Indexed OCR Text

Pages 81-100

على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة)). وفى ((الصحيحين)) عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ، ولاهم ولا حزن
ولاغم ولا أذى، حتى الشوكة يشأكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه)»، وفي
حديث سعد بن أبي وقاص، قلت : يارسول الله! أي الناس أشد بلاء ؟ قال:
«الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه،
فإن كان فى دينه صلابة ، زيد فى بلائه ، وإن كان في دينه رقة ؛ خفف عنه
ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)) رواه أحمد
والترمذي وغيرهما. وقال: ((المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه، كما تحط
الشجرة اليابسة ورقها )) والأحاديث فى هذا الباب كثيرة .
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة ؛ كان له الأمن التام ، والاهتداء التام.
ومن لم يسلم من ظلمه نفسه ؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقاً، بمعنى أنه لا بد أن
يدخل الجنة كما وعد بذلك فى الآية الأخرى ، وقد هداه إلى الصراط المستقيم
الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب
ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ((إنما
هو الشرك)) أن من لم يشرك الشرك الأكبر، يكون له الأمن التام، والاهتداء
التام . فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون
للخوف، لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين
إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم ؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى
٨١

هذا الصراط ، ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة . وقول
النبى صلى الله عليه وسلم((إنما هو الشرك)) إن أراد به الشرك الأكبر، فمقصوده
أن من لم يكن من أهله، فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة
وهو مهند إلى ذلك. وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه
كبخله لحب المال ببعض الواجب ؛ هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى
يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ، ونحو ذلك . فهذا صاحبه قدفاته
من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب فى هذا الظلم
بهذا الاعتبار.
٨٢

فصل
ومن هذا الباب لفظ ((الصلاح))، و((الفساد): فإذا أطلق الصلاح تناول جميع
الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر، كما تقدم فى اسم الصالح ، وكذلك اسم
المصلح والمفسد، قال تعالى في قصة موسى: ( أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا
بِاَلْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَّارًا فِ الْأَرْضِ وَمَاتُرِدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)، (وَقَالَ
مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) وقال
تعالى: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُ وافِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ).
والضمير عائد على المنافقين فى قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ
وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ) وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبي صلى
الله عليه وسلم، ومن سيكون بعده ؛ ولهذا قال سلمان الفارسي : إنه عني بهذه
الآية قوماً لم يكونوا خلقوا حين نزولها، وكذا قال السدي عن أشياخه : الفساد
الكفر والمعاصى . وعن مجاهد: تراد امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والقولان معناهما واحد . وعن ابن عباس: الكفر . وهذا معنى قول من قال :
النفاق الذي صافوا به الكفار وأطلعوم على أسرار المؤمنين. وعن أبي العالية
ومقاتل : العمل بالمعاصي . وهذا أيضاً عام كالأولين .
٨٣

وقولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فسر بإنكار ما أقروا به ، أي : إنا إنما
نفعل ما أمرنا به الرسول. وفسر: بأن الذي نفعله صلاح ، ونقصد به الصلاح
وكلا القولين يروى عن ابن عباس ، وكلاهما حق ، فإنهم يقولون هذا وهذا ،
يقولون الأول لمن لم يطلع على بواطنهم ، ويقولون الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على
بواطنهم . لكن الثانى يتناول الأول ؛ فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف
ما يظهرون ، وهم يرون هذا صلاحا قال مجاهد: أرادوا أن مصافاة الكفار
صلاح لافساد. وعن السدي: إن فعلنا هذا هو الصلاح ، وتصديق محمدفساد
وقيل : أرادوا أن هذا صلاح فى الدنيا ، فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله
عليه وسلم ؛ فقد أمنوا بمتابعته، وإن كانت للكفار؛ فقد أمنوم بمصافاتهم.
ولأجل القولين قيل فى قوله: (أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ )
أي لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح. وقيل : لا يشعرون أن الله يطلح
نبيه على فسادهم . والقول الأول يتناول الثاني ؛ فهو المراد ، كما يدل عليه لفظ
الآية. وقال تعالى ( إِنَّ وَلِقِىَ اللّهُالَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ)
وقال (قَالَ مُوسَى مَاجِئْتُمْ بِهِالسّخْرِّ إِنَّاللَّهَ سَيُّبْطِلُهُ إِنَّ ◌َهَ لَ يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ)
وقول يوسف (تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ).
وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه، كقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَادَ) قيل: بالكفر، وقيل:
بالظلم ؛ وكلاهما صحيح وقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَ يُرِيدُونَ عُلُوًا
٨٤

فِ اْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ) وقد تقدم قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ
أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ). وقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَءِيلَ أَنَّهُ,
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) وقتل
النفس الأول من جملة الفساد ، لكن الحق فى القتل لولي المقتول ، وفى الردة
والمحاربة والزنا؛ الحق فيها لعموم الناس ؛ ولهذا يقال: هو حق لله، ولهذا
لا يعفى عن هذا، كما يعفى عن الأول لأن فساده عام ، قال تعالى (إِنَّمَا
جَزَاؤُأ ◌َلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْأَوْيُصَلَّبُوَأْ
أَوْتُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْخِلَفٍ) الآية. قيل : سبب نزول هذه الآية
العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال. وقيل: سبيه ناس معاهدون
نقضوا العهد وحاربوا . وقيل : المشركون ؛ فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي
العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين. وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول
قطاع الطريق من المسلمين، والآية تتناول ذلك كله؛ ولهذا كان من تاب قبل
القدرة عليه من جميع هؤلاء، فإنه يسقط عنه حق الله تعالى.
وكذلك قرن («الصلاح والإصلاح بالإيمان)) فى مواضع كثيرة، كقوله
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ). (فَمَنْءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَاخَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ) . ومعلوم أن الإيمان أفضل الإصلاح، وأفضل العمل
الصالح، كما جاء فى الحديث الصحيح أنه قيل : يا رسول الله ! أي الأعمال
أفضل؟ قال: ((إِيمان بالله)). وقال تعالى: ( وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
٨٥

صَلِحَا ثُمَّأَهْتَدَى ) . وقال: (إِلََّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) .
وقال: ( إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَتٍ ). وقال فى القذف: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ). وقال في السارق: (فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ
اُللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ). وقال: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَنَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا
وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ). ولهذا شرط الفقهاء فى أحد قوليهم في قبول شهادة
القاذف أن يصلح ، وقدروا ذلك بسنة ، كما فعل عمر بصيغ بن عسل لما
أجله سنة، وبذلك أخذ أحمد فى توبة الداعى إلى البدعة أنه يؤجل سنة ، كما أجل
عمر صيغ بن عسل.
٨٦

فصل
فإن قيل : ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد فى كلام الله
ورسوله، وكلام كل أحد ؛ بين ظاهر لا يمكن دفعه؛ لكن نقول: دلالة لفظ
الإيمان على الأعمال مجاز؛ فقوله صلى الله عليه وسلم:((الإيمان بضع وستون
أو بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق)) مجاز. وقوله: ((الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)) ...
إلى آخره ؛ حقيقة. وهذا عمدة المرجئة ، والجهمية، والكرامية، وكل من لم
يدخل الأعمال فى اسم الإيمان.
ونحن نجيب بجوابين: ((أحدهما)): كلام عام فى لفظ (الحقيقة، والمجاز).
((والثانى)): ما يختص بهذا الموضع. فبتقدير أن يكون أحدهما مجازاً؛ ما هو
الحقيقة من ذلك من المجاز ؟ هل الحقيقة هو المطلق ، أو المقيد، أو كلاهما حقيقة
حتى يعرف أن لفظ الإيمان إذا أطلق على ماذا يحمل ؟.
فيقال أولاً: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى (( حقيقة ، ومجاز))،
وتقسيم دلالتها أو المعانى المدلول عليها ، إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز فى
المدلول أو فى الدلالة ؛ فإن هذا كله قد يقع فى كلام المتأخرين . ولكن المشهور
٨٧

أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ ، وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح
حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة. لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين
لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثوري والأوزاعي
وأبى حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه
وأبى عمرو بن العلاء ونحوهم.
وأول من عرف أنه تكلم بلفظ ((المجاز)) أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه.
ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة. وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن
الآية؛ ولهذا قال من قال من الأصوليين - كأبي الحسين البصري وأمثاله - إنها
تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها : نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا :
هذا حقيقة ، وهذا مجاز ، فقد تكلم بلا علم، فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا،
ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ، ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا
اصطلاح حادث ، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لم
يوجد هذا فى كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم
من السلف .
وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام فى ((أصول الفقه)) لم يقسم
هذا التقسيم))، ولا تكلم بلفظ ((الحقيقة والمجاز)). وكذلك محمد بن
الحسن له فى المسائل المبنية على العربية كلام معروف فى ((الجامع الكبير))
وغيره ؛ ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد
٨٨

لفظ المجاز فى كلام أحد منهم إلا فى كلام أحمد بن حنبل ؛ فإنه قال فى كتاب
الرد على الجهمية فى قوله : (إنا ، ونحن) ونحو ذلك فى القرآن : هذا من مجاز
اللغة ، يقول الرجل: إنا سنعطيك. إنا سنفعل ؛ فذكر أن هذا مجاز اللغة .
وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن فى ((القرآن)) مجازاً ، كالقاضى
أبي يعلى ، وابن عقيل، وأبى الخطاب وغيرهم . وآخرون من أصحابه منعوا أن
يكون فى القرآن مجاز، كأبي الحسن الخرزى . وأبى عبد الله بن حامد. وأبي
الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي ، وكذلك منع أن يكون فى القرآن مجاز،
محمد بن خويز منداد، وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن على، وابنه
أبو بكر ، ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف فيه مصنفاً .
وحكى بعض الناس عن أحمد فى ذلك روايتين . وأما سائر الأمة فلم يقل
أحد منهم، ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن فى القرآن مجازاً ، لا مالك ولا
الشافعي ولا أبو حنيفة ، فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز . إنما اشتهر
فى المائة الرابعة ، وظهرت أوائله فى المائة الثالثة ، وما علمته موجوداً فى المائة الثانية،
اللهم إلا أن يكون فى أواخرها، والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا
بهذا التقسيم . قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة. أى : مما يجوز
فى اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان : نحن فعلنا كذا ونفعل كذا،
ونحو ذلك. قالوا : ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل فى غير ماوضع له.
وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز ، لا فى القرآن ولا غيره ، كأبي
٨٩

إسحاق الإسفرائيني. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي، فإنه إذا سلم أن
فى اللغة لفظاً مستعملاً فى غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا بقرينة؛ فهذا هو
المجاز وإن لم يسمه مجازاً. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا اللفظ: حقيقة،
ومجازاً قالوا: ((الحقيقة)) هو اللفظ المستعمل فيما وضع له. ((والمجاز)) هو اللفظ
المستعمل فى غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار، إذا أريد بهما البهيمة، أو أريد
بهما الشجاع والبليد . وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد
وضع أولا لمعنى، ثم بعد ذلك قد يستعمل فى موضوعه، وقد يستعمل فى غير
موضوعه ؛ ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة
وليس لكل حقيقة مجاز ؟ فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال : اللفظ
الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز ، فإذا استعمل فى غير موضوعه ، فهو
مجاز لا حقيقة له .
وهذا كله إنما يصح لو على أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ، ثم
بعد ذلك استعملت فيها؛ فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال . وهذا إنما
صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، فيدعى أن قوما من العقلاء اجتمعوا
واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا ، وهذا بكذا، ويجعل هذا عاماً في جميع
اللغات. وهذا القول لا نعرف أحداً من المسلمين قاله قبل أبى هاشم بن الجبائي،
فإنه وأبا الحسن الأشعري كلاهما قرأ على أبي على الجبائي، لكن الأشعري رجع
عن مذهب المعتزلة، وخالفهم فى القدر والوعيد، وفى الأسماء والأحكام، وفى
٩٠

