Indexed OCR Text
Pages 41-60
المحل موجوداً - وإلى ما يجوز أن يفارق محله، فالأول كالتحيز للجسم، بل وكالحيوانية والناطقية للإنسان فإنه مادام إنساناً لا تفارقه هذه الصفة. وأما قولكم : إن العرض لا يبقى زمانين فهذا شىء انفردتم به من بين سائر العقلاء: وكلبر تم به الحس لتنجوا بالمغاليط عن هذه الإلزامات المفحمة ، ثم إنكم تقولون بتجدد أمثاله فهذا هومعنى بقاء العرض ، وهذا كما قلم إنه يرى بلا مواجهة ولا مدابرة ، ولا يتوجه إليه الرائى بجهة من جهاته ، فهذا أيضاً مما انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقل . قالت لهم النفاة: فأنتم ما يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو أو نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل والضرورة. ولهذا صار حذاقكم إلى أنكم فى الحقيقة موافقون لنا على نفي رؤية الله تعالى، ولكن أظهر تم إثباتها لكونه المشهور عند ((الحشوية)) المشهورين بالسنة والجماعة ؛ ليقال: إنكم منهم ، أو أتتم ذلك تناقضاً منكم، فأنّم دائرون بين المناقضة والمداهنة . فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت أسماء الله الحسنى - كما تفعل المعتزلة وهم أئمة الكلام - سماه نفاة أسماء الله الحسنى مشبهاً حشويا مجسما: كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم ، وقالوا: إذا قلتم إنه موجود عليم حي قدير فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم والحشو ، فإن ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات، ولأنه لا يعقل موجود حي عليم قدير إلا جسما ، ولأن هذه الأسماء تستلزم الصفات. والصفات تستلزم التجسيم. ٤١ فإن كان الرجل ممن ينفى الأسماء والصفات - كما تفعله غلاة الجهمية والقرامطة والفلاسفة - فلا بد له أن يثبت أنه موجود . وحينئذ فتقول له النفاة: أنت مجسم مشبه حشوي ؛ لأنه إذا كان موجوداً فقد شاركه غيره فى معنى الوجود وهو التشبيه ؛ لأنه لا يعقل موجود إلا جسم أو قائم بجسم؛ فحينئذ يحتاج أن يقول: لاموجود ولا معدوم، ولاحي ولاميت، أو لا موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لاحي، فيلزم نفي النقيضين جميعاً وما هو فى معنى النقيضين، وذلك من أعظم الأمور الباطلة فى بديهة العقل ، مع أنه يلزم على قياس قولهم تشبيهه بالممتنعات ؛ لأن ماليس بموجود ولا معدوم لا تكون له حقيقة أصلا - لا موجودة ولا معدومة - بل هو أمر مقدر فى الأذهان لا يتحقق فى الأعيان ، هذا مع ما التزمه من الكفر الصريح. ولو قدر أنه نفى الوجود الواجب القديم بالكلية لكان مع الكفر الذي هو أصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية، فإنا نشهد الموجودات ونعلم أن كل موجود إما قديم، وإما محدث، وإما واجب موجود بنفسه، وإما ممكن بنفسه موجود بغيره. وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلا بد له من قديم واجب بنفسه ، فالوجود بالضرورة يستلزم إثبات موجود قديم . ومن الوجود ما هو ممكن محدث: كما نشهده فى المحدثات من الحيوان والنبات. فإذا علم بضرورة العقول أن الوجود فيه ماهو موجود قديم واجب بنفسه ، وفيه ما هو محدث موجود ممكن بنفسه ، فهذان الموجودان اتفقا فى مسمى ٤٢ الوجود، وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده، فمن لم يثبت ما بين الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق وإلا لزمه أن تكون الموجودات كلها قديمة واجبة بأنفسها ، أو محدثة ممكنة مفتقرة إلى غيرها، وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار. فتعين إثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه، ونحن نعلم أن ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات أعظم مما تمتاز به سائر الموجودات بعضها عن بعض، فإذا كان ((الملك)) و((البعوض)) قد اشتركا فى مسمى الوجود والحي مع تفاوت ما بينهما ، فالخالق سبحانه أولى بمباينته للمخلوقات ؛ وإن حصلت الموافقة فى بعض الأسماء والصفات . ٤٣ فصل إذا ظهرت هذه المقدمة تبين لنا أن قول القائل : كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابهاً جواب لا ينقطع به النزاع، ولا يحصل به الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم. وذلك أنه ما من ناف ينفي شيئاً من الأسماء والصفات إلا وهو يزعم: أنه قد قام عنده دليل العقل على أنه يدل على التجسيم، فيكون متشابهاً ، فيلزم حينئذأن تكون جميع الأسماء والصفات متشابهات، وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وأن لا يفهم من أسماء الله تعالى وصفاته معنى، ولا يميز بين معنى الحي والعليم، والقدير والرحيم ، والجبار والسلام ، ولا بين معنى الخلق والاستواء، وبين الإماتة والإحياء، ولا بين المجيء والإتيان ، وبين العفو والغفران. بيان ذلك: أن من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة يقولون ؛ إذا قلتم؛ إن القرآن غير مخلوق ، وإن الله تعالى علماً وقدرة وإرادة ، فقد قلتم بالتجسيم ؛ فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم ؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها؛ لاتقوم إلا بغيرها سواء سميت صفاتاً أو أعراضاً أو غير ذلك. ٤٤ قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم، فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول. فإن قال المثبت : بل هذه المعانى يمكن قيامها بغير جسم، كما أمكن عندنا وعندكم إثبات عالم قادر ليس بجسم. قالت المثبتة: الرضا، والغضب والوجه، واليد ، والاستواء، والمجيء وغير ذلك: فأثبتوا هذه الصفات أيضاً وقولوا : إنها تقوم بغير جسم. فإن قالوا : لا يعقل رضا ، وغضب ؛ إلا ما يقوم بقلب هو جسم ولا نعقل وجهاً ويداً إلا ما هو بعض من جسم . قيل لهم: ولا نعقل علما إلا ماهو قائم بجسم، ولا قدرة إلا ماهو قائم بجسم، ولا نعقل سمعاً وبصراً وكلاماً إلا ما هو قائم بجسم . فلمَ فرقتم بين المتماثلين؟ وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير جسم وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم وهما فى المعقول سواء. فإن قالوا : الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام ؛ والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد ؛ أو نحو ذلك. قيل لهم: إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمة، ولا سمع إلا ما كان بصماخ، ولا كلاماً إلا ما كان بشفتين ولسان ؛ ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة؛ وأنتم ثبتون للرب السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد؛ فإن كان ما تثبتونه مماثلاً لصفات العبد لزمكم التمثيل فى الجميع ، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوقات فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولافرق بين صفة وصفة ؛ فإن ما نفيتموه ٤٥ من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه ، فإما أن تعطلوا الجميع وهو ممتنع؛ وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره. وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة ، فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفي الآخر فراراً من التشبيه والتجسيم قول باطل يتضمن الفرق بين المتماثلين والتناقض فى المقالتين . فإن قال: دليل العقل دل على أحدهما دون الآخر كما يقال: إنه دل على الحياة والعلم والإرادة؛ دون الرضا والغضب، ونحو ذلك. فالجواب من وجوه : (أحدها ) : أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه ؛ فهب أنه لم يعلم بالعقل ثبوت أحدها فإنه لا يعلم نفيه بالعقل أيضاً ولا بالسمع ، فلا يجوز نفيه ؛ بل الواجب إثباته إن قام دليل على إثباته وإلاتوقف فيه . ( الثاني) : أن يقال: إنه يمكن إقامة دليل