجنة ، فلو كان مثل هذا
يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى
مسلماً لا مؤمناً كالأعراب، وكالشخص الذي قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم
((أو مسلم)) وكسائر من نفي عنه الإيمان مع أنه مسلم، كالزاني، والشارب
٣٤٦

والسارق ، ومن لا يأمن جاره بوائقه ، ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب
لنفسه؛ وغير هؤلاء ، وليس الأمر كذلك.
فإن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه
الإسلام وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه؛ وأنه لا يقبل ديناً غيره، ومع هذا فما
قال: إن الجنة أعدت للمسلمين ، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما
ذكر ذلك باسم الإيمان كقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِىمِن
تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ) فهو يعلقها باسم الإيمان المطلق ، أو المقيد بالعمل الصالح، كقوله:
جَزَآؤُهُمْ عِندَرَتِهِمْ
(إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهُ ) وقوله: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ
أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَاِّ كُلَّمَارُ زِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى
رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) وقوله: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ
وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وقوله :
(فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ) وقوله:
(فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْبِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ
إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) وقوله: (وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ
صى
(
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّاً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْ خِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
وفي الآية الأخرى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِقِيلًا) وقال: ( وَأَمَّالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ) وقال: (وَعَدَ اَللَّهُ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرُ عَظِيمٌ) وقال: (فَمَنْءَامَنَ
٣٤٧

وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) وقال: ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
لَأَتُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِبَهَا خَلِدُونَ ) والآيات فى هذا
المعنى كثيرة .
فالوعد بالجنة والرحمة فى الآخرة ، وبالسلامة من العذاب ، علق باسم الإيمان
المطلق، والمقيد بالعمل الصالح ، ونحو ذلك؛ وهذا كما تقدم أن المطلق يدخل فيه
فعل ما أمر الله به ورسوله، ولم يعلق باسم الإسلام. فلو كان من أتى من الإيمان
بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلماً لا مؤمناً ، لكان من
أهل الجنة وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلماً وإن لم يسم مؤمناً ، وليس
الأمر كذلك، بل الجنة لم تعلق إلا باسم الإيمان، وهذا أيضاً مما استدل به من قال:
إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة ، إذ لو كان الأمر كذلك لكان
وعد الجنة معلقاً باسم الإسلام، كما علق باسم الإيمان وكما علق باسم (التقوى) واسم
(البر)» فى مثل قوله: (إِنَّالْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ ) وقوله: (إِنَّالْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمٍ) وباسم
أولياء الله، كقوله: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَانَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللّهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فلما لم يجر اسم الإسلام هذا المجرى، على أن مسماه
ليس ملازما لمسمى الإيمان كما يلازمه اسم البر والتقوى وأولياء الله، وأن اسم
الإسلام يتناول من هو من أهل الوعيد وإن كان اللّه يثيبه على طاعته، مثل أن
يكون فى قلبه إيمان، ونفاق يستحق به العذاب، فهذا يعاقبه الله ولا يخلده
فى النار ؛ لأن فى قلبه مثقال ذرة أو أكثر من مثقال ذرة من إيمان.
٣٤٨

وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص ، وإذا كان في قلب أحدم شعبة
نفاق عوقب بها إذا لم يعف اللّه عنه، ولم يخلد فى النار، فهؤلاء مسلمون وليسوا
مؤمنين ومعهم إيمان . لكن معهم أيضاً ما يخالف الإيمان من النفاق، فلم تكن
تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين، لاسيما إن كانوا للكفر أقرب
ء
منهم للإيمان، وهؤلاء يدخلون فى اسم الإيمان فى أحكام الدنيا ، كما يدخل
المنافق المحض وأولى ؛ لأن هؤلاء معهم إيمان يدخلون به فى خطاب الله
بـ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ) ، لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهي لهم عما يضرهم، وم
محتاجون إلى ذلك ، ثم إن الإيمان الذي معهم إن اقتضى شمول لفظ الخطاب لهم
فلا كلام ، وإلا فليسوا بأسوأ حالاً من المنافق المحض ، وذلك المنافق يخاطب
بهذه الأعمال وتنفعه فى الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة ، ويتميز بها
عن سائر الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها فى الدنيا ، لكن وقت الحقيقة يضرب
يُنَادُونَهُمْ
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍلَّهُ بَابٌ بَاطِنُ وفِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
أَمْ نَكُن ◌َّعَكُمْ قَالُواْبَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ
فَالْيَوْمَ لَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ
*
أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
النَّارِ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَبِنْسَ الْمَصِيُ
) وقد قال تعالى: ( إِنَّالْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ
بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا
عَظِيمًا ).
فإذا عمل العبد صالحاً لله: فهذا هو الإسلام الذي هو دين الله، ويكون
٣٤٩

معه من الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة؛ ثم إن كان معه من الذنوب
ما يعذب به عذب وأخرج من النار ؛ إذا كان فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان
وإن كان معه نفاق؛ ولهذا قال تعالى فى هؤلاء: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ
يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَا عَظِيمًا ) فلم يقل: إنهم مؤمنون بمجرد هذا، إذ لم يذكر
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، بل ثم معهم ، وإنما ذكر العمل الصالح
وإخلاصه لله ، وقال: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) فيكون لهم حكمهم.
وقد بين تفاضل المؤمنين فى مواضع أخر ، وإنه من أتى بالإيمان الواجب
استحق الثواب ، ومن كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر ، فذاك من أهل الوعيد،
وإيمانه ينفعه الله به : ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن
لا يستحق به الاسم المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب. وتمام هذا أن الناس
قد يكون فيهم من معه شعبة من شعب الإيمان ، وشعبة من شعب الكفر
أو النفاق، ويسمى مسلماً ، كما نص عليه أحمد.
وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان ، وشعبة
من شعب النفاق ؛ وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن
الإسلام بالكلية ، كما قال الصحابة : ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا
قول عامة السلف ، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال فى السارق ،
والشارب، ونحوهم ممن قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بمؤمن)).
إنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم
الإيمان مع إثبات اسم الإسلام ، وبأن الرجل قد يكون مسلماً ومعه كفر
٣٥٠

لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر، كما قال ابن عباس وأصحابه فى قوله :
(وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ) قالوا: كفر لا ينقل عن الملة،
وکفر دون کفر ، وفسق دون فسق ، وظلم دون ظلم .
وهذا أيضاً مما استشهد به البخاري فى («صحيحه» فإن كتاب ((الإيمان)»
الذي افتتح به ((الصحيح)) قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وضمنه الرد على
المرجئة، فإنه كان من القائمين بنصر السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين
لهم بإحسان .
وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين فى الظاهر يجري على المنافقين،
لأنهم استسلموا ظاهراً. وأنوا بما أنوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة،
والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر ، والجهاد الظاهر ، كما كان النبى يجري عليهم
أحكام الإسلام الظاهر ، واتفقوا على أنه من لم يكن معه شىء من الإيمان فهو
كما قال تعالى: (إِنَّ الْنُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ )، وفيها قراءتان (درْك
ودرَك) قال أبو الحسين بن فارس: الجنة درجات ، والنار دركات. قال الضحاك:
الدرج : إذا كان بعضها فوق بعض . والدرك : إذا كان بعضها أسفل من بعض،
فصار المظهرون للإسلام بعضهم فى أعلى درجة فى الجنة وهو رسول الله صلى الله
عليه وسلم، كما قال فى الحديث الصحيح: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول،
ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو
أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم
٣٥١

