Indexed OCR Text

Pages 481-500

وفى حديث ابن عمر رضي الله عنها أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن
بيده اليمنى ، ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجيارون أين
المتكبرون)»!؟ رواه عن أبي بكر بن أبى شيبة، ورواه عثمان بن أبي شيبة قال:
((يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك
أين الجبارون أين المتكبرون، ثم يطوى الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول:
أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)).
وفى حديث عبد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر ، قال : رأيت النى
صلى الله عليه وسلم على المنبر، وهو يقول: ((يأخذ الجيار سمواته وأرضه- وقبض
بيده وجعل يقبضها ويبسطها - ويقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا
السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجيار، أنا المتكبر، أنا الذى بدأت
الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذى أعيدها، أين الجبارون أين المتكبرون؟ ويتميل
رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه
حتى إنى أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ))رواه ابن منده، وابن
خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وسعيد بن منصور وغيرم من الأمة الحفاظ
النقاد الجهابذة .
فإذا كان سبحانه يطوى السموات كلها بيمينه، وهذا قدرها عنده - كما
٤٨١

قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: ما السموات السبع والأرضون السبع وما
فيهن وما بينهن فى يد الرحمن إلا كمردلة فى يد أحدكم، وهو سبحانه بين لنا من
عظمته بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشون : والله! مادلهم على عظيم
ما وصف من نفسه، وما يحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندم - إن ذلك
الذى ألقى فى روعهم وخلق على معرفته قلوبهم.
وقد قال تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُكُ الْأَبْصَرَ) قال ابن أبى حاتم
فى ((تفسيره)): حدثنا أبو زرعة، تنا منجاب بن الحارث، تنا بشر بن عمارة عن
أبى روق ، عن عطية العوفى ، عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه ، عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم فى قوله سبحانه وتعالى: (لََّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَرَ)
قال: ((لو أن الجن والإنس ، والشياطين والملائكة ؛ منذ خلقوا إلى أن فنوا
صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً)) - فمن هذه عظمته، كيف يحصره
مخلوق من المخلوقات ، سماء أو غير سماء!؟ حتى يقال: إنه إذا نزل إلى السماء
الدنيا صار العرش فوقه ، أو بصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به
سبحانه وتعالى.
فإذا قال القائل : هو قادر على مايشاء ؛ قيل : فقل : هو قادر على أن ينزل
سبحانه وتعالى وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير
تمييز ، فما كان أبلغ فى القدرة والعظمة؛ فهو أولى بأن يوصف به مما ليس
٤٨٢
1
:
1
/
1

كذلك ؛ فإن من توم العظيم الذى لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به
مخلوقه الصغير ، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة ؛ فقوله: إنه ينزل مع بقاء
عظمته وعلوه على العرش ؛ أبلغ فى القدرة والعظمة ، وهو الذى فيه
موافقة الشرع والعقل .
وهذا كما قد يقوله طائفة ((منهم أبو طالب المكي)) قال: إن شاء وسعه أدنى
شيء، وإن شاء لم يسعه شيء وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء؛
إن أحب وجد عند كل شيء ، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء ، وقد جاوز الحد
والمعيار ، وسبق القيل والأقدار ، ذو صفات لا تحصى ؛ وقدر لايتناهى؛ ليس
محبوساً فى صورة، ولا موقوفاً بصفة، ولا محكوماً عليه بكلم ، ولا يتجلى بوصف
مرتين، ولا يظهر فى صورة لاثنين ؛ ولا يردمنه بمعنى واحد كلمتان؛ بل لكل
تجل منه صورة، ولكل عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام؛ وبكل
كمة إفهام، ولا نهاية لتجليه ؛ ولا غاية لأوصافه.
قلت: أبو طالب رحمه الله هو وأصحابه (السالمية))- اتباع الشيخ أبي الحسن
ابن سالم صاحب سهل بن عبد الله التسترى - لهم من المعرفة والعبادة والزهد
واتباع السنة والجماعة فى عامة المسائل المشهورة لأهل السنة مام معروفون به،
وثم منتسبون إلى إمامين عظيمين فى السنة : الإمام أحمد بن حنبل، وسهل
ابن عبد الله التستري ، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ
أبي محمد وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعي.
٤٨٣

فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم ، ويقصدون متابعتهم أئمة هدى
رضوان الله عليهم أجمعين. وم فى ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة.
وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع فى كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من
شبه أهل البدع ؛ ولهذا يوجد فى كثير من المصنفات فى أصول الفقه، وأصول
الدين ، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث؛ من يذكر فى الأصل العظيم
عدة أقوال ، ويحكي من مقالات الناس ألواناً ، والقول الذي بعث الله به رسوله
لا يذكره ؛ لعدم علمه به ، لا لكراهته لما عليه الرسول .
وهؤلاء وقع فى كلامهم أشياء أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب فى
الصفات - من نحو الحلول وغيره - أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوم
إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر فى أبي على الأهوازي
لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعرى ، وهذا مناقبه، وكان أبو على
الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول . والقاضي أبو يعلى له كتاب
صنفه فى الرد على السالمية .
وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه . كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب
الأشعري ، وغيرهم من ينازعهم - من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق
وباطل ؛ وتارة يرد عليهم حق من حقهم ، وتارة يرد باطل بباطل ، وتارة يرد
باطل بحق.
٤٨٤

وكذلك ذكر الخطيب البغدادى فى ((تاريخه)) أن جماعة من العلماء
أنكروا بعض ما وقع فى كلام أبى طالب فى الصفات . وما وقع فى كلام
أبى طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ الذين أخذوا عنه كأبى
الحكم بن برجان ونحوه .
وأما أبو إسماعيل الأنصاري صاحب ((منازل السائرين)) فليس فى كلامه
شيء من الحلول العام لكن فى كلامه شيء من الحلول الخاص فى حق العبد
العارف الواصل إلى ما سماه هو: ((مقام التوحيد)) وقد باح منه بما لم يبح به
أبو طالب ، لكن كنى عنه.
وأما «الحلول العام)) ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه؛ مع تبريه من
لفظ الحلول، فإنه ذكر كلاماً كثيراً حسناً فى التوحيد كقوله : عالم لا يجهل ،
قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه ، سميع بصير ، ملك
لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حدّ، كأن لم يزل، إلى أن قال: وإنه
أمام كل شيء ، ووراء كل شيء وفوق كل شيء، ومع كل شيء ، ويسمع كل
شيء، وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء،
وإن الأشياء ليست محلاً له، وإنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف
ولا تشبيه، وإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير ، وبكل شيء محيط.
وذكر كلاماً آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه،
٤٨٥

ثم قال : والله جل جلاله وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه ، متوحد
بأوصافه ، بائن من جميع خلقه ، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض،
ليس فى ذاته سواه ، ولا فى سواه من ذاته شيء، ليس فى الخلق إلا الخلق
ولا فى الذات إلا الخالق .
قلت : وهذا ينفى الحلول كما نفاه أولا .
ثم قال :
( فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين)
فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء ، وأقرب من كل شيء
فهو المعطي المانع، الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع إلا الله
كما لا إله إلا الله ، ويشهد قرب الله منه ونظره إليه ، وقدرته عليه وحيطته به ؛
فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء ، ويذكره فى كل شيء ويخلو قلبه له
من كل شيء، ويرجع إليه بكل شيء ويتأله إليه دون كل شىء ويعلم أن الله
أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى الروح من حياته وأقرب إلى
البصر من نظره ، وأقرب إلى اللسان من ريقه ــ بقرب هو وصفه لا يتقرب
ولا يقرب -
وأنه تعالى على العرش فى ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات من الثرى؛ كما
هو رفيع الدرجات من العرش ، وأن قربه من الثری ومن كل شىء كقربه من
٤٨٦

