Indexed OCR Text
Pages 341-360
وسئل :- عن النبى صلى الله عليه وسلم: هل يعلم وقت الساعة؟ فأجاب : - أما الحديث المسؤول عنه كونه صلى الله عليه وسلم ((يعلم وقت الساعة)) فلا أصل له ، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم فى تحديد وقت الساعة نص أصلا ، بل قد قال تعالى: ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُنْ سَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُحِيهَا أى خفى على أهل ◌ِوَقِهَا إِلَّهُوَثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ) السموات والأرض، وقال تعالى لموسى: (إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا) قال ابن عباس وغيره: أكاد أخفيها من نفسى فكيف أطلع عليها ؟ وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة وهو فى مسلم من حديث عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له: متى الساعة؟ قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)). فأخبر أنه ليس بأعلم بها من السائل ، وكان السائل فى صورة أعرابى ، ولم يعلم أنه جبريل إلا بعد أن ذهب وحين أجابه لم يكن يظنه إلا أعرابياً فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد قال عن نفسه: إنه ليس بأعلم بالساعة من ٣٤١ أعرابى فكيف يجوز لغيره أن يدعى علم ميقاتها؟! وإنما أخبر الكتاب والسنة بأشراطها، وهى علاماتها، وهى كثيرة تقدم بعضها وبعضها لم يأت بعد . ومن تكلم فى وقتها المعين مثل الذى صنف كتاباً سماه ((الدر المنظم فى معرفة الأعظم ، وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها ، والذين تكلموا على ذلك من ((حروف المعجم)) والذى تكلم فى «عنقاء مغرب، وأمثال هؤلاء، فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند أتباعهم فغالبهم كاذبون مفترون، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة [أنهم] يتكلمون بغير علم؛ وإن ادعوا فى ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: ( قُلّ ◌ِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ وَلْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُفِّ بِهِ، سُلْطَنّا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَاَنَعْلَمُونَ ). ٣٤٢ سئل شيخ الإسلام: عن ( صالحى بنى آدم، والملائكة) أيهما أفضل ! فأجاب : بأن صالحی البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية فإن الملائكة الآن فى الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم ، مستغرقون فى عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحوا البشر أكمل من حال الملائكة . قال ابن القيم : وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه . ٣٤٣ وسئل :- عن ((المطيعين)) من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: هل ثم أفضل من الملائكة ؟ فأجاب : قد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن الملائكة قالت : يارب ! جعلت بنى آدم يأكلون فى الدنيا ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا، قال: (لا أفعل) ثم أعادوا عليه فقال: (لا أفعل) ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً فقال: ( وعزتى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له: کن فکان) ، ذكره عثمان بن سعید الدارمى، ورواه عبد الله بن أحمد فى کتاب « السنن » عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وعن عبد الله بن سلام أنه قال: ما خلق اللّه خلقاً أكرم عليه من محمد ، فقيل له: ولاجبريل ولا ميكائيل، فقال للسائل: «أتدری ماجبريل ومامیکائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر، وما خلق اللّه خلقاً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم)) وما علمت عن أحد من الصحابة مايخالف ذلك. وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ، وهو : أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة . ولنا فى هذه المسألة ((مصنف)) مفرد ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين. ٣٤٤ سئل الشيخ رحمه الله :- عن ((آدم)) لما خلقه الله ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته: هل سجد ملائكة السماء والأرض ؟ أم ملائكة الأرض خاصة ؟ وهل كان جبرائيل وميكائيل مع من سجد؟ وهل كانت الجنة التى سكنها جنة الخلد الموجودة؟ أم جنة فى الأرض خلقها الله له؟ ولما أهبط هل أهبط من السماء إلى الأرض؟ أم من أرض إلى أرض مثل بنى إسرائيل . فأجاب :- الحمد لله. بل أسجد له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن فى قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)، فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم والاستغراق؛ فإن قوله: (الملائكة) يقتضى جميع الملائكة ؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضى العموم: كقوله: ((رب الملائكة والروح)) فهو رب جميع الملائكة (الثانى) : (كلهم) ، وهذا من أبلغ العموم . (الثالث) قوله : (أجمعون) وهذا توكيد للعموم . فمن قال إنه لم يسجد له جميع الملائكة؛ بل ملائكة الأرض فقد رد القرآن ٣٤٥ بالكذب والبهتان وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهودوالنصارى؛ وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة، الذين يجعلون ((الملائكة)) قوى النفس الصالحة ، ((والشياطين)) قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل ، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل؛ ونحو ذلك من المقالات التى يقولها أصحاب (( رسائل إخوان الصفا)، وأمثالهم من القرامطة الباطنية ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة . وقد يوجد نحو هذه الأقوال فى أقوال المفسرين التى لا إسناد لها يعتمد عليه. ومذهب المسلمين ، واليهود ، والنصارى : ما أخبر الله به فى القرآن، ولم يكن فى المأمورين بالسجود أحد من الشياطين ؛ لكن أبوهم إبليس هو كان مأموراً فامتنع وعصى ، وجعله بعض الناس من الملائكة لدخوله فى الأمر بالسجود ، وبعضهم من الجن لأن له قبيلا وذرية ، ولكونه خلق من نار والملائكة خلقوا من نور. والتحقيق : أنه كان منهم باعتبار صورته ، وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله ، ولم يخرج من السجود لآدم أحد من الملائكة : لا جبرائيل ولا میکاثیل ولا غيرهما . وماذكره صاحب خواص القرآن وأمثاله من خلاف فأقوالهم باطلة ، قد بينا فسادها و بطلانها بكلام مبسوط ليس هذا موضعه . وهذا مما استدل به أهل السنة على أن آدم وغيره من الأنبياء والأولياء ٣٤٦ أفضل من جميع الملائكة ؛ لأن الله أمر الملائكة بالسجود له إكراماً له؛ ولهذا قال إبليس : ( أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ ) فدل على أن آدم كرم على من سجد له . و ((الجنة)) التى أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة، وأهل السنة والجماعة: هى جنة الخلد ، ومن قال : إنها جنة فى الأرض بأرض الهند، أو بأرض جدة ، أو غير ذلك ، فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين ، فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة . والكتاب والسنة يرد هذا القول ، وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول. قال تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُ وَأَ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ * وَقُلْنَادَ مُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، إلى قوله: ( وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْلِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌّوَ مَتَعُ إِلَ حِينٍ) فقد أخبر أنه سبحانه أمرهم بالهبوط وأن بعضهم عدو لبعض، ثم قال: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌّوَمَتَعُ إِلَ حِينٍ ). وهذا يبين أنهم لم يكونوا فى الأرض وإنما أمبطوا إلى الأرض ؛ فإنهم لو كانوا فى الأرض وانتقلوا إلى أرض أخرى كانتقال قوم موسى من أرض إلى أرض لكان مستقرهم ومتاعهم إلى حين فى الأرض قبل الهبوط وبعده؛ وكذلك قال فى الأعراف لما قال إبليس ( أَنَأْ خَيْرٌمِّنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا). ٣٤٧ فقوله: ( فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا ) يبين اختصاص السماء بالجنة بهذا الحكم ؛ فإن الضمير فى قوله: (منها) عائد إلى معلوم غير مذكور فى اللفظ، وهذا بخلاف قوله: (أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّلَكُم مَّاسَأَ لْتُمْ) فإنه لم يذكر هناك ما أهبطوا فيه ، وقال