Indexed OCR Text
Pages 461-480
فإنه إما أن يكون اجتهاداً لا ذنب فيه، فلا كلام . فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ». وإن كان هناك ذنب فقد ثبت أنهؤلاء رضى الله عنهم، وغفر لهم مافعلوه؛ فلا يضرهم ما وقع منهم من الذنوب إن كان قد وقع ذنب ؛ بل إن وقع من أحدهم ذنب كان الله محاه بسبب قد وقع من الأسباب التى يمحص الله بها الذنوب، مثل أن يكون قد تاب فيتوب اللّه عليه، أو كان له حسنات تمحو السيئات ، أو يكون قد كفر عنه بيلاء ابتلاه به ، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولاهم ، ولا غم ، ولا حزن ، ولا أذى ، إلا كفر الله من خطاياه )). وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، فهؤلاء دخلوا فى قوله تعالى: ( وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وفى قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ) ، وقد أسلم قبل فتح مكة خالد ابن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعثمان بن طلحة الحجبى ، وغيرهم. وأسلم بعد الطلقاء أهل الطائف وكانوا آخر الناس إسلاماً ، وكان منهم عثمان ابن أبى العاص الثقفى الذى أمره النبى صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف ، وكان من خيار الصحابة ؛ مع تأخر إسلامه. ٤٦١ فقد يتأخر إسلام الرجل، ويكون أفضل من بعض من تقدمه بالإسلام، كما تأخر إسلام عمر، فإنه يقال: إنه أسلم تمام الأربعين، وكان ممن فضله الله علی کثیر من أسلم قبله، وكانعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد، وعبد الرحمن ابن عوف ، أسلموا قبل عمر على يد أبى بكر ، وتقدمهم عمر . وأول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين أبو بكر ، ومن الأحرار الصبيان على ، ومن الموالى زيد بن حارثة ، ومن النساء خديجة أم المؤمنين، وهذا باتفاق أهل العلم . وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُ واْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) إلى قوله تعالى : ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ). فهذه عامة . وقال تعالى : (لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَوَرَسُولَهُ أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَالدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَّنَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا ٤٦٢ بِلِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). فهذه الآية والتى قبلها : تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين إلى يوم القيامة ؛ فكيف لا يدخل فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الذين آمنوا به وجاهدوا معه؟ . وقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، فمن كان قد أسلم من الطلقاء وهجر ما نهى اللّه عنه كان له معنى هذه الهجرة، فدخل فى قوله تعالى: ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ) كما دخل فى قوله تعالى: (وَكُلَّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى). وقد قال تعالى: ( تُحَمَّدٌ رَسُولُ الِهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُ حَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَنَّهُمْ //٠٩/٠٩/٠/٣ ◌ُكَّعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِالسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَّةِ وَمَثَلُهُمْ فِ الْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْنَهُ فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرَاعَظِيمًا ) فهذا يتناول الذين آمنوا مع الرسول مطلقاً . وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحاح وغيرها من غير ٤٦٣ وجه أنه قال: ((خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) . وثبت عنه فى الصحيح أنه كان بين عبد الرحمن وبين خالد كلام فقال : ((يا خالد لا تسبوا أصحابى. فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدكم ، ولا نصيفه، قال ذلك لخالد ونحوه ، من أسلم بعد الحديبية، بالنسبة إلى السابقين الأولين . يقول: إذا أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصف مده . وهؤلاء الذين أسلموا بعد الحديبية دخلوا فى قوله تعالى: (لَايَسْتَوِى مِنْكُمُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَُّ وَ عَدَ اللَّهُ الْمُسْنَى ) بهذه المنزلة . وكيف يكون بعد أصحابه ؟ والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم قليلا أو كثيراً ، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك، فمن صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه مؤمناً ، فله من الصحبة بقدر ذلك، كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يغزوا فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم)). وفى لفظ: «هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيفتح لهم؛ ثم يغزوا فتام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله ٤٦٤ صلى الله عليه وسلم؟ - وفى لفظ - هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم ، ثم يغزوافئام من الناس فيقولون: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - وفى لفظ ـ من صحب من صحب من صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيفتح لهم، وفى بعض الطرق فيذكر فى الطبقة الرابعة كذلك. فقد علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بصحبته وعلق برؤيته ، وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمناً به . وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ؛ ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم. ٤٦٥ فصل إذا تبين هذا ؛ فمن المعلوم أن الطريق التى بها يعلم إيمان الواحد من الصحابة هى الطريق التى بها يعلم إيمان نظرائه ، والطريق التى تعلم بها صحبته هى الطريق التى يعلم بها صحبة أمثاله. فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل معاوية ، وأخيه يزيد ، وعكرمة ابن أبى جهل؛ وصفوان بن أمية ، والحارث بن هشام؛ وسهيل بن عمرو. وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت. ومعاوية أظهر إسلاماً من غيره ، فإنه تولى أربعين سنة ؛ عشرين سنة نائباً لعمر وعثمان ، مع ما كان فى خلافة على رضى الله عنه ، وعشرين سنة مستولياً ؛ وأنه تولى سنة ستين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين سنة. وسلم إليه الحسن بن على رضى الله عنهما الأمر عام أربعين ، الذى يقال له عام الجماعة؛ لاجتماع الكلمة وزوال الفتنة بين المسلمين . وهذا الذى فعله الحسن رضى الله عنه مما أثنى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم کما ثبت فى صحيح البخاری وغیرہ عن أبی بکر - رضى الله عنه - أن النی صلى ٤٦٦ الله عليه وسلم قال: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) ، جعل النبي صلى الله عليه وسلم مما أثنى به على ابنه الحسن ومدحه على أن أصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، وذلك حين سلم الأمر إلى معاوية ، وكان قد سار كل منهما إلى الآخر بعساكر عظيمة. فلما أثنى التى صلى الله عليه وسلم على الحسن بالإصلاح وترك القتال دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأموراً به ، ولو كان معاوية كافراً لم تكن تولية كافر وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله ؛ بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين ؛ كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين ؛ وأن الذى فعله الحسن كان محمودا عند الله تعالى ، محبوباً مرضياً له ولرسوله . وهذا كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من الناس فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق ، وفى لفظ «فتقتلهم أدناهم إلى الحق، فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتلتين - على وأصحابه ، ومعاوية وأصحابه - على حق ، وأن علياً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه . فإن على بن أبى طالب هو الذى قاتل المارقين وهم ((الخوارج الحرورية)) الذين كانوا من شيعة على ثم خرجوا عليه ، وكفروه ، وكفروا من والاه ، ونصبوا له العداوة، وقاتلوه، ومن معه. وهم الذين أخبر عنهم النبى صلى الله ٤٦٧ عليه