Indexed OCR Text

Pages 221-240

قابلاً لتلك الصفة، فيلزم التسلسل الممتنع . وقد بسطنا القول على عامة
ما ذكروه فى هذا الباب ، وبينا فساده وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة لمن
فهم هذا الباب.
وفضلاؤم - وم المتأخرون: كالرازي والآمدي والطوسي والحلي
وغيرهم - معترفون بأنه ليس لهم حجة عقلية على تفي ذلك؛ بل ذكر الرازي
وأتباعه أن هذا القول يلزم جميع الطوائف، ونصره فى آخر كتبه: ((كالمطالب
العالية)) - وهو من أكبر كتبه الكلامية الذي سماه «نهاية العقول فى دراية
الأصول)) - لما عرف فساد قول النفاة لم يعتمد على ذلك فى ((مسألة القرآن)).
فإن عمدتهم فى ((مسألة القرآن)) إذا قالوا: لم يتكلم بمشيئته وقدرته
- قالوا - لأن ذلك يستلزم حلول الحوادث؛ فلما عرف فساد هذا الأصل لم
يعتمد على ذلك فى ((مسألة القرآن)). فإن عمدتهم عليه؛ بل استدل بإجماع
مركب، وهو دليل ضعيف إلى الغاية ، لأنه لم يكن عنده فى نصر قول الكلابية
غيره ؛ وهذا مما يبين أنه وأمثاله تبين له فساد قول الكلابية.
وكذلك ((الآمدي)) ذكر فى ((أبكار الأفكار)) ما يبطل قولهم، وذكر
أنه لا جواب عنه ، وقد كشفت هذه الأمور فى مواضع ؛ وهذا معروف عند
عامة العلماء حتى الحلى بن المطهر ذكر فى كتبه أن القول بنفي ((حلول الحوادث))
لا دليل عليه، فالمنازع جاهل بالعقل والشرع.
٢٢١

وكذلك من قبل هؤلاء كأبي المعالي وذويه، إنما عمدتهم أن (الكرامية))
قالوا ذلك وتناقضوا، فيبينون تناقض الكرامية ، ويظنون أنهم إذا بينوا تناقض
الكرامية - وهم منازعوم - فقد فلجوا؛ ولم يعلموا أن السلف وأئمة السنة
والحديث - بل من قبل الكرامية من الطوائف - لم تكن تلتفت إلى
الكرامية وأمثالهم ؛بل تكلموا بذلك قبل أن تخلق الكرامية: فإن ابن كرام
كان متأخراً بعد أحمد بن حنبل، فى زمن مسلم بن الحجاج، وطبقته وأئمة
السنة والمتكلمون تكلموا بهذه قبل هؤلاء، وما زال السلف يقولون
بموجب ذلك .
لكن لما ظهرت ((الجهمية النفاة)) فى أوائل المائة الثانية، بين علماء
المسلمين ضلالهم وخطأم ؛ ثم ظهر رعنة الجهمية فى أوائل المائة الثالثة ،
وامتحن «العلماء»: الإمام أحمد وغيره، فجردوا الرد على الجهمية وكشف ضلالهم
حتى جرد الإمام أحمد الآيات التى من القرآن ، تدل على بطلان قولهم، وهي
كثيرة جداً .
بل الآيات التى تدل على ((الصفات الاختيارية)) التى يسمونها ((حلول
الحوادث)) كثيرة جداً، وهذا كقوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ
ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَأْ ) فهذا بين فى أنه إنما أمر الملائكة
بالسجود بعد خلق آدم؛ لم يأمرهم فى الأزل؛ وكذلك قوله: (إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) فإنما قال له : بعد
أن خلقه من تراب ؛ لا فى الأزل .
٢٢٢
خـ