صفات الله تعالى، وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه . فتنازع
الأشعري وأبو هاشم فى مبدأ اللغات ؛ فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية ، وقال
الأشعري: هي توقيفية. ثم خاض الناس بعدهما فى هذه المسألة؛ فقال آخرون:
بعضها توقيفي ، وبعضها اصطلاحي ، وقال فريق رابع بالوقف.
والمقصود هنا أنه لا يمكن أحداً أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من
الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ، ثم
استعملوها بعد الوضع ، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ
فيما عنوه بها من المعاني ، فإن ادعى مدع أنه يعلم وضعاً يتقدم ذلك ، فهو
مبطل ، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس. ولا يقال: نحن نعلم ذلك بالدليل ؛ فإنه
إن لم يكن اصطلاح متقدم، لم يمكن الاستعمال.
قيل : ليس الأمر كذلك؛ بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات
ما به يعرف بعضها مراد بعض ، وقد سمي ذلك منطقاً وقولاً فى قول سليمان :
(عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَطَّيْرِ ). وفي قوله: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ )
وفي قوله: (يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ, وَالطَّيْرَ). وكذلك الآدميون ؛ فالمولود إذا ظهر
منه التمييز ، سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ، ويشير إلى المعنى، فصار يفهم
أن ذلك اللفظ يستعمل فى ذلك المعنى ، أى : أراد المتكلم به ذلك المعنى، ثم هذا
يسمع لفظاً بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن
يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم ؛ بل ولا أوقفوه على معاني الأسماء،
٩١

وإن كان أحياناً قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها ، كما يترجم
للرجل اللغة التى لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها ، وإن باشر أهلها مدة على
ذلك بدون توقيف من أحدم .
نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه،
كما يولد لأحدثم ولد فيسميه اسماً إما منقولاً وإما مرجلاً، وقد يكون المسمى
واحداً لم يصطلح مع غيره، وقد يستوون فيما يسمونه. وكذلك قد يحدث للرجل
آلة من صناعة، أو يصنف كتابا، أو يبنى مدينة ونحو ذلك ، فيسمى ذلك باسم
لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة . وقد قال الله
(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ). و (قَالُواْ
أَنْطَقَنَا اَللَّهُالَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ). وقال: (الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَذَّرَفَهَدَى).
فهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق، كما يلهم غيره.
وهو سبحانه إذا كان قد على آدم الأسماء كلها ، وعرض المسميات على
الملائكة، كما أخبر بذلك فى كتابه فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التى
يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة ، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده،
فلا يتكلمون إلا بها فإن دعوى هذا كذب ظاهر ، فإن آدم عليه السلام إنما
ينقل عنه بنوه، وقد أغرق الله عام الطوفان جميع ذريته إلا من في السفينة،
وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح، ولم يكونوا يتكلمون بجميع
ما تكلمت به الأمم بعدهم. فإن (اللغة الواحدة)) كالفارسية ، والعربية، والرومية
والتركية، فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله، والعرب أنفسهم
٩٢

لكل قوم لغات لا يفهمها غيرم، فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك
الذين كانوا في السفينة، وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل ، وإنما النسل لنوح
وجميع الناس من أولاده وم ثلاثة: سام وحام ويافث ، كما قال الله تعالى:
(وَجَعَلْنَاذُرِّيَّتَهُ هُالْبَاقِينَ ). فلم يجعل باقياً إلا ذريته، وكما روى ذلك عن النبى
صلى الله عليه وسلم: ((أن أولاده ثلاثة)). رواه أحمد وغيره.
ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله، ويمتنع نقل ذلك عنهم؛
فإن الذين بعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه، وإذا كان الناقل ثلاثة ؛ فهم قد
علموا أولادهم، وأولادهم علموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت . ونحن نجد
بنى الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى والأب واحد
لا يقال : إنه على أحد ابنيه لغة وابنه الآخر لغة ؛ فإن الأب قد لا يكون له إلا
ابنان ، واللغات فى أولاده أضعاف ذلك .
والذي أجرى الله عليه عادة بنى آدم إنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التى
يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم، فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها فلا
يعلمونها أولادهم. وأيضاً فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من
غيرهم . والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم فى الأسماء التى علمها الله آدم قولان
معروفان عن السلف .
(أحدهما ): أنه إنماعلمه أسماء من يعقل، واحتجوا بقوله: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
الْمَلَئِكَةِ). قالوا: وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل، وما لا يعقل ، يقال
٩٣