وسلم فى الأحاديث الصحيحة المستفيضة ؛ بل المتواترة ، حيث قال فيهم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة، آیتهم أن فيهم رجلا مخدج اليدين ، له عضل عليها شعرات تدردر)). وهؤلاء هم الذين نصبوا العداوة لعلى ومن والاه، وهم الذين استحلوا قتله وجعلوه كافراً، وقتله أحد رؤوسهم ((عبد الرحمن بن ملجم المرادى ، فهؤلاء النواصب الخوارج المارقون إذ قالوا : إن عثمان وعلى بن أبى طالب ومن معهما كانوا كفاراً مرتدين، [فإن من ] حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة، وما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم ، وثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، وإخباره بأنهم من أهل الجنة ، ونحو ذلك من النصوص ، ومن لم يقبل هذه الحجج لم يمكنه أن يثبت إيمان على بن أبى طالب وأمثاله. فإنه لو قال هذا الناصبى للرافضى: إن عليا كان كافراً ، أو فاسقاً ظالماً ، وأنه قاتل على الملك: لطلب الرياسة؛ لا للدين، وأنه قتل ((من أهل الملة)) من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: بالجمل ، وصفين، وحروراء ، ألوفا مؤلفة ، ولم يقاتل بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كافراً، ولا فتح مدينة ، بل قاتل أهل القبلة ، ونحو هذا الكلام - الذى تقوله النواصب المبغضون لعلى رضى الله ٤٦٨ عنه - لم يمكن أن يجيب هؤلاء النواصب إلا أهل السنة والجماعة ؛ الذين يحبون السابقين الأولين كلهم ، ويوالونهم. فيقولون لهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة ، والزبير، ونحوهم، ثبت بالتواتر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وثبت فى القرآن ثناء الله عليهم، والرضى عنهم وثبت بالأحاديث الصحيحة ثناء النبى صلى الله عليه وسلم عليهم خصوصاً وعموما، كقوله فى الحديث المستفيض عنه: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) ، وقوله: « إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى أمتى أحد فعمر) ، وقوله عن عثمان: «ألا أستحى من تستحى منه الملائكة)»؟ وقوله لعلى: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه )) . وقوله: ((لكل فی حواریون، وحواریی الزبير ، وأمثال ذلك. وأما الرافضى فلا يمكنه إقامة الحجة على من يبغض علياً من النواصب، كما يمكن ذلك أهل السنة ، الذين يحبون الجميع. فإنه إن قال: إسلام على معلوم بالتواتر . قال له: وكذلك إسلام أبى بكر ، وعمر ، وعثمان، ومعاوية، وغيرهم، وأنت تطعن فى هؤلاء ، إما فى إسلامهم ؛ وإما فى عدالتهم. فإن قال : إيمان على ثبت بثناء النبي صلى اللّه عليه وسلم. قلنا له : هذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين قطعن أنت فيهم، ورواة فضائلهم: سعد بن أبى ٤٦٩ وقاص ، وعائشة ، وسهل بن سعد الساعدى ، وأمثالهم ، والرافضة تقدح فى هؤلاء . فإن كانت رواية هؤلاء وأمثالهم ضعيفة بطل كل فضيلة تروى لعلى ولم يكن للرافضة حجة ، وإن كانت روايتهم صحيحة ، ثبتت فضائل على وغيره ؛ ممن روى هؤلاء فضائله: كأبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وغيرهم. فإن قال الرافضى : فضائل على متواترة عند الشيعة - كما يقولون: إن النص عليه بالإمامة متواتر - قيل له أما ((الشيعة)) الذين ليسوا من الصحابة: فإنهم لم يروا النبى صلى الله عليه وسلم، ولا سمعوا كلامه، ونقلهم نقل مرسل، منقطع، إن لم يسنده إلى الصحابة لم يكن صحيحاً. والصحابة الذين تواليهم الرافضة نفر قليل - بضعة عشر وإما نحو ذلك - وهؤلاء لا يثبت التواتر بنقلهم لجواز التواطؤ على مثل هذا العدد القليل ، والجمهور الأعظم من الصحابة : الذين نقلوا فضائلهم تقدح الرافضة فيهم ؛ ثم إذا جوزوا على الجمهور الذين أثنى عليهم القرآن الكذب والكتمان ، فتجويز ذلك على نفر قليل أولى وأجوز . وأيضاً فإذا قال الرافضى: إن أبا بكر. وعمر ، وعثمان ، كان قصدهم الرياسة والملك، فظلموا غيرهم بالولاية. قال لهم: هؤلاء لم يقاتلوا مسلما على الولاية ، وإنما قاتلوا المرتدين والكفار ، وهم الذين كسروا كسرى وقيصر ، وفتحوا بلاد فارس ، وأقاموا الإسلام وأعزوا الإيمان وأهله، وأذلوا الكفر وأهله. ٤٧٠ وعثمان هو دون أبى