العرش، وأن العرش غير ملاصق(١) له بحس، ولا تمكن فيه، ولا يذكر فيه
بوجس ولا ناظر إليه بعين ، ولايحاط به فيدرك لأنه تعالى محتجب بقدرته عن
جميع بريته؛ ولا نصيب للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به ؛ واجد لما أوجده
منه من أن الله عليه وأن العرش مطمئن به وأن الله محيط بعرشه فوق كل
شيء ، وفوق تحت كل شيء ، فهو فوق الفوق تحت التحت لا يحد بتحت
فيكون له فوق ؛ لأنه العلي الأعلى .
أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان. ولا يحد بمكان . ولا يفقد من
مكان ولا يوجد مكان ؛ فالتحت للأسفل ، والفوق للأعلى،
وهو سبحانه فوق كل فوق فى العلو ، وفوق كل تحت فى السمو : هو
فوق ملائكة الثرى ، كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات؛
ومكانة مشيئته ووجوده قدرته ، والعرش والثرى فما بينهما : هو حد للخلق
الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة فى قبضته ، وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك ،
كما لا يدركه العقل ولا يكيفه الوم، ولا نهاية لعلوه ، ولا فوق لسموّه ،
ولا بعد فی دنوه .
إلى أن قال: وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب
من كل شيء بوصفه ، وهو القدرة والدراك، والأشياء مبعدة بأوصافها :
(١) نسخة ملابس.
٤٨٧

وهو البعد والحجب، فالبعد والإبعاد حكم مشيئته ، والحدود والأقطار
حجب بربته .
إلى أن قال: ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ)، (ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى
اُلْعَرْشِ) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ) غير متصل بالخلق ولا مفارق ، وغير مماس
للكون ولا متباعد، بل منفرد بنفسه، متوحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء ولا
يقترن به شيء ، أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه ، وهو محيط بكل شيء
بحيطة هي نعته، وهو مع كل شيء وفوق كل شىء ، وأمام كل شيء ووراء كل
شيء ؛ بعلوه، ودنوه، وهو قربه؛ فهو وراء الحول الذي هووراء حملة العرش، وهو
أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح ، وهو مع ذلك فوق كل شيء وهو محيط
بكل شيء ، وليس هو تعالى فى هذا مكاناً لشىء ولا مكاناً له شيء ، وليس
كمثله فى كل هذا شيء ، لا شريك له فى ملكه ولا معين له فى خلقه ، ولا نظير له
فى عباده، ولا شبيه له فى إيجاده، وهو أول فى آخريته بأولية هي صفته، وآخر
فى أوليته بآخرية هي نعته، وباطن فى ظهوره بباطنية هي قربه ، وظاهر فى
باطنيته بظهور هو علوه ؛ لم يزل كذلك أولا، ولا يزال كذلك آخرا، ولم يزل
كذلك باطناً ؛ ولا يزال كذلك ظاهراً.
إلى أن قال: هو على عرشه بإخباره لنفسه ؛ فالعرش حد خلقه الأعلى وهو
غير محدود بعرشه ؛ والعرش محتاج إلى مكان؛ والرب عز وجل غير محتاج
إليه؛ كما قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) الرحمن اسم والاستواء
٤٨٨

فعته متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته ؛ ليس بمضطر إلى مكان يسعه
ولا حامل يحمله .
إلى أن قال: وهو لا يسعه غير مشيئته ولا يظهر إلا فى أنوار صفته ولا
يوجد إلا فى سعة البسطة . فإذا قبض أخفى ما أبدى ؛ وإذا بسط أعاد ما أخفى.
وكذلك جعله فى كل رسم كون ؛ وفعله بكل اسم مكان؛ ومما جل فظهر ومما
دق فاستتر ؛ لا يسعه غير مشيئته بقربه. ولا يعرف إلا بشهوده. ولا يرَى إلا
بنوره ؛ هذا لأوليائه اليوم بالغيب فى القلوب، ولهم ذلك عند المشاهدة بالأبصار ،
ولا يعرف إلا بمشيئته، إن شاء وسعه أدنى شيء وإن لم يشأ لم يسعه كل شيء.
إن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شىء.
وإن لم يحب لم يوجد بشيء. وذكر تمام كلامه كما حكيناه من قبل.
قلت: وهذا الذى ذكره من قربه وإطلاقه وأنه لا يتجلى بوصف مرتين
ولا يظهر فى صورة لاثنين، هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى
قلوبهم ، ونجليه لقلوبهم - لا أن هذا هو وصفه فى نفس الأمر، وأنه كما
تحصل هذه التجليات المختلفة تحصل يوم القيامة للعيون ...
وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين؛ يشهدون أشياء
بقلوبهم فيظنون أنها موجودة فى الخارج هكذا ، حتى إن فيهم خلقاً منهم من
المتقدمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم
٤٨٩

