Indexed OCR Text

Pages 341-360

ثم كثير من ((المعتزلة)) ونحوهم يقولون: الوصف والصفة اسم للكلام
فقط؛ من غير أن يقوم بالذات القديمة معانى؛ وكثير من («متكلمة الصفاتية))
يفرقون بين الوصف والصفة ، فيقولون : الوصف هو القول، والصفة المعنى
القائم بالموصوف ؛ وأما المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على
القول تارة، وعلى المعنى أخرى .
والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعاني، التى هي العلم والقدرة وغيرها
کما قدمناه .
وأما لفظ ((الذات)) فإنها فى اللغة تأنيث ذو ، وهذا اللفظ يستعمل مضافا
إلى أسماء الأجناس، يتوصلون به إلى الوصف بذلك. فيقال : شخص ذو علم وذو
مال وشرف، ويعنى حقيقته؛ أو عين أو نفس ذات علم وقدرة وسلطان ونحو
ذلك. وقد يضاف إلى الأعلام كقولهم ذو عمرو ، وذو الكلاع ، وقول عمر:
الغني بلال وذووه.
فلما وجدوا الله قال فى القرآن: (تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ )
( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) و (كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ): وصفوها. فقالوا: نفس
ذات علم وقدرة ، ورحمة ومشيئة ونحو ذلك ، ثم حذفوا الموصوف وعرفوا
الصفة . فقالوا : الذات. وهي كلمة مولدة ؛ ليست قديمة ، وقد وجدت فى
كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، لكن بمعنى آخر ، مثل قول خيب الذي
فى صحيح البخاري:
٣٤١

يبارك على أوصال شلو ممزع
وذلك فى ذات الإله وإن يشأ
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يكذب إبراهيم إلا
ثلاث كذبات، كلهن فى ذات الله)) وعن أبى ذر: كلنا أحمق فى ذات الله. وفى
قول بعضهم: أصبنا فى ذات الله . والمعنى فى جهة الله وناحيته ؛ أي لأجل الله
ولابتغاء وجهه؛ ليس المراد بذلك النفس. ونحوه فى القرآن (فَأَتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وقوله: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي الخصلة والجهة التى هي صاحبة
بينكم ، وعليم بالخواطر ونحوها، التى هي صاحبة الصدور .
فاسم ((الذات)) فى كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والعربية
المحضة: بهذا المعنى. ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على ((النفس)) بالاعتبار
الذي تقدم ، فإنها صاحبة الصفات . فإذا قالوا الذات فقد قالوا التى
لها الصفات .
وقد روى فى حديث مرفوع وغير مرفوع «تفكروا فى آلاء الله؛ ولا
تتفكروا فى ذات الله)) فإن كان هذا اللفظ أو نظيرهثابتاً عن النبى صلى الله عليه
وسلم وأصحابه: فقد وجد فى كلامهم إطلاق اسم ((الذات)) على النفس، كمايطلقه
المتأخرون. وإذا تقرر هذا الأصل يبقى ((كالحركة)) وقد اختلف فى بقائها،
كالطعم واللون والريح، وأكثر العقلاء على أنه قد يبقى.
وهؤلاء لا يصح عندم الاستدلال بهذه الأعراض على حدوث الجسم؛
٣٤٢

فلأن لا يصح الاستدلال بصفات الله على حدوث الموصوف أولى وأحرى ، مع
أن ((هذه الحجة)) على حدوث العالم فيها نظر طويل ليس هذا موضعه.
وهكذا أيضاً يقال للفلاسفة، فإنه لا ريب أنه مبدئ للعالم وسبب لوجوده
ويذكرون له من العقل والعناية أموراً لابد لهم من إثباتها.
فالكلام فيما يثبته أهل الكتاب والسنة كالكلام فيما لا بد من إثباته
جميع الطوائف، وذلك أنه قد ثبت أنه حق بالاضطرار، والأدلة القطعية، واتفقوا
على ذلك ، وثبت أنه قائم بنفسه، وليس هو من جنس سائر ما يقوم بنفسه من
الأرواح والأجسام.
فإذا كانوا متفقين على أنه قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الأجسام
والأرواح ، فكذلك ما يستحقه بنفسه من الصفات ليس من جنس مايستحقه
سائر الأشياء.
فإذا قدر أن جوهراً قام به عرض محدث دل على حدوث الجوهر لم
يستلزم ذلك فى كل ما قام بغيره أن يكون عرضاً ، إلا إذا استلزم أن يكون كل
ما قام بنفسه جوهراً .
فإنه إذا ساغ لقائل أن لا يسمى بعض ما قام بنفسه جوهراً : ساغ له أيضاً
أن لا يسمى بعض ما يقوم بغيره عرضاً ؛ بل نفي العرض عن المعانى الباقية أقرب
إلى اللغة ، فإن سمى المسمى كل ما قام بغيره عرضا ساغ حينئذ أن يسمى كل
ما قام بنفسه جوهراً .
٣٤٣

