Indexed OCR Text
Pages 321-340
وعلى هذا فهذه ((الحجة)) يكفي فيها أن يقال : لو خلقه لكان إما أن يخلقه فى محل فيكون صفة له، أو يخلقه قائماً بنفسه، وكلاهما ممتنع. ولا يذكر فيها: إما أن يخلقه فى نفسه ؛ لأن كونه مخلوقاً يقتضي أن له خلقاً، والخلق القائم به لو كان مخلوقاً لكان له خلق، فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقاً ؛ فيكون الخلق مخلوقاً بلا خلق وهذا ممتنع . وهذا يستقيم على أصل السلف ، وأهل السنة ، والجمهور : الذين يقولون لا يكون المخلوق مخلوقاً إلا بخلق . وأما من قال: يكون مخلوقاً بلا خلق والخلق هو نفس المخلوق لا غيره . فيقال على أصله: إما أن يخلقه فى نفسه ويكون المخلوق نفس الخلق، وهو معنى كونه حادثا، ويعود الأمر إلى أنه إذا أحدثه فإما أن يحدثه فى نفسه، أو خارجا عن نفسه ، وقد تبين كيف تصاغ هذه الحجة على أصول هؤلاء وأصول هؤلاء. فإذا احتج بها على قول ((السلف والجمهور)) فلها صورتان: إن شئت أن تقول: إما أن يخلقه قائما بنفسه أو بغيره ، ولا تقل فى نفسه ؛ لكون المخلوق لا يكون فى نفسه. وإن شئت أن تدخله فى التقسيم وتقول: وإما أن يخلقه فى نفسه ، ثم تقول : وهذا ممتنع ؛ لأن المخلوق لابد له من خلق ، فلو خلقه فى نفسه لافتقر إلى خلق ، وكان ما حدث فى نفسه مخلوقا مفتقراً إلى خلق، فيكون خلقه له أيضا مفتقراً إلى خلق ، وهلم جرا ... وإذا كان كل خلق مخلوقا لم يبق خلق إلا مخلوق ، وإذا لم يبق خلق إلا مخلوق لزم وجود المخلوق بلا خلق، إذ ليس لنا خلق غير مخلوق . ٣٢١ وإن قيل: فقد يخلقه فى نفسه بخلق ، وذلك الخلق يحصل بلا خلق آخر، بل بمجرد القدرة والإرادة ، كما يقول من يقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وتكلمه فعل يحصل بقدرته ومشيئته ، فنحن نقول : ذلك الفعل هو الخلق . فيقال لهم: فعلى هذا صار فى التقسيم ((حادث)) يقوم بنفسه ليس بمخلوق؛ وعلى هذا التقدير فيمكن أن يقال فى القرآن: إنه حادث أو محدث وليس بمخلوق فإن كان الحق هو ((القسم الأول)) لم يلزم إذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما؛ بل قد يكون حادثا وليس بمخلوق ، فلا يلزم من نفى كونه مخلوقا أن يكون قديما فلا تدل الحجة على قول الكلابية . وتلخيص ذلك أنه إما أن يقال: الحدوث أعم من الخلق ، فقد يكون الشىء حادثاً فى نفسه وليس مخلوقاً ؛ أو يقال : كل حادث فهو مخلوق ، بناء على أنه لا يقوم بذاته حادث؛ أو بناء على أن ما قام بنفسه إذا كان حادثاً فهو مخلوق، فإذا کان الحق هو «القسم الأول)) لم یلزم إذا لم یکن مخلوقا أنیکون قدیما ، بل قد يكون حادثاً وليس بمخلوق . وإن كان الحق غير ((الأول)) فحينئذ إذا قيل: لا يخلقه فى نفسه لم تكن الحجة عليه إلا إبطال قيام الحوادث به، ولكن إذا أريد أن يدل على أنه ليس بمخلوق فى نفسه - وإن كان حادثاً بنفسه - فإنه يستدل على ذلك بأنه لو كان مخلوقاً لكان له خلق ، والخلق نفسه ليس مخلوقا بل حادث ؛ لأنه لو كان مخلوقاً لكان كل خلق مخلوقاً . فيكون المخلوق بلا خلق وهو جمع بين النقيضين، فتعين أن يكون الخلق حادثاً غير مخلوق. ٣٢٢ وعلى هذا التقدير فلا يلزم إذا كان غير مخلوق أن يكون قديماً ، وإنما أريد الاستدلال على أنه لم يخلقه فى نفسه، سواء قيل: إنه محل فيه الحوادث أو لا تحل، وهو أحسن ؛ فيكون استدلالاً بذلك من غير التزام هذا القول. فيقال: لا يخلو إما أن تقوم به الحوادث وإما أن لا تقوم، فإن لم تقم امتنع أن يخلقه فى نفسه ؛ لأنه حينئذ يكون حادثاً فتقوم به الحوادث، وإن كانت تقوم به الحوادث فتلك الحوادث تحصل بقدرته ومشيئته ، ولا تكون كلها مخلوقة لأن المخلوق لا بدله من خلق والخلق منها ؛ فلو كان الخلق مخلوقاً بخلق لزم أن يكون كل خلق مخلوقا ، فيكون المخلوق حاصلاً بلا خلق، وقد قيل : إن المخلوق لا بد له من خلق . وإذا كان لا يجب فيما قام بذاته أن يكون مخلوقاً ، فلو أحدثه فى ذاته لم يلزم أن يكون مخلوقا؛ بل يمتنع أن يكون مخلوقا؛ لأن المخلوق هو ماله خلق قائم بذات الربمباين للمخلوق، وهو إذا تكلم به بمشيئته وقدرته كان الكلام اسماً يتناول التكلم به ونفس الحروف ، وذلك التكلم حاصل بقدرته ومشيئته لم يحصل بخلق؛ فإن الخلق يحصل أيضاً بقدرته ومشيئته، وهو يخلق الأشياء بكلامه ؛ فمحال أن يكون لكلامه خلق أقرب إليه من كلامه . وقد قيل : إن خلقه للأشياء هو نفس تكلمه بكن فيكون ، هذا هو الخلق، والخلق لا يحصل بخلق بل المخلوق يحصل بالخلق؛ ومن الأشياء ما يخلقه مع تكلم بفعل يفعله أيضاً ؛ فقد تبين على كل تقدير أن كلامه إذا أحدثه فى ذاته لم يكن مخلوقا ، من غير أن يلزم أنه لا تقوم به الحوادث . ٣٢٣ وإذا بنينا على ذلك فلفظ الحوادث مجمل يراد به أنه لا يقوم به جنس له نوع لم يحصل منه شيء قبل ذلك ، ويراد به أنه لا يقوم به لا نوع ولا فرد من أفراد الحوادث، فاذا أريد الثانى فالسلف وأئمة السنة والحديث وكثير من طوائف الكلام على خلافه . وإن أريد ((الأول)) فالنزاع فيه مع ((الكرامية)) ونحوم، فمن يقول: إنه حدث له من الصفات بذاته ما لم يكن حدث، صار يتكلم بمشيئته بعد أن لم يكن، وصار مريدا للفعل بعد أن لم يكن ، والكلام والإرادة الذى قالت المعتزلة: يحدث بائنا عنه، قالوام: يحدث فى ذاته و ((الكلابية)» قالوا : ذلك قديم يحصل بغير مشيئته وقدرته، وهؤلاء قالوا : بل هو حادث النوع يحصل بقدرته ومشيئته القديمة ، فمشيئته القديمة عندم مع القدرة أو جبت ما يقوم بذاته. فهؤلاء يقولون: إنه أحدث فى ذاته نوع الكلام ولم يكن له قبل ذلك كلام وليس هذا مذهب السلف ، بل مذهب السلف: أنه لم يزل متكلما . فتبين أن خلقه للكلام مطلقا فى ذاته محال من جهة أن المخلوق لا يقوم بذاته، ومن جهة أنه يلزم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن وهذا غير قولهم لا تقوم به الحوادث. فصار هنا لإ بطال هذا القول ((ثلاثة مسالك)) مسلك الكلابية ، ومسلك الكرامية، ومسلك السلف؛ فلهذا كان هذا القسم مما ذكره عبد العزيز بن يحيى ٣٢٤ الكناني فى ((الحيدة)) وأبطله من غير أن يلتزم خلاف السلف ، وقد كتبت ألفاظه وشرحتها فى غير هذا الموضع . و ((المقصودهنا)) أنه يمكن إبطال كونه خلقه فى نفسه من غير التزام قول الكلابية ولا الكرامية؛ فإنه قد تبين أن ما قام بذاته يمتنع أن يكون مخلوقا؛ إذ کان حاصلا بمشيئته وقدرته ، والمخلوق لا بد له من خلق ، ونفس تكلمه بمشيئته وقدرته ليس خلقا له ، بل بذلك التكلم يخلق غيره ، والخلق لا يكون خلقا لنفسه . ويدل على بطلان قول ((الكلابية)): أن الكلام لا يكون إلا بمشيئته وقدرته ، وهم يقولون: بتكلم بلا مشيئته ولا قدرته. وأما ((الكرامية)) فيقولون: صار متكلما بعد أن لم يكن ؛ فيلزم انتفاء صفة الكمال عنه ، ويلزم حدوث الحادث بلا سبب، ويلزم أن ذاته صارت محلا النوع الحوادث بعد أن لم تكن كذلك: كما تقوله ((الكرامية)) وهذا باطل. وهو الذى أبطاله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والإرادة والفعل : إما أن يكون صفة كمال أو صفة نقص ، فإن كان كما لا فلم يزل ناقصاً حتى تجدد له ذلك الكمال ، وإن كان نقصاً فقد نقص بعد الكمال . وهذه الحجة لا تبطل قيام نوع الإرادة والكلام شيئا بعدشيء ؛ فإن ذلك إنما يتضمن حدوث أفراد الإرادة والكلام لا حدوث النوع ، والنوع ما زال ٣٢٥ قديما، وما زال متصفا بالكلام والإرادة وذلك صفة كمال ، فلم يزل متصفا بالكمال ولا يزال، بخلاف ما إذا قيل: صار مريدا ومتكلما بعد أن لم يكن . وإذا قيل فى ذلك: الفرد من أفراد الإرادة، والكلام، والفعل: هل هو كمال أو نقص؟ قيل : هو كمال وقت وجوده ونقص قبل وجوده، مثل مناداته لموسى كانت كمالا لما جاء موسى ، ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصاً والله منزه عنه ؛ ولأن أفراد الحوادث يمتنع قدمها ، وما امتنع قدمه لم يكن عدمه فى القدم نقصاً . بل النقص المنفى لا بد أن يكون عدم ما يمكن وجوده ، بل عدم ما يمكن وجوده ويكون وجوده خيراً من عدمه ؛ فلا يكون عدم الشيء نقصاً إلا بهذين الشرطين: بأن يكون عدمه ممكنا ، ويكون وجوده خيراً من عدمه، فإذا كان عدمه ممتنعاً: كعدم الشريك والولد ، فهذا مدح وصفة كمال ، وإذا كان عدمه ممكناً فالأولى عدمه: كالأشياء التى لم يخلقها ، فإنه كان أن لا يخلقها أكمل من أن نخلقها ، كما أن ما خلقه كان أن يخلقه أكمل من أن لا يخلقه. وحينئذفما وجد من الحوادث فى ذاته أو بائنا عنه كان وجوده وقت وجوده هو الكمال، وعدمه وقت عدمه هو الكمال ، وكان عدمه وقت وجوده أو وجوده وقت عدمه نقصاً ينزه الله عنه سبحانه وتعالى . فقد تبين الفرق بين نوع الحوادث وأعيانها ، وأن النوع لو كان حادثا بذاته بعد أن لم يكن لزم كماله بعد نقصه، أو نقصه بعد کاله . ٣٢٦ (وأيضاً ) فالحادث لا بدله من سبب ، والأفراد يمكن حدوثها ؛ لأن قبلها أموراً أخرى تصلح أن تكون سباً، أما إذا قدر عدم النوع كله ثم حدث، لزم أن يحدث النوع بلا سبب يقتضي حدوثه وهو ممتنع. وأيضاً فهذا ((النوع)) إما أن يقال: كان قادراً عليه فيما لم يزل ؛ أو صار قادراً بعد أن لم يكن فإن كان قادراً عليه أمكن وجوده ؛ فلا يمتنع وجوده، فلا يجوز الجزم بعدمه. وإن لم يكن قادراً لزم حدوث القدرة بلا سبب، وانتقال القدرة والامتناع إلى الإمكان بلا سبب ، وهذا بخلاف الأفراد ؛ فإن ذلك كان ممتنعاً حتى يحصل ما يصير به ممكناً ؛ أو كان ممكنا ولكن الحكمة اقتضت وجوده بعد تلك الأمور. وأما النوع إذا قيل بحدوثه لم يختص بوقت ؛ إذ العدم المحض لا يعقل فيه وقت يميزه عن وقت. و ((أيضاً)) فكذلك النوع ممكن له لوجوده وهو لا يتوقف على شيء غيره، لا