Indexed OCR Text
Pages 481-500
قال شيخ الإسلام رحمه اللّه :- فصل افترق الناس فى ((يزيد، بن معاوية بن أبى سفيان ( ثلاث فرق ) : طرفان ووسط. (فأحد الطرفين ) قالوا: إنه كان كافراً منافقاً ، وأنه سعى فى قتل سبط رسول الله، تشفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقاماً منه، وأخذاً بثأر جده عتبة، وأخى جده شيبة ، وخاله الوليد بن عتبة ، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بيد على بن أبى طالب وغيره يوم بدر وغيرها ؛ وقالوا: تلك أحقاد بدربة ، وآثار جاهلية ، وأنشدوا عنه: تلك الرؤوس علی ربی جیرونی لما بدت تلك الحمول وأشرفت فلقد قضيت من النی دیونی لعق الغراب ، فقلت نح أو لا تنح وقالوا : إنه تمثل بشعر ابن الزبعرى الذى أنشده يوم أحد :- ليت أشياخی بیدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل ٤٨١ قد قتلنا الكثيرمن أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل وأشياء من هذا النمط . وهذا القول سهل على الرافضة؟ الذين يكفرون أبا بكر ، وعمر ، وعثمان؛ فتکفیر یزید أسهل بكثير . ( والطرف الثانى) يظنون أنه كان رجلا صالحاً وإمام عدل ، وأنهكان من ((الصحابة)) الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله على يديه وبرك عليه ، وربما فضله بعضهم على أبى بكر وعمر. وربما جعله بعضهم نبياً ، ويقولون عن ((الشيخ عدى))، أو حسن المقتول - كذباً عليه - إن سبعين ولياً صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم فى يزيد . وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال . فإن الشيخ عديا ے كان من بنى أمية وكان رجلا صالحاً عابدا فاضلا ، ولم يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التى يقولها غيره كالشيخ («أبى الفرج)) المقدسى، فإن عقيدته موافقة لعقيدته ؛ لكن زادوا فى السنة أشياء كذب وضلال، من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل ، والغلو فى الشيخ عدى وفى يزيد ، والغلو فى ذم الرافضة ، بأنه لا تقبل لهم توبة ، وأشياء أخر. وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين ؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة ، ولا إلى ذى عقل من العقلاء الذين لهم رأى وخبرة . ٤٨٢ (والقول الثالث): أنه كان ملكا من ملوك المسلمين ، له حسنات وسيئات ، ولم يولد إلا فى خلافة عثمان ، ولم يكن كافراً ؛ ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع ((الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحباً ولا من أولياء الله الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة . ثم افترقوا ( ثلاث فرق)، فرقة لعنته ، وفرقة أحبته ، وفرقة لا تسبه ولا تحبه، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد ، وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين. قال صالح بن أحمد : قلت لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بنى! وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ فقال يا بنى! ومتى رأيت أباك يلعن أحداً. وقال مهنا: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان. فقال: هوالذى فعل بالمدينة ما فعل ! قلت: وما فعل ؟ قال : قتل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها، قلت : فيذكر عنه الحديث ؟ قال: لا يذكر عنه حديث. وهكذا ذكر القاضى أبو يعلى وغيره. وقال أبو محمد المقدسى لما سئل عن يزيد: فيما بلغنى لا يسب ولا يحب. وبلغنى أيضاً أن جدنا أبا عبد الله بن تيمية سئل عن يزيد. فقال: لا تنقص ولا تزيد. وهذا أعدل الأقوال فيه وفى أمثاله وأحسنها . ٤٨٣ أما ترك سبه ولعنته ، فبناء على أنه لم يثبت فسقه الذى يقتضى لعنه ، أو بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه ، إما تحريماً، وإما تنزيهاً . فقد ثبت فى صحيح البخارى عن عمر فى قصة ((حمار)) الذى تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة ، قال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)، وقال: ((لعن المؤمن كقتله)) متفق عليه. هذا مع أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها ، فقد ثبت أن النى لعن عموماً شارب الخمر ، ونهى فى الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين . وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة فى أكل أموال اليتامى ، والزانى ، والسارق فلا نشهد بها عامة على معين ، بأنه من أصحاب النار ؛ لجواز تخلف المقتضى عن المقتضى لمعارض راجح : إما توبة ، وإما حسنات ماحية ؛ وإما مصائب مكفرة ؛ وإما شفاعة مقبولة ؛ وإما غير ذلك كما قررناه فى غير هذا الموضع. فهذه ثلاثة مآخذ . ومن اللاعنين من يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول، لا لكراهة فى اللعنة. وأما ترك محبته فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين؛ وليس واحداً منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((المرء مع من أحب)) ومن آمن بالله واليوم الآخر: لا يختار أن يكون مع يزيد، ولا مع أمثاله من الملوك، الذين ليسوا بعادلين. ٤٨٤ ولترك المحبة ((مأخذان)): (أحدهما) : أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته فبقى واحداً من الملوك المسلطين. ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة ؛ وهذا المأخذ ، ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلا . (والثانى): أنه صدر عنه ما يقتضى ظلمه وفسقه فى سيرته؛ وأمر الحسين وأمر أهل الحرة. وأما الذين لعنوه من العلماء ، كأنى الفرج بن الجوزى ، والكيا الهراس وغيرهما : فلما صدر عنه من الأفعال التى تبيح لعنته ، ثم قد يقولون هو فاسق وكل فاسق يلعن . وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه ، كما لعن أهل صفين بعضهم بعضاً فى القنوت ، فلعن على وأصحابه فى قنوت الصلاة رجالا معينين من أهل الشام؛ وكذلك أهل الشام لعنوا، مع أن المقتلين من أهل التأويل السائغ: العادلين ، والباغين : لا يفسق واحد منهم. وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار ؛ وإن كان لا يلعن سائر الفساق، كما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من أهل المعاصى ، وأشخاصاً من العصاة ؛ وإن لم يلعن جميعهم ، فهذه ( ثلاثة مآخذ ) للعنته . وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه، كالغزالى ، والدستى فلهم مأخذان : ٤٨٥ (أحدهما) : أنه مسلم ولى أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم ، وكانت فيه خصال محمودة ، وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره، فيقولون: هو مجتهد مخطئ ، ويقولون : إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولا ، وأنكر ذلك عليهم ابن عمر وغيره،وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به ، بل ظهر منه التألم لقتله ، وذم من قتله ، ولم يحمل الرأس إليه وإنما حمل إلى ابن زياد . (والمأخذ الثانى): أنه قد ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)» وأول جيش غزاها كان أميره یزید. (والتحقيق»: أن هذين القولين يسوغ فيهما الاجتهاد، فإن اللعنة لمن يعمل المعاصى مما يسوغ فيها الاجتهاد ، و کذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات ؛ بل لا يتنافى عندنا أن يجتمع فى الرجل الحمد والذم، والثواب والعقاب؛ كذلك لا یتنافی أن یصلی علیه و یدعی له، وأن يلعن ويشتم أيضاً باعتبار وجهين. فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة - وإن دخلوا النار ، أو استحقوا دخولها فإنهم - لا بد أن يدخلوا الجنة فيجتمع فيهم الثواب والعقاب؛ ولكن الخوارج والمعتزلة تذكر ذلك ، وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب ، ومن استحق العقاب لا يستحق الثواب. والمسئلة مشهورة، وتقريرها فى غير هذا الموضع. ٤٨٦ وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسئلة فى الجنائز ، فإن موتى المسلمين يصلى عليهم برهم وفاجرهم ، وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه لكن الحال الأول أوسط وأعدل ؛ وبذلك أجبت مقدم المغل بولاى ؛ لما قدموا دمشق فى الفتنة الكبيرة ، وجرت بينى وبينه وبين غيره مخاطبات ؛ فسألى. فيما سألنى: ما تقولون فى يزيد؟ فقلت : لا نسبه ولا تحبه ، فإنه لم يكن رجلا صالحا فنحبه ونحن لا نسب أحدا من المسلمين بعينه . فقال : أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالماً ؟ أما قتل الحسين؟. فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله فى القرآن: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ ) ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه ؛ وقد لعنه قوم من العلماء؛ وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد .؛ لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل ((الحسين)) أو أعان على قتله ، أو رضى بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا. قال : فما تحبون أهل البيت ؟ قلت : محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه فإنه قد ثبت عندنا فى صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما، بين مكة والمدينة فقال: ((أيها الناس! إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله)) فذكر كتاب الله وحضر عليه، ثم قال: ((وعترقى ٤٨٧ أهل بيتى ، أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى، قلت لمقدم: ونحن نقول فى صلاتنا كل يوم: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟ قلت : من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ثم قلت للوزير المغولى لأى شىء قال عن يزيد وهذا تترىَّ؟ قال: قد قالوا له إن أهل دمشق نواصب ، قلت بصوت عال: يكذب الذى قال هذا ومن قال هذا : فعليه لعنة اللّه، والله ما فى أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيا، ولو تنقص أحد عليا بدمشق لقام المسلمون عليه ؛ لكن كان - قديما لما كان بنو أمية ولاة البلاد - بعض بنى أمية ينصب العداوة لعلى ويسبه ، وأما اليوم فما بقى من أولئك أحد . ٤٨٨ سئل :- عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة فى الفساد ، ومنهم من يقول : إن الدين فسد من قبل ((هذه)) وهو من حين أخذت الخلافة من على بن أبى طالب، فإن الذين تولوا مكانه لم يكونوا أهلا للولاية، فلم تصح توليتهم، ولم يصح للمسلین بعد ذلك عقد من عقودهم، لاعقد نكاح ولاغيره، وأن جميع من تزوج بعد تلك الواقعة فنكاحه فاسد، وكذلك العقود جميعها فاسدة ، والولايات وغيرها . ويزعم قائل هذا: أن اللّه صليب ، وأن كل حرف من الجلالة على رأس خط من خطوط الصليب ، ويقرر للناس أن اليهود والنصارى على حق ، وكذلك المجوس وغيرهم !!. فأجاب : - رحمه الله تعالى -: أما هذا الجاهل فهو شبيه فى جهله بالرافضة ، الذين يكذبون ؛ وخرافاتهم التى لا تروج إلا على جاهل لا يعرف أصول الإسلام، كالذين ذكروا فى هذا السؤال. وقيل إنهم يقولون إن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من على ، وذلك ٤٨٩ من حين موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا أهلا للولاية ، وأن عقود المسلمين باطلة ، وأن الله صليب ، ويقرر دين اليهود والنصارى والمجوس : فإن هذا زنديق من شر الزنادقة ، من جنس قرامطة الباطنية ، كالنصيرية والإسماعيلية وأتباعهم. ولهذا يتكلم بالتناقض ، فإن من يقرر دين اليهود والنصارى والمجوس ، ويطعن فى دين الخلفاء الراشدين المهديين ، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: لا يكون إلا من أجهل الناس وأكفرهم ، ولو كان من المؤمنين ، الذين يعلمون أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، وأن خير الأمة القرن الأول، ثم الذين يلونه ثم الذين يلونه ؛ لما كان مقرراً لدين الكفار، طاعنا فى دين المهاجرين والأنصار ، والرد على هذا ونحوه مبسوط فى غير هذا الموضع. وقد ذكرنا فى ذلك فى الرد على الرافضة ما لا يتسع له هذا الموضع. ومثل هذا القول لا يقوله من يؤمن بأن محمداً رسول الله ، فنجيب من يقر أن محمداً رسول اللّه، فنبين له مما جاء به ما يزيل شبهته ، فأما من يطعن فى نبوته فتكلمه من وجه آخر ، ولكل مقام مقال. ٤٩٠ سئل رحمه الله: هل يصح عند أهل العلم: أن علياً رضى الله عنه قاتل الجن فى البر؟ ومدَّ يَده يوم خيبر ، فعبر العسكر عليها ، وأنه حمل فى الأحزاب فافترقت قدامه سبع عشرة فرقة ، وخلف كل فرقة رجل يضرب بالسيف يقول أنا على ، وأنه كان له سیف یقال له ذو الفقار ، وكان يمتد ويقصر ، وانه ضرب به مرحبا وكان على رأسه جرن من رخام فقصم له ولفرسه بضربة واحدة ، ونزلت الضربة فى الأرض، ومناد ينادى فى الهواء: لاسيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على ، وأنه رمى فى المنجنيق إلى حصن الغراب ، وأنه بعث إلى كل نبى سرا ، وبعث مع النبي صلى الله عليه وسلم جهرا، وأنه كان يحمل فى خمسين ألفا ، وفى عشرين ألفا، وفى ثلاثين ألفاً وحده، وأنه لما برز إليه مرحب من خيبر ضربه ضربة واحدة فقده طولا ، وقد الفرس عرضاً ، ونزل السيف فى الأرض ذراعين أو ثلاثة ، وأنه مسك حلقة باب خيبر وهزها فاهتزت المدينة ووقع من على السور شرفات ، فهل صح من ذلك شيء ؟؟ !! أجاب :- الحمد لله. هذه الأمور المذكورة كذب مختلق باتفاق أهل العلم والإيمان، ٤٩١ لم يقاتل على ولا غيره من الصحابة الجن ، ولا قاتل الجن أحد من الإنس ؛ لا فى بر ذات العلم ولا غيرها. والحديث المروى فى قتاله للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة ، ولم يقاتل على قط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعسكر كان خمسين ألفاً أو ثلاثين ألفاً ، فضلا عن أن يكون وحده قد حمل فيهم ، ومغازيه التى شهدها مع رسول اللّه وقاتل فيها كانت تسعة: بدراً، وأحداً، والخندق، وخیبر ، وفتح مكة ، ویوم حنین، وغيرها . وأكثر ما يكون المشركون فى الأحزاب وهى الخندق ، وكانوا محاصرين للمدينة ، ولم يقتتلوا هم والمسلمون كلهم، وإنما كان يقتتل قليل منهم وقليل من الكفار، وفيها قتل على عمرو بن عبدود العامرى ، ولم يبارز على وحده قط إلا واحداً ، ولم يبارز اثنين . وأما مرحب يوم خيبر: فقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ، فأعطاها لعلى، وكانت أيام خيبر أياماً متعددة؛ وحصونها فتح على ید علی رضی الله عنه بعضها . وقد روى أثر أنه قتل مرحباً وروى أنه قتله محمد بن مسلمة ولعلهما مر حبان، وقتله القتل المعتاد ، ولم يقده جميعه ، ولا قد الفرس ، ولا نزل ٤٩٢ السیف إلى الأرض ، ولا نزل لعلی ولا لغيره سیفمن السماء، ولا مديده ليعبر الجيش ، ولا اهتز سور خيبر لقلع الباب ، ولا وقع شىء من شرفاته وإن خيبر لم تكن مدينة وإنما كانت حصوناً متفرقة ، ولهم مزارع. ولكن المروى أنه ما قلع باب الحصن حتى عبره المسلمون ، ولا رمى فى منجنیق قط ، وعامة هذه المغازى التى تروى عن على وغيره : قد زادوا فيها أكاذيب كثيرة ؛ مثل ما يكذبون فى سيرة عنترة والأبطال ، وجميع الحروب التى حضرها على رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة حروب الجمل، وصفين، وحرب أهل النهروان. والله أعلم. ٤٩٣ سئل: عمن قال : إن علياً قاتل الجن فى البئر ؟ وأنه حمل على اثنى عشر ألفا وهزمهم؟ . فأجاب : لم يحمل أحد من الصحابة وحده لا فى اثنى عشر ألفاً ولا فى عشرة آلاف لا على ولا غيره؛ بل أكثر عدد اجتمع على النبي صلى الله عليه وسلم هم الأحزاب الذين حاصروه بالخندق ، وكانوا قريباً من هذه العدة ، وقتل علىّ رجلا من الأحزاب اسمه «عمرو بن عبدوَد، العامرى)). ولم يقاتل أحد من الإنس للجن لا على ولا غيره ، بل على كان أجل قدراً من ذلك، والجن الذين يتبعون الصحابة يقاتلون كفار الجن، لا يحتاجون فى ذلك إلى قتال الصحابة معهم. ٤٩٤ سئل: عن ((فاطمة )) أنها أتت النی صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله! إن علياً يقوم الليالى كلها إلا ليلة الجمعة فإنه يصلى الوتر ثم ينام إلى أن يطلع الفجر فقال: ((إن الله يرفع روح على كل ليلة جمعة تسبح فى السماء إلى طلوع الفجر)) فهل ذلك صحيح أم لا ؟ وهل هذا صحيح عن على أنه قال : اسألونى عن طرق السماء فإنى أعرف بها من طرق الأرض؟ فأجاب : - وأما الحديث المذكور عن على فكذب؛ ما رواه أحد من أهل العلم . وأما قوله: اسألونى عن طرق السماء فإنه قاله ، ولم يرد بذلك طريقاً للهدى ؛ وإنما يريد بمثل هذا الكلام الأعمال الصالحة التى يتقرب بها ـے والله أعلم . ٤٩٥ سئل رحم الله: عن رجل قال عن «علىّ ، بن أبى طالب ـ رضی الله عنه -إنه ليس من أهل البيت ، ولا تجوز الصلاة عليه ، والصلاة عليه بدعة؟ ! فأجاب : أما كون على بن أبى طالب من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ، وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى دليل ؛ بل هو أفضل أهل البيت ، وأفضل بنى هاشم بعد النبى صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أدار كساءه على علىّ وفاطمة، وحسن ، وحسين ، فقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)). وأما الصلاة عليه منفرداً فهذا ينبنى على أنه هل يصلى على غير النبى صلى الله عليه وسلم منفرداً ؟ مثل أن يقول: اللهم صل على عمر أو على. وقد تنازع العلماء فى ذلك . فذهب مالك، والشافعى ، وطائفة من الحنابلة : إلى أنه لا يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً، كما روى عن ابن عباس أنه قال: لا أعلم الصلاة تنبغى على أحد إلا على النبى صلى الله عليه وسلم. ٤٩٦ وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك ؛ لأن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال لعمر بن الخطاب: صلى الله عليك. وهذا القول أصح وأولى. ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلى أو غيره بالصلاة عليه دون غيره مضاهاة للنبى صلى الله عليه وسلم؛ بحيث يجعل ذلك شعاراً معروفاً باسمه: هذا هو البدعة . ٤٩٧ سئل شيخ الإسلام: قدس الله روحه هل صح عند أحد من أهل العلم والحديث ، أو من يقتدى به فى دين الإسلام، أن أمير المؤمنين (على بن أبى طالب)) - رضى الله عنه - قال: إذا أنا مت فأركبونى فوق ناقتى وسيونى، فأينما بركت ادفنونى . فسارت ولم يعلم أحد قبره؟ فهل صح ذلك أم لا ؟ وهل عرف أحد من أهل العلم أين دفن أم لا؟ وما كان سبب قتله؟ وفى أى وقت كان ؟ ومن قتله؟ . ومن قتل الحسين ؟ وما كان سبب قتله؟ وهل صح أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم سبوا ؟ وأنهم أركبوا على الإبل عراة ، ولم يكن عليهم ما يسترهم ، نخلق الله تعالى للإبل التى كانوا عليها سنامين استقروا بها . وأن الحسین لما قطع رأسه داروا به فی جمیع البلاد ، وأنه حمل إلى دمشق، وحمل إلی مصر ودفن بها ؟ وأن يزيد بن معاوية هو الذی فعل هذا بأهل البيت ، فهل صح ذلك أم لا؟. وهل قائل هذه المقالات مبتدع بها فى دين الله ؟ وما الذى يجب عليه إذا ٤٩٨ تحدث بهذا بين الناس ؟ وهل إذا أنكر هذا عليه منكر هل يسمى آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر أم لا؟ أفتونا مأجورين، وبينوا لنا بياناً شافياً. فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أما ما ذكر من توصية أمير المؤمنين ((على بن آی طالب ، ۔ رضی الله عنه -إذا مات آر کب فوق دابته و تسیب، ويدفن حيث تبرك ، وأنه فعل ذلك به ؛ فهذا كذب مختلق باتفاق أهل العلم. لم يوص على بشىء من ذلك ، ولا فعل به شىء من ذلك ، ولم يذكر هذا أحد من المعروفين بالعلم والعدل، وإنما يقول ذلك من ينقل عن بعض الكذابين. ولا يحل أن يفعل هذا بأحد من موتى المسلمين ، ولا يحل لأحد أن يوصى بذلك ، بل هذا مثلة بالميت ، ولا فائدة فى هذا الفعل ؛ فإنه إن كان المقصود قعمية قبره فلا بد إذا بركت الناقة من أن يحفر له قبر ويدفن فيه ، وحينئذ يمكن أن يحفر له قبر ويدفن به بدون هذه المثلة القبيحة ، وهو أن يترك ميتاً على ظهر دابة تسير فى البرية . وقد تنازع العلماء فى (( موضع قبره)) . والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة ؛ وأنه أخفى قبره لئلا ينبشه ((الخوارج) الذين كانوا يكفرونه ويستحلون قتله؛ فإن الذى قتله واحد من الخوارج؛ وهو عبدالرحمن ٤٩٩ ابن ملجم المرادى وكان قد تعاهد هو وآخران على قتل على وقتل معاوية وقتل عمرو بن العاص؛ فإنهم يكفرون هؤلاء كلهم، وكل من لا يوافقهم على أهوائهم. وقد تواترت النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم بذمهم ، خرج مسلم فى صحيحه حديثهم من عشرة أوجه ، وخرجه البخارى من عدة أوجه، وخرجه أصحاب السنن والمساند من أكثر من ذلك . قال صلى الله عليه وسلم فيهم: (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم ؛ يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد - وفى رواية - أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن فى قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ، يقتلون أهل الإسلام) . وهؤلاء اتفق الصحابة - رضى الله عنهم - على قتالهم ، لكن الذى باشر قتالهم وأمر به على - رضى الله عنه - كما فى الصحيحين عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) فقتلهم على - رضى الله عنه - بالنهروان، وكانوا قد اجتمعوا فى مكان يقال له: ((حروراء)) ولهذا يقال لهم الحرورية. وأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم حتى رجع منهم نحو نصفهم ، ثم إن الباقين قتلوا (عبد الله بن خباب))، وأغاروا على سرح المسلمين، فأمر ٥٠٠