((وحينئذ)) فالاستدلال بحدوث عرض وصفة ، على حدوث جوهره
وموصوفه: لا يستلزم أن يكون كل عرض وصفة دليلاً على حدوث جوهره،
وموصوفه ؛ ولو لزم ذلك لبطل قولهم بحدوث جميع الجواهر، والأجسام،
لدخول القديم فى هذا العموم على هذا التقدير ؛ بل بطل القول بإمكان شيء
من الجواهر والأجسام .
فقد تبين الجواب من طريقين :
(أحدهما ) من وجهين: من جهة المعارضة والإلزام، ومن جهة المناقضة
والإفساد . وتبين بالوجهين أن هذه الشبهة فاسدة على أصول جميع أهل
الأرض، وفاسدة فى نفسها ، لأنه يلزم من ثبوتها نفيها ، وما لزم من ثبوته نفيه
کان باطلا فی نفسه .
و (الطريق الثانى): من جهة الحل والبيان، كما تقدم.
وأما الشبهة الثانية - وهي شبهة ((التركيب)) وهي فلسفية معتزلية،
والأولى معتزلية محضة - فإن المعتزلة يجعلون أخص وصفه القديم ، ويثبتون
حدوث ما سواه .
والفلاسفة يجعلون أخص وصفه وجوب وجوده بنفسه ، وإمكان ما سواه،
فإنهم لا يقرون بالحدوث عن عدم، ويجعلون ((التركيب)) الذي ذكروه
موجباً للافتقار ، المانع من كونه واجبا بنفسه.
٣٤٤

( فالجواب ) عنها أيضا من وجهين :
(أحدهما ): مشتمل على فنين: المعارضة والمناقضة، و(الثانى) الحل.
( أما الأول): فإنهم يثبتونه عالما قادراً، ويثبتونه واجبا بنفسه فاعلا لغيره،
ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالماً غير مفهوم الفعل لغيره ؛ فإن كانت
ذاته مركبة من هذه المعانى لزم ((التركيب)» الذي ادعوه ؛ وإن كانت عرضية
لزم ((الافتقار)) الذي ادعوه .
و (بالجملة) فما قالوه فى هذه الأمور: فهو قول أهل الكتاب والسنة؛
فى العلم والقدرة .
وأما (( المناقضة)): فإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية
فلا واجب، وإذا لم يكن واجباً لم يلزم من التركيب محال ؛ وذلك أنهم إنما نفوا
المعاني لاستلزامها ثبوت ((التركيب)) المستلزم لنفي الوجوب وهذا تناقض؛
فإن نفي المعاني مستلزم لنفى الوجوب ؛ فكيف ينفونها لثبوته ؟ وذلك أن
الواجب بنفسه حق موجود ، عالم قادر فاعل ؛ والممكن قد يكون موجوداً
عالما ، قادراً فاعلا . وليست المشاركة فى مجرد اللفظ ؛ بل فى معاني معقولة
معلومة بالاضطرار .
فإن كان ما به الاشتراك مستلزما لما به الامتياز: فقد صار الواجب ممكناً
والممكن واجباً ؛ وإن لم يكن مستلزما : فقد صار للواجب ما يتميز به عن
٣٤٥

