Indexed OCR Text

Pages 81-100

ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله
الغش والظلم ، وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع ؛
إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات فى شيء ، إنما حرم الله
ورسوله الفساد؛ لا الكسب والتجارات ؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة
جائز إلى يوم القيامة، وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم
الوصول إليه من جميع الجهات ؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة؛ والمعتقد
أن الأرض تخلو من الحلال ، والناس يتقلبون فى الحرام ؛ فهو مبتدع ضال ،
إلا أنه يقل فى موضع ويكثر فى موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض.
ومما نعتقده أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا تتهمه فى مكسبه وماله وطعامه ؛
جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة فى تجارته؛ فليس علينا الكشف عما قاله. فإن
سأل سائل على سبيل الاحتياط ؛ جاز إلا من داخل الظلمة .
ومن ينزع من الظلم ، وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك : فالسؤال
والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه ؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج
عن تلك الأموال فاختلطا ، فلا يطلق عليه الحلال ولا الحرام ، إلا أنه مشتبه ؛
فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق. وأجاز ابن مسعود وسلمان الأكل منه
وعليه التبعة ، والناس طبقات ، والدين الخنيفية السمحة .
وإن مما نعتقد أن العبد ما دام أحكام الدار جارية ( عليه) فلا يسقط عنه
٨١

الخوف والرجاء، وكل من ادعى ((الأمن)) فهو جاهل بالله ، وبما أخبر به عن
نفسه: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ)، وقد أفردت كشف عورات
من قال بذلك .
ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلى ما له وما عليه ،
[فيبقى] على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء،
والصديقين، والشهداء والصالحين ، ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية
إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية ، والخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق
الآخرية: فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علمة، أو رأفة؛ فصار معتوها أو مجنوناً
أو مبرسماً، وقد اختلط عقله أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل ، وذهب
عنه التمييز والمعرفة ؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة .
ومن زعم الإشراف على الخلق: يعلم مقاماتهم ومقداره عند الله - بغير
الوحي المنزل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم- فهو خارج عن الملة، ومن
ادعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم ، وعلى ماذا يموتون عليه ويختم لهم - بغير
الوحي من قول الله وقول رسوله - فقد باء بغضب من الله.
و ((الفراسة)) حق على أصول ما ذكرناه، وليس ذلك مما رسمناه فى شيءٍ،
ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاته - ويشير فى ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق
والهداية - وأشار إلى صفاته عز وجل القديمة : فهو حلولي قائل باللاهوتية ،
والالتحام ، وذلك كفر لا محالة.
٨٢

ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة . ومن قال إنها غير مخلوقة فقد ضاهى
قول النصارى - النسطورية - فى المسيح، وذلك كفر بالله العظيم. ومن قال:
إن شيئا من صفات الله حال فى العبد ؛ أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر ؛
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولا حال فى مخلوق؛ وأنه كيفما تلى، وقري ،
وحفظ : فهو صفة الله عز وجل ؛ وليس الدرس من المدروس ولا التلاوة من
المتلو ؛ لأنه عز وجل بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق ، ومن قال بغير ذلك
فهو كافر ،
ونعتقد أن القراءة ((الملحنة)) بدعة وضلالة.
وأن ((القصائد)) بدعة. ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر
آلاء الله ونعمائه وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه
والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به ، وما جرى على وصف المرئيات
ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والربعيات على الله
كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين (على) أحكام الدين فسق ، وعلى
أحكام التواجد والغناء لهو ولعب .
وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة - الجائى بين أهل
الأطباع - على أحكام الذكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه
وصفاته، وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك ؛ وما لا يليق به عز وجل مما هو منزه
عنه، فيكون استماعه كما قال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) الآية .
٨٣

وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر
لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف
بما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به عز وجل مما ليس للمخلوقين
فيه نعت ولا وصف ؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط ، والأصل فى ذلك أنها بدعة
والفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء. و(الربعيات)) بدعة، وذلك مما أنكره
المطلبي ومالك والثوري ، ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل ، وإسحاق،
والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون فى الدين ، ولا لهم قدم
عند المخلصين .
وبلغنى أنه قيل لبشر بن الحارث : إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له
القصائد . قال مثل آیش ؟ قال مثل قوله :
اصبري يا نفس حتى تسكنى دار الجليل
فقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال قلت بغداد
فقال كذبوا - والله الذي لا إله غيره - لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك.
قال أبو عبد الله: وما نقول - وهو قول أمتنا - إن الفقير إذا احتاج وصبر
ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى
به على قوله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخذ أحدكم حيله)) الحديث ونقول:
إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف والاستغناء
٨٤