وكذلك قوله فى ((قصة موسى »: (فَلَمَّا جَآءَ هَانُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِوَمَنْ
حَوْلَهَا ) وقال تعالى: ( فَلَمَّا أَتَّنْهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِلَيْمَنِ فِ الْبُّفْعَةِ
الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىَّ إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ) فهذا بين
فى أنه إنما ناداه حين جاء لم يكن النداء فى الأزل، كما يقوله ((الكلابية))
يقولون : إن النداء قائم بذات الله فى الأزل، وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال
منادياً له لكنه لما أتى خلق فيه إدرا كالما كان موجوداً فى الأزل .
ثم من قال منهم إن الكلام معنى واحد : منهم من قال: سمع ذلك المعنى
بأذنه كما يقول الأشعري ، ومنهم من يقول: بل أفهم منه ما أفهم ؛ كما يقوله:
القاضي أبو بكر وغيره ، فقيل لهم: عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد،
فموسى فهم المعنى كله أو بعضه ؟ إن قلتم كله فقد على على الله كله، وإن قلتم بعضه
فقد تبعض ، وعندكم لا يتبعض.
ومن قال من أتباع ((الكلابية)): بأن النداء وغيره من الكلام القديم
حروف، أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب، كما تقوله ((السالمية)) ومن
وافقهم، يقولون : إنه يخلق له إدرا كا لتلك الحروف والأصوات ؛ والقرآن
والسنة وكلام السلف قاطبة يقتضي أنه إنما ناداه وناجاه حين أنى؛ لم يكن النداء
موجوداً قبل ذلك ، فضلاً عن أن يكون قديماً أزلياً .
وقال تعالى: (فَلَمَّاذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَاسَوْءَ مُهُمَاوَ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ
الْجَنَّةِ وَنَادَ نهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّالشَّيْطَانَ لَكُمَاعَدُوٌّمُبِينٌ).
٢٢٣

وهذا يدل على أنه لما أ كلا منها ناداهما، لم ينادما قبل ذلك . وقال تعالى:
). ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ
وَيَوْمَ يُنَادِ يِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
)
أَيْنَ شُرَّكَآءِ ىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ ). جعل النداء فى يوم معين، وذلك اليوم
حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو حينئذ يناديهم ؛ لم ينادهم قبل ذلك.
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ
إِلَّا مَا يُتَى عَلَيْكُمْ غَيْرَيُحِلِى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُ إنّالَّ يَحْكُمُ مَايُرِيدُ ) .
فبين أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ، ويأمر بما يريد؛ فجعل التحليل
والتحريم والأمر والنهي متعلقاً بإرادته، وينهي بإرادته، ويحلل بإرادته ويحرم
بإرادته؛ و«الكلابية)» يقولون: ليس شيء من ذلك بإرادته؛ بل قديم لازم
لذاته غير مراد له ولا مقدور. و((المعتزلة مع الجهمية)) يقولون : كل ذلك
مخلوق منفصل عنه، ليس له كلام قائم به ، لا بإرادته ولا بغير إرادته، ومثل هذا
كثير فى القرآن العزيز .
٢٢٤

فصل
وكذلك فى ((الإرادة)) و((المحبة)) كقوله تعالى: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
أَنْ يَقُولَ لَهُ,َكُنْ فَيَكُونُ ). وقوله: (وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّيِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا *
إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ ) وقوله: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُه ◌َا مِنِينَ).
وقوله: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَّةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبِهَا فَفَسَقُواْفِبَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
(
وقوله: ( وَإِذَآأَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّلَهُ, ) وقوله: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ
أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا ) وقوله: (وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْ هَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) وأمثال ذلك
فى القرآن العزيز.
فإن جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال، مثل ((إن))
و ((أن)) وكذلك ((إذا)) ظرف لما يستقبل من الزمان؛ فقوله: (إذا أراد)
و (إن شاء الله) ونحو ذلك، يقتضى حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة.
وكذلك فى المحبة والرضا، قال الله تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَتَّبِعُونِي يُحْسِبْكُمُ اللَّهُ) فإن هذا يدل على أنهم إذا اتبعوه أحبهم الله ؛ فإنه جزم قوله :
((يحييكم)) به ، فجزمه جواباً للأمر، وهو فى معنى الشرط، فتقديره: (إن تتبعوني
يحييكم الله). ومعلوم أن جواب الشرط والأمر إنما يكون بعده لا قبله، فمحبة
الله لهم إنما تكون بعد اتباعهم للرسول ، والمنازعون : منهم من يقول : ما ثم
٢٢٥