الممكن غير هذه المعاني المشتركة؛ فصار فيه جهة اشتراك وجهة امتياز ؛ وهذا
عندم ((تركيب)) ممتنع . فإن كان هذا التركيب مستلزما لنفى الواجب فقد صار
ثبوت الواجب بنفسه مستلزماً لنفيه؛ وهذا متناقض.
فثبت بهذا ((البرهان الباهر)) أن هذه الحجة متناقضة فى نفسها، كما ثبت
أنها معارضة على أصولهم لما أثبتوه.
وأما الجواب الذي هو الحل. فنقول: ((التركيب)) المعقول فى عقل بني آدم
ولغة الآدميين هو تركيب الموجود من أجزائه التى يتميز بعضها عن بعض وهو
تركيب الجسم من أجزائه، كتركيب الإنسان من أعضائه وأخلاطه، وتركيب
الثوب من أجزائه ، وتركيب الشراب من أجزائه، وسواء كان أحد الجزأين
منفصلاً عن الآخر كانفصال اليد عن الرجل ، أو شائعاً فيه كشياع المرة فى الدم،
والماء فى اللبن.
وأما ما يذكره ((المنطقيون)) من تركيب الأنواع من الجنس والفصل:
كتركيب الإنسان من حيوان وناطق، وهو المركب مما به الاشتراك بینه وبین
سائر الأنواع، ومما به امتيازه عن غيره من الأنواع، وتقسيمهم الصفات إلى
((ذاتي)) تتركب منه الحقائق، وهو الجنس والفصل؛ وإلى ((عرضى)) وهو العرض
العام والخاصة. ثم الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز: هي ((النوع)).
فنقول: هذا ((التركيب)) أمر اعتباري ذهني، ليس له وجود فى الخارج؛
كما أن («ذات النوع)» من حيث هي عامة ، ليس لها ثبوت فى الخارج، بل نفس
٣٤٦

الحقائق الخارجة، ليس فيها عموم خارجي ولا تركيب خارجي، كما قلنا فى مسئلة
((المعدوم)): إنه شيء فى الذهن لا فى الخارج؛ لتعلق العلم والإرادة به .
فإن الإنسان الموجود فى الخارج ليس فيه ذوات متميزة، بعضها حيوانية
وبعضها ناطقية، وبعضها ضاحكية، وبعضها حساسية؛ بل العقل يدرك منه معنى
ونظير ذلك المعنى ثابت لنوع آخر . فيقول فيه معنى مشترك ، ويدرك فيه معنى
مختصاً، ثم يجمع بين المعنيين. فيقول: هو مؤلف منهما ، ثم إذا أدرك فيه
المعنيين: لم يدرك أن أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل ؛ كما أنه إذا أدرك
الوجود والوجوب ، والقيام بالنفس والإقامة للغير: لم يدرك أحد هذه المعاني
منفصلاً عن الآخر متميزاً عنه.
بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون، والريح القائمة بالجسم: لا يتميز بعضها
عن بعض بمحالها؛ وإنما الحس يميز بين هذه الحقائق.
فهذا النوع من ((التركيب)): ليس من جنس تركيب الجسد، من أبعاضه
وأخلاطه؛ فليست الأبعاض كالأعراض ، ونحن لا تنازع فى تسمية هذا مركبا،
فإن هذا نزاع لفظي. ولكن الغرض أن هذا التركيب: ليس من جنس التركيب
الذي يعقله بنو آدم بالفطرة الأولى، حتى يطلق عليه لفظ الأجزاء .
إذا عرف هذا : كان الجواب من فنين فى الحل ؛ كما كان من فنين
فى الإبطال .
(أحدهما ): أنا لا نسلم أن هناك تركباً من أجزاء بحال، وإنما هى ذات قائمة
٣٤٧

بنفسها، مستلزمة للوازمها التى لا يصح وجودها إلا بها ؛ وليست صفة
الموصوف أجزاء له، ولا أبعاضاً يتميز بعضها عن بعض ، أو تتميز عنه؛ حتى
يصح أن يقال هي مركبة منه، أو ليست مركبة. فثبوت التركيب ونفيه فرع
تصوره، وتصوره هنا منتف.
( والجواب الثانى) : أنه لو فرض أن هذا يسمى مركباً : فليس هذا مستلزماً
لإمكان، ولا للحدوث. وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون
الرب تعالى فقيراً إلى خلقه؛ بل هو الغنى عن العالمين، وقد علم أنه حى قيوم
بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه. وموجودة بذاته ، وأنه أحد صمد، غنى
بنفسه ليس ثبوته وغناه مستفاداً من غيره ، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال
حقاً صمداً قيوما، فهل يقال فى ذلك إنه مفتقر إلى نفسه ، أو محتاج إلى نفسه،
لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول فى ((صفاته)) التى هي داخلة فى مسمى نفسه
هو القول فى نفسه .
فإذا قيل صفاته ذاتية، وقيل إنه محتاج إليها : كان بمنزلة قول القائل إنه محتاج
إلى نفسه ، فإن صفاته الذاتية هي مالا تكون النفس بدونها .
وكذلك إذا قلنا : ذاته موجبة لوجوده، أو هو واجب بنفسه، أو هو
مقتض لوجوبه. فلو قال قائل : يلزم أن يكون معلولا ، والمعلول مفتقر قيل له:
ليست العلة هنا غير المعلول، والمنتفى افتقاره إلى غيره ، وكونه معلولا لسواه.
وأما قيامه بنفسه فحق.
٣٤٨

ثم هذه العبارات التى توج معنى فاسدا : إن أطلقت باعتبار المعنى الصحيح،
أو لم تطلق بحال: لم يضر ذلك إذا كان المعنى الصحيح معلوماً لا يندفع . فهذا
المعنى الشريف يجب التفطن له، فإنه يزيل شبهاً خيالية، أضلت خلقاً كثيراً .
ونحن إذا قلنا ((الماهيات)) مجعولة: فنعنى بذلك الماهيات الموجودة فى الخارج؛
بناء على أن وجود كل شيء فى الخارج هو عين ماهيته؛ إذ ليس الموجود فى الخارج
شيئاً غير وجوده ، وذلك الموجود فى الخارج هو المفتقر إلى غيره ، سواء كان
مفرداً أو مركباً .
فالمركب فى الخارج : لم يفتقر إلى الفاعل لكونه مركباً ، بل لأن حقيقته
مفتقرة، وآنيته مضطرة. ليس له ثبوت ولا وجود، ولا انية إلا من ربه؛ ولذلك
افتقر المفرد إلى الصانع ؛ كافتقار المركب.
وأما ما يعلمه العقل من ((الماهيات)) مفردها ومركبها : فلا يفتقر إلى الفاعل
إلا من جهة أن على العبد لا بدله من سبب ؛ لا من جهة أن المركب مفتقر إلى
أجزائه. فقد تبين لك أن المركب ليس مفتقراً إلى أجزائه ؛ لا فى الذهن ولا
فى الخارج إلا كافتقار المفرد إلى نفسه؛ فجزء المركب بمنزلة عين المفرد ، وكل
منهما مفتقر إلى غيره فى الخارج.
فإن جاز أن يقال : هو مفتقر إلى نفسه: جاز أن يقال: هو مفتقر إلى وصفه،
أو جزئه، وإن لم يجز ذلك لم يجز هذا. فليس وصف الموصوف، وجزء المركب-
٣٤٩

الذي لا تقوم ذاته إلا به - إلا بمنزلة ذاته، وليس فى قولنا هو مفتقر إلى نفسه
ما يرفع وجوبه بنفسه ، فكذلك هذا .
فظهر الخلل فى كلا المقدمتين، وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب ، وأن
التركيب مستلزم للحاجة إلى الغير، وإذا كان كل من المقدمتين باطلة: بطل هذا
بالكلية، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٣٥٠

وقال شيخ الإسلام
قدس الله روحه"
السلام على النبى ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان ((المدينة
طيبة)) من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة
الله وبر کاته .
إلى الشيخ الإمام العارف الناسك ، المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين
كتب الله فى قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه
علما، وجعله من أوليائه المتقين ، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه
اتباع نبيه باطناً وظاهراً، واللحاق به فى الدنيا والآخرة ، إنه ولى ذلك والقادر
عليه - من أحمد بن تيمية : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أما بعد:
فإنا محمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل: وهو على كل
شيء قدير ، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بربته النبي الأمي
(حمد) وعلى آله وسلم تسليماً.
(١) تعرف ((بالمدنية)) فى ((الحقيقة والمجاز فى الصفات)).
٣٥١

كتابي إليك - أحسن الله إليك فى الدنيا والآخرة إحسانا ينيلك به عالي
الدرجات فى خير وعافية ، عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر
إخواننا - والحمد لله رب العالمين كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه
وعن جلاله .
وقد وصل ما أرسلته من الكتب الثلاثة، ونحن نسأل الله تعالى ونرجو
منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغاً لدرجات
قصر العمل عنها ، وسبق فى أم الكتاب أنها ستنال ، وأن تكون الخيرة فيما
اختاره الله لعباده المؤمنين.
وقد علمنا من حيث العموم أن الله تعالى لا يقضى للمؤمن من قضاء إلا
كان خيراً له، وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض فإن الخيرة
- إن شاء الله تعالى - فيما أراده الله، والله تعالى يخير لكم فى جميع الأمور خيرة
تحصل لكم رضوان الله فى خير وعافية، وما تشتكي من مصيبة فى القلب والدين،
نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته تولياً لايكلكم فيه إلى أحد من المخلوقين
ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه، ويحقق لكم مقام
(إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير ، وشهادة التأخير من نعمة الله على
عبده المؤمن ، التى يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة ، ويكفي بها مؤنة
شيطانه المزين له سوء عمله، ومؤنة نفسه التى تحب أن تحمد بما لم تفعل، وتفرح
٣٥٢

بما أنت. وقد قال سبحانه: (إِنَّالَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم
◌ِثَايَتِ رَيْهِمْ يُؤْمِنُونَ - إلى قوله -: أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَِعُونَ).
وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هو الرجل يصوم ويصلى
ويتصدق ، ويخاف أن لا يقبل منه)) وفى الأثر - أظنه عن عمر بن الخطاب أو
عن ابنمسعود - : من قال : إنه مؤمن فهو كافر ، ومن قال إنه فى الجنة فهو فى
النار . وقال : والذى لا إله غيره ما أمن أحد على إيمان يسلبه عند الموت
ألا يسلبه.
وقال أبو العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
كلهم يخاف النفاق على نفسه. وقال الصديق- رضي الله عنه -: إن اللّه ذكر
أهل الجنة فذكرم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها ، فيقول الرجل : أين أنا
من هؤلاء! يعني: وهو منهم، وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها
فيقول القائل لست من هؤلاء ؟ ينى : وهو منهم . هذا الكلام أو
قريباً منه .
فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة ، إنها سبيل مهيع لعباد الله
الذين أطبق شهداء الله فى أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة العالية، مع أن
الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع فى الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط
للمقدور ، أو يأس من روح الله؛ أو فتور عن الرجاء ؛ والله تعالى يتولاكم
بولاية منه ولا يكلكم إلى أحد غيره.
٣٥٣

وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة التى لابد فيها من صرف الكلام
من حقيقته إلى مجازه، فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض
الناس فى ذلك، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة
على ما فى الحكاية من زيادة ونقص وتغيير.
قال لي بعض الناس : إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت
وهي الطريقة التى تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي - رضي الله عنه -:
آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول
الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا سلكنا سبيل البحث
والتحقيق فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات
من المتكلمين .
فقلت له: أما ما قاله الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم أن يعتقده ، ومن
اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فإنه سالك سبيل السلامة فى الدنيا والآخرة، وأما
إذا بحث الإنسان وفحص ، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي
يخالفون به أهل الحديث كله باطلا ، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث
ظاهراً وباطناً .
فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا فى هذا ؟ فتواعدنا
يوماً ، فكان فيما تفاوضنا : أن أمهات المسائل التى خالف فيها متأخرو
المتكلمين - ممن ينتحل مذهب الأشعري - لأهل الحديث ((ثلاث مسائل)):
٣٥٤

وصف الله بالعلو على العرش.
ومسألة القرآن .
ومسألة تأويل الصفات .
فقلت له: نبدأ بالكلام على ((مسألة تأويل الصفات)) فإنها الأم والباقى
من المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب ((أهل الحديث)) وم السلف من
القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت،
ويؤمن بها وتصدق ، ولصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل ، وتكييف يفضي
إلی تمثیل .
وقد أطلق غیر واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب
السلف: أنها تجرى على ظاهرها ، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها ؛ وذلك أن
الكلام فى ((الصفات)) فرع على الكلام فى ((الذات)) يحتذى حذوه، ويتبع
فيه مثاله ؛ فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود ، لا إثبات كيفية ؛ فكذلك
إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول إن له يداً وسمعاً ، ولا نقول
إن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم .
فقلت له: وبعض الناس يقول: ((مذهب السلف)) أن الظاهر غير مراد
ويقول : أجمعنا على أن الظاهر غير مراد، وهذه العبارة خطأ: إما لفظاً ومعنى،
أو لفظاً لا معنى ؛ لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين:
٣٥٥

( أحدهما) أن يقال : إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب
غليان القلب لطلب الانتقام ، وظاهر كونه فى السماء أن يكون مثل الماء فى
الظرف ، فلا شك أن من قال : إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين
ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث ، فقد صدق وأحسن ؛ إذ
لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شىء، لا فى ذاته ولا فى
صفاته ولا فى أفعاله ؛ بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون
المشبهة والمجسمة .
لكن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات
والأحاديث؛ وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه؛ فإن ((ظاهر الكلام)) هو
ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد
الوضع وقد يكون بسياق الكلام، وليست ((هذه المعاني)) المحدثة المستحيلة
على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين ، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة
والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا ، وحياتنا وكلامنا ، ونحوها من الصفات ،
أعراضاً تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها؛ فكذلك أيدينا
ووجوهنا ونحوها أجساماً كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها .
ثم لم يقل أحد من أهل السنة : إذا قلنا إن الله علماً وقدرة وسمعاً
وبصراً إن ظاهره غير مراد، ثم يفسر بصفاتنا. فكذلك لا يجوز أن يقال:
ان ظاهر اليد والوجه غير مراد ؛ إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم
أو عرض للجسم.
٣٥٦

ومن قال : إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ ؛
لأنه ما من اسم بسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد
به ، فکان قول هذا القائل بقتضی أن یکون جمیع أسمائه وصفاته قد أريد بها
ما يخالف ظاهرها ، ولا يخفى ما فى هذا الكلام من الفساد.
(والمعنى الثانى) : أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما
يليق بجلاله ، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته ، فيعلم
أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه . ولا يقال: إنه
مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، و((الإله)) المعبود
سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات .
وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقاً ، وإنما الكلام مع
من يثبت بعض الصفات .
وكذلك ((فعله)) نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا
لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل
والله غني حميد .
وكذلك ((الذات)» تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة
ولا يعلم ما هو إلا هو ولا يدرك لها كيفية ، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق
هذه الصفات ، وهو الذي يجب أن تحمل عليه .
٣٥٧

فالمؤمن يعلى أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله
على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، وأن الأرض جميعاً قبضته
يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم فى
الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر فى جانبها جميع اللذات ، ونحو ذلك.
كما يعلم أن له رباً وخالقاً ومعبوداً، ولا يعلم كنه شيء من ذلك؛ بل غاية على
الخلق هكذا: يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنه ، وعلمهم
بنفوسهم من هذا الضرب.
قلت له: أفيجوز أن يقال: إن ((الظاهر غير مراد)) بهذا التفسير؟
فقال : هذا لا يمكن.
فقلت له: من قال : إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير
مرادة، قلنا له: أصبت فى ((المعنى)) لكن أخطأت فى ((اللفظ)) وأوهمت البدعة
وجعلت للجهمية طريقاً إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على
ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه
مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه .
ومن قال: ((الظاهر غير مراد)) بالتفسير الثاني - وهو مراد الجهمية ومن
تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم - فقد أخطأ.
ثم أقرب هؤلاء ((الجهمية)) الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعا: الحياة،
٣٥٨

والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر . وينفون
ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك ((اليد)) فقط، ومنهم من يتوقف فى نفي
ما سواها ، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها .
وأما ((المعتزلة)) فإنهم ينفون الصفات مطلقاً ويثبتون أحكامها، وهي ترجع
عند أكثرم إلى أنه عليم قدير ، وأما كونه مريداً متكلماً فعندم أنها صفات
حادثة، أو إضافية أو عدمية. وم أقرب الناس إلى ((الصابئين الفلاسفة)) من
الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس ، حيث زعموا: أن الصفات كلها
ترجع إلى سلب أو إضافة ؛ أو مركب من سلب وإضافة ؛ فهؤلاء كلهم خلال
مکذبون للرسل .
ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً وعرف حقيقة
مأخذ هؤلاء ، على قطعاً أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته ، وأنهم كذبوا بالرسل
وبالكتاب وبما أرسل به رسله ؛ ولهذا كانوا يقولون : إن البدع مشتقة من
الكفر وآيلة إليه ، ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ والأشعرية
مخانيث المعتزلة .
وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور ، والأشعرية الجهمية
الإناث. ومراده الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم
بكتاب ((الإبانة)) الذي صنفه الأشعري فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض
ذلك ، فهذا يعد من أهل السنة ؛ لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة،
٣٥٩

لا سيما وأنه بذلك يوم حسناً بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب
شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير .
قلت له : إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها
المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها
اللائق بجلال الله سبحانه ، وحقيقتها المفهومة منها: إلى باطن يخالف الظاهر ،
ومجاز ينافى الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء : -
(أحدها ) : أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي ؛ لأن الكتاب والسنة
وكلام السلف جاء باللسان العربى، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان
العرب، أو خلاف الألسنة كلها ، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به
اللفظ ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له ؛ وإن لم
يكن له أصل فى اللغة .
( الثاني ) : أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه
وإلا فإذا كان يستعمل فى معنى بطريق الحقيقة، وفى معنى بطريق المجاز ، لم يجز
حمله على المجازيّ بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب
صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف.
وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
( الثالث ) : أنه لا بد من أن يَسْلم ذلك الدليل - الصارف - عن
معارض ؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع
٣٦٠