من المعرفة والذكر والمحبة يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم ويحصل لهم فناء
واصطلام ، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم ، ولا يكون ذلك إلا فى
القلب، ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى الله بعينه فى الدنيا.
وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين ، وهو غلط محض حتى
أورث مما يدعيه هؤلاء شكاً عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله
فى الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به هل يقع فى الدنيا أو لا يقع؟
فمنهم من يذكر فى وقوعها فى الدنيا قولين ، ومنهم من يقول يجوز ذلك . وهذا
كله ضلال فإن أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه فى الدنيا
ولم يتنازعوا إلا فى نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة . وقد روي نفي رؤيتنا له
فى الدنيا عن النبى صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه: منها ما رواه مسلم فى
(صحيحه)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ذكر الدجال قال: «واعلموا
أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)) وموسى بن عمران عليه السلام قد
سأل الرؤية ، فذكر الله سبحانه قوله: (لَنْ تَرَنِى )، وما أصاب موسى
من الصعق .
وهؤلاء: منهم من يقول: إن موسى رآه ، وإن الجبل كان حجابه ، فلما
جعل الجيل دكارآه، وهذا يوجد فى كلام أبى طالب ونحوه. ومنهم من يجعل
الرائى هو المرئى؛ فهو الله فيذكرون اتحاداً وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى
٤٩٠

كان الرائي هو المرئي فما رآه عندم موسى ، بل رأى نفسه بنفسه، وهذا
بدعونه لأنفسهم.
والاتحاد والحلول باطل . وعلى قول من يقول به إنما هذا فى الباطن
والقلب؛ لا فى الظاهر ؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى فى المسيح، ولم يقولوا
إن أحداً رأى اللاهوت الباطن المتدرع بالناسوت.
وهذا الغلط يقع كثيراً فى السالكين. يقع لهم أشياء فى بواطنهم فيظنونها
فى الخارج، فى ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوه ؛ حيث يتصورون
أشياء بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك فيظنونها ثابتة فى الخارج، وإنما
هي فى نفوسهم ؛ ولهذا يقول أبو القاسم السهيلى وغيره : نعوذ بالله من قياس
فلسفي ، وخيال صوفى .
ولهذا يوجد التناقض الكثير فى كلام هؤلاء وهؤلاء. وأما الذين جمعوا
الآراء الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربي وأمثاله؛ فهم
من أضل أهل الأرض. ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى،
فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين ، فلما سئل عن التوحيد قال :
التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.
فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيراً عن الحلول والاتحاد . فجاءت
٤٩١