فيها : عرضها. ولهذا قال أبو العالية : علمه أسماء الملائكة، لأنه لم يكن حينئذ من
يعقل إلا الملائكة؛ ولا كان إبليس قد انفصل عن الملائكة، ولا كان له ذرية.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : علمه أسماء ذريته ، وهذا يناسب الحديث
الذي رواه الترمذي وصححه عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن آدم سأل ربه
أن يريه صور الأنبياء من ذريته ؛ فرآم فرأى فيهم من يبص . فقال: يارب من
هذا؟ قال: ابنك داود)). فيكون قد أراه صور ذريته؛ أو بعضهم وأسماءهم،
وهذه أسماء أعلام لا أجناس .
(والثاني ) : أن الله علمه أسماء كل شيء، وهذا هو قول الأكثرين،
كابن عباس وأصحابه؛ قال ابن عباس: علمه حتى الفسوة والفسية والقصعة والقصيعة
أراد أسماء الأعراض والأعيان مكبرها ومصغرها . والدليل على ذلك ماثبت فى
((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى حديث الشفاعة: ((إن
الناس يقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه
وعلمك أسماء كل شيء)). وأيضاً قوله: ((الأسماء كلها)) لفظ عام مؤكد ؛ فلا
يجوز تخصيصه بالدعوى. وقوله: ( ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ ) ؛ لأنه اجتمع من
يعقل ومن لا يعقل ، فغلب من يعقل. كما قال: (فَمِنْهُمْ مَّنْ يَمْشِى عَلَىبَطْنِهِ،
). قال عكرمة : علمه
وَمِنْهُمْ مَّنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعِ
اسماء الأجناس دون أنواعها ، كقولك: إنسان وجن وملك وطائر . وقال
مقاتل ، وابن السائب، وابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب
والهوام والطير.
٩٤

ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم ؛ أن أكثر اللغات
ناقصة عن اللغة العربية ، ليس عندم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير
ذلك مما يضاف إلى الحيوان ؛ بل إنما يستعملون فى ذلك الإضافة . فلو كان
آدم عليه السلام علمه الجميع لعلمها متناسبة ، وأيضاً فكل أمة ليس لها كتاب
ليس فى لغتها أيام الأسبوع، وإنما يوجد فى لغتها اسم اليوم والشهر والسنة ؛ لأن
ذلك عرف بالحس والعقل ؛ فوضعت له الأمم الأسماء ؛ لأن التعبير يتبع التصور
وأما الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع، لم يعرف أن الله خلق السموات والأرض
وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش إلا بأخبار الأنبياء الذين شرع لهم
أن يجتمعوا فى الأسبوع يوماً يعبدون الله فيه ويحفظون به الأسبوع الأول
الذي بدأ الله فيه خلق هذا العالم ؛ ففي لغة العرب والعبرانيين ومن تلقى عنهم
أيام الأسبوع ؛ بخلاف الترك ونحوهم ؛ فإنه ليس فى لغتهم أيام الأسبوع ، لأنهم
لم يعرفوا ذلك، فلم يعبروا عنه.
فعلم أن الله ألهم النوع الإنسانى أن يعبر عما يريده ويتصوره بلفظه، وأن
أول من علم ذلك أبوم آدم ، وم علموا كما علم وإن اختلفت اللغات . وقد
أوحى الله إلى موسى بالعبرانية، وإلى محمد بالعربية؛ والجميع كلام الله، وقد بين
الله بذلك ما أراد من خلقه وأمره، وإن كانت هذه اللغة ليست الأخرى ،
مع أن العبرانية من أقرب اللغات إلى العربية، حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض
العجم إلى بعض.
فبالجملة نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك ؛ بل يكفينا أن يقال:
٩٥

هذا غير معلوم وجوده، بل الإلهام كاف فى النطق باللغات من غير مواضعة
متقدمة؛ وإذا سمى هذا توقيفاً ؛ فليسم توقيفاً، وحينئذ فمن ادعى وضعاً متقدماً
على استعمال جميع الأجناس ؛ فقد قال ما لا علم له به. وإنما المعلوم بلا ريب
هو الاستعمال. ثم هؤلاء يقولون : تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ،
فإذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة ، وإذا لم يدل إلا مع القرينة ؛ فهو مجاز ،
وهذا أمر متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم.
ثم يقال ( ثانياً ): هذا التقسيم لا حقيقة له؛ وليس لمن فرق بيهما حد
صحيح يميز به بين هذا وهذا، فعلم أن هذا التقسيم باطل ، وهو تقسيم من لم
يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم؛ فهم مبتدعة فى الشرع ، مخالفون للعقل
وذلك أنهم قالوا: ((الحقيقة)): اللفظ المستعمل فيما وضع له. و ((المجاز)): هو
المستعمل فى غير ما وضع له؛ فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال
وهذا يتعذر. ثم يقسمون الحقيقة إلى لغوية، وعرفية، وأكثرم يقسمها إلى
ثلاث : لغوية ، وشرعية ، وعرفية .
((فالحقيقة العرفية)): هي ما صار اللفظ دالاً فيها على المعنى بالعرف لا باللغة ،
وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي ، وتارة أخص ، وتارة يكون مبايناً له
لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها. فالأول: مثل لفظ ((الرقبة)) و ((الرأس)»
ونحوهما، كان يستعمل فى العضو المخصوص ، ثم صار يستعمل فى جميع البدن.
والثاني مثل لفظ ((الدابة)) ونحوها، كان يستعمل فى كل ما دب، ثم صار
٩٦

يستعمل فى عرف بعض الناس فی ذوات الأربع ، وفی عرف بعض الناس فى
الفرس، وفى عرف بعضهم فى الحمار. والثالث مثل لفظ ((الغائط)) و((الظعينة))
و ((الراوية)) و((المزادة))؛ فإن الغائط فى اللغة هو المكان المنخفض من
الأرض ، فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الإنسان باسم محله
والظعينة اسم الدابة، ثم سموا المرأة التى تركبها باسمها ، ونظائر ذلك.
و ((المقصود)) أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها
ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفي، ثم شاع الاستعمال
فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال ، ولهذا زاد من زاد منهم فى حد الحقيقة فى
اللغة التى بها التخاطب ، ثم م يعلمون، ويقولون: إنه قد يغلب الاستعمال على
بعض الألفاظ ، فيصير المعنى العرفي أشهر فيه ، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه
فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية. واللفظ مستعمل فى هذا الاستعمال
الحادث للعرفي ، وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع
فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح.
وإن قالوا : نعني بما وضع له ما استعملت فيه أولاً ؛ فيقال: من أين يعلم
أن هذه الألفاظ التى كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله ، لم
تستعمل قبل ذلك فى معنى شيء آخر. وإذا لم يعلموا هذا التفى؛ فلا يعلم أنها
حقيقة ، وهذا خلاف ما اتفقوا عليه . وأيضاً فيلزم من هذا ألا يقطع بشيء
من الألفاظ أنه حقيقة ، وهذا لا يقوله عاقل .
٩٧

ثم هؤلاء الذين يقولون هذا، نجد أحدهم يأتي الى ألفاظ لم يعلم أنها
استعملت إلا مقيدة، فينطق بها مجردة عن جميع القيود، ثم يدعي أن ذلك هو
حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة، ولا وضعت مجردة، مثل أن
يقول حقيقة العين هو العضو المبصر ، ثم سميت به عين الشمس ، والعين النابعة،
وعين الذهب؛ المشابهة. لكن أكثرم يقولون: إن هذا من باب المشترك. لا من باب
الحقيقة والمجاز؛ فيمثل بغيره ، مثل لفظ الرأس. يقولون : هو حقيقة فى رأس الإنسان.
ثم قالوا: رأس الدرب لأوله ، ورأس العين لمنبعها، ورأس القوم لسيدهم ورأس
الأمر لأوله ، ورأس الشهر، ورأس الحول، وأمثال ذلك على طريق المجاز.
وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجرداً ؛ بل يجدون أنه استعمل
بالقيود فى رأس الإنسان. كقوله تعالى: (وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِ ) ونحوه، وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعانى.
فإذا قيل : رأس العين، ورأس الدرب ، ورأس الناس ، ورأس الأمر؛
فهذا المقيد غير ذاك المقيد الدال ، ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ
الدال هناك؛ لكن اشتركا فى بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة فى لام
التعريف، ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الإنسان أولا ، لأن
الإنسان يتصور رأسه قبل غيره ، والتعبير أولا هو عما يتصور أولا ، فالنطق
بهذا المضاف أولا ، لا يمنع أن ينطق به مضافا إلى غيره ثانياً، ولا يكون هذا
من المجاز كما فى سائر المضافات ، فإذا قيل: ابن آدم أولا ؛ لم يكن قولنا : ابن
٩٨