عما فى أيدي الناس ؛ ومن جعل السؤال حرفة - وهو صحيح - فهو مذموم
فى الحقيقة خارج .
ونقول: إن المستمع إلى ((الغناء، والملاهي)) فإن ذلك كما قال عليه السلام:
((الغناء ينبت النفاق فى القلب)) وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة.
والذي تختار: قول أمتنا: إن ترك المراء فى الدين ، والكلام فى الإيمان
مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم واسط يؤدى،
وأن المرسل إليهم أفضل : فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة
فقد كفراه.
ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد (عبد القادر بن أبى صالح الجيلانى))(١)
قال فى كتاب ((الغنية)): أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار
فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد . إلى أن قال:
وهو بجهة العلو مستو على العرش ، محتو على الملك ، محيط علمه بالأشياء
( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَِّحُ بَرْفَعُهُ ) (يُدَبِرُالْأَمْرَمِنَ السَّمَاءِ
إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّيَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ولا يجوز وصفه
بأنه فى كل مكان ؛ بل يقال إنه فى السماء على العرش، كما قال: ( الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ).
(١) نسخة الجيلى
٨٥

وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير
تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش (قال): وكونه على العرش: مذكور
فى كل كتاب أنزل على كل نى أرسل بلاكيف ، وذكر كلاما طويلا لا يحتمله
هذا الموضع، وذكر فى سائر الصفات نحو هذا.
ولو ذكرت ما قاله العلماء فى هذا لطال الكتاب جداً .
قال ((أبو عمر بن عبد البر)): روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري
وسفيان بن عيينة، والأوزاعي ومعمر بن راشد ((فى أحاديث الصفات)) أنهم
كلهم قالوا: أمروها كما جاءت ؛ قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
من نقل الثقات أو جاء عن أصحابه رضي الله عنهم فهو علم يدان به ؛ وما أحدث
بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة.
وقال فى (( شرح الموطأ)) لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث
ثابت النقل صحيح من جهة الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث فى صحته ، وهو
منقول من طرق - سوى هذه - من أخبار العدول عن النبى صلى الله عليه وسلم
وفيه دليل على أن الله فى السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات ، كما
قالت الجماعة، وهو من حجتهم على ((المعتزلة)) فى قولهم: إن الله تعالى فى كل مكان
بذاته المقدسة .
قال: والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول الله - وذكر بعض الآيات -
٨٦

إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر
من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقال أبو عمر بن عبد البر أيضاً : أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل
عنهم التأويل قالوا فى تأويل قوله: (مَايَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَرَابِعُهُمْ)
هو على العرش وعلمه فى كل مكان ، وما خالفهم فى ذلك من يحتج بقوله
وقال أبو عمر أيضاً : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة
كلها فى القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز، إلا
أنهم لا يكفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة .
وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم ينكرونها ، ولا
يحملون شيئا منها على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وم عند من
أقر بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة.
هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب.
وفى عصره الحافظ ((أبو بكر البيهقي)) مع توليه للمتكلمين من أصحاب
أبى الحسن الأشعري، وذبه عنهم، قال: فى كتابه ((الأسماء والصفات)).
( باب ما جاء فى إثبات اليدين صفتين - لا من حيث الجارحة - لورود خبر
٨٧

يَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ
الصادق به ، قال الله تعالى : (
(
وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ).
وذكر الأحاديث الصحاح فى هذا الباب ، مثل قوله فى غير حديث ، فى
حديث الشفاعة: ((يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده) ومثل قوله فى الحديث
المتفق عليه: ((أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده)) وفى
لفظ: ((وكتب لك التوراة بيده)) ومثل ما فى صحيح مسلم ((أنه سبحانه غرس
كرامة أوليائه فى جنة عدن بيده)) ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((تكون
الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته
فى السفر؛ نزلا لأهل الجنة)).
وذكر أحاديث مثل قوله: ((بيديّ الأمر)) ((والخير فى يديك)) ((والذي
نفس محمد بيده)» و « أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده
بالنهار ليتوب مسيء الليل)) وقوله: ((المقسطون عند الله على منابر من نور عن
يمين الرحمن وكلتا يديه يمين)) وقوله: ((يطوي الله السموات يوم القيامة ثم
يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم
يطوى الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)).
وقوله: (( يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم
ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما فى يمينه وعرشه على الماء
٨٨

وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع)» وكل هذه الأحاديث فى الصحاح.
وذكر أيضاً قوله: ((إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان اختر
أيهما شئت. قال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة)» وحديث
((إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده)) إلى أحاديث أخر ذكرها من
هذا النوع .
ثم قال ((البيهقي)): أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا
من الآيات والأخبار فى هذا الباب؛ وكذلك قال فى ((الاستواء على العرش))
وسائر الصفات الخبرية؛ مع أنه يحكى قول بعض المتأخرين .
وقال القاضي أبو يعلى فى كتاب ((إبطال التأويل)) لا يجوز رد هذه
الأخبار ولا التشاغل بتأويلها ، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله،
لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق ؛ ولا يعتقد التشبيه فيها؛ لكن
على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأمة .
وذكر بعض كلام الزهري، ومكحول ، ومالك، والثورى، والأوزاعي
والليث، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وسفيان بن عيينة والفضيل
ابن عياض، ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي؛ والأسود بن سالم، وإسحاق
ابن راهويه، وأبى عبيد، ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم فى هذا الباب. وفى
حكاية ألفاظهم طول . إلى أن قال :
٨٩

وبدل على إبطال التأويل : أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها
على ظاهرها ؛ ولم يتعرضوالتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها ؛ فلو كان التأويل
سائغاً لكانوا أسبق إليه ؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.
وقال أبو الحسن ((على بن إسماعيل الأشعري)) المتكلم صاحب الطريقة
المنسوبة إليه فى الكلام فى كتابه الذي صنفه فى ((اختلاف المصلين، ومقالات
الإسلاميين» وذكر فرق الروافض والخوارج، والمرجئة والمعتزلة وغيرهم.
ثم قال (مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث ) جملة. قول أصحاب الحديث
وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته ، وكتبه ورسله ، وبما جاء عن الله تعالى؛
وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون شيئاً من ذلك
وأن الله واحد أحد، فرد صمد ، لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن
محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب
فيها، وأن الله يبعث من فى القبور، وأن الله على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى
اَلْعَرْشِ اسْتَوَى ) وأن له يدين بلا كيف كما قال: (خَلَفْتُ بِيَدَثَ ) وكما قال:
(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) وأن له عينين بلا كيف كما قال (تَّجْرِىِأَعْيُنِنَا ) وان
له وجهاً كما قال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَاْإِكْرَامِ ) .
وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن الله علماً كما قال: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) وكما قال: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أَنْتَى
٩٠

وَلَتَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ) وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة
وأثبتوا لله القوة كما قال: ( أَوَلَمْيَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُ مِنْهُمْ قُوَّةً
(
وذكر مذهبهم فى القدر . إلى أن قال :
ويقولون : إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام فى اللفظ والوقف،
من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم ، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا
يقال غير مخلوق، ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر
ليلة البدر ، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال
) وذكر قولهم فى الإسلام
عز وجل: ( كَلَّ ◌ِنَّهُمْ عَنْ زَّتِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّتَحْجُوبُونَ
والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء . إلى أن قال :
ويقرون بأن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، ولا يقولون مخلوق،
ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار . إلى أن قال:
وينكرون الجدل والمراء فى الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه
أهل الجدل ، ويتنازعون فيه من دينهم ، ويسلمون الروايات الصحيحة كما
جاءت به الآثار الصحيحة التى جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لا يقولون كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة
عندهم . إلى أن قال :
ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا
٩١

صَفّا ) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
اْوَرِيدِ ) إلى أن قال :
ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار
والنظر فى الآثار ؛ والنظر فى الفقه، مع الاستكانة والتواضع؛ وحسن الخلق مع
بذل المعروف؛ وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والشكاية وتفقد المآ كل
والمشارب. قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل
ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب ؛ وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان .
وقال الأشعري أيضاً فى ((اختلاف أهل القبلة فى العرش)) فقال: قال
أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ؛ ولا يشبه الأشياء، وإنه
استوى على العرش؛ كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) ولا نتقدم بين
يدي الله فى القول؛ بل نقول استوى بلا كيف، وإن له وجهاً كما قال: (وَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَآلْإِكْرَامِ ) .
وأن له يدين كما قال (خَلَقْتُ بِيَّدَقَ)، وأن له عينين كما قال: (تَجْرِى
◌ِأَعْيُنِنَا ) وأنه يجىء يوم القيامة هو وملائكته كما قال؛ (وَجَآءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ
صَفَّاصَفًا ).
وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء فى الحديث، ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه
٩٢

فى الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت
المعتزلة : إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى.
وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري فى كتابه الذي سماه «الإبانة فى أصول
الديانة)) وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه ، وعليه يعتمدون فى الذب عنه
عند من يطعن عليه - فقال : -
( فصل فى إيانة قول أهل الحق والسنة). فإن قال قائل قد أنكرتم
قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة ؛ فعرفونا
قولكم الذي به تقولون ودیاتكم التى بها تدينون .
قيل له : قولنا الذي نقول به ، وديانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا
وسنة نبينا ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك
معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع
درجته وأجزل مثوبته - قائلون ، ولما خالف قوله مخالفون ؛ لأنه الإمام
الفاضل ، والرئيس الكامل ؛ الذي أبان اللّه به الحق ، ودفع به الضلال ؛
وأوضح به المنهاج ، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين؛
فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم !.
((وجملة قولنا)) أنا نقر بالله وملائكته، وكتبه ورسله ،وبما جاءوا به من عند
الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ترد من ذلك شيئاً؛
٩٣

وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا؛ وأن «محمداً
عبده ورسوله)) أرسله بالهدى ودين الحق (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وأن الجنة
حق، والنار حق ، وأن الساعة آتية ، وأن الله يبعث من فى القبور.
وأن الله مستو على عرشه كما قال: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وأن له
وجها كما قال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ ) وأن له يدين بلاكيف
كما قال: (خَقْتُ بِيَدَىَ) وكما قال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ) وأن
له عينين بلاكيف كما قال: (تَجْرِى بِأَعْيُنَا ) - وأن من زعم أن أسماء الله غيره
كان ضالا ، وذكر نحوا مما ذكر فى الفرق إلى أن قال :
ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً، وندين بأن
الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل، وأنه عز وجل بضع
السموات على إصبع، والأرضين على إصبح ، كما جاءت الرواية الصحيحة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم . إلى أن قال:
((وإن الايمان)) قول وعمل، يزيد وينقص ، ونسلم الروايات الصحيحة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التى رواها الثقات عدلا عن عدل، حتى ينتهي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التى
اثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول ((هل
من سائل؟ هل من مستغفر؟)) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل
الزيغ والتضليل :
٩٤

ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا ، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما
كان فى معناه، ولا نبتدع فى دين الله ما لم يأذن لنا به ، ولا نقول على الله
ما لا نعلم.
ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: (وَجَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَُ صَفَّاصَفًا)، وإن
الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) وكما
قال: ( ثُمَّدَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ ).
إلى أن قال: وسنحتج لما ذكر ناه من قولنا وما بقي ما لم نذكره بايا بايا .
ثم تكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك؛ ثم تكلم على أن القرآن غير
مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف فى القرآن وقال لا أقول :
إنه مخلوق ، ولا غير مخلوق، ورد عليه. ثم قال :-
(باب ذكر الاستواء على العرش)
فقال إن قال قائل ما تقولون فى الاستواء ؟ قيل له: نقول إن الله مستو
على عرشه كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ
الْكَلِمُالَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) وقال تعالى (بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) وقال تعالى:
( يُدَبِرُ اَلْأَمْرَمِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَ يَعْرُجُ إِلَيْهِ )
وقال تعالى حكاية عن فرعون (يَنْهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ
٩٥

أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا ) كذب موسى فى
قوله إن الله فوق السموات ، وقال تعالى: (َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ
بِكُمُ الْأَرْضَ )
فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال (ءَأَمِنْثُم مَن
فِي السَّمَاءِ ) لأنه مستو على العرش الذى هو فوق السموات، وكل ما علا فهو
سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال (ءَأَمِنْثُم مَّن فِى السَّمَآءِ ) يغنى جميع
السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله عز وجل
) ولم يرد أن القمر
ذكر السموات فقال تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَفِهِنَّنُورًا
يملؤهن وأنه فيهن جميعاً،
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء ؛ لأن الله على
عرشه الذى هو فوق السموات، فلو لا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم
نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.
ثم قال :
( فصل )
وقد قال القائلون من المعتزلة ، والجهمية، والحرورية إن معنى قوله
( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ) أنه استولى وقهر وملك، وأن الله عز وجل فى
كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا فى
٩٦

الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض
السابعة ؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض ، فالله قادر عليها وعلى الحشوش
وعلى كل ما فى العالم ، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء - وهو
عز وجل مستول على الأشياء كلها - لكان مستويا على العرش وعلى الأرض،
وعلى السماء وعلى الحشوش والأفذار ؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها ،
وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول:
إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش
الاستيلاء الذى هو عام فى الأشياء كلها ، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص
العرش، دون الأشياء كلها. وذكر دلالات من القرآن والحديث، والإجماع والعقل.
ثم قال :
(باب الكلام فى الوجه والعينين والبصر واليدين )
وذكر الآيات فى ذلك . ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا
الموضع لحكايته : مثل قوله فإن سئلنا أنقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد
دل عليه قوله تعالى: (يَدُلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وقوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ)
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن الله مسح ظهر آدم بيده
فاستخرج منه ذريته، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده)» وقد جاء
فى الخبر المذكور عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن الله خلق آدم بيده، وخلق
جنة عدن بيده، و کتب التوراة بيده ، وغرس شجرة طوبى بيده))
٩٧

وليس يجوز فى لسان العرب ولا فى عادة أهل الخطاب أن يقول القائل
عملت كذا بيديّ ويريد بها النعمة ، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها،
وما يجري مفهوما فى كلامها، ومعقولا فى خطابها ، وكان لا يجوز فى خطاب أهل
البيان أن يقول القائل : فعلت كذا بيدي ويعنى بها النعمة : بطل أن يكون
معنى قوله تعالى (بيدي) النعمة .
وذكر كلاما طويلا فى تقرير هذا ونحوه .
وقال القاضي أبو بكر ((محمد بن الطيب الباقلانى)) المتكلم - وهو أفضل
المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده- قال
فى ((كتاب الإبانة)) تصنيفه: فان قال قائل: فما الدليل على أن للهوجهاً ویداً؛قيل له
قوله: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ) وقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ ) فأثبت لنفسه وجهاً ويداً .
فإن قال : فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إن كنتم لا تعقلون
وجهاً ويداً إلا جارحة ؟
قلنا لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالما قادراً إلا جسما أن نقضي
نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجب فى كل شيء كان قائماً
بذاته أن يكون جوهراً؛ لأنا وإياكم لم يجد قائما بنفسه فى شاهدنا إلاَ كذلك،
٩٨

وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته، وكلامه وسمعه، وبصره
وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود .
وقال: ((فإن قال فهل تقولون إنه فى كل مكان))؟
قيل له: معاذ الله، بل مستو على عرشه كما أخبر فى كتابه فقال: (الرَّحْمَُ
عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) وقال الله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ
يَرْفَعُهُ ) وقال: (ءَأَمِنْثُمْ مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ).
قال : ولو كان فى كل مكان لكان فى بطن الإنسان وفمه ، والحشوش
والمواضع التى يرغب عن ذكرها؛ ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها
ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان؛ ولصح أن يرغب إليه إلى نحو
الأرض ، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا ، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه
و تخطئة قائله.
وقال أيضاً فى هذا الكتاب : صفات ذاته التى لم يزل ولا يزال موصوفاً
بها : هي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والارادة،
والبقاء، والوجه والعينان، واليدان والغضب والرضا.
وقال فى ((كتاب التمهيد)) كلاماً أكثر من هذا - لكن ليست النسخة
حاضرة عندي - وكلامه وكلام غيره من المتكلمين فى مثل هذا الباب كثير لمن
يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام.
٩٩

((وملاك الأمر)) أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل
ودين ، حتى يفهم ويدين ، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شىء ؛ ولكن
كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسناً للظن
بهم دون غيرهم، ومتوهماً أنهم حققوا فى هذا الباب ما لم يحققه غيرم؛ فلو أتى
بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشئء من كلامهم.
ثم م مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم؛ فلو أنهم أخذوا بالهدى:
الذي يجدونه فى كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق فى طلب الحق أن يزدادوا
هدى، ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ؛ ثم لا يتمسك بما جاءت به
من الحق: ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ,وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا
مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ تَّقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )؟!
فإن اليهود قالوا لا نؤمن إلا بما أنزل علينا. قال الله تعالى لهم (فَلِمَ تَعْثُلُونَ
أَنِيَاءَ اللَّهِمِن قَبْلُ إِن كُسْتُم مُؤْمِنِينَ ) أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول
سبحانه وتعالى لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء
تبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يقبل الحق، لا من
طائفته ولا من غيرها ، مع كونه بتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان .
وكذلك قال ((أبو المعالي الجوينى)) فى كتابه («الرسالة النظامية)) اختلف
مسالك العلماء فى هذه الظواهر ؛ فرأى بعضهم تأويلها ، والتزم ذلك فى آي
١٠٠