العقل على حبه وبغضه، وحكمته ورحمته، وغير ذلك من صفاته؛ كما يقام على مشيئته كما قد بین فی غیر هذا الموضع. ( الثالث) : أن يقال: السمع دل على ذلك ، والعقل لا ينفيه فيجب العمل بالدليل السالم عن المعارض . فإن عاد فقال : بل العقل ينفي ذلك؛ لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والعقل ينفي التجسيم. قيل له : القول فى هذه الصفات التى تنفيها كالقول فى الصفات التى أثبتها ؛ فإن كان هذا مستلزماً ٤٦ التجسيم فكذلك الآخر ، وإن لم يكن مستلزماً للتجسيم فكذلك الآخر . فدعوى المدعي الفرق بينهما بأن أحدهما يستلزم التشبيه ، أو التجسيم دون الآخر تفريق بين المتماثلين ، وجمع بين النقيضين ؛ فإن ما نفاه فى أحدهما أثبته فى الآخر ، وما أثبته فى أحدهما نفاه فى الآخر ، فهو يجمع بين النقيضين . ولهذا قال المحققون : كل من نفى شيئاً من الأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة فإنه متناقض لا محالة ؛ فإن دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما أثبته ، فإن كان دليل العقل صحيحاً بالنفى وجب نفى الجميع، وإن لم يكن لم يجب نفى شيء من ذلك ، فإثبات شيء ونفى نظيره تناقض باطل . فإن قال المعتزلي: إن الصفات تدل على التجسيم ؛ لأن الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؛ فلهذا تأولت نصوص الصفات دون الأسماء. قيل له: يلزمك ذلك فى الأسماء ؛ فإن ما به استدللت على أن من له حياة وعلم وقدرة لا يكون إلا جسما يستدل به خصمك على أن العليم القدير الحى لا يكون إلا جسما، فيقال لك: إثبات حي عليم قدير لا يخلو إما أن يستلزم التجسيم أولا يستلزم ، فإن استلزم لزمك إثبات الجسم فلا يكون لرؤيته محدوداً على التقديرين ، (١) وإن لم يستلزم أمكن أن يقال: إن إثبات العلم والقدرة والإرادة لا يستلزم التجسيم، فإن كان هذا لا يستلزم فهذا لا يستلزم، وإن كان هذا يستلزم فهذا يستلزم، فلا فرق بينهما ، وإن فرق فهو تناقض جلی . فإن قال الجهمي ، والقرمطي ، والفلسفي الموافق لهما: أنا أنفي الأسماء (١) كذا بالأصل . ٤٧ والصفات معاً ، قيل له : لا يمكنك أن تنفى جميع الأسماء ؛ إذ لا بد من إشارة القلب وتعبير اللسان عما تثبته . فإن قلت : ثابت موجود محقق ، معلوم قديم واجب . أى شىء قلت كنت قد سميته، وهب أنك لا تنطق بلسانك: إما أن تثبت بقلبك موجوداً واجباً قديماً، وإما أن لا تثبته، فإن لم تثبته كان الوجود خالياً عن موجد واجب قديم ، وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة، وبالاضطرار يعلم أن المحدث الممكن لا يوجد إلا بقديم واجب، فصار نفيك له مستلزماً لإثباته، ثم هذا هو الكفر والتعطيل الصريح الذي لا يقول به عاقل. وإن قلت: أنا لا أخطر بيالي النظر فى ذلك ولا أنطق فيه بلسانى . قيل لك: إعراض قلبك عن العلم ولسانك عن النطق لا يقتضى قلب الحقائق ولا عدم الموجودات ؛ فإن ما كان حقاً موجوداً ثابتاً فى نفسك فهو كذلكعلمته أو جهلته، وذكرته أو نسيته، وذلك لا يقتضى إلا الجهل بالله تعالى والغفلة عن ذكر الله ، والإعراض عنه والكفر به ، وذلك لا يقتضى أنه فى نفسه ليس حقاً موجوداً له الأسماء الحسنى والصفات العلى. ولا ريب أن هذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون فى ظلمة الجهل وضلال الكفر ؛ لا يعرفون الله ولا يذكرونه، ليس لهم دليل علی نفیه ونفی أسمائه وصفاته؛ فإن هذا جزم بالنفی وم لا يجزمون ولا دليل لهم على النفى؛ وقد أعرضوا عن أسمائه وآياته وصاروا جهالا به ؛ كافرين به غافلين عن ذكره ؛ موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته. ٤٨ ثم إذا فعلوا ذلك بزعمهم لئلا يقعوا فى ((التشبيه والتجسيم)) قيل لهم: ما فرر تم إليه شرمما فرر تم عنه! فإن الإقرار بالصانع على أي وجه كان خير من نفيه. وأيضاً فإن هذا العالم المشهود: كالسماء والأرض ، إن كان قديماً واجباً بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديماً واجباً بنفسه، وهذا شر مما فررتم منه. وإن لم يكن قديماً واجباً بنفسه لزم أن يكون له صانع قديم واجب بنفسه ، وحينئذ تتضح معرفته وذكره بأن إثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعاً وعقلاً ؛ فإن كان ذلك مستلزماً لما سميتموه تشبيهاً وتجسيماً فلازم الحق حق، وإن لم يكن مستلزماً له أمكنكم إثباته بدون هذا الكلام. فظهر تناقض النفاة كيف صرفت عليهم الدلالات ، وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض . فإن قالت ((النفاة)): إنما نفينا الصفات لأن دليلنا على حدوث العالم وإثبات الصانع دل على نفيها؛ فإن الصانع أثبتناه بحدوث العالم ، وحدوث العالم إنما أثبتناه بحدوث الأجسام، والأجسام إنما أنبتنا حدوثها بحدوث الصفات التى هي الأعراض . أو قالوا: إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التى هي الحركات ، وإن القابل لها لا يخلو منها ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ أو أن ما قبل المجيء والإتيان والنزول كان موصوفاً بالحركة ، وما اتصف بالحركة لم يخل منها أو من السكون الذي هو ضدها ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ، فإذا ثبت حدوث الأجسام قلنا : إن المحدث لا بدله من محدث فأثبتنا الصانع بهذا؛ ٤٩ i فلو وصفناه بالصفات أو بالأفعال القائمة به لجاز أن تقوم الأفعال والصفات بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلاً على حدوث الأجسام ، فيبطل دليل إثبات الصفات . فيقال لهم : الجواب من وجوه : (أحدها ) : أن بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم بطلان جميع الأدلة، وإثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وإن أمكن ضبط جملها. (الثاني) : أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين ، فلو كانت معرفة الرب عز وجل والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به ، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين. ( الثالث) : أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحداً بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجباً ، وإن كانت مستحبة كان مستحباً، ولو كان واجباً أو مستحباً لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان مشروعاً لنقلته الصحابة . ٥٠ فصل فى جمل ((مقالات الطوائف)» و«موادم)) أما (باب الصفات والتوحيد) : فالنفي فيه فى الجملة قول («الفلاسفة والمعتزلة، وغيرهم من الجهمية)) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق؛ وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف فى السمع والبصر ، هل هو علم أو إدراك غير العلم ؟ وفى الإرادة. وهذا المذهب الذي يسميه السلف: قول ((جهم)) لأنه أول من أظهره فى الإسلام ، وقد بينت إسناده فيه فى غير هذا الموضع ؛ أنه متلقى من الصابئة الفلاسفة ، والمشركين البراهمة ، واليهود السحرة . والإثبات فى الجملة مذهب ((الصفاتية)) من الكلابية والأشعرية، والكرامية وأهل الحديث، وجمهور الصوفية والحنبلية ، وأكثر المالكية والشافعية ، إلا الشاذ منهم، وكثير من الحنفية أو أكثرم ، وهو قول السلفية؛ لكن الزيادة فى الإثبات إلى حد التشبيه هو قول ((الغالية)) من الرافضة، ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين. وبين نفي الجهمية، وإثبات المشبهة مراتب. ٥١ ((فالأشعرية)) وافق بعضهم فى الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم فى الصفات الحديثية؛ وأما فى الصفات القرآنية فلهم قولان: فالأشعري والباقلاني وقد ماؤم يثبتونها ، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم مجهم من جهة أخرى ، فإن الأشعري شرب كلام الجبائى شيخ المعتزلة ، ونسبته فى الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرم؛ وابن الباقلاني أكثر إثباتاً بعد الأشعري فى ((الإبانة)). وبعد ابن الباقلانى ابن فورك ، فإنه أثبت بعض ما فى القرآن . و ((أما الجويني)) ومن سلك طريقته : فمالوا إلى مذهب المعتزلة ؛ فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبى هاشم ، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين. و ((القشيري)) تلميذ ابن فورك ؛ فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين . و ((أما الحنبلية)) فأبو عبد الله بن حامد قوي فى الإثبات، جاد فيه ينزع(١) لمسائل الصفات الخبرية ؛ وسلك طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى؛ لكنه ألين منه وأبعد عن الزيادة فى الإثبات. وأما أبو عبد الله بن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة ، كأبى بكر (١) يحتمل رسم الكلمة ((يفرع)) ٥٢ الآجري فى ((الشريعة)) واللالكائي فى السنن والخلال مثله قريب منه ، وإلى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين. و ((أما التميميون)) كأبي الحسن وابن أبى الفضل ، وابن رزق الله فهم أبعد عن الإثبات، وأقرب إلى موافقة غيرهم، وألين لهم؛ ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية : كالباقلاني والبيهقى ؛ فإن عقيدة أحمد التى كتبها أبو الفضل هي التى اعتمدها البيهقي ، مع أن القوم ماشون على السنة . وأما ((ابن عقيل)) فإذا انحرف وقع فى كلامه مادة قوية معتزلية فى الصفات والقدر، وكرامات الأولياء ؛ بحيث يكون الأشعري أحسن قولاً منه، وأقرب إلى السنة . فإن ((الأشعري)) ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل وقد ذكر ((أبو بكر عبد العزيز)) وغيره فى مناظراته : ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث، لم يجعله مبايناً لهم؛ وكانوا قديماً متقاربين ، إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيء من الكلام ؛ لما فى ذلك من البدعة ؛ مع أنه فى أصل مقالته ليس على السنة المحضة، بل هو مقصر عنها تقصيراً معروفاً. و ((الأشعرية)) فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية، كما أن متكلمة الحنبلية - فيما يحتجون به من القياس العقلى- فرع عليهم؛ وإنما وقعت الفرقة بسبب فتة القشيري . ٥٣ ولا ريب أن ((الأشعرية)» الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل. وكثير من الحنبلية زادوا فى الإثبات . وصنف (القاضي أبو يعلى) كتابه فى ((إبطال التأويل)) رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري ، وكان الخليفة وغيره مائلين إليه ؛ فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة ، وأكثر الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل ، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل . ((فابن عقيل)» إنما وقع فى كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه أبى علي ابن الوليد، وأبى القاسم بن التبان المعتزليين؛ ولهذا له فى كتابه «إثبات التنزيه)) وفى غيره كلام يضاهي كلام المريسي ونحوه ، لکن له فى الإثبات كلام كثير حسن وعليه استقر أمره فى كتاب ((الإرشاد)) مع أنه قد يزيد فى الإثبات، لكن مع هذا فمذهبه فى الصفات قريب من مذهب قدماء الأشعرية والكلابية فى أنه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ، ويتأول غيره ؛ ولهذا يقول بعض الحنبلية أنا أثبت متوسطاً بين تعطيل ابن عقيل وتشبيه ابن حامد . والغزالي فى كلامه مادة فلسفية كبيرة، بسبب كلام ابن سينا فى ((الشفا)) وغيره؛ ((ورسائل إخوان الصفا)) وكلام أبي حيان التوحيدي. وأما المادة المعتزلية فى كلامه فقليلة أو معدومة كما أن المادة الفلسفية فى كلام ابن عقيل قليلة أو معدومة . ٥٤ وكلامه فى ((الإحياء)) غالبه جيد ، لكن فيه مواد فاسدة : مادة فلسفية ، ومادة كلامية، ومادة من ترهات الصوفية؛ ومادة من الأحاديث الموضوعة . وبينه وبين ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات فى الصفات ؛ فإنه قد يكفر فى أحد الصفات بالمقالة التى ينصرها فى المصنف الآخر ؛ وإذا صنف على طريقة طائفة غلب عليه مذهبها . وأما ((ابن الخطيب)) فكثير الاضطراب جداً، لا يستقر على حال وإنما هو بحث وجدل، بمنزلة الذي يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه ؛ بخلاف أبى حامد فإنه كثيراً ما يستقر. و ((الأشعرية)) الأغلب عليهم أنهم مرجئة فى ((باب الأسماء والأحكام)). جبرية فى ((باب القدر)) ؛ وأما فى الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم . و ((المعتزلة)) وعيدية فى ((باب الأسماء والأحكام)). قدرية فى ((باب القدر)). جهمية محضة - واتبعهم على ذلك متأخرو الشيعة وزادوا عليهم الإمامة والتفضيل وخالقوم فى الوعيد - وم أيضاً يرون الخروج على الأئمة. وأما («الأشعرية)) فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث وهم فى الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث. و ((الكلابية وكذلك الكرامية)) فيهم قرب إلى أهل السنة والحديث، وإن كان فى مقالة كل من الأقوال ما يخالف أهل السنة والحديث . ٥٥ وأما ((السالمية)) فهم والحنبلية كالشيء الواحد إلا فى مواضع مخصوصة، تجری مجری اختلاف الحنابلة فیما بیهم، وفيهم تصوف ومن بدع من أصحابنا هؤلاء(١) يبدع أيضاً التسمي فى الأصول بالحنبلية وغير ذلك ، ولا يرى أن يتسمى أحد فى الأصول إلا بالكتاب والسنة، وهذه ((طريقة جيدة)) لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد ؛ فإن مسائل الدق فى الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة ؛ إذ لو كان كذلك لما تنازع فى بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد ينكر الشىء فى حال دون حال. وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ماقد ذكرته فى غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سميت تلك ((مسائل أصول)) وهذه «مسائل فروع)) فإن هذه تسمية محدثة ، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين ؛ وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب ؛ لاسيما إذا تكلموا فى مسائل التصويب والتخطئة . وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أم وآ كدمن مسائل الأقوال المتنازع فيها ؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيراً ما يكرهون الكلام فى كل مسألة ليس فيها عمل ، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة (٢) بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين ((مسائل أصول))، والدقيق ((مسائل فروع)). (١) خرم بالأصل مقدار سطر. (٢) سقط فى الأصل نصف سطر . ٥٦ فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس ، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير وأن القرآن كلام الله ، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب ، فإن القضايا القولية يكفى فيها الإقرار بالجمل ؛ وهو الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ورسله ، والبعث بعد الموت ، والإيمان بالقدر خيره وشره . وأما الأعمال الواجبة : فلابد من معرفتها على التفصيل ؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة؛ ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق ، وم الفقهاء؛ وإن كان قد ينكر على من يتكلم فى تفصيل الجمل القولية ؛ للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التى وجب الإيمان بها مجملة . وقولنا: إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء : (منها ): أنها تنقسم إلى قطعي وظني. و (منها): أن المصيب وإن كان واحداً فالمخطئ قد يكون معفوا عنه وقد يكون مذنباً، وقد يكون فاسقاً، وقد يكون كالمخطئ فى الأحكام العملية، ٥٧ سواء ؛ لكن تلك لكثرة فروعها ، والحاجة إلى تفريعها: اطمأنت القلوب بوقوع التنازع فيها ، والاختلاف ، بخلاف هذه؛ لأن الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل إلا لدرء ما هو أشد منه . فلما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة فروعها ، وذلك مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع ؛ بخلاف الأمور الخبرية ؛ فإن الاتفاق قد وقع فيها على الجمل؛ فإذا فصلت بلا نزاع فمسن ؛ وإن وقع التنازع فى تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك. ولهذا نم أهل الأهواء والخصومات ، وذم أهل الجدل فى ذلك والخصومة فيه ؛ لأنه شروفساد من غير حاجة داعية إليه ؛ لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة دقها وجلها . والكلام فى ذلك إذا كان بعلم ولا مفسدة فيه، ولا يوجب أيضاً تكفير كل من أخطأ فيها إلا أن تقوم فيه شروط التكفير ، هذا العمرى فى الاختلاف الذي هو تناقض حقيقي. فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتباري واللفظي، فأمره قريب، وهو كثير أو غالب على الخلاف فى المسائل الخبرية. وأما (( الصوفية والعباد)) بل وغالب العامة ، فالاعتبار عندم بنفس الأعمال الصالحة، وتركها ؛ فإذا وجدت - دخل الرجل بذلك فيهم - وإن أخطأ فى ٥٨ بعض المسائل الخبرية - وإلا لم يدخل ولو أصاب فيها ؛ بل هم معرضون عن اعتبارها، والأصول عندم هي(١) ويسمون هذه الأصول (٣). ومما يتصل بذلك: أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد ، وقد مجب فى حال دون حال ، وعلى قوم دون قوم ؛ وقد تكون مستحبة غير واجبة ، وقد تستحب لطائفة أو فى حال كالأعمال سواء. وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها ، كما قال على - رضي الله عنه -: ((حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم)). وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنه - لمن سأله عن قوله تعالى: (اُللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ ). الآية فقال: ما يؤمنك أبي لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت؟ وكفرك تكذيبك بها. وقال لمن سأله عن قوله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَكَبِ كَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) هو يوم أخبر الله به ؛ الله أعلم به ومثل هذا كثير عن السلف. فإذا كان العلم ((بهذه المسائل)) قد يكون نافعاً، وقد يكون ضاراً لبعض الناس ، تبين لك أن القول قد ينكر فى حال دون حال، ومع شخص (٢،١) سقط كلمات فى الأصل . ٥٩ دون شخص ؛ وإن العالم قد يقول القولين الصوابين، كل قول مع قوم ؛ لأن ذلك هو الذى ينفعهم ؛ مع أن القولين صحيحان لا منافاة بينهما ؛ لكن قد يكون قولهما جميعاً فيه ضرر على الطائفتين ؛ فلا يجمعهما إلا لمن لا يضره الجمع. وإذا كانت قد تكون قطعية ، وقد تكون اجتهادية : سوغ اجتهادیتها ما سوغ فى المسائل العملية ، وكثير من تفسير القرآن ، أو أكثره من هذا الباب ؛ فإن الاختلاف فى كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية ؛ لكن قد تقع الأهواء فى المسائل الكبار ، كما قد تقع فى مسائل العمل . وقد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله إنكاراً يجعله كافراً ، أو مبتدعا فاسقاً ، يستحق الهجر وإن لم يستحق ذلك، وهو أيضاً اجتهاد. وقد يكون ذلك التغليظ صحيحاً فى بعض الأشخاص ، أو بعض الأحوال، لظهور السنة التى يكفر من خالفها ؛ ولما فى القول الآخرمن المفسدة الذي يبدع قائله؛ فهذه أمور ينبغي أن يعرفها العاقل ؛ فإن القول الصدق إذا قيل : فإن صفته الثبوتية اللازمة أن يكون مطابقاً للمخبر . أما كونه عند المستمع معلوماً، أو مظنوناً، أو مجهولاً ، أو قطعياً ، أو ظنياً أو يجب قبوله، أو يحرم ، أو يكفر جاحده، أو لا يكفر؛ فهذه أحكام عملية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. ٦٠