بكر ، وعمر ، فى المنزلة. ومع ذلك فقد طلبوا قتله وهو فى ولايته، فلم يقاتل المسلمين ولا قتل مسلما على ولايته ، فإن جوزت على هؤلاء أنهم كانوا ظالمين فى ولايتهم ، أعداء الرسول : كانت حجة الناصى عليك أظهر . وإذا أسأت القول فى هؤلاء ونسبتهم إلى الظلم والمعاداة للرسول وطائفته: كان ذلك حجة للخوارج والنواصب المارقين عليك . فإنهم يقولون: أيما أولى أن ينسب إلى طلب الرياسة : من قاتل المسلمين على ولايته - ولم يقاتل الكفار - وابتدأهم بالقتال ليطيعوه ؛ وهم لا يطيعونه، وقتل من ((أهل القبلة )) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت العتيق؛ ويصومون شهر رمضان ويقرءون القرآن ألونا مؤلفة ؛ ومن لم يقاتل مسلماً ؛ بل أعزوا أهل الصلاة والزكاة ، ونصروهم وآووهم، أو من قتل وهو فى ولايته، لم يقاتل ولم يدفع عن نفسه حتى قتل فى داره وبین أهله رضی الله عنه؟ فإن جوزت على مثل هذا أن يكون ظالما للملك ظالماً للمسلمين بولايته ، فتجويزك هذا على من قاتل على الولاية وقتل المسلمين عليها أولى وأحرى . وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح؛ ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول ؛ ولا دنيا منصورة ، بل هم من أعظم الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد ، كما دخل فيهم النصيرية ؛ ٤٧١ والإسماعيلية وغيرهم ، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم ، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه ، وإلى الكذب المختلق الذى يعلم فساده يقيمونه ، فهم كما قال فيهم الشعبى - وكان من أعلم الناس بهم - لو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، ولو كانوا من الطير لكانوا رخماً . ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدهم فرية، مثل ما يذكرون عن معاوية . فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحى ، وما اتهمه النبى صلى الله عليه وسلم فى كتابة الوحى. وولاء عمر بن الخطاب الذى كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ، ولم يتهمه فى ولايته . وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه أبا سفيان إلى أن مات النبى صلى الله عليه وسلم وهو على ولايته، فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى؛ ولم يكن من أهل الردة ، قط ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الذين ينسبون أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعامة أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم. ٤٧٢ والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة ، يقول بعضهم : إنه مات ووجهه إلى الشرق والصليب على وجهه ، وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه. ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية من ملوك بنى أمية وبنى العباس كعبد الملك بن مروان وأولاده، وأبى جعفر المنصور وولديه - الملقبين بالمهدى، والهادى - والرشيد ، وأمثالهم من الذين تولوا الخلافة وأمر المؤمنين ؛ فمن نسب واحداً من هؤلاء إلى الردة ، وإلى أنه مات على دين النصارى لعلم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية ، فكيف يقال مثل هذا فى معاوية وأمثاله من الصحابة . بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الأحداث ، من قال فيه: إنه كافر مرتد ، فقد افترى عليه . بل كان ملكا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين، وأكثر الملوك لهم حسنات ولهم سيئات ، وحسناتهم عظيمة، وسيئاتهم عظيمة ، فالطاعن فى واحد منهم دون نظراته إما جاهل، وإما ظالم . وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين ، منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، ومنهم من قد تاب من سيئاته ، ومنهم من كفر الله عنه ، ومنهم من قد يدخله الجنة ، ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته ، ومنهم من قد يتقبل الله فيه شفاعة فى أو غيره من الشفعاء ، فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال. ٤٧٣ وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار. وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله الخمرة، وعاصرها. ومعتصرها ، وحاملها ، وساقيها ، وشاربها ، وبائعها ، ومشتريها ، وآ كل ثمنها، . وصح عنه: أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يكثر شربها يدعى «حماراً، وكان كلما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم جلده، فأتى به إليه ليجلده، فقال رجل: لعنه الله! ما أكثر ما يؤتى به النى صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنه! فإنه يحب الله ورسوله)». وقد لعن النی صلى الله عليه وسلم شارب الخمر عموماً، ونهى عن لعنة المؤمن المعين. كما أنا نقول ما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَعَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ ، فلا ينبغى لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه فى النار ، في بُطُونِهِمْ نَارًا) لإمكان أن يتوب أو يغفر له الله بحسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو يعفو اللّه عنه ، أو غير ذلك. فهكذا الواحد من الملوك أو غير الملوك ، وإن كان صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه و نشهد له بالنار . ومن دخل فى ذلك كان من أهل البدع والضلال ؛ فكيف إذا كان للرجل حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلبه ! كما ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عمر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه ٤٧٤ قال: ((أول جيش يغزو قسطنطينية مغفور له))، وأول جيش غزاها كان أميرهم ((يزيد بن معاوية)) وكان معه فى الغزاة أبو أيوب الأنصارى ، وتوفى هناك، وقبره هناك إلى الآن . ولهذا كان المقتصدون من أئمة السلف يقولون فى يزيد وأمثاله: إنا لا نسبهم ولا نحبهم، أى لا نحب ما صدر منهم من ظلم . والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات ، وطاعات ومعاصى ، وبر ونجور وشر ، فيئيبه الله على حسناته، ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له ، ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعله من الشر. فأما من كانت سيئاته صغائر فقد وافقت المعتزلة على أن الله يغفرها. وأما صاحب الكبيرة فسلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا يشهدون له بالنار، بل يجوزون أن الله يغفر له، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ مَوَيَغْفِرُمَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) ، فهذه فى حق من لم يشرك، فإنه قيدها بالمشيئة، وأما قوله تعالى: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) ، فهذا فى حق من تاب ، ولذلك أطلق وعم. والخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد فى النار ، ثم إنهم ٤٧٥ قد يتوهمون فى بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر ، كما تتوهم الخوارج فى عثمان وعلى وأتباعهما أنهم مخلدون فى النار ، كما يتوهم بعض ذلك فى مثل معاوية وعمرو ابن العاص ، وأمثالهما ، ويبنون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين : (إحداهما): أن فلانا من أهل الكبائر. (والثانية): أن كل صاحب كبيرة يخلد فى النار . وكلا القولين باطل . وأما الثانى فباطل على الإطلاق. وأما الأول فقد يعلم بطلانه ، وقد يتوقف فيه . ومن قال عن معاوية وأمثاله ؛ ممن ظهر إسلامه وصلاته ، وحجه وصيامه أنه لم يسلم ، وأنه كان مقيما على الكفر فهو بمنزلة من يقول ذلك فى غيره، كما لو ادعى مدع ذلك فى العباس ، وجعفر ، وعقيل ، وفى أبى بكر ، وعمر ، وعثمان. وكمالو ادعى أن الحسن والحسين ليسا ولدى على بن أبى طالب ، إنما هما أولاد سلمان الفارسى، ولو ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتزوج ابنة أبى بكر وعمر، ولم يزوج بنتيه عثمان ؛ بل إنكار إسلام معاوية أقبح من إنكار هذه الأمور ، فإن منها ما لا يعرفه إلا العلماء . وأما إسلام معاوية وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق، ولو أنكر منكر إسلام على أو ادعى بقاءه على الكفر؛ لم يحتج ٤٧٦ عليه إلا بمثل ما يحتج به على من أنكر إسلام أبى بكر ، وعمر ؛ وعثمان ومعاوية وغيرهم . وإن كان بعضهم أفضل من