Indexed OCR Text
Pages 181-200
هل دخل هذا العمل فى هذا الاسم. وقال: (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) فألزم الاسم العمل والعمل الاسم . والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل ، لا على إيمان خال عن عمل ، فإذا عرف أن النم والعقاب واقع فى ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه ، بل يكون نزاعا لفظياً مع أنهم مخطئون فى اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة، وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح ؛ وبعض الناس يحكى هذا عنهم وأنهم يقولون : إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ولا يضرم تركها ، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معيناً أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس یحکونه فی الکتب ولا یعینون قائله، وقد یکون قول من لا خلاق له ؛ فإن كثيراً من الفساق والمنافقين يقولون: لايضر مع الإيمان ذنب أو مع ء التوحيد ، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا . ويدل على ذلك قوله تعالى فى آخر الآية (أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُنَّقُونَ ). فقوله صدقوا أي فى قولهم: آمنوا؛ كقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ) إلى قوله: ( إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ) أي م الصادقون فى قولهم: آمنا بالله، بخلاف إِذَا جَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الکادبین الذین قال الله فيهم: ( ١٨١ وقال تعالى : وَاللَّهُيَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّالْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ * ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوايَكْذِبُونَ)، وفى(يَكْذِبُونَ) قراءتان مشهورتان فإنهم كذبوا فى قولهم : آمنا بالله واليوم الآخر، وكذبوا الرسول فى الباطن وإن صدقوه فى الظاهر، وقال تعالى: ( الّ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْأَنْ يَقُولُواْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الَّهُالَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ ) فبين أنه لابد أن يفتن الناس أي يمتحنهم ويبتليهم ويختبرهم. يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتميزه مما اختلط به ، ومنه قول موسى : (إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَنُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ) أي محنتك واختبارك وابتلاؤك. كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره ، وابتليتهم بإرسال الرسل وإزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر والصادق من الكاذب والمنافق من المخلص فتجعل ذلك سبباً لضلالة قوم وهدي آخرين . والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق ، والمنافقين بالكذب لأن الطائفتين قالتا بألسنتهما : آمنا ، فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن قال بلسانه ما ليس فى قلبه فهو كاذب منافق، قال تعالى: ( وَمَآَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَّقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ * تَعَالَوْاْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوٍ أَدْفَعُواْ قَالُوْ لَوْنَعْلَمُ قِتَالًا لََّ تَبَعْنَكُمْهُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَبِذٍ ( أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّالَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ١٨٢ فلما قال فى آية البر: (أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) دل على أن المراد صدقوا فى قولهم : آمنا ، فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا يقولونه . ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا: نحن أبرار أو بررة؛ بل إذا قال الرجل : أنا بر فهذا مزك لنفسه ، ولهذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة فقيل: تزكي نفسها، فسماها النبى صلى الله عليه وسلم زينب؛ بخلاف إنشاء الإيمان بقولهم: ((آمنا) فإن هذا قد فرض عليهم أن يقولوه، قال تعالى (قُولُواْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) وكذلك فى أول آل عمران (قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ عَلَىّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاُلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ). وقال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) فقوله: (لَا نُفَرِّقُ) دليل على أنهم قالوا: آمنا ولا نفرق، ولهذا قال: (وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) جمعوا بين قولهم: آمنا وبين قولهم: سمعنا وأطعنا، وقد قال فى آية البر: (وَأُوْلَكَ هُمُ اُلْمُتَّقُونَ) فجعل الأبرار هم المتقين عند الإطلاق والتجريد، وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد فى قوله: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى ) ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ومسمى البر ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد ، فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار . ١٨٣ ولهذاجاء فى أحاديث الشفاعة الصحيحة: ((يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان))، وفى بعضها: (( مثقال ذرة من خير)) وهذا مطابق لقوله تعالى ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ . * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ) وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان ، وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأنقياء م أهل السعادة المطلقة ، وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب، وهؤلاء الذين قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا )) فإنه ليس من هؤلاء ؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم . ١٨٤ فصل وهذا النوع من نمط ((أسماء الله، وأسماء كتابه ، وأسماء رسوله، وأسماء دينه» قال الله تعالى: (قُلِ أَدْعُوْاللَّهُ أَوِ اَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّاتَدْ عُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وقال تعالى: (وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَّبِهِ ) وقال الله تعالى: ( هُوَ اللَّهُالَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَإِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اُلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِِّّلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَيِّعُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فأسماؤه كلها متفقة فى الدلالة على نفسه المقدسة ، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته . ليس هو المعنى الذى دل عليه الاسم الآخر ؛ فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه ، والرحيم يدل على نفسه مع رحمته ، ونفسه تستلزم جميع صفاته ، فصاركل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة ، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم . وهكذا(أسماء كتابه) القرآن، والفرقان، والكتاب والهدى، والبيان، والشفاء ١٨٥ والنور، ونحو ذلك هي بهذه