محبة بل المراد ثواباً مخلوقاً، ومنهم من يقول: بل ثم محبة قديمة أزلية إما الإرادة
وإما غيرها ، والقرآن يدل على قول السلف أئمة السنة المخالفين للقولين .
وكذلك قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَانَهُ) فإنه يدل
على أن أعمالهم أسخطته، فهي سبب لسخطه، وسخطه عليهم بعد الأعمال؛ لاقبلها .
وكذلك قوله: (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ )، وكذلك قوله: ( إِن تَكْفُرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَّ وَإِن تَشْكُرُواْيَرَضَهُ لَكُمْ ) علق الرضا
بشكرم، وجعله مجزوماً جزاء له، وجزاء الشرط لا يكون إلا بعده.
وكذلك قوله: (إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِرِينَ) ( يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )
( يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ- صَفًا) ونحو ذلك ، فإنه
يدل على أن المحبة بسبب هذه الأعمال، وهي جزاء لها، والجزاء إنما يكون
بعد العمل والمسبب.
-
٢٢٦

فصل
وكذلك ((السمع)) و ((البصر)) و ((النظر)). قال الله تعالى: (وَقُلِ أَعْمَلُواْ
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) هذا فى حق المنافقين، وقال فى حق التائبين:
( وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وقوله ((فسيرى الله))
دليل على أنه يراها بعد نزول هذه الآية الكريمة ، والمنازع إما أن ينفي الرؤية ؛
وإما أن يثبت رؤية قديمة أزلية. وكذلك قوله ( ثُمَ جَمَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ آلْأَرْضِ
مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَكَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ، ولام كي تقتضي أن ما بعدها متأخر عن
المعلول ، فنظره كيف يعملون هو بعد جعلهم خلائف .
وكذلك (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى ◌ُّحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنِّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا) أخبر أنه يسمع تحاورهما حين كانت تجادل وتشتكي إلى الله
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ، فقولوا
ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم)) فجعل سمعه لنا جزاء وجواباً للحمد، فيكون
ذلك بعد الحمد، والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله وإجابته، ومنه قول الخليل
. (
(إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
وكذلك قوله: (لَّقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَغَحْنُ أَغْنِيَاءُ)
وقوله لموسى: ( إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى).
٢٢٧

و ((المعقول الصريح)» يدل على ذلك ، فإن المعدوم لا يرى، ولا يسمع
بصريح العقل واتفاق العقلاء؛ لكن قال من قال من ((السالمية)): إنه يسمع ويرى
موجوداً فى علمه لا موجوداً باتاً عنه، ولم يقل إنه يسمع ويرى بائناً عن الرب .
فإذا خلق العباد ، وعملوا، وقالوا ؛ فإما أن نقول إنه بسمع أقوالهم ويرى
أعمالهم ، وإما لا يرى ولا يسمع. فإن نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين ،
وتكذيب للقرآن ، وهما صفتا كمال لا نقص فيه ، فمن يسمع ويبصر أكمل
ممن لا يسمع ولا يبصر.
والمخلوق يتصف بأنه يسمع ويبصر، فيمتنع انصاف المخلوق بصفات الكمال
دون الخالق سبحانه وتعالى، وقد عاب الله تعالى من يعبد من لا يسمع ولا يبصر
فى غير موضع. ولأنه حي ، والحي إذا لم يتصف بالسمع والبصر الصف بضد
ذلك وهو العمى والصمم وذلك ممتع ، وبسط هذا له موضع آخر.
وإنما (المقصودهنا)) أنه إذا كان يسمح ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن
وجدت؛ فإما أن يقال : إنه تجدد، وكان لا يسمعها ولا يبصرها ، فهو بعد
أن خلقها لا يسمعها ولا يبصرها. وإن تجدد شيء : فإما أن يكون وجوداً
أو عدماً ؛ فإن كان عدماً فلم يتجدد شيء، وإن كان وجوداً : فإما أن يكون
قائماً بذات الله، أو قائمًا بذات غيره، و ((الثاني)) يستلزم أن يكون ذلك الغير هو
الذي يسمع ويرى، فيتعين أن ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله ،
وهذا لا حيلة فيه .
٢٢٨