بعض فتفاضلهم لا يمنع اشتراكهم فی ظهور إسلامهم. وأما قول القائل : إيمان معاوية كان نفاقا؛ فهو أيضاً من الكذب المختلق. فإنه ليس فى علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق ؛ بل العلماء متفقون على حسن إسلامه؛ وقد توقف بعضهم فى حسن إسلام أبى سفيان - أبيه - وأما معاوية؛ وأخوه يزيد ، فلم يتنازعوا فى حسن إسلامهما ، كما لم يتنازعوا فى حسن إسلام عكرمة بن أبي جهل ،وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية ، وأمثالهم من مسلمة الفتح، وكيف يكون رجلا متولياً على المسلمين أربعين سنة نائباً ، ومستقلا يصلى بهم الصلوات الخمس ويخطب ويعظهم ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم الحدود، ويقسم بينهم فيتهم ومغانمهم وصدقاتهم ، ويحج أعيان الصحابة بهم ، ومع هذا يخفى نفاقه عليهم كلهم ؟ وفيهم من جماعة كثيرة . بل أبلغ من هذا أنه - ولله الحمد - لم يكن من الخلفاء الذين لهم ولاية عامة من خلفاء بنى أمية ، وبنى العباس أحد يتهم بالزندقة والنفاق وبنو أمية ، لم ينسب أحد منهم إلى الزندقة والنفاق وإن كان قد ينسب الرجل منهم إلى نوع من البدعة ، أو نوع من الظلم، لكن لم ينسب أحداً منهم من أهل العلم إلى زندقة و نفاق . ٤٧٧ وإنما كان المعروفون بالزندقة والنفاق بنى عبيد القداح ، الذين كانوا بمصر والمغرب، وكانوا يدعون أنهم علويون، وإنما كانوا من ذرية الكفار، فهؤلاء قد اتفق أهل العلم على رميهم بالزندقة والنفاق، وكذلك رمى بالزندقة والنفاق قوم من ملوك النواحى الخلفاء من بنى بويه وغير بنى بويه ؛ فأما خليفة عام الولاية فى الإسلام فقد طهر اللّه المسلمين أن يكون ولى أمرهم زنديقاً منافقاً، فهذا مما ينبغى أن يعلم ويعرف، فإنه نافع فى هذا الباب. واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة ، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة ، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكا ورحمة، كما جاء فى الحديث: ((يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض)، وكان فى ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره. وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة ، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة، ثم قصیر ملكا ، وكان أبو بكر ، وعمر، وعثمان، وعلى، رضى الله عنهم: هم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء (١) نسخة النواصب ٤٧٨ الراشدين من بعدى ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة )) . وقد تنازع كثير من الناس فى خلافة على ؛ وقالوا : زمانه زمان فتنة ، لم يكن فى زمانه جماعة ، وقالت طائفة: يصح أن يولى خليفتان فهو خليفة ، ومعاوية خليفة ؛ لأن الأمة لم تتفق عليه ، ولم تنتظم فى خلافته. والصحيح الذى عليه الأئمة: أن علياً رضى الله عنه من الخلفاء الراشدين، بهذا الحديث ، فزمان على كان يسمى نفسه أمير المؤمنين ، والصحابة تسميه بذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل: ((من لم يربع بعلى رضى الله عنه فى الخلافة فهو أضل من حمار أهله، ، ومع هذا فلكل خليفة مرتبة . فأبو بكر وعمر لا يوازنهما أحد ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين من بعدى: أبى بكر وعمر))، ولم يكن نزاع بين شيعة على الذین هوه فى تقديم أبی بکر وعمر ، وثبتعن علىمن وجوه كثيرة أنه قال : لا أوتى پر چل یفضلی علی أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى. وإنما كانوا يتنازعون فى عثمان وعلى رضى الله عنهما؛ لكن ثبت تقديم عثمان على علىّ ، باتفاق السابقين على مبايعة ( عمان) طوعا بلا كره ؛ بعد أن جعل عمر الشورى فى ستة: عثمان ، وعلى ، وطلحة ، والزبير ، وسعد، ٤٧٩ وعبد الرحمن بن عوف. وتركها « ثلاثة)) وهم: طلحة ، والزبير ، وسعد. فبقيت فى (( ثلاثة)): عثمان، وعلى، وعبد الرحمن . فولى أحدهما ، فبقى عبد الرحمن يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثلاثة أيام، ثم أخبر أنهم لم يعدلوا بعثمان. ونقل وفاته وولايته: حديث طويل ، فمن أراده فعليه بأحاديث الثقات. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وسلم. ٤٨٠