Indexed OCR Text

Pages 161-180

كداود بن على الأصبهانى - صاحب المذهب - لكن المنقول عن أحمد إنكار
ذلك، وقد يحتج به لأحد قولي أصحابنا .
قال المروذي، قال أبو عبد الله: من داود بن على الأصبهاني؟- لافرج الله
عنه، جاءفى كتاب محمد بن يحي النيسابورى، أن داود الأصبهاني، قال كذبا: إن
القرآن محدث، وذكر أبو بكر الخلال هذه الرواية فى ((كتاب السنة))، وقال
عبد الله بن أحمد: استأذن ((داود)) على أبى فقال: من هذا . داود ؟ لا جبر
ود الله قلبه، ودود الله قبره، فمات مدوداً .
والإطلاقات قد توج خلاف المقصود، فيقال: إن أردت بقولك محدث
أنه مخلوق منفصل عن الله - كما يقوله الجهمية، والمعتزلة، والنجارية - فهذا
باطل لا نقوله؛ وإن أردت بقولك: إنه كلام تكلم الله به بمشيئته، بعد أن لم يتكلم
به بعينه - وإن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك ، مع أنه لم يزل متكلما إذا شاء
فإنا نقول بذلك . وهو الذى دل عليه الكتاب والسنة ، وهو قول السلف ،
وأهل الحديث؛ وإنما ابتدع القول الآخر الكلابية، والأشعرية؛ ولكن أهل
هذا القول لهم قولان .
(أحدهما): أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلماً؛ وإن كان قادراً على الكلام،
كما أنه خلق السموات والأرض ، بعد أن لم يكن خلقهما، وإن كان قادراً على
الخلق . وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقول إنه محله الحوادث، بعد أن لم
تكن تحله ، وقول من قال: إنه محدث يحتمل هذا القول ، وإنكار أحمد
يتوجه إليه .
١٦١

( والثانى): أنه لم يزل متكلماً يتكلم إذا شاء. وهذا هو الذى يقوله من
يقوله من أهل الحديث .
وأصحاب هذا القول: قد يقولون: إن كلامه قديم ، وأنه ليس بحادث ولا
محدث؛ فيريدون نوع الكلام، إذ لم يزل يتكلم إذا شاء؛ وإن كان الكلام
العينى يتكلم به إذا شاء ، ومن قال: ليست تحل ذاته الحوادث، فقد يريد به
هذا المعنى . بناء على أنه لم يحدث نوع الكلام فى كيفية ذاته .
وقال أبو عبد الله بن حامد فى ((أصوله)) ومما يجب الإيمان به والتصديق
أن الله يتكلم ؛ وأن كلامه (قديم) وأنه لم يزل متكلما فى كل أوقاته بذلك
موصوفا، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة، وقد يجيء على المذهب
أن يكون الكلام صفة متكلم لم يزل موصوفا بذلك، ومتكلما كلما شاء وإذا
شاء ولا نقول: إنه ساكت فى حال ومتكلم فى حال. من حين حدوث الكلام.
والدليل على إثباته متكلما على ما وصفناه: كتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع
أهل الحق، إلا طائفة الضلال ((المعتزلة)) وغيرهم من المتكلمين؛ فإنهم أبوا أن
يكون الله متكلماً، وذكر بعض أدلة الكتاب والسنة . ثم قال بعد ذلك.
١٦٢

فصل
ولا خلاف عن أبي عبد الله ، أن الله كان متكلماً بالقرآن قبل أن يخلق
الخلق، وقبل كل الكائنات موجوداً، وأن الله فيما لم يزل متكلماً كيف
شاء وكما شاء ؛ وإذا شاء أنزل كلامه ، وإذا شاء لم ينزله.
وأبى ذلك ((المعتزلة)) فقالوا : حادث بعد وجود المخلوقات .
قلت : فقد حكى القولين ابن حامد أيضاً مع أنه يذكر الاتفاق عنه ، على
أنه لم يزل متكلماً كيف شاء وكما شاء ؛ لكنه نفى على القولين أن يقال: هو
ساكت فى حال، ومتكلم فى حال ، فأثبت أن يقال: هو متكلم كما شاء،
وإذا شاء ، ولا يقال إنه ساكت فى حال .
وهكذا تقول الكرامية ، إنه لا يوصف بالسكوت والنزول فيما لم يزل
لکن بین کلامه وکلامهم فرق، کما سأحكيه.
قال أبو عبد الله بن حامد فى ((صفات الفعل)).
١٦٣

فصل
ومما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الحق سبحانه ينزل إلى سماء
الدنيا فى كل ليلة، وينزل يوم عرفة، من غير تكييف ولا مثل، ولا تحديد
ولا شبه وقال : هذا نص إمامنا .
قال يوسف بن موسى: قلت ((لأبي عبد الله)): ينزل الله إلى سماء الدنيا
كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم، وقال فى مسألة ((الاستواء على العرش))
فيما رواه عنه حنبل : ربنا على العرش بلا حد ولا صفة.
وقال فى رواية المروذي قيل له عن ابن المبارك: يعرف الله على العرش بحد؟
قال : بلغني ذلك وأعجبه. ثم قال أبو عبد الله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى
ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) وقال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّاصَفًا).
قال ابن حامد: فالمذهب على ما ذكرنا لا يختلف أن ذاته تنزل ، ورأيت
بعض أصحابنا يروي عن أبي عبد الله فى الإتيان أنه قال : بأتى بذاته ، قال: وهذا
على حد التوم من قائله ، وخطإ من إضافته إليه كما قررنا عنه من النص.
قال ابن حامد : فإذا تقرر هذا الأصل فى نزول ذاته من غير صفة ولا حد،
١٦٤

فإنا نقول : إنه بانتقال من مكانه الذى هو فيه ، إلا أن طائفة من أصحابنا، قالت:
ينزل من غير انتقال من مكانه كيف شاء ، قال: والصحيح ما ذكرنا
لا غيره.
قال: وقد أبى أصل ((هذه المسألة)) أهل الاعتزال، فقالوا: لا نزول له ولا
حركة ، ولا له من مكانه زوال ، وهو بكل مكان على ما كان ؛ قال : وهذا
منهم جهل قبيح لنص الأخبار . وساق بعض الأحاديث المأثورة فى ذلك قال .
١٦٥

فصل
ومما يجب التصديق به، والرضا: مجيئه إلى الحشر يوم القيامة بمثابة نزوله
إلى سمائه، وذلك بقوله: (وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا ) وقال تعالى:
قال:
( وَأَشْرَقَتِ اُلْأَرْضُ بِنُورِرَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِىّءَ بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ).
وهذا دليل على أنه إذا جاءم وجلس على كرسيه أشرقت الأرض كلها بأنواره.
وعبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب ((الحيدة)) و ((الرد على الجهمية
والقدرية)) كلامه فى الحيدة والرد على الجهمية يحتمل ذلك ؛ فإن مضمون الحيدة
أنه أبطل احتجاج بشر المريسى بقوله: ( اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ) وقوله:
( إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّاعَرَبِيًّا). ثم إنه احتج على المربسي بثلاث حجج:
( الأولى) أنه قال : إذا كان مخلوقاً فإما أن تقول خلقه فى نفسه، أو خلقه
فی غیره، أو خلقه قائماً بنفسه وذاته .
قال : فإن قال : خلق كلامه فى نفسه فهذا محال، ولا يجد السبيل إلى
القول به من قياس ولا نظر ، ولا معقول؛ لأن الله لا يكون مكاناً للحوادث،
١٦٦

ولا يكون فيه شىء مخلوق ، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شىء إذا خلقه - تعالى
الله عن ذلك ، وجل وتعظم .
وإن قال : خلقه فى غيره فيلزمه فى النظر والقياس ، أن كل كلام خلقه
الله فى غيره فهو كلام الله، لا يقدر أن يفرق بينهما . أفيجعل الشعر كلاماً لله ؟
ويجعل قول القذر كلاماً لله؟ ويجعل كلام الفحش والكفر كلاماً لله؟ وكل
قول ذمه الله وذم قائله كلاماً لله؟ وهذا محال لا يجد السبيل إليه، ولا إلى
القول به لظهور الشناعة ، والفضيحة والكفر على قائله.
وإن قال خلقه قائماً بذاته ونفسه ، فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد
إلى القول به سبيلا، فى قياس ولا نظر، ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا
من متكلم ، كما لا تكون الإرادة إلا من حريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا
القدرة إلا من قدير ، ولا رؤى ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه
يتكلم بذاته .
فلما استحال من هذه الجهات الثلاث أن يكون مخلوقاً، ثبت أنه صفة لله
وصفات الله كلها غير مخلوقة .
و (الحجة الثانية ): اتفق هو وبشر على أنه كان اللّه ولا شيء، وكان ولما
يفعل ولم يخلق شيئاً.
قال له: فبأي شيء أحدث الأشياء؟ قال: أحدثها بقدرته التى لم تزل.
١٦٧

قال ((عبد العزيز)): فقلت صدقت أحدثها بقدرته التى لم تزل ؛ أفليس
تقول إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى. فقلت له : أفتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال:
لا أقول هذا . قلت له : فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان
عن القدرة ، وليس الفعل هو القدرة ؛ لأن القدرة صفة لله ولا يقال صفة
الله هي الله ، ولاهي غير الله .
قال بشر: ويلزمك أنت أيضاً أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، فإذا
قلت ذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
فقلت له: ليس لك أن تحكم علي، وتلزمنى ما لا يلزمنى وتحكي عني
ما لم أقل إنه لم يزل الخالق يخلق ، ولم يزل الفاعل يفعل فتلزمني ما قلت وإنما
قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل ، ولم يزل الخالق سيخلق ، لأن الفعل صفة لله
يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع .
قال بشر : وأنا أقول : إنه أحدث الأشياء بقدرته . فقل أنت ما شئت.
قال عبد العزيز: فقلت : يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء
وأنه أحدث الأشياء ، بعد أن لم تكن شيئاً بقدرته، وقلت : إما أنه أحدثها
بأمره وقوله عن قدرته، فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله
بقول قاله ، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، وأي ذلك كان فقد ثبت أن
هنا إرادة ومريد ومراد، وقول وقائل ومقول له، وقدرة وقادر ومقدور
١٦٨

عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل الخلق متقدم فليس هو
من الخلق.
قلت : قوله قبل الخلق هو المريد القائل القادر ، وإرادته وقوله وقدرته ،
وأما المراد المقدور عليه المقول له : فإما أن يريد ثبوته فى العلم بقوله له كن
أو لم يدخل فى اللفظ . وهذا الكلام يقتضي أن (١) وقد قال لم يزل سيفعل،
وقد فسره أيضاً بفعله كما تقدم.
وذكر أبو عبد الله الحاكم فى تاريخ نيسابور فى ترجمة الإمام محمد
ابن إسحاق بن خزيمة : قضية طويلة، فى الخلاف الذي وقع بينه وبين بعض
أصحابه : مثل أبي علي الثقفي، وأبي بكر أحمد بن إسحاق الضعي ، وأبى بكر
ابن أبى عثمان الزاهد، وأبى محمد بن منصور القاضى، فذكر أن طائفة رفعوا
إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري ، وأنهم على
مذهب الكلابية ، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية.
قال الحاكم فحدثنى أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم ، قال: اجتمعنا ليلة
عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله، أقديم لم يزل؟ أو يثبت عند
إخباره تعالى أنه تكلم به ، فوقع بيتنا فى ذلك خوض. قال جماعة منا: إن
كلام الباري قديم لم يزل ، وقال جماعة : إن كلامه قديم غير أنه لا يثبت
إلا بإخباره بكلامه .
(١) سقط مقدار ثلاث كلمات .
١٦٩

فبكرت أنا إلى أبى علي الثقفي وأخبرته بما جرى ، فقال : من أنكر أنه
لم يزل فقد اعتقد أن كلام الله محدث، وانتشرت ((هذه المسألة)) فى البلد،
وذهب منصور الطوسي فى جماعة معه إلى أبى بكر محمد بن إسحاق ، وأخبروه
بذلك؛ حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية
وهذا مذهبهم؟ فجمع أبو بكر أصحابه وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض
فى الكلام؟ ولم يزدم على هذا ذلك اليوم.
ثم ذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف فى الرد عليهم ، وأنهم
ناقضوه ونسبوه إلى القول بقول جهم فى أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية .
قال الحاكم: سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقري، يقول : سمعت
أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به : إن القرآن كلام الله، ووحيه ،
وتنزيله غير مخلوق ؛ ومن قال : إن القرآن أو شيئاً منه وعن وحيه وتنزيله
مخلوق . أو يقول : إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به فى الأزل ،
أويقول : إن أفعال الله مخلوقة ؛ أو يقول : إن القرآن محدث؛ أو يقول: إن
شيئاً من صفات الله ، صفات الذات ، أو اسما من أسماء الله مخلوق : فهو عندي
جهمي يستتاب ؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل ؛ هذا
مذهبي، ومذهب من رأيت من أهل الأثر فى الشرق والغرب، من أهل العلم.
ومن حكى عني خلاف هذا: فهو كاذب باهت ، ومن نظر فى كتى المصنفة
فى العلم ظهر له، وبان أن الكلابية - لعنهم الله - كذبة فيما يحكون عنى مما
هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب ؛ أنه لم يصنف أحد
١٧٠

فى التوحيد، وفى القدر وفى أصول العلم مثل تصنيفي؛ فالحاكي خلاف ما فى
كتبي المصنفة كذبة فسقة .
وذكر عن ابن خزيمة أنه قال : زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا فى
سليلنا هذه: أن الله لا يكرر الكلام، فلام يفهمون كتاب الله ؛ إن الله قد أخبر
فى نص الكتاب فى مواضع أنه خلق آدم ، وأنه أمر الملائكة بالسجود له؛ فكرر
هذا الذكر فى غير موضع ، وكرر ذكر كلامه لموسى مرة بعد أخرى، وكرر
ذكر عيسى بن مريم فى مواضع، وحمد نفسه فى مواضع فقال:
(الْحَهْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ ) و (الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)
الآية. و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ) وكرر زيادة على ثلاثين
كرة: (فَأَتِءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ولم أتوم أن مسلماً يتوم أن الله لا يتكلم
بشيء مرتين، وهذا مقالة من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز
أن يقول: خلق الله شيئاً واحداً مرتين.
وقال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول : لما وقع من أمرنا
ما وقع ، ووجد بعض المخالفين - يعنى المعتزلة - الفرصة فى تقرير مذهبهم
بحضرتنا، واغتنم بعض الموافقين السعي فى فساد الحال انتصب أبو عمرو الخيري
للتوسط فيما بين الجماعة بلاميل، وذكر أنهم اجتمعوا بداره.
وقال أبو علي الثقفي للإمام : ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى
ترجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد
١٧١

الناس على عبد الله بن سعيد. وعلى أصحابه ؛ مثل الحارث وغيره ، حتى طال
الخطاب بينه وبين أبي على فى هذا الباب.
فقلت : قد جمعت أنا أصول مذاهبنا فى طبق ؛ فأخرجت إليه الطبق
وقلت: تأمل ما جمعته بخطي ، وبينته من هذه المسائل ؛ فإن كان فيها شيء
شكره؛ فبين لنا وجهه حتى ترجع عنه فأخذ من ذلك الطبق وما زال يتأمله،
وينظر فيه حتى وقف عليه، ثم رفع رأسه وقال : لست أرى شيئاً لا أقول به ،
وكله مذهبى ، وعليه رأيت مشايخي .
وسألته أن يثبت بخطه آخر تلك الأحرف أنه مذهبه؛ ثم قصده أبو فلان
وفلان وفلان، وقالوا: إن الأستاذ لم يتأمل ما كتبه بخطه، وقد غدروا بك
وغير واصورة الحال .
قال الحاكم: وهذه نسخة الخط يقول أبو بكر أحمد بن إسحاق ، ويحيى بن
منصور : كلام الله صفة من صفات ذاته ؛ ليس شيء من كلام الله خلق ولا مخلوق،
ولا فعل ولا مفعول، ولا محدث ولا حدث ولا أحداث؛ فمن زعم أن شيئاً منه
مخلوق أو محدث؛ أو زعم أن الكلام من صفة الفعل ؛ فهو جهمي ضال مبتدع .
وأقول : لم يزل اللّه متكلماً، ولا يزال متكلما والكلام له صفة ذات،
لا مثل لكلامه من كلام خلقه ، ولا نفاد لكلامه، لم يزل ربنا بكلامه، وعامه
وقدرته، وصفات ذاته واحداً؛ لم يزل ولا يزال.
كلم ربنا أنبياءه وكلم موسى، والله الذي قال له: (إِنَّنِى أَنَا اللهُلَا إِلَهَ إِلَّآ أَنَا
١٧٢

فَاعْبُدْنِ) ويكلم أولياءه يوم القيامة، ويحييهم بالسلام؛ قولا فى دار عدنه، وينادي
عباده فيقول: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ )، ويقول: (لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ
اُلْوَحِدِ اُلْقَهَّارِ ).
ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب ، ويقول لهم: ( أَخْسَنُواْ فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونِ ).
ويخلو الجيار بكل أحد من خلقه فيكلمه؛ ليس بينه وبين أحد منهم
ترجمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ويكلم ربنا جهنم فيقول لها: هل
امتلأت ؟ وينطقها فتقول : هل من مزيد .
فمن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة ، ولم يتكلم إلا ما تكلم به ؛ ثم انقضى
كلامه كفر بالله؛ بل لم يزل الله متكلماً، ولا يزال متكلماً، لا مثل لكلامه ؛
لأنه صفة من صفات ذاته ، نفى الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه ،
ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال: ( كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ
إِلَّا وَجْهَهُ ) وقال: (قُل لَّؤْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّ).
كلام الله غير بائن عن الله . ليس هو دونه ، ولا غيره ولا هو ؛ بل هو
صفة من صفات ذاته كعلمه الذي هو صفة من صفات ذاته ، لم يزل ربنا عالما
ولا يزال عالماً، ولم يزل متكلما ولا يزال يتكلم ؛ فهو الموصوف بالصفات
١٧٣

العلى؛ لم يزل بجميع صفاته التى هي صفات ذاته واحداً، ولا يزال: ( وَهُوَ
اُللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .
كلم موسى فقال له: ( إِنَّ أَنَاْرَبُّكَ ) فمن زعم أن غير الله كلمه كفر بالله .
فإن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول : هل من داع فأجيبه؟ هل من نائب
فأتوب عليه؟ فمن زعم أن علمه ينزل أو أمره ضل، بل ينزل إلى سماء الدنيا:
المعبود سبحانه، الذي يقال له : يارحمن يارحيم !!
فيكلم عباده بلا كيف ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) بلاكيف، لا كما
قالت الجهمية إنه على الملك احتوى ، ولا استولى ؛ بل استوى على عرشه بلا
كيف، وهو الله الذي له الأسماء الحسنى، فمن زعم أن اسماً من أسمائه مخلوق أو
محدث فهو جهمي ، والله يخاطب عباده عوداً وبدءاً، ويعيد عليهم قصصه وأمره
ونهيه، قرناً فقرناً من زعم أن الله لا يخاطب عباده ، ولا يعيد عليهم قصصه،
وأمره ونهيه، عوداً وبدءاً : فهو ضال مبتدع ، بل الله بجميع صفات ذاته واحد
لم يزل ولا يزال ، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله
فغير مخلوق ، و کل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق .
وأقول : أفعال العباد كلها مخلوقة ؛ وأقول: الإيمان قول وعمل يزيد
وينقص؛ وخير الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم
عثمان، ثم على.
١٧٤

وأقول: إن أهل الكبائر فى مشيئة الله إذا ماتوا، إن شاء عذبهم، ثم غفر
لهم، وإن شاء غفر لهم من غير تعذيب.
وأخبار الآحاد مقبولة إذا نقلها العدول ، وهي توجب العمل ، وأخبار
التواطؤ توجب العلم والعمل.
وصورة خط الإمام ابن خزيمة يقول: محمد بن إسحاق أقر عندي أبو بكر
أحمد بن إسحاق ، وأبو محمد يحيى بن منصور بما تضمن بطن هذا الكتاب؛
وقد ارتضيت ذلك أجمع؛ وهو صواب عندى .
قال الحاكم: سمعت أبا الحسن على بن أحمد البوشنجي (١) الزاهد يقول فى
ضمن قصة: لما انتهى إلينا ما وقع بين مشايخ نيسابور من الخلاف، خرجت من
وطني حتى قصدت نيسابور ؛ فاجتمع علىَّ جماعة يسألون عن تلك المسائل ؛ فلم
أنكلم فيها بقليل ولا كثير.
ثم كتبت: القول ما قاله أبو على. ودخلت الرَّىِّ على عبد الرحمن بن أبى
حاتم. فأخبرته بما جرى فى نيسابور، بين أبي بكر وأصحابه ، فقال: ما لأبي بكر
والكلام؟! إنما الأولى بنا وبه أن لا تتكلم فيما لم نعلمه . خرجت من عنده
حتى دخلت على أبي العباس الفلاني ، فشرح لي تلك المسائل شرحا واضحاً،
وقال: كان بعض القدرية من المتكلمين: دفع إلى محمد بن إسحاق، فوقع
لكلامه عنده قبول .
(١) هذا الاسم فى الأصل بدون نقط .
١٧٥

ثم ذكر أنه عرض تلك المسائل على من وجده ببغداد من الفقهاء،
والمتكلمين، فتابعوا أبا العباس على مقالته؛ واغتنموا لأبي بكر بن إسحاق فيما
أظهره ؛ وأنه بعد ذلك قدم من نيسابور أبو عمرو النجار فكتب لأبى بكر
محمد بن إسحاق إلى جماعة من العلماء فى تلك المسائل ، وأنهم كانوا يرفعون من
خالف أبا بكر بن خزيمة إلى السلطان .
قال الحاكم سمعت أبا على محمدبن إسحاق الأبيور دى يقول: حضرت قرية
فلانة فى تسليم لصغير اتباعها (١) عبد الله بن حمشاد من بنى فلان، وحضرها
جماعة من أعيان البلد، وكان قد حضرها إسحاق بن أبى الفرد والى نيسابور؛
فأقرأنا كتاب حمويه بن على إليه بأن يمتثل فيهم أمر أبى بكر محمد بن إسحاق
ابن خزيمة من النفي، والضرب والحبس.
قال : فقام عبد الله بن حمشاد من ذلك المجلس فقال : طوبام إن كان
ما يقال مكذوبا عليهم. قال أبو على ثم قال لي عبد الله بن حمشاد: من غد ذلك
اليوم، إنى رأيت البارحة فى المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزى لكمنى
برجله ثم قال: كأنك فى شك من أمور هؤلاء الكلابية، قال: ثم نظر إلى محمد
ابن إسحاق فقال: (هَذَابَلَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكُرَ
أُوْلُواْالْأَلْبُبِ ) .
(١) كذا بالأصل رسم هذه الكلمات تقريباً.
١٧٦

وذكر الحاكم: سمعت أبا محمد الأنماطي العبد الصالح، يقول: لما
استحكمت تلك الوقعة ، وصار لا يجتمع عشرة فى البلد إلا وقع بينهم تشاجر
فيه، وصار أكثر العوام يتضاربون فيه؛ خرج أبو عمرو الخيري إلى الرّي والأمير
الشهيد بها، حتى ينجز كتباً إلى خليفته. كتاب إلى أبى بكر بن إسحاق بأن ينفي من
البلد الأربعة الذين خالفوا أبا بكر. ثم ذكر أنهم عقدوا لهم مجلساً .
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، فى اعتقاد
أهل السنة؛ وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة .
(باب القول فى القرآن )
اعلم أن الله متكلم قائل ، مادح نفسه بالتكلم ؛ إذ عاب الأصنام والعجل
أنها لا تتكلم ، وهو متكلم كلما شاء تكلم بكلام لا مانع له ولا مكره،
والقرآن كلامه هو تكلم به ؛ وقد تأول ابن عقيل كلام شيخ الإسلام بنحو
ما تأول به القاضي كلام أحمد .
وقال شيخ الإسلام أيضاً فى كتاب «مناقب الإمام أحمد بن حنبل)» فى باب
الإشارة عن طريقته فى الأصول ؛ لما ذكر كلامه فى مسائل القرآن وترتيب
البدع التى ظهرت فيه، وأنهم قالوا أو لا هو مخلوق ، وجرت المحنة العظيمة
ثم ظهرت مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسى وغيره.
إلى أن قال : ثم جاءت طائفة فقالت : لا يتكلم بعد ما تكلم ؛ فيكون
١٧٧

كلامه حادثاً . قال : وهذه سخارة أخرى تقذي فى الدين غير عين واحدة.
فانتبه لها أبو بكر بن إسحاق اللنجرودي ابن خزيمة وكانت حينئذ نيسابور
دار الآثار تمد إليها الرقاب وتشد إليها الركاب، ويجلب منها العلم.
وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي، والضبعى ، مع ماجمعا من الحديث
والفقه . والصدق، والورع، واللسان، والتثبت، والقدر، والمحفل، لا يسرون
بالكلام ، واشتمام لأهله ؛ فابن خزيمة فى بيت ، ومحمد بن إسحاق السراج فى
بيت ، وأبو حامد بن الشرقى فى بيت .
قال شيخ الإسلام: فطار لتلك الفتنة ذاك الإمام أبو بكر ؛ فلم يزل
يصيح بتشويهها، ويصنف فى ردها؛ كأنه منذر جيش ، حتى دون فى الدفاتر
وتمكن فى السرائر ؛ ولقن فى الكتاتيب ونقش فى المحاريب : أن الله
متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت ؛ فجزى الله ذاك الإمام، وأولئك النفر
الغر عن نصرة دينه ، وتوقیر نبیه خيراً .
قلت : فى حديث سلمان عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((الحلال ما أحل
الله فى كتابه، والحرام ما حرم الله فى كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))
رواه أبو داود .
وفى حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله فرض
فرائض فلا تضيعوها ؛ وحدد حدوداً فلا تعتدوها وحرم محارم فلا
تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها)).
١٧٨

ويقول الفقهاء فى دلالة المنطوق والمسكوت ، وهو ما نطق به الشارع وهو
الله ورسوله، وماسكت عنه تارة تكون دلالة السكوت أولى بالحكم من
المنطوق؛ وهو مفهوم الموافقة، وتارة تخالفه وهو مفهوم المخالفة ، وتارة تشبهه
وهو القياس المحضر.
فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت ؛ لكن السكوت يكون
تارة عن التكلم ، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه ؛ كما قال فى الصحيحين
عن أبي هريرة يا رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ؟
قال أقول: ((اللهم باعد بينى وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب))
إلى آخر الحديث .
فقد أخبره أنه ساكت وسأله ماذا تقول ؟ فأخبره أنه يقول فى حال
سكوته ؛ أي سكوته عن الجهر والإعلان ، لكن هذان المعنيان المعروفان فى
السكوت لا تصح على قول من يقول: إنه متكلم كما أنه عالم؛ لا يتكلم عند خطاب
عباده بشيء ؛ وإنما يخلق لهم إدرا كا ليسمعوا كلامه القديم ، سواء قيل هو
معنى مجرد، أو معنى وحروف ؛ كما هو قول ابن كلاب والأشعري ، ومن قال
بذلك من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم .
فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت وهو المشهور من قولهم ، أو يطلقوا لفظه
ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به الكلام القديم ، والنصوص
١٧٩

تبهرهم، مثل قوله: (( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كبر السلسلة
على الصفا)).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية:
((أتدرون ماذا قال ربكم الليلة))؟ وتکلیمه لموسی ونداؤه له كما دل
عليه الكتاب والسنة ، وعلى قولهم يجوز أن يسمع كل أحد الكلام الذي
سمعه موسی .
ثم من تفلسف منهم كالغزالي فى ((مشكاة الأنوار)) وَجَدَهُ يجوز مثل
ذلك لأهل الصفاء، والرياضة؛ وهو ما يتنزل على قلوبهم من الإلهامات،
كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون)). وقول
أبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت: (( رؤيا المؤمن كلام تكلم به الرب عنده
فی منامه».
فيجعلون ((الإيحاء)) و ((الإلهام)) الذى يحصل فى اليقظة والمنام، مثل سماع
موسى كلام الله سواء لا فرق بينهما؛ إلا أن موسى قصد بذلك الخطاب وغيره
سمع ما خوطب به غيره.
ثم عند ((التحقيق)) يرجعون إلى محض الفلسفة ؛ فى أنه لا فرق بين موسى
وغيره بحال، كما أن هؤلاء المتأولة المتفلسفة يجعلون خلع ((النعلين)) إشارة
إلى ترك العالمين، و ((الطور)) عبارة عن العقل الفعال، ونحو ذلك من تأويلات
١٨٠