القيامة)) وقوله: صلى الله عليه وسلم: ((وأرجو أن أكون)) مثل قوله: ((إني
لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده)) ولا ريب أنه أخشى الأمة اللّه
وأعلمهم بحدوده.
وكذلك قوله: («اختبأت دعوني شفاعة لأمتى يوم القيامة فهى نائلة
إن شاء اللّه من مات لا يشرك بالله شيئاً)). وقوله: (( إني لأرجو أن تكونوا
نصف أهل الجنة )) وأمثال هذه النصوص ، وكان يستدل به أحمد وغيره على
الاستثناء فى الإيمان كما نذكره فى موضعه .
والمقصود أن خير المؤمنين فى أعلى درجات الجنة ، والمنافقون فى الدرك
الأسفل من النار ، وإن كانوا فى الدنيا مسلمين ظاهراً تجري عليهم أحكام
الإسلام الظاهرة؛ فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلماً ، إذ ليس هو دون
المنافق المحض ، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان ، بل اسم المنافق
أحق به ، فإن ما فيه بياض وسوادوسواده أكثر من بياضه هو باسم الأسود أحق
منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) وأما إذا كان
إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن أيضاً من المؤمنين الموعودين
بالجنة ، وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن أحمد ، ولم أره أنا فيما بلغني من
كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه. وقال محمد بن نصر: وحكى غير هؤلاء
عن أحمد أنه قال: من أتى هذه الأربعة: الزنا والسرقة وشرب الخمر ، والهبة
التى يرفع الناس فيها أبصارهم إليه ، أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه
٣٥٢

مؤمناً ، ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمناً ناقص الإيمان ، فإن صاحب هذا
القول يقول: لما نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان ، نفيته عنه كما نفاه عنه
الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا
فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه
للكبائر ، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر ، فما أتى بالإيمان
الواجب ، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها ، ونقصت بذلك درجته
عمن لم يأت بذلك.
وأما الذين نفى عنهم الرسول الإيمان ، فننفيه كما نفاه الرسول ، وأولئك
وإن كان معهم التصديق وأصل الإيمان فقد تركوا منه ما استحقوا لأجله سلب
الإيمان، وقد يجتمع فى العبد نفاق وإيمان، وكفر وإيمان ، فالإيمان المطلق عند
هؤلاء ما كان صاحبه مستحقاً للوعد بالجنة.
وطوائف (أهل الأهواء)) من الخوارج والمعتزلة، والجهمية والمرجئة، كراميهم
وغير كراميهم يقولون : إنه لا يجتمع فى العبد إيمان ونفاق ، ومنهم من يدعي
الإجماع على ذلك، وقد ذكر أبو الحسن فى بعض كتبه الإجماع على ذلك ومن
هنا غلطوا فيه وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان
مع مخالفة صريح المعقول؛ بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد،
وقالوا : لا يجتمع فى الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب ، ومعصية
يستحق بها العقاب ولا يكون الشخص الواحد محموداً من وجه مذموماً من
٣٥٣

وجه، ولا محبوباً مدعواً له من وجه مسخوطاً ملعوناً من وجه ، ولا يتصور أن
الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعاً عندهم بل من دخل إحداهما لم يدخل
الأخرى عنده، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة فى أحد من
أهل النار. وحكى عن غالية المرجئة أنهم وافقوم على هذا الأصل، لكن هؤلاء
قالوا : إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك.
وأما أهل السنة والجماعة والصحابة ، والتابعون لهم بإحسان ؛ وسائر
طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء
والكرامية والكلابية والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم ، فيقولون :
إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك
الأحاديث الصحيحة ، وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها ، وله حسنات
دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق، فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا فى
حكمه؛ لكن تنازعوا فى اسمه. فقالت المرجئة: جهميتهم وغير جهميتهم: هو
مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولو لا
ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين وهل يطلق عليه
اسم مؤمن ؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل . فإذا سئل عن أحكام
الدنيا كعتقه فى الكفارة . قيل : هو مؤمن وكذلك إذا سئل عن دخوله فى
خطاب المؤمنين .
وأما إذا سئل عن حكمه فى الآخرة . قيل : ليس هذا النوع من المؤمنين
٣٥٤