الملاحدة كابن عربي ونحوه فأنكروا هذا الكلام على الجنيد ؛ لأنه يبطل
مذهبهم الفاسد . والجنيد وأمثاله أئمة هدى ، ومن خالفه فى ذلك فهو ضال.
وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما
يرونه فى قلوبهم من الأنوار وغير ذلك ؛ وحذروم أن يظنوا أن ذلك هو
ذات الله تعالى.
وقد خطب عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته، وهو فى الطواف؛
فقال: أيحدثني فى النساء، ونحن نتراءى الله فى طوافنا؟! فهذا كله وما أشبهه
لم يريدوا به أن القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين الله حتى تكافح الروح
ذات الله كما يرى هو نفسه؛ فإن هذا لا يمكن لأحد فى الدنيا، ومن جوز ذلك إنما
جوزه للنبي صلى الله عليه وسلم كقول ابن عباس: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين
ولكن هذا التجلى يحصل بوسائط بحسب إيمان العبد ومعرفته وحبه ؛ ولهذا
تتنوع أحوال الناس فى ذلك كما تتنوع رؤيتهم الله تعالى فى المنام، فيراه كل
إنسان بحسب إيمانه ، ویری فی صور متنوعة .
فهذا الذي قاله أبو طالب وهؤلاء : إذا قيل مثله فيما يحصل فى القلوب ،
كان مقارباً، مع أن فى بعض ذلك نظراً. وإما أن يقال: إن الرب تعالى فى نفسه
هو كذلك ، فليس الأمر كذلك.
أما قوله: أقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره وإلى
٤٩٢

اللسان من ريقه بقرب هو وصفه ... وقوله : أقرب من حبل الوريد ... فهذا
ليس فى كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد من
السلف: لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة
وأمثالهم من أئمة المسلمين ، ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة
والتصوف. وليس فى القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلا ، بل
قربه الذي فى القرآن خاص لا عام؛ كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى
فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) فهو سبحانه قريب ممن دعاه .
وكذلك ما فى ((الصحيحين)) عن أبى موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبى
صلى الله عليه وسلم فى سفر ، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير ؛ فقال:
((يا أيها الناس ؛ أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما
تدعون سميعاً قريباً، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) فقال:
(إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم)) لم يقل إنه قريب إلى كل موجود، وكذلك
قول صالح عليه السلام (فَأَسْتَغْفِرُوُ ثُمَّنُوبُوا إِلَيْهِنَّرَبِى قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) هو
كقول شعيب (وَأَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ إِنَّ رَبِ رَحِيمٌ وَدُودٌ ) ومعلوم
أن قوله ( قَرِيبٌ تُجِيبٌ ) مقرون بالتوبة والاستغفار ، أراد به قريب مجيب
لاستغفار المستغفرين التائبین إلیه ، کما آنه رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب
بالمجيب. ومعلوم أنه لا يقال إنه مجيب لكل موجود ، وإنما الإجابة لمن سأله
ودعاه، فكذلك قربه سبحانه وتعالى.
٤٩٣

وأسماء الله المطلقة كاسمه : السميع، والبصير، والغفور ، والشكور،
والمجيب، والقريب ، لا يجب أن تتعلق بكل موجود؛ بل يتعلق كل اسم بما
يناسبه، واسمه العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوماً تعلق
بكل شيء .
وأما قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مَا يَلْفِظُ
إِذْ يَقَّى الْمُتَلِفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ
مِنْ حَبْلِالْوَرِيدِ
) وقوله :(
مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ
فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوَمَ
) ؛
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّاتُصِرُونَ
وَأَنْتُمْ حِيفَِّذٍ نَنظُرُونَ
فالمراد به قربه إليه بالملائكة ، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من
السلف، قالوا : ملك الموت أدنى إليه من أهله ، ولكن لا تبصرون الملائكة،
وقد قال طائفة: (وَنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) بالعلم، وقال بعضهم: بالعلم والقدرة، ولفظ
بعضهم بالقدرة والرؤية .
وهذه الأقوال ضعيفة ، فإنه ليس فى الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من
كل موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية ؛ ولكن بعض الناس
لما ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء، قادر
على كل شيء.
وكأنهم ظنوا أن لفظ ((القرب)) مثل لفظ ((المعية)) فإن لفظ المعية فى سورة
٤٩٤

الحديد والمجادلة فى قوله تعالى: (هُوَالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّأُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَايَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا
وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) وقوله تعالى: (مَايَكُونُ
مِن ◌َّجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُ هُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَ أَكْثَرَ إِلَّهُوَ
مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ).
وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. وقد ذكر ابن عبد البر
وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد
يعتد بقوله ، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك ، ومقاتل بن حيان، وسفيان
الثوري ، وأحمد بن حنبل وغيرهم .
قال ابن أبي حاتم فى «تفسيره)) حدثنا أبي، تنا إسماعيل بن إبراهيم بن معمر
عن نوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن
عكرمة عن ابن عباس فى قوله: ( وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ ) قال هو على العرش
وعلمه معهم. قال: وروى عن سفيان الثورى أنه قال: علمه معهم . وقال :
حدثنا أبي ، قال : حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقى حدثنا نوح بن ميمون
المضروب ، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك بن مزاحم ؛
فى قوله : (مَايَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَرَابِعُهُمْ ) إلى قوله (أَيْنَ مَا كَانُواْ )
٤٩٥

قال: هو على العرش وعلمه معهم . ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان هذا
وهو ثقة فى التفسير ليس بمجروح كما جرح مقاتل بن سليمان .
وقال عبد الله بن أحمد:ثنا أبي، ثنانوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن معروف
ثنا أبو معاوية(١)، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك فى قوله تعالى:
(مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَرَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ
وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) قال: هو على العرش وعلمه معهم. وقال
على بن الحسن بن شقيق : حدثنا عبد الله بن موسى صاحب عبادة، تنا معدان
- قال ابن المبارك : إن كان أحد بخراسان من الأبدال فمعدان - قال: سألت
سفيان الثورى عن قوله ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُتُمْ) ؛ قال: علمه .
وقال حنبل بن إسحق فى كتاب ((السنة)): قلت لأبي عبد الله أحمد بن
حنبل: ما معنى قوله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُنُتُمْ) و(مَايَكُونُ مِن ◌َّجْوَى
ثَلَاثَةٍ إِلََّّهُوَ رَابِعُهُمْ ) إلى قوله تعالى (إِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ) قال: علمه، عالم
الغيب والشهادة محيط بكل شيء ، شاهد. علام الغيوب، يعلم الغيب ، ربنا على
العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض.
وقد بسط الإمام أحمد الكلام على معنى المعية فى ((الرد على الجهمية)).
ولفظ المعية فى كتاب الله جاء عاماً كما فى هاتين الآيتين ، وجاء خاصاً كما فى قوله:
(١) نسخة أبو معاذ.
٤٩٦

(إِنَّاللََّ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْوَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ) وقوله: ( إِنَّنِى مَعَ كُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى) وقوله: ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) . فلو كان المراد أنه بذاته مع كل
شيء؛ لكان التعميم يناقض التخصيص ؛ فإنه قد على أن قوله: (لَا تَحْزَنْ إِنّ
اَللَّهَ مَعَنَا) أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوم من الكفار، وكذلك قوله :
(إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ) خصهم بذلك دون الظالمين والفجار.
وأيضاً فلفظ ((المعية)) ليست فى لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها
اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى؛ كما فى قوله: (تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) وقوله :
(فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: ( أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ)
وقوله: (وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ). ومثل هذا كثير ؛ فامتنع أن يكون قوله: ( وَهُوَ
مَعَكُز) يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق. وأيضاً فإنه افتح الآية بالعلم
وختمها بالعلم ، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم.
وقد بسط الكلام عليه فى موضع آخر ، وبين أن لفظ المعية فى اللغة .
وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة - فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك
علوه على عرشه، ويكون حكم معيته فى كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم
والقدرة والسلطان ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد.
وقد قال ابن أبي حاتم : قرأت على محمد بن الفضل . حدثنا محمد بن على بن
الحسن بن شقيق، ثنامحمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف: عن مقاتل بن سليمان
٤٩٧