منه ولا من غيره، وما كان ممكناً لم يتوقف إلا على ذاته لزم وجوده بوجود ذاته، کیاته وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته ؛ فدل ذلك على وجوب قدم نوع هذه الصفات ولزوم النوع لذاته وإن قيل بحدوث الأفراد. وعلى هذا فيقال : لا تقوم بذاته الصفات الحادثة ، أي : لا يقوم به نوع من أنواع الصفات الحادثة بمعنى أن الكلام صفة والإرادة صفة ؛ ولا تحدث له هذه الصفات ولا نوع من أنواع هذه الصفات ؛ بل لم يزل متكلماً مريداً وإن حدثت ٣٢٧ أفراد كل صفة. أي: إرادة هذا الحادث المعين وهذا الشخص المعين ؛ فنفس الصفة لم تزل موجودة. وعلى هذا يقال: لو خلق فى ذاته (( الكلام)) ولو أحدث فى ذاته الكلام ولو كان كلامه حادثاً أو محدثا ؛ فإن نفس الكلام: أي هذه الصفة ونوعها ليس بحادث ولا محدث؛ ولا مخلوق. وأما الكلام المعين ((كالقرآن)) فليس مخلوق لا فی ذاته ولا خارجاً عن ذاته ؛ بل تكلم بمشيئته وقدرته وهو حادث فی ذاته . وهل يقال : أحدثه فى ذاته ؟ على قولين : أصحهما أنه يقال ذلك ، كما ) وقال النبى صلى الله قال تعالى: (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرِمِنِرَِّّھِمُحدثٍ عليه وسلم: ((إن الله يحدث من أمره ماشاء وإن مما احدث أن لا تكلموا فى الصلاة)) وقد بوب البخاري فى صحيحه لهذا باباً دل عليه الكتاب والسنة. وهذا بخلاف المخلوق ؛ فإنه ليس فى عقل ولا شرع ولا لغة : أن الإنسان يسمى ما قام به من الأفعال والأقوال خلقاً له ، ويقول : أنا خلقت ذلك ، بل يقول: أنا فعلت وتكلمت وقد يقول: أنا أحدثت هذه الأقوال والأفعال ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إيا كم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة)) وقال: (( المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). وان كان مقصوده ((بالإحداث)» هنا أخص من معنى الإحداث بمعنى الفعل، ٣٢٨ وإنما مقصوده من أحدث فيها بدعة تخالف ما قد سن وشرع ، ويقال للجرام: الأحداث ولفظ الإحداث يريدون به ابتداء ما لم يكن قبل ذلك. ومنه قوله: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء)) (مَايَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍمِن ◌َّيِّهِمْ تُحْدَثٍ ). ولا يسمون مخلوقا إلا ما كان بائنا عنه كقوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) وإذا قالوا عن كلام المتكلم : إنه مخلوق ومختلق فمراده أنه مكذوب مفترى كقوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ). ٣٢٩ فصل وما احتج به الفلاسفة والمتكلمون فى ((مسألة حدوث العالم » إنما يدل على مذهب السلف والأئمة. أما ((الفلاسفة)) فىجتهم إنما تدل على أنه لم يزل فاعلاً، كما أن حجة ((الأشعرية)) إنما تدل على أنه لم يزل متكلما، وكل من الفريقين احتج على قدم العين بأدلة لا تقتضي ذلك . وأما ((المتكلمون)) فعمدتهم أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، وكل من هاتين القضيتين هي صحيحة باعتبار ، وتدل على الحق؛ فما لم يسبق الحوادث المحدودة التى لها أول فهو حادث ، وهذا معلوم بصريح العقل واتفاق العقلاء، فكل ما على أنه كان بعد حادث له ابتداء؛ أو مع حادث له ابتداء : فهو أيضاً حادث له ابتداء بالضرورة. وكذلك ما لم يخل من هذه الحوادث. و ( أيضاً ) فما لم يخل من الحوادث مع حاجته إليها فهو حادث، وما لم يخل من حوادث يحدثها فيه غيره فهو حادث ، بل ما احتاج إلى الحوادث مطلقاً فهو حادث، وما قامت به حوادث من غيره فهو حادث، وما كان محتاجاً إلى غيره فهو حادث ، وما قامت به الحوادث فهو حادث . ٣٣٠ وهذا يبطل قول ((المتفلسفة)) القائلين بقدم الفلك كأرسطو وأتباعه؛ فإن ((أرسطو)) يقول: إنه محتاج إلى العلة الأولى للتشبه بها ، وبرقلس وابن سينا ونحوهما يقولون : إنه معلول له أي موجب له والأول علة فاعلة له ؛ فالجميع يقولون: إنه محتاج إلى غيره مع قيام الحوادث به ؛ وإنه لم يخل منها. ويقولون: هو قديم ؛ وهذا قول باطل . ويقول ((ابن سينا)) إنه ممكن يقبل الوجود والعدم مع قيام الحوادث به ، وهو قديم أزلي . وهذا باطل؛ فإن كونه محتاجاً إلى غيره يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه ، فإن واجب الوجود بنفسه لا يكون محتاجاً إلى غيره ، وإن لم يكن واجباً بنفسه كان ممكناً يقبل الوجود والعدم ، وحينئذ فيكون محدثاً من وجوه : ( منها): أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثاً، وأما القديم الذي يمتنع عدمه فلا يقبل الوجود والعدم. (ومنها): أنه إذا كان مع حاجته تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره متصرف فيه قاهر له، تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه ، وما كان مقهوراً مع غيره لم يكن موجوداً بنفسه، ولا مستغنياً بنفسه؛ ولا عزيزاً ولا مستقلاً بنفسه ؛ وما كان كذلك لم يكن إلا مصنوعاً مربوباً فيكون محدثاً . و (أيضاً) فإذا لم يخل من الحوادث التى يحدثها فيه غيره ولم يسبقها؛ بل كانت لازمة له دل على أنه فى جميع أوقاته مقهوراً مع الغير متصرفاً له؛ يدل ٣٣١ على أنه مفتقر إليه دائما وهذا يبطل قول المتكلمين الذين يقولون: إنما يفتقر إليه حال حدوثه فقط . كما يبطل قول المتفلسفة الذين يقولون : يفتقر إليه فى دوامه مع قدمه وعدم حدوثه. و ((التحقيق)) أنه محدث يفتفر إليه حال الحدوث وحال البقاء. وكونه محلاً للحوادث من غيره ؛ أو محلاً للحوادث مع حاجته؛ يدل على أنه محدث. وأما كونه محلاً لحوادث يحدثها هو فهذا لا يستلزم لا حاجته ولا حدوثه؛ ولهذا كان ((الصحابة )» يذكرون أن حدوث الحوادث فى العالم يدل على أنه مربوب؛ كما قدذكرنا هذا فى موضع آخر والمربوب محدث، وكل ما سوى الله تحدث فيه الحوادث من غيره وهو محتاج إلى غيره فكل فلك فإنه يحركه غيره فتحدث فيه الحركة من غيره فالفلك المحيط يحركها كلها ، وهو متحرك بخلاف حركته فتحدث فيه مناسبة حادثة بغير اختياره وهي مستقلة بحركتها لا تحتاج فيها إليه ؛ فامتنع أن يكون رباً لها، والشمس والقمر والكواكب يحركها غيرها فكلها مسخرات بأمره. ٣٣٢ فصل وقد ذكرنا ((أصلين)): (أحدهما): أن ما يحتجون به من الحجج السمعية والعقلية على مذاهبهم إنما يدل على قول السلف وما جاء به الكتاب والسنة، لا يدل على ما ابتدعوه وخالفوا به الكتاب والسنة . (الثانى): أن ما احتجوا به يدل على نقيض مقصوده وعلى فساد