و ((الكلابية)) يقولون فى جميع هذا الباب: المتجدد هو تعلق بين
الأمر والمأمور ، وبين الإرادة والمراد ، وبين السمع والبصر ، والمسموع
والمرئى فيقال لهم : هذا التعلق إما أن يكون وجوداً وإما أن يكون عدما ، فإن
كان عدماً فلم يتجدد شيء ، فإن العدم لا شيء وإن كان وجوداً بطل قولهم .
وأيضاً فحدوث ((تعلق)) هو نسبة ، وإضافة من غير حدوث ما يوجب
ذلك ممتع ، فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك.
وطائفة منهم ابن عقيل، يسمون هذه النسبة ((أحوالا)).
و ((الطوائف)) متفقون على حدوث ((نسب)) و((إضافات)) و((تعلقات))
لكن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع. فلا يكون نسبة وإضافة إلا
تابعة لصفة ثبوتية ؛ كالأبوة، والبنوة، والفوقية، والتحتية ، والتيامن ، والتياسر
فإنها لابد أن تستلزم أموراً ثبوتية.
وكذلك كونه («خالقاً)) و((رازقاً)) و((محسناً)) و((عادلاً)). فإن هذه
أفعال فعلها بمشيئته وقدرته ، إذ كان يخلق بمشيئته، ويرزق بمشيئته، ويعدل
بمشيئه، ويحسن بمشيئته. والذي عليه ((جماهير المسلمين)) من السلف. والخلف
أن الخلق غير المخلوق ؛ فالخلق فعل الخالق ، والمخلوق مفعوله ؛ ولهذا كان النبى
صلى الله عليه وسلم يستعيذ بأفعال الرب وصفاته، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم
((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك لا أحصى
ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.)) فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه.
٢٢٩

وقد استدل ((أئمة السنة)) كأحمد وغيره على أن ((كلام الله غير مخلوق)»
بأنه استعاذ به فقال: ((من نزل منزلاً فقال : أعوذ بكلمات الله التامة من شر
ما خلق ، لم يضره شيء حتى ير تحل منه.)) فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة
لأنه استعاذ بهما والعافية القائمة بيدن العبد مخلوقة ، فإنها نتيجة معافاته.
وإذا كان ((الخلق فعله)) و((المخلوق مفعوله)) وقد خلق الخلق بمشيئته
دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره ، فدل على أن أفعاله
قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته. وقد حكى البخاري إجماع العلماء
على الفرق بين الخلق والمخلوق، وعلى هذا يدل ((صريح المعقول)).
فإنه قد ثبت بالأدلة ((العقلية والسمعية)) أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق
محدث كائن بعد أن لم يكن ، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية ؛ وقد قال تعالى:
( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فهو حين خلق السموات
ابتداء ؛ إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا السموات والأرض ، وإما أن
لا يحصل منه فعل ؛ بل وجدت المخلوقات بلا فعل ، ومعلوم أنه إذا كان الخالق
قبل خلقها ومع خلقها سواء ، وبعده سواء، لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون
وقت بلا سبب يوجب التخصيص .
و ((أيضاً)) فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتع فى بداية العقل ، وإذا
قيل : الإرادة والقدرة خصصت. قيل : نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات
سواء؛ وأيضاً فلا تعقل إرادة تخصيص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب
٢٣٠

التخصيص؛((وأیضاً)) فلا بد عند وجودالمراد من سبب يقتضي حدوثه ، وإلا فلو
كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافياً؛ للزم وجوده قبل ذلك ، لأنه مع
الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور.
وقد احتج من قال: ((الخلق)) هو المخلوق - كأبي الحسن ومن اتبعه مثل
ابن عقيل - بأن قالوا: لو كان غيره لكان إما قديماً وإما حادثاً، فإن كان قديما
لزم قدم المخلوق، لأنهما متضايفان؛ وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث
ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل .
فأجابهم ((الجمهور)) - وكل طائفة على أصلها - فطائفة قالت : الخلق قديم
وإن كان المخلوق حادثاً، كما يقول ذلك كثير من أهل المذاهب الأربعة وعليه
أكثر الحنفية؛ قال هؤلاء: أنتم تسلمون لنا أن الإرادة قديمة أزلية، والمراد
محدث فنحن نقول فى الخلق ما قلتم فى الإرادة .
وقالت ((طائفة )): بل الخلق حادث فى ذاته ، ولا يفتقر إلى خلق آخر؛ بل
يحدث بقدرته . وأنتم تقولون : إن المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن ، فإن
كان المنفصل يحصل بمجرد القدرة، فالمتصل به أولى، وهذا جواب كثير من
الكرامية والهشامية وغيرم.
و ((طائفة)) يقولون: هب أنه يفتقر إلى فعل قبله، فلم قلتم: إن ذلك ممتنع؟
وقولكم: هذا تسلسل. فيقال : ليس هذا تسلسلا فى الفاعلين ، والعلل
٢٣١

الفاعلة ؛ فإن هذا ممتنع باتفاق العقلاء؛ بل هو تسلسل فى الآثار والأفعال، وهو
حصول شيء بعد شيء، وهذا محل النزاع.
((فالسلف)) يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء ؛ وقد قال تعالى:
﴿قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَفَدَ كَلِمَتُّ رَبِ وَلَوْ حِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ).
فكلمات اللّه لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل فى المستقبل فإن نعيم
الجنة دائم لا نفاد له، فما من شيء إلا وبعده شيء لا نهاية له.
٢٣٢

فصل
و ((الأفعال نوعان)): متعد، ولازم ؛ فالمتعدي مثل: الخلق والإعطاء
ونحو ذلك، واللازم: مثل الاستواء، والنزول، والمجىء، والإتيان . قال تعالى:
(اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
فذكر الفعلين : المتعدي واللازم ، وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته، وهو
متصف به ؛ وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع .
والمقصودهنا: أن القرآن يدل على ((هذا الأصل)) فى أكثر من مائة موضع.
وأما ((الأحاديث الصحيحة)) فلا يمكن ضبطها فى هذا الباب ، كما فى
الصحيحين: عن زيد بن خالد الجهني أن النبى صلى الله عليه وسلم، صلى بأصحابه
صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ، ثم قال : «أتدرون ماذا
قال ربكم الليلة؟قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل
الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا ،
ونوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي، مؤمن بالكوا كب)). وفى الصحاح حديث
الشفاعة، ((فيقول كل من الرسل إذا أتوا إليه: إن ربي قد غضب اليوم غضباً
٢٣٣

لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)) وهذا بيان أن الغضب حصل فى
ذلك اليوم لا قبله.
وفى الصحيح: ( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر السلسلة
على الصفوان) ، فقوله: إذا تكلم اللّه بالوحي سمع ، يدل على أنه يتكلم
به حين يسمعونه ، وذلك ينفى كونه أزليا ، وأيضاً فما يكون كبر السلسلة
على الصفا، يكون شيئاً بعد شيء ، والمسبوق بغيره لا يكون أزلياً .
وكذلك فى الصحيح «يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،
نصفها لى ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: (الْحَمْدُ لِتَّهِرَبِّ
الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله: أتى
علي عبدي . فإذا قال (مَلِكِ يَوْمِ الّذِينِ ) قال الله: مجدنى عبدي؛ فإذا قال:
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) قال الله هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي
صِرْطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
ما سأل؛ فإذا قال : ( أَهْدِنَا الصِرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ *
اُلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ) قال الله: هؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل
فقد أخبر أن العبد إذا قال ( الْحَمْدُ يِّهِ ) قال الله: حمدنى، فإذا قال
( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله: أثنى علي عبدي . الحديث.
وفى الصحاح حديث النزول ((ينزل ربنا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل
الآخر فيقول: من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرنى
فأغفر له؟)) فهذا قول وفعل فى وقت معين، وقد اتفق السلف على أن ((النزول))
٢٣٤

فعل يفعله الرب ، كما قال ذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد ، والفضيل بن عياض
وأحمد بن حنبل ، وغيرهم .
وأيضاً فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن
الصوت بالقرآن ، من صاحب القينة إلى قينته)) وفى الحديث الصحيح الآخر
((ما أذن الله لشيء كأذنه لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)). أذن
يأذن أذنا: أي استمع يستمع استماعاً، ( وَذَِتِْبِهَ وَحُقَّتْ ) . فأخبر أنه
يستمع إلى هذا ، وهذا .
وفى الصحيح (( لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ،وبصره الذي يبصر به، وبده التی یبطش بها
ورجله التى يمشي بها)) فأخبر أنه لايزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض .
وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تعالى قال:
«قال الله أنا عندظن عبدی بی، وأنا معه إذاذكرنی؛ إن ذكرنى فى نفسه ذكرته
فى نفسي، وإن ذكرنى فى ملاذكرته فى ملا خير منهم)) وحرف ((إن))
حرف الشرط ؛ والجزاء يكون بعد الشرط ، فهذا يبين أنه يذكر العبد إن
ذكره فى نفسه، وإن ذكره فى ملا ذكره فى ملا خير منهم، والمنازع يقول
ما زال يذكره أزلا وأبدا ، ثم يقول: ذكره، وذكر غيره، وسائر مايتكلم
الله به هو شيء واحد، لا يتبعض ولا يتعدد، فحقيقة قوله إن اللّه لم يتكلم.
ولا يتكلم، ولا يذكر أحداً .
٢٣٥

وفى صحيح مسلم فى حديث تعليم الصلاة (( وإذا قال الإمام سمع الله لمن
حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ يسمع الله لكم، فإن الله قال على
لسان نبيه سمع الله لمن حمده)) فقوله: سمع الله لمن حمده؛ لأن الجزاء بعد
الشرط، فقوله (( يسمع الله لكم)) مجزوم حرك لا لنقاء الساكنين ، وهذا
يقتضى أنه يسمح بعد أن تحمدوا .
٢٣٦

فصل
والمنازعون ((النفاة)) كذلك . منهم من ينفى الصفات مطلقا، فهذا يكون
الكلام معه فى الصفات مطلقا؛ لا يختص ((بالصفات الاختيارية)). ومنهم من
يثبت الصفات، ويقول لا يقوم بذاته شيء بمشيئته وقدرته ؛ فيقول: إنه لا يتكلم
بمشيئته واختياره ، ويقول: لا يرضى ويسخط، ويحب ويبغض، ويختار بمشيئته
وقدرته ، ويقول: إنه لايفعل فعلاً (( هو الخلق » يخلق به المخلوق، ولا يقدر
عنده على فعل يقوم بذاته، بل مقدوره لا يكون إلا منفصلاً منه، وهذا موضع
تنازع فيه النفاة .
فقيل: لا يكون ((مقدوره)) إلا بائناً عنه؛ كما يقوله الجهمية والكلابية
والمعتزلة، وقيل: لا يكون ((مقدوره)) إلا ما يقوم بذاته؛ كما يقوله: السالمية
والكرامية ، والصحيح: أن كليهما مقدور له .
أما ((الفعل)) فمثل قوله تعالى: ( قُلْ هُوَاُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا
أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْتِىَ المُؤَنَى )
مِن فَوْقِكُمْ أَوْمِن تَحْتِآَرْجُلِگُمْ ) وقوله: (
(
وقول الحواريين : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ
وقوله: ( أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
(
وقوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلِّقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى
٢٣٧

أَنْ يُحْيِىَ الْمَوْقَى) إلى أمثال ذلك مما يبين أنه يقدر على ((الأفعال)) كالإحياء ،
والبعث، ونحو ذلك.
وأما ((القدرة على الأعيان)) ففي الصحيح عن أبي مسعود قال: ((كنت
أضرب غلاماً لي فرآ نى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((اعلم أبا مسعود ! لله
أقدر عليك منك على هذا)) فقوله: ((لله أقدر عليك منك على هذا)) دليل على
أن القدرة تتعلق بالأعيان المنفصلة: ((قدرة الرب)) و ((قدرة العبد)). ومن
الناس من يقول : كلاهما يتعلق بالفعل كالكرامية، ومنهم من يقول : قدرة الرب
تتعلق بالمنفصل ، وأما قدرة العبد فلا تتعلق إلا بفعل فى محلها ، كالأشعرية .
و ((النصوص)» تدل على أن كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل، فإن
الله تعالى أخبر أن العبد يقدر على أفعاله كقوله: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) وقوله:
(وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَشُكُمْ مِن فَيَتِّكُمُ) فدل على أن منا من يستطيع ذلك، ومنا من لم يستطع .
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم
الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) . أخرجاه فى
الصحيحين. وقوله: ((إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل))
وقوله فى الحديث الذي فى الصحيح: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))
وقد أخبر أنه قادر على عبده، وهؤلاء الذين يقولون: لا تقوم به (( الأمور
الاختيارية)) عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها ، وما لم يخل من
الحوادث فهو حادث، وقد نازعهم الناس فى كلا ((المقدمتين)) وأصحابهم
٢٣٨