الموعودين بالجنة ، بل معه إيمان يمنعه الخلود فى النار ويدخل به الجنة بعد أن
يعذب فى النار إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال : هو مؤمن بإيمانه
فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان ، والذين لا يسمونه مؤمناً من أهل السنة
ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافى اسم الإيمان لقوله: (بِئْسَ الِاسْمُ
الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ ) وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنَا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ) وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر، ومعه
إيمان أيضاً ، وعلى هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فى تسمية كثير من
الذنوب كفراً، مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان
فلا يخلد فى النار . كقوله ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله: ((لا ترجعوا
بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) وهذا مستفيض عن النبى صلى الله
عليه وسلم فى ((الصحيح)) من غير وجه ، فإنه أمر فى حجة الوداع أن ينادى به
فى الناس، فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلاحق كفاراً ؛ وسمى
هذا الفعل كفراً؛ ومع هذا فقد قال تعالى: (وَإِنْ طَا ◌ِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا) إلى قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) فبين أن هؤلاء لم يخرجوا
من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة . كما قال بعض
الصحابة: کفر دون کفر. وكذلك قوله: (من قال لأخیه یا کافر! فقد باءبها
أحدهما)) فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج
أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه، بل فيه كفر.
٣٥٥

وكذلك قوله في الحديث الصحيح: « ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو
يعلمه إلا كفر)) وفي حديث آخر: (( كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق)»
وكان من القرآن الذي نسخ لفظه: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن
ترغبوا عن آبائكم)) فإن حق الوالدين مقرون بحق الله في مثل قوله:
( أَنِ اشْكُرْلِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَّالْمَصِيرُ) وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّتَعْبُدُ وَاْإِلَّ إِيَّاهُ
وَبِأَلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا ) فالوالد أصله الذي منه خلق، والولد من كسبه. كما قال:
(مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَاكَسَبَ) فالجحد لهما شعبة من شعب الكفر، فإنه جحد
لما منه خلقه ربه، فقد جحد خلق الرب إياه ، وقد كان في لغة من قبلنا يسمى
الرب أباً ، فكان فيه كفر بالله من هذا الوجه ، ولكن ليس هذا كمن جحد
الخالق بالكلية ، وسنتكلم إن شاء الله على سائر الأحاديث.
والمقصود هنا ذكر ((أصل جامع)) تنبنى عليه معرفة النصوص، ورد
ما تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة ، فإن الناس كثر نزاعهم فى مواضع في
مسمى الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما ، وكثرة كلام الناس فيهما ، والاسم
كما كثر التكلم فيه، فتكلم به مطلقاً ومقيداً بقيد، ومقيد بقيد آخر فى
موضع آخر. كان هذا سبباً لاشتباه بعض معناه، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه
عليه ذلك . ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع
بعضه ، ويكون ما سمعه مقيداً بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى ، فيظن معناه فى سائر
موارده كذلك ؛ فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة ، وعلم مأخذ
٣٥٦

الشبه أعطى كل ذي حق حقه ، وعلى أن خير الكلام كلام الله ، وأنه لا بيان
أتم من بيانه ، وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف
أضعاف ما تنازعوا فيه .
فالمسلمون : سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر ، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج
ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة ؛ ولا يعذب، وعلى
أن من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فهو كافر
وأمثال هذه الأمور التى هي أصول الدين وقواعد الإيمان التى اتفق عليها
المنتسبون إلى الإسلام والإيمان ، فتنازعهم بعد هذا فى بعض أحكام الوعيد أو
بعض معانى بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه ، مع أن المخالفين
للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة ؛ مشهود
عليهم بالضلالة ؛ ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام ، كالخوارج
والروافض والقدرية ونحوم ، وإنما تنازع أهل العلم والسنة فى أمور دقيقة تخفى
على أكثر الناس ؛ ولكن يجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله . والرد إلى
الله ورسوله في ((مسألة الإسلام، والإيمان)) يوجب أن كلا من الاسمين وإن
كان مسماه واجباً لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمناً، مسلماً . فالحق
في ذلك ما بينه النبى * فى حديث جبريل، فجعل الدين وأهله ((ثلاث طبقات)):
أولها : الإسلام، وأوسطها الإيمان، وأعلاها الإحسان، ومن وصل إلى العليا
٣٥٧