فى قوله تعالى: ( يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ اَلْأَرْضِ ) من المطر ( وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) من
النبات (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ) من القطر (وَمَايَعْرُجُ فِيهَا) ما يصعد إلى
السماءِ من الملائكة ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ) يعنى بقدرته وسلطانه وعلمه معكم
أينما كنتم .
وبهذا الإسناد عن مقاتل بن سليمان قال: بلغنا والله أعلم فى قوله تعالى:
(هُوَالْأَوَّلُ ) قال قبل كل شيء ( وَالْآَخِرُ ) قال: بعد كل شىء (وَالظَِّهِرُ )
قال: فوق كل شيء ( وَالْبَاطِرُ ) قال: أقرب من كل شيء؛ وإنما نعني بالقرب
بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه (وَهُوَبِكُلِّشَىْءٍ عَلِيمٌ ) يعلم نجوامٍ ويسمع
كلامهم، ثم ينبتهم يوم القيامة بكل شيء نطقوا به ، سئء أو حسن.
وهذا ليس مشهوراً عن مقاتل كشهرة الأول الذى روى عنه من وجوه
لم يجزم بما قاله، بل قال: بلغنا، وهو الذى فسر الباطن بالقريب، ثم فسر
القرب بالعلم والقدرة، ولا حاجة إلى هذا. وقد ثبت فى ((الصحيح)) عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس
بعدك شيءٍ ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك
شيء)) وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي
الله عنهما فى تفسير هذه الأسماء، وحديث ((الإدلاء)) ما قد بسطنا القول عليه فى
(مسألة الإحاطة ) .
٤٩٨

وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة فى تفسيره؛ وهو یبین أنه ليس معنى
الباطن أنه القرب، ولا لفظ الباطن يدل على ذلك، ولا لفظ القرب فى الكتاب
والسنة على جهة العموم كلفظ المعية ، ولا لفظ القرب فى اللغة والقرآن كلفظ
المعية ، فإنه إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعني به المجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا
يدل على قرب إحدى الذاتين من الأخرى ، ولا اختلاطها بها ؛ فلهذا كان إذا
قيل : هو معهم ؛ دل على أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم، وهو مع ذلك
فوق عرشه؛ كما أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: (هُوَالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍثُمََّسْتَوَى عَلَى الْعُرْشِّ يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَايَخْجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَّا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ ) فأخبر سبحانه أنه مع علوه على عرشه
يعلم كل شيء، فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الأشياء.
وكذلك فى حديث ((الأوعال)) الذي فى ((السنن)) قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((والله فوق عرشه ويعلم ما أنتم عليه» ولم يأت فى لفظ القرب مثل ذلك
أنه قال: هو فوق عرشه وهو قريب من كل شيء ؛ بل قال: ( إِنَّ رَحْمَنَ
اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِإِذَادَعَانِ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إنكم لا تدعون
أصم ولا غائباً إن الذى تدعونه سميع قريب)».
قال ابن أبى حاتم : ثنا أبى، تنا يحيى بن المغيرة، ثنا جرير، عن عبدة بن
٤٩٩

أبي برزة السجستاني، عن الصلت بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: ((جاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أقريب ربنا فتناجيه، أم
بعيد فنناديه ؟ فسكت النبى صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى
وَلْيُؤْمِنُوْبِى)). إذا أمرتهم أن يدعونى فدعونى أستجيب لهم.
ولا يقال فى هذا: قريب بعلمه وقدرته ؛ فإنه عالم بكل شيء ، قادر على
كل شىء، وهم لم يشكوا فى ذلك ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه إلى من
يدعوه ويناجيه؛ ولهذا قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) فأخبر أنه قريب مجيب.
وطائفة من أهل السنة تفسر «القرب» فى الآية والحديث بالعلم ؛ لكونه هو
المقصود، فإنه إذا كان يعلم ويسمح دعاء الداعي حصل مقصوده، وهذا هو الذي
اقتضى أن يقول من يقول : إنه قريب من كل شيء بمعنى العلم والقدرة؛ فإن هذا
قد قاله بعض السلف كما تقدم عن مقاتل بن حيان، وكثير من الخلف؛ لكن لم
يقل أحد منهم إن نفس ذاته قريبة من كل شيء . وهذا المعنى يقر به جميع
المسلمين ؛ من يقول : انه فوق العرش ، ومن يقول إنه ليس فوق العرش .
وقد ذكر ابن أبى حاتم بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
الماجشون قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) يعلم وهو كذلك ما توسوس به
٥٠٠