المنزلة. وكذلك ((أسماء رسوله)): محمد، وأحمد والماحي، والحاشر، والمقفي، ونبى الرحمة، وفى التوبة، ونى الملحمة، كل اسم يدل على صفة من صفاته المدوحة غير الصفة الأخرى، وهكذا مايثنى ذكره من القصص فى القرآن كقصة موسى وغيرها ، ليس المقصود بها أن تكون سمرا؛ بل المقصود بها أن تكون عبراً كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) فالذى وقع شيء واحد وله صفات ، فيعبر عنه بعبارات متنوعة كل عبارة تدل على صفة من الصفات التى يعتبر بها المعتبرون ، وليس هذا من التكرير فى شيء. وهكذا ((أسماء دينه)) الذى أمر الله به ورسوله يسمى إيماناً، وبراً، وتقوى، وخيراً، وديناً، وعملاً صالحاً، وصراطاً مستقيماً، ونحو ذلك ؛ وهو فى نفسه واحد، لكن كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة التى يدل عليها الآخر ، وتكون تلك الصفة هى الأصل فى اللفظ والباقى كان تابعاً لها لازماً لها ثم صارت دالة عليه بالتضمن، فإن ((الإيمان)) أصله الإيمان الذي فى القلب، ولا بد فيه من ((شيئين)»: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب. قال ((الجنيد بن محمد)): التوحيد: قول القلب. والتوكل: عمل القلب ، فلا بد فيه من قول القلب ، وعمله ؛ ثم قول البدن وعمله، ولا بد فيه من عمل القلب ، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التى أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان . ١٨٦ ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب)). وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده ، وقول أبي هريرة تقريب . وقول النبى صلى الله عليه وسلم أحسن بياناً، فإن الملك وإن كان صالحاً فالجند لهم اختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس ، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه؛ بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد)». فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علما وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر ، وإذا فسد فسد ؛ ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلى العابث : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، فلا بد فى إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال الله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ ١٨٧ كَحُبٍّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ ) فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبالله من المشركين لأندادم. وفى الآية ((قولان)): قيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله، والذين آمنوا أشد حباً لله منهم لأوثانهم . وقيل: يحبونهم كما يحبون الله، والذين آمنوا أشد حباً لله منهم، وهذا هو الصواب؛ والأول قول متناقض وهو باطل ، فإن المشركين لا يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله، وتستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محباً لله ورسوله؛ مريداً لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله ، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس فى قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله علیه . ومن هنا يظهر خطأ قول (( جهم بن صفوان)) ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه ، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان ، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمناً كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادى الله ورسوله ويعادى أولياء الله، ويوالى أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة ، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافى الإيمان الذي في قلبه ، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن قالوا : وإنما ثبت له فى الدنيا أحكام الكفار، لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم ١٨٨ بالإقرار والشهود ، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود ، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة ، قالوا : فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟ . وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل فى ((الإيمان)) فقد ذهب إليه كثير من ((أهل الكلام المرجئة)). وقد كفر السلف- كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبى عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول . وقالوا : إبليس كافر بنص القرآن وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبراً. وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: (وَحَحَدُ واْيِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) وقال موسى عليه السلام لفرعون: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ ) بعد قوله: (وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتِ بَيِّنَتِّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَّهِ يِلَ إِذْجَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ). فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلََّرَبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ ). فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات وهو ١٨٩ من أكبر خلق الله عناداً وبغياً لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه. قال تعالى: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَاِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ ) وقال تعالى: ( وَحَحَدُواِها وَيَسْتَخِيِنِسَاءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا ). وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم : ( الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ). وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: (فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالَّلِينَ بَِايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ). فهؤلاء غلطوا في ((أصلين)): (أحدهما): ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلى فقط ، ليس معه عمل ، وحال ، وحركة، وإرادة، ومحبة ، وخشية فى القلب ؛ وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقاً، فإن ((أعمال القلوب)) التى يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب ، وفيها ما أحبه ولم يفرضه ، فهو من الإيمان المستحب ، فالأول لا بد لكل مؤمن منه ، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين ، ومن فعله وفعل الثانى كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله ، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إليه من أهله وماله ، ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين ، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين ، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين ، والإنابة إليه ١٩٠ مع خشيته كما قال تعالى: (هَذَامَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) ومثل الحب فى الله والبغض فى الله والموالاة لله والمعاداة لله . و (الثاني): ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد فى النار ، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق . وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع ، وما أجمع عليه طوائف بنى آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار ؛ فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه ، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس ، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه ويرد ما يقول بكل طريق ، وهو فى قلبه يعلم أن الحق معه ، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة ، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون فى اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم ، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون ، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق . ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح فى صدق الرسل ، إنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: ( أَنْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح فى صدقه ؛ لكن كرهوا مشاركة أولئك، ١٩١ كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم، إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبى وقاص ، وابن مسعود، وخباب بن الأرت ، وعمار بن ياسر ، وبلال ومحوم ، وكان ذلك بمكة قبل أن يكون فى الصحابة أهل الصفة ، فأنزل الله تبارك وتعالى: ( وَلَ تَطْرُِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةَ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنََّبَعْضَهُمْ بِبَعْضٍلِيَقُولُواْأَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اَللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ). ومثل قول فرعون: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ ) وقول فرعون: (أَمَنُرَبِّكَ فِيِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُرَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ ) ومثل قول مشركي العرب: (إِن تَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَاً ) قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمَاءَامِنَّا يُحْبِىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ ) ومثل قول قوم شعيب له: (أَصَلَوْتُكَ تَأْمُ ◌َ أَن كُلِّ شَىْءٍرِّزْقَامِّنَُّنَا تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَ لِنَا مَا نَشَتَؤُأ) ومثل قول عامة المشركين: (إِنَّا وَجَدْ نَآءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّءَاثَِّهِمْ مُقْتَدُونَ ). وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح فى صدق الرسل ، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم، فلذلك لم يتبعوم، وهؤلاء كلهم كفار ، بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن فى ١٩٢ متابعته فراق دين آبائهم وم قريش لهم ، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا النم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به ؛ بل لهوى النفس، فكيف يقال: إن كل كافر إنماكفر لعدم علمه بالله. ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا : هو لا يعرف أن الله موجود حق ، والكفر عندم ليس هو الجهل بأي حق كان ؛ بل الجهل بهذا الحق العين. ونحن والناس كلهم يرون خلقا من الكفاريعرفون فى الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان ، إما معاداة أهلهم وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم ، وإما خوفهم إذا آمنوا ألا يكون لهم حرمة عند المسلمين كرمتهم فى دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التى يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق ، ودينهم باطل. وهذا موجود فى جميع الأمور التى هي حق ، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو فى الظاهر يجحد ذلك ، ويعادي أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة. قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُ واْالْيَهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَهُمْ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّمِينَ * فَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ج مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِأَلْفَتْحِ أَوْأَمْرِ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمّ إِنَّهُمَْعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ). ١٩٣ والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفى قلبه مرض ، خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي فى قلوبهم ؛ لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب ، واليهود والنصارى صادقون، وأشهر النقول فى ذلك أن عبادة بن الصامت قال: يارسول الله إن لى موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال : عبد الله بن أبي: لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية . ((والمرجئة)) الذين قالوا : الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها: ولم يكن قولهم مثل قول جهم ؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمناً إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه . وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم ، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب فى الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم ، فإنهم رأوا أن الله قد فرق فى كتابه بين الإيمان والعمل ؛ فقال فى غير موضع: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ) ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ). (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِى لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ). ١٩٤ وقالوا : لو أن رجلاً آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال مات مؤمناً، وكان من أهل الجنة ، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان. وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كما أنزل الله آية وجب التصديق بها ، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله ؛ لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقى الإيمان يتفاضل عندهم ، بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان السابقين الأولين كأبى بكر وعمر ، وإيمان أخبر الناس كالحجاج وأبى مسلم الخراسانى وغيرها. والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون : إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا، لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه، ولأنها دليل عليه ، ويقولون: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)»: مجاز. (والمرجئة ثلاثة أصناف)): الذين يقولون : الإيمان مجرد ما في القلب ، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم فى كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم، ومنهم من لا يدخلها فى الإيمان كبهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. و(«القول الثانى من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، ((والثالث)) تصديق القلب وقول اللسان ، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه : ١٩٥ (أحدها): ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل فى حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص ، وليس الأمر كذلك فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأوجب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً، فإنه لا بد فى الإيمان من تصديق الرسول فى كل ما أخبر ، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك . وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر ، وأمر أمر مالا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر. و((أيضاً)) لو قدر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به ، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه ، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل فى الزكاة . ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك ، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من الإيمان تصديقا وعملاً على أشخاص مالا يجب على آخرين. وبهذا يظهر الجواب عن قولهم : خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال . فنقول: ١٩٦ إن قلتم : إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال ، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان ، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين، ولهذا قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ) ولهذا لم يجئ ذكر الحج فى أكثر الأحاديث التى فيها ذكر الإسلام والإيمان ، حديث وفد عبد القيس، وحديث الرجل النجدي الذي يقال له : ضمام بن ثعلبة وغيرهما ، وإنما جاء ذكر الحج فى حديث ابن عمر وجبريل ، وذلك لأن الحج آخر مافرض من الخمس ، فكان قبل فرضه لا يدخل فى الإيمان والإسلام ، فلما فرض أدخله النبى صلى الله عليه وسلم فى الإيمان إذا أفرد، وأدخله فى الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكرإن شاء الله متى فرض الحج. وكذلك قولهم : من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمناً، فصحيح لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه ، والعمل لم يكن وجب عليه بعد، فهذا مما يجب أن يعرف ، فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين. فإذا قيل : الأعمال الواجبة من الإيمان . فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئاً واحداً فى حق جميع الناس . وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان ، أي من الإيمان الكامل بالمستحبات . ليست من الإيمان الواجب . ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل ١٩٧ بالمستحبات كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل . فالمجزئ : ما أتى فيه بالواجبات فقط . والكامل : ما آتى فيه بالمستحبات . ولفظ الكال قد يراد به الكمال الواجب . وقد يراد به الكمال المستحب. وأما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل فى مواضع ، فهذا صحيح. وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها . وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة. وذلك لأن أصل الإيمان هو ما فى القلب . والأعمال الظاهرة لازمة لذلك . لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح ، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي فى القلب ؛ فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله ما فى القلب ؛ وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة . ثم للناس فى مثل هذا قولان : منهم من يقول : المعطوف دخل فى المعطوف عليه أولاً. ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصاً له ، لئلا يظن أنه لم يدخل فى الأول ، وقالوا: هذا فى كل ما عطف فيه خاص على عام، كقوله: (مَن كَانَ عَدُوَّا لِلّهِ وَمَلَتَبِ كَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَ مِن نُِّجِ وَإِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ ) وقوله: ( وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْبِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اَلْحَقُّ مِن ◌َّهِمْ ) فحص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ ) وهذه نزلت فى الصحابة ١٩٨ وغيرهم من المؤمنين. وقوله: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى) وقوله: ( وَمَآ أُمِرُ وَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ ) والصلاة والزكاة من العبادة، فقوله: (ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ) الزَّكَوَ كقوله: ( وَمَا أُمِرُ واْإِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ خُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ ). فإنه قصد ((أولاً)) أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة والزكاة ليعلم أنهما عبادنان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة دونهما ، وكذلك يذكر الإيمان أولاً لأنه الأصل الذي لابد منه. ثم يذكر العمل الصالح فإنه أيضاً من تمام الدين لا بد منه ، فلا يظن الظان اكتفاءه بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح ، وكذلك قوله: ( الّمّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَارَيْبَ فِهِ هُدَى لِّلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَارَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ * أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). وقد قيل: إن هؤلاء ف أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل على من قبله، كابن سلام ونحوه ، وإن هؤلاء نوع غير النوع المتقدم الذين يؤمنون بالغيب ، وقد قيل : هؤلاء جميع المتقدمين الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالغيب وهم صنف واحد ، وإنما عطفوا التغاير الصفتين كقوله: ( سَيِّحِ أَسْمَرَّكَ الْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى ١٩٩ وَاُلَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى * فَجَعَلَهُنَّاءَ أَحْوَى )؛ فهو سبحانه واحد وعطف * بعض صفاته على بعض، وكذلك قوله: ( وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى)، وهي صلاة العصر . والصفات: إذا كانت معارف كانت للتوضيح وتضمنت المدح أو الفم . تقول : هذا الرجل هو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا ، وهو الذي فعل كذا تعدد محاسنه، ولهذا مع الإتباع قد يعطفونها وينصبون، أو يرفعون ، وهذا القول هو الصواب، فإن المؤمنين بالغيب إن لم يؤمنوا بما أزل إليه وما أزل من قبله لم يكونوا على هدى من ربهم ولا مفلحين ولا متقين ، وكذلك الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله إن لم يكونوا من الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون، لم يكونوا على هدى من ربهم، ولم يكونوا مفلحين، ولم يكونوا متقين ، فدل على أن الجميع صفة المهتدين المتقين الذين اهتدوا بالكتاب المنزل إلى محمد ، فقد عطفت هذه الصفة على تلك مع أنها داخلة فيها ، لكن المقصود صفة إيمانهم، وأنهم يؤمنون بجميع ما أزل الله على أنبيائه، لا يفرقون بين أحد منهم ؛ وإلا فإذا لم يذكر إلا الإيمان بالغيب ، فقد يقول: من يؤمن ببعض ويكفر ببعض : نحن نؤمن بالغيب. ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن؛ ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة ، افتحها الله بأربع آيات فى صفة المؤمنين ، وآيتين فى صفة الكافرين وبضع عشرة آية فى صفة المنافقين ، فإنه من حين هاجر النبى صلى الله عليه وسلم ٢٠٠