فقد وصل إلى التى تليها . فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم ؛ وأما المسلم فلا يجب
أن يكون مؤمناً .
وهكذا جاء القرآن ، فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة . قال تعالى:
ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
)
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فالمسلم الذي لم يقم
بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه ، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى
الواجب وترك المحرم ؛ والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه .
وقد ذكر الله سبحانه تقسيم الناس فى المعاد إلى هذه الثلاثة فى سورة (الواقعة)
و (المطففين) و (هل أتى) وذكر الكفار أيضاً، وأما هنا فجعل التقسيم
للمصطفين من عباده.
وقال أبو سليمان الخطابى: ما أكثر ما يغلط الناس فى ((هذه المسألة))
فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة ، والإيمان العمل ، واحتج بالآية، وذهب
غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد. فاحتج بقوله: ( فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ
) قال الخطابي : وقد
فَاوَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
تكلم رجلان من أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول واحد من هذين
ورد الآخر منهما على المتقدم ، وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المائتين . قال
الخطابي: والصحيح من ذلك ، أن يقيد الكلام فى هذا، ولا يطلق ؛ وذلك
أن المسلم قد يكون مؤمناً فى بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً فى بعضها، والمؤمن
٣٥٨

مسلم فى جميع الأحوال ، فكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمناً ، وإذا
حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات ، واعتدل القول فيها، ولم
يختلف شيء منها .
((قلت)): الرجلان اللذان أشار إليهما الخطابى، أظن أحدها- وهو السابق-
محمد بن نصر ، فإنه الذي علمته بسط الكلام فى أن الإسلام والإيمان شيء واحد
من أهل السنة والحديث ، وما علمت لغيره قبله بسطاً فى هذا. والآخر الذى
رد عليه أظنه .. (١) لكن لم أقف على رده؛ والذى اختاره الخطابي هو قول من
فرق بينهما ، كأبى جعفر ، وحماد بن زيد ، وعبد الرحمن بن مهدى ، وهو
قول أحمد بن حنبل وغيره ؛ ولا علمت أحداً من المتقدمين خالف هؤلاء، فجعل
نفس الإسلام نفس الإيمان ؛ ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذى قاله
هؤلاء كماذكره الخطابى.
وكذلك ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهاني وابنه محمد شارح ((مسلم))
وغيرهما أن المختار عند أهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن
كما دل عليه النص، وقد ذكر الخطابي: فى ((شرح البخاري )) كلاماً يقتضى
تلازمهما مع افتراق اسميهما، وذكره البغوي في ((شرح السنة)) فقال: قد
جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل
الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس كذلك، لأن الأعمال ليست من الإيمان
(١) بياض بالأصل.
٣٥٩

والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل الجملة هي كلها شيء
واحد وجماعها الدين ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (( هذا جبريل جاءكم
يعلمكم دينكم)) والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإسلام والإيمان جميعاً؛ يدل
عليه قوله تعالى: (إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللّهِالْإِسْلَمُ) وقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ
اَلْإِسْلَمَ دِينًا) وقوله: (وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَئِدِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) فبين أن
الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين فى محل
الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل .
((قلت )) : تفريق النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل وإن اقتضى
أن الأعلى هو الإحسان والإحسان يتضمن الإيمان ، والإيمان يتضمن الإسلام،
فلا يدل على العكس ولو قدر أنه دل على التلازم فهو صريح بأن مسمى هذا
ليس مسمى هذا ، لكن التحقيق أن الدلالة تختلف بالتجريد والاقتران كما قد
بيناه، ومن فهم هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة فى كثير من المواضع حاد عنها
طوائف - ((مسئلة الإيمان)) وغيرها - وما ذكره من أن الدين لا يكون
فى محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل ، يدل على أنه لا بد مع
العمل من الإيمان ؛ فهذا يدل على وجوب الإيمان مطلقاً ، لكن لا يدل
على أن العمل الذى هو الدين ، ليس اسمه إسلاماً ، وإذا كان الإيمان شرطاً
فى قبوله لم يلزم أن يكون ملازماً له ؛ ولو كان ملازماً له لم يلزم أن يكون
جزء مسماه .
٣٦٠