المتأخرون كالرازي والآمدي قدحوا فى ((المقدمة الأولى)» فى نفس هذه المسألة
وقدح الرازي فى ((المقدمة الثانية )) فى غير موضع من كتبه ، وقد بسط
الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع .
وقولهم: إنا عرفنا حدوث العالم بهذه الطريق، وبه أثبتنا (الصانع)) يقال
لهم : لا جرم ابتدعتم طريقاً لا يوافق السمع ولا العقل ، فالعالمون بالشرع
معترفون أنكم مبتدعون محدثون فى الإسلام ما ليس منه، والذين يعقلون
ما يقولون ، يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم، وأن ما جعلتموه دليلاً على إثبات
الصانع ، لا يدل على إثباته بل هو استدلال على نفي ((الصانع)). وإثبات
((الصانع) حق، وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم، بأن ما لم يخل
من الحوادث فهو حادث .
وأما كون ((طريقكم مبتدعة)) ما سلكها الأنبياء ولا أتباعهم ولا سلف
الأمة ؛ فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول - وإن كانت معرفته متوسطة؛
لم يصل فى ذلك إلى الغابة - يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس
فى معرفة الصانع وتوحيده، وصدق رسله إلى الاستدلال بثبوت الأعراض،
وأنها حادثة، ولازمة للأجسام؛ وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع
حوادث لا أول لها.
فعلم بالاضطرار أن ((هذه الطريق)) لم يتكلم بها الرسول ولا دعا إليها
ولا أصحابه، ولا تكلموا بها، ولا دعوا بها الناس . وهذا يوجب العلم
الضروري من دين الرسول فإن عند الرسول والمؤمنين به ، أن الله يعرف
٢٣٩

ويعرف توحيده، وصدق رسله بغير هذه الطريق ، فدل الشرع دلالة ضرورية
على أنه لا حاجة إلى هذه الطريق ، ودل ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب
والسنة على أنها طريق باطلة . فدل الشرع على أنه لا حاجة إليها ، وأنها باطلة .
وأما العقل فقد بسط القول فى جميع ما قيل فيها، فى غير هذه المواضع،
وبين أن أئمة أصحابها قد يعترفون بفسادها من جهة العقل . كما يوجد فى كلام
أبي حامد والرازي وغيرها بيان فسادها .
ولما ظهر فسادها للعقل تسلط ((الفلاسفة)) على سالكيها، وظنت
الفلاسفة أنهم إذا قدحوا فيها فقد قدحوافى دلالة الشرع ظناً منهم أن الشرع
جاء بموجبها، إذ كانوا أجهل بالشرع والعقل من سالكيها، فسالكوها لاللإسلام
نصروا ، ولا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عليهم ، وعلى الإسلام. وهذا
كله مبسوط فى مواضع .
وإنما ((المقصودهنا)): أن يعرف أن نفيهم ((للصفات الاختيارية)) التى
يسمونها حلول الحوادث ليس لهم دليل عقلي عليه ، وحذاقهم يعترفون بذلك
وأما السمع فلا ريب أنه مملوء بما يناقضه، والعقل أيضاً يدل على نقيضه من
وجوه نبهنا على بعضها.
ولما لم يكن مع أصحابها حجة ((لا عقلية، ولا سمعية)): من الكتاب والسنة
احتال متأخروم فسلكوا ((طريقاً سمعية)) ظنوا أنها تنفعهم ، فقالوا: هذه
الصفات إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها ، وإن كانت صفات
٢٤٠