قولهم، وهذا نوع آخر ؛ فإن كونه يدل على قول لم يقولوه نوع، وكونه يدل على نقيض قولهم وفساد قولهم نوع آخر . وهذا موجود فى حجج المتفلسفة والمتكلمة . أما (المتفلسفة) فمثل حججهم على قدم العالم أو شيء منه؛ فإنهم احتجوا بأنواع العلل الأربعة: ((الفاعلية)) و(الغائية)) و((المادية)) و((الصورية)) وعمدتهم: (الفاعلية)) وهو : أن يمتنع أنه يصير فاعلاً بعد أن لم يكن؛ فيجب أنه ما زال فاعلاً، وهذه أعظم عمدة متأخريهم كابن سينا وأمثاله، وهي أظنها منقولة عن برقلس. وأما ((أرسطو) وأتباعه فهم لا يحتجون بها؛ إذ ليس هو عندم فاعلاً، وإنما ٣٣٣ ٠ احتجوا بوجوب قدم الزمان والحركة وهى الصورية، وبوجوب قدم المادة ؛ لأن كل محدث مسبوق بالإمكان فلا بد له من محل، فكل حادث تقبله مادة يقبله، وأما ((العلة الغائية)) فمن جنس (الفاعلية)) فيقال لهم: هذه الحجج: إنما تدل على مذهب السلف والأمة كما تقدم، وهي تدل على بطلان قولهم. وأما قدم ((الفاعلية)) وهو: أنه ما زال فاعلاً، فيقال: هذا لفظ مجمل؛ فأنتم تريدون بالفاعل أن مفعوله مقارن له فى الزمان ، وإذا كان فاعلاً بهذا الاعتبار وجب مقارنة مفعوله له فلا يتأخر فعله، فهذه عمدتكم، والفاعل عند عامة العقلاء وعند سلفكم، وعندكم أيضاً - فى غير هذا الموضع - هو الذي يفعل شيئاً فيحدثه ، فيمتنع أن يكون المفعول مقارنا له بهذا الاعتبار، بل على هذا الاعتبار يجب تأخر كل مفعول له، فلا يكون فى مفعولاته شئ قديم بقدمه ، فيكون كل ما سواه محدث . ثم للناس هنا طريقان : ((منهم) من يقول : يجب تأخر كل مفعول له ، وأن يبقي معطلاً عن الفعل ثم يفعل، كما يقوله أهل الكلام المبتدع من أهل الملل، من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم. وهذا النفى يناقض دوام الفاعلية فهو يناقض موجب تلك الحجج. و ((الثاني)): أن يقال: ما زال فاعلاً لشيء بعد شيء، فكل ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن، وهو وحده الذي اختص بالقدم والأزلية، فهو ((الأول)) القديم الأزلي ليس معه غيره ، وأنه ما زال يفعل شيئاً بعد شيء. ٣٣٤ فيقال لهم: الحجج التى تقيمونها فى وجوب قدم ((الفاعلية)) كما أنها تبطل قول أهل الكلام المحدث فهى أيضا تبطل قولكم؛ وذلك أنها لو دلت على دوام الفاعلية بالمعنى الذي ادعيتم، للزم أن لا يحدث فى العالم حادث ؛ إذكان المفعول المعلول عندكم يجب أن يقارن علته الفاعلية فى الزمان، وكل ما سوى الأول مفعول معلول له، فتحدث مقارنة كل ماسواه فلا يحدث فى العالم حادث، وهو خلاف المشاهدة والمعقول ، وباطل باتفاق بنى آدم كلهم ، مخالف للحس والعقل . وأيضاً إذا وجب فى العلة أن يقارنها معلولها فى الزمان فکل حادث يجب أن يحدث مع حدوثه حوادث مقترنة فى الزمان ، لا يسبق بعضها بعضا، ولا نهاية لها . وهذا قول بوجود علل لانهاية لها؛ وهذا أيضا باطل بصريح العقل وانفاق العقلاء ؛ ولا فرق بين امتناع ذلك فى ذات العلة أو شرط من شروطها؛ فكما يمتنع أن يحدث عند كل حادث ذات علل لا تتناهى فى آن واحد؛ وكذلك شروط العلة وتمامها، فإنها إحدى جز أى العلة؛ فلا يجوز وجود مالا يتناهى فى آن واحد لا فى هذا الجزء، ولا فى هذا الجزء؛ وهذا متفق عليه بين الناس. وأما النزاع فى ((وجود مالا يتناهى على سبيل التعاقب)) فقد زال جزء حجتهم ليس هو ما قالوه؛ بل موجبه هو ((القول الآخر)) وهو : أن الفاعل لم يزل يفعل شيئاً بعد شىء، وحينئذ كل مفعول محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا نقيض قولهم؛ بل هذا من أبلغ ما يحتج به على ما أخبرت به الرسل من أن الله ٣٣٥ خالق كل شيء ؛ فإنه بهذا يثبت أنه لا قديم إلا الله، وأنه كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، سواء سمى عقلاً، أو نفساً أو جسما، أو غير ذلك. بخلاف دليل أهل الكلام المحدث على الحدوث ؛ فإنهم قالوا: لوكان صحيحاً لم يدل إلا على حدوث الأجسام، ونحن أثبتنا موجودات غير العقول، و((أهل الكلام)) لم يقيموا دليلا على انتفائها ، وقد وافقهم على ذلك المتأخرون: مثل الشهر ستاني، والرازي، والآمدي. وادعوا أنه لا دليل للمتكلمين على نفي هذه الجواهر العقلية، ودليلهم على حدوث الأجسام لم يتناولها ؛ ولهذا صار الذين زعموا أنهم يجيبونهم ((بالجواب الباهر)) الى ما تقدم ذكره من التناقض؛ فقد تبين أن نفس ما احتجوا به يدل على فساد قولهم ، وفساد قول المتكلمين ؛ ويدل على حدوث كل ما سوى الله، وأنه وحده القديم ، دلالة صحيحة لا مطعن فیها . فقد تبين - ولله الحمد - أن عمدتهم على قدم العالم إنما تدل على نقيض قولهم، وهو: حدوث كل ماسوى الله - ولله الحمد والمنة -. وأما ((الحجة)) التى احتجوا بها على أنه لم نزل الحركة موجودة والزمان موجودا ، وأنه يمتنع حدوث هذا الجنس - وهذا مما اعتمد عليه ((أرسطو)) وأتباعه - فيقال لهم : هذه لا تدل على قدم شيء بعينه من الحركات وزمانها ، ولا من المتحركات ؛ فلا تدل على مطلوبهم : وهو قدم الفلك وحركته وزمانه ؛ ٣٣٦ بل تدل على نقيض قولهم ؛ وذلك أن الحركة لابد لها من محرك ، فجميع الحركات تنتهي إلى محرك أول . وهم يسلمون هذا، فذلك المحرك الأول الذي صدر عنه حركة ما سواه: إما أن يكون متحركا، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن متحركالزم صدور الحركة عن غير متحرك، وهذا مخالف للحس والعقل ؛ فإن المعلول إنما يكون مناسباً لعلته، فإذا كان المعلول يحدث شيئاً بعد شيء امتنع أن تكون علته باقية على حال واحدة: كما قلتم: يمتنع أن يحدث عنها شيء بعد أن لم يكن ؛ بل امتناع دوام الحدوث عنها أولى من امتناع حدوث متجدد ؛ فإن هذا يستلزم وجود الممتنع أكثر مما يستلزم ذاك. فإنه إذا قيل : من المعلوم بصريح العقل أن ما لم يكن فاعلا فلابد أن يحدث له سبب يوجب كونه فاعلا ، وأنه إذا كان حال الفاعل على الحال التى كان عليها قبل الفعل لم يفعل شيئاً ولم يحدث عنه شيء ، قيل لهم: وهذا المعلوم بصريح العقل موجب أنها لا يحدث عنها فى الزمان الثاني شيء لم يكن فى الزمان الأول إلا لمعنى حدث فيها، فإذا لم يحدث فيها شىء لم يحدث عنها شيء. فإذا قيل بدوام الحوادث عنها من غير أن يحدث فيها شىء كان هذا قولاً بوجود الممتعات دائماً ؛ فإنهما منحادث يحدث إلا قبلت الذات عند حدوثه لما كانت قبل حدوثه، وكانت قبل ذلك يمتنع عنها حدوثه؛ فالآن كذلك يمتنع عنها حدوثه. ٣٣٧ أو يقال: كانت لا تحدثه فهي الآن لا تحدث، فهي عند حدوث كل حادث كما كانت قبل ذلك، وقبل حدوثه لم تكن محدثة له بل كان ذلك ممتنعاً، فكذلك الحين الذي قدر فيه حدوثه يجب ان يكون الحدوث فيه ممتنعاً. وهذا مما اعترف حذاقهم بأنه لازم، کماذ کر ذلك ابن رشد والرازي وغيرهما ، واعترفوا بأن حدوث المتغير عن غير المتغير مخالف للعقلاء ، وابن سينا تفطن لهذا . ٣٣٨ سئل شيخ الإسلام :- قدس الله روحه ما يقول السادة العلماء - رضي الله عنهم أجمعين- عن جواب شبهة ((المعتزلة)) فى نفي الصفات ؟ ادعوا أن ((صفات الباري، ليست زائدة على ذاته)) لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أولا فإن يقم فقد تعلق وجوده بها، وصار مركباً من أجزاء، لا يصح وجوده إلا بمجموعها ، والمركب معلول؛ وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معلول ، وهما على الله محال ؛ فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته ، وهو المطلوب فأجابرضى الله عنه : (الحمد لله) : الذى دل عليه الكتاب والسنة: أن الله سبحانه له علم وقدرة، ورحمة ومشيئة، وعزة وغير ذلك ؛ لقوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ) وقوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكٌَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) وقوله: (إِنَّاللَّهَ هُوَ الرََّّاقُ ذُوْاَلْقُوَّةِ الْمَنِينُ) وقوله (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (رَبَّنَاوَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةً وَعِلْمًا ). ٣٣٩ وفى حديث الاستخارة الذي فى الصحيح: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم)) وفى حديث شداد بن أوس الذى فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ، أحيني ما كانت الحياة خير الي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» وفى الحديث الصحيح: ((لا وعزتك)» وهذا كثير. وفى الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: سأل الذي كان يقرأ بقل هو الله أحد فى كل ركعة - وهو إمام - فقال: إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن فقال: ((أخبروه أن الله يحبه)) فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على تسميتها صفة الرحمن . وفى هذا المعنى أيضاً آثار متعددة. فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذي يخبر به عن الله صفة له ، فإن الوصف هو الإظهار والبيان للبصر أو السمع ، كما يقول الفقهاء ثوب يصف البشرة أو لا يصف البشرة. وقال تعالى: ( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) وقال: (سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها ، حتى كأنه ينظر إليها)» والنعت الوصف. ومثل هذا كثير. و((الصفة)) مصدر وصفت الشيء أصفه وصفاً وصفة، مثل وعد وعدا وعدة، ووزن وزنا وزنة؛ وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول، كما يسمون المخلوق خلقاً، ويقولون: درم ضرب الأمير، فإذا وصف الموصوف، بأنه وسع كل شيء رحمة وعلماً: سمى المعنى الذي وصف به بهذا الكلام صفة . فيقال للرحمة والعلم والقدرة : صفة بهذا الاعتبار، هذا حقيقة الأمر. ٣٤٠