الفرس، وابن الحمار مجازاً، وكذلك إذا قيل: بنت الإنسان؛ لم يكن قولنا:
بنت الفرس مجازاً. وكذلك إذا قيل: رأس الإنسان أولا لم يكن قولنا: رأس
الفرس مجازاً ، وكذلك فى سائر المضافات إذا قيل : يده أو رجله .
فإذا قيل : هو حقيقة فيما اضيف إلى الحيوان ؛ قيل : ليس جعل هذا هو
الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى الإنسان رأس، ثم قد يضاف إلى
مالا يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التى لم تخطر ببال عامة الناطقين
باللغة . فإذا قيل : إنه حقيقة فى هذا، فلماذا لا يكون حقيقة فى رأس الجميل
والطريق والعين ؟! وكذلك سائر ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه، وأولاده،
ومساكنه؛ يضاف مثله إلى غيره ويضاف ذلك إلى الجمادات؛ فيقال : رأس
الجيل ورأس العين، وخطم الجبل أى أنفه وفم الوادي ، وبطن الوادي ،وظهر
الجيل، وبطن الأرض وظهرها، ويستعمل مع الألف وهو لفظ الظاهر
والباطن فى أمور كثيرة ، والمعنى فى الجميع أن الظاهر لما ظهر فتبين، والباطن
لما بطن فحفى. وسمى ظهر الإنسان ظهراً لظهوره وبطن الإنسان بطناً لبطونه.
فإذا قيل : إن هذا حقيقة، وذاك مجاز؛ لم يكن هذا أولى من العكس.
و((أيضاً)) من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفرداً، كلفظ ((الإنسان))
ونحوه ، ثم قد يستعمل مقيداً بالإضافة كقولهم: إنسان العين، وإبرة الذراع،
ونحو ذلك، وبتقدير أن يكون فى اللغة حقيقة ومجاز؛ فقد ادعى بعضهم أن هذا
من المجاز ؛ وهو غلط ، فإن المجاز : هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له أولا
وهنا لم يستعمل اللفظ؛ بل ركب مع لفظ آخر، فصار وضعاً آخر بالإضافة.
٩٩

فلو استعمل مضافاً فى معنى، ثم استعمل بتلك الإضافة فى غيره كان مجازاً ، بل
إذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد أن كان الأصل
فيه الإضافة؛ لا يقال: إنه مجاز. فما لم ينطق به إلا مضافاً أولى أن لا
يكون مجازاً .
وأما من فرق بين الحقيقة والمجاز ؛ بأن الحقيقة ما يفيد المعنى مجرداً عن
القرائن، والمجاز مالا يفيد ذلك المعنى إلا مع قرينه، أو قال: ((الحقيقة)): ما يفيده
اللفظ المطلق. و ((الجاز)): ما لا يفيد إلا مع التقييد. أو قال: (الحقيقة) هي المعنى
الذي يسبق إلى الذهن عند الإطلاق. ((والمجاز)) مالا يسبق إلى الذهن. أو قال:
(المجاز)) ما صح نفيه، و(الحقيقة)) ما لا يصح نفيها ، فإنه يقال : ما تعني بالتجريد
عن القرائن ، والاقتران بالقرائن ؟
إن عنى بذلك القرائن اللفظية، مثل كون الاسم يستعمل مقروناً بالإضافة،
أو لام التعريف، ويقيد بكونه فاعلاً ومفعو لا ومبتدأ وخبراً، فلا يوجد قط
فى الكلام المؤلف اسم إلا مقيداً. وكذلك الفعل، إن عنى بتقييدهأنه لا بد
له من فاعل وقد يقيد بالمفعول به وظرفى الزمان والمكان ، والمفعول له ومعه ،
والحال فالفعل لا يستعمل قط إلا مقيدا، وأما الحرف فأبلغ، فإن الحرف أتى
به لمعنى فى غيره . ففي الجملة لا يوجد قط فى كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف
إلا مقيداً بقيود تزيل عنه الإطلاق. فإن كانت القرينة مما يمنع الإطلاق عن كل
١٠٠