هنا: ( أُهْبِطُواْ) لأن الهبوط يكون من علو إلى سفل وعند أرض السراة حيث كان بنو اسرائيل حيال السراة المشرفة على المصر الذى يهبطون إليه . ومن هبط من جبل إلى واد قيل له : هبط . ( وأيضاً ) فإن بنى إسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون ، والذى يسير ويرحل إذا جاء بلدة يقال : نزل فيها ؛ لأن فى عادته أنه يركب فى سيره فإذا وصل نزل عن دوابه . يقال: نزل العسكر بأرض كذا ، ونزل القفَّل بأرض كذا ؛ لنزولهم عن الدواب. ولفظ النزول كلفظ الهبوط ، فلا يستعمل هبط إلا إذا كان من علو إلى سفل . وقوله: (رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَسِرِينَ * قَالَ أَهْبِطُواْ) الآيتين. فقوله هنا بعد قوله: (أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ يبين أنهم هبطوا إلى ( لِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّوَمَتَغُ إلَىحِينٍ الأرض من غيرها، وقال: ( فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) دليل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك بمكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون، وإنما صاروا إليه لما أهبطوا من الجنة. ٣٤٨ والنصوص فى ذلك كثيرة وكذلك كلام السلف والأئمة . وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((احتج آدم وموسى فقال موسى: ياآدم! أنت، أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته فلماذا أخرجتنا وذريتك من الجنة؟ فقال له آدم : أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالته وكلامه فهل تجد فى التوراة : وعصى آدم ربه فغوى ؟ قال نعم قال : فلماذا تلومنى على أمر قدره الله على قبل أن أخلق ؟ فقال: فج آدم موسى))، وموسى إنما لام آدم لما حصل له وذريته بالخروج من الجنة من المشقة والنكد، فلو كان ذلك بستاناً فى الأرض لكان غيره من بساتين الأرض يعوض عنه . ( وآدم) عليه السلام احتج بالقدر ؛ لأن العبد مأمور على أن يصبر على ما قدره الله من المصائب، ويتوب إليه ، ويستغفره من الذنوب والمعائب. والله أعلم. ٣٤٩ قال شيخ الإسلام فصل فى المسألة المشهورة بين الناس، فى ((التفضيل بين الملائكة والناس» قال: الكلام إما أن يكون فى التفضيل بين الجنس : الملك ، والبشر ؛ أو بين صالحى الملك والبشر . أما الأول ، وهو أن يقال: أيما أفضل: الملائكة، أوالبشر ؟ فهذه كلمة تحتمل أربعة أنواع :- النوع الأول أن يقال : هل كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة؟ فهذا لا يقوله عاقل ، فإن فى الناس الكفار، والفجار، والجاهلين ، والمستكبرين ، والمؤمنين ، وفيهم من هو مثل البهائم والأنعام السائمة ، بل الأنعام أحسن حالا من هؤلاء ، كما نطق بذلك القرآن فى مواضع ، مثل قوله تعالى: ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللّهِ اُلُّمُ اَلْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) ، وقال ٣٥٠ 1 تعالى: ( إِنَّ شَرَّ اُلَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، وقال: (وَلَقَدْ ذَرَ أْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْنٌ لَا يُبْصِرُونَبِهَا وَهُمَْإذَاٌ لَّ يَسَْعُونَ بِهَ أُوْلَئِكَ كَالْأَنْمِ بَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ) ، والدواب جمع دابة ، وهو كل ما دب فى سماء وأرض من إنس وجن ، وملك وبهيمة ، ففى القرآن ما يدل على تفضيل البهائم على كثير من الناس فى خمس آيات . وقد وضع «ابن المرزبان)) كتاب (تفضيل الكلاب على كثير من لبس الثياب) وقد جاء فى ذلك من المأثور ما لا نستطيع إحصاءه ، مثل ما فى مسند أحمد : (((رب منكوبة أكثر ذكرا من راكبها)). وفضل البهائم عليهم من وجوه: أحدها : أن البهيمة لا سبيل لها إلى كمال وصلاح أكثر مما تصنعه ، والإنسان له سبيل لذلك ، فإذا لم يبلغ صلاحه وكماله الذى خلق له ، بان نقصه و خسرانه من هذا الوجه . وثانيها: أن البهائم لها أهواء وشهوات : بحسب إحساسها وشعورها ، ولم تؤت تميزا وفرقانا بين ما ينفعها ويضرها ، والإنسان قد أوتى ذلك. وهذا الذى يقال: الملائكة لهم عقول بلا شهوات ، والبهائم لها شهوات بلا عقول ، والإنسان له شهوات وعقل . فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة ، أو مثل الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه . ٣٥١ وثالثها : أن هؤلاء لهم العقاب والنكال، والخزى على ما يأتونه من الأعمال الخبيثة ، فهذا يقتل ، وهذا يعاقب ، وهذا يقطع ، وهذا يعذب ويحبس ، هذا فى العقوبات المشروعة . وأما العقوبات المقدرة فقوم أغرقوا ، وقوم أهلكوا بأنواع العذاب ، وقوم ابتلوا بالملوك الجائرة: تحريقا ، وتغريقا ، وتمثيلا ، وخنقا ، وعمى. والبهائم فى أمان من ذلك. ورابعها : أن لفسقة الجن والإنس فى الآخرة من الأهوال والنار والعذاب والأغلال وغير ذلك مما أمنت منه البهائم ، ما بين [فضل البهائم على هؤلاء] إذا أضيف إلى حال هؤلاء. وخامسها : أن البهائم جميعها مؤمنة بالله ورسوله صلى اللّه عليه وسلم، مسبحة بحمده قانتة له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس على وجه الأرض شىء إلا وهو يعلم أنى رسول اللّه، إلا فسقة الجن والإنس)). النوع الثاني أنه يقال : مجموع الناس أفضل من مجموع الملائكة من غير توزيع الأفراد، وهذا على القول بتفضيل صالحى البشر على الملائكة فيه نظر؛ لا علم لى بحقيقته، فإنا نفضل مجموع القرن الثانى على القرن الثالث ، مع علمنا أن كثيراً من أهل القرن الثالث أفضل من كثير من أهل القرن الثانى. ٣٥٢ النوع الثالث أنا إذا قابلنا الفاضل بالفاضل ، والذى يلى الفاضل بمن يليه من الجنس الآخر ، فأى القبيلين أفضل ؟ فهذا مع القول بتفضيل صالحى البشر يقال: لا شك أن المفضولين من الملائكة أفضل من كثير من البشر، وفاضل البشر أفضل من فاضليهم، لكن التفاوت الذى بين ((فاضل الطائفتين» أكثر، والتفاوت بين ((مفضولهم ، هذا غير معلوم، والله أعلم بخلقه. النوع الرابع أن يقال: حقيقة الملك، والطبيعة الملكية أفضل، أم حقيقة البشر والطبيعة البشرية؟ وهذا كما أنا نعلم أن حقيقة الحى إذ هو حى أفضل من الميت، وحقيقة القوة والعلم من حيث هى كذلك أفضل من حقيقة الضعف والجهل . وحقيقة الذكر أفضل من حقيقة الأنثى ، وحقيقة الفرس أفضل من حقيقة الحمار ، وكان فى نوع المفضول ما هو خير من كثير من أعيان النوع الفاضل : كالحمار والفأرة والفرس الزمن ، والمرأة الصالحة مع الرجل الفاجر ، والقوى الفاجر مع الضعيف الزمن. والوجه فى انحصار القسمة فى هذه الأنواع - فإن كثيراً من الكلمات المهمة تقع الفتيا فيها مختلفة والرأى مشتبها ، لفقد التمييز والتفضيل - أن كل شىء إما أن نقيده من جهة الخصوص ، أو العموم ، أو الإطلاق . فإذا قلت : بشر ٣٥٣ وملك. وإما أن تريد هذا البشر الواحد فيكون خاصاً ، أو جميع جنس البشر فيكون عاما ، أو تريد البشر مطلقاً مجرداً عن قيد العموم ، والخصوص، وضبطه القليل والكثير ، والنوع الأول فى التفضيل عموما وخصوصاً ، والثانى عموماً ، والثالث خصوصاً ، والرابع فى الحقيقة المطلقة المجردة . فنقول حينئذ: المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة ، وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك ، وبعضهم على تفضیل البشر ، وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره. لكن الذى سنح لى - والله أعلم بالصواب - أن حقيقة الملك أكمل وأرفع وحقيقة الإنسان أسهل وأجمع . وتفسير ذلك : أنا إذا اعتبرنا الحقيقتين وصفاتهما النفسية ، والتبعية : اللازمة ، الغالبة الحياة ، والعلم ، والقدرة: فى اللذات والشهوات، وجدنا أولا خلق الملك أعظم صورة ، ومحله أرفع ، وحياته أشد ، وعله أكثر ، وقواه أشد ، وطهارته ونزاهته أتم ، ونيل مطالبه أيسر وأتم ، وهو عن المنافی والمضاد أبعد ، لکن تجد هذه الصفات للإنسان۔۔ بحسب حقيقته - منها أوفر حظ ونصيب من الحياة والخلق ، والعلم والقدرة والطهارة، وغير ذلك. وله أشياء ليست للملك من إدراكه دقيق الأشياء: حسا، وعقلا ، وتمتعه بما يدركه ببدنه وقلبه ، وهو يأكل ويشرب وينكح ، ويتمنى ، ويتغذى ، ٣٥٤ ويتفكر ، إلى غير ذلك من الأحوال التى لا يشاركه فيها الملك. لكن حظ الملك من القدر المشترك الذى بينهما أكثر ، وما اشتركا فيه من الأمور أفضل بكثير مما اختص به الإنسان. (((مثاله)): مثل رجل معه مائة دينار ، وآخر معه خمسون درهما ، أو خمسون ديناراً ، أو خمسون فلساً ، وإذا كان الأمر كذلك ففصل الجواب كما سبق. وإن أردت الإطلاق: فالحقيقة الملكية بلوازمها أفضل من الحقيقة الإنسانية بلوازمها ، هذا لاشك فيه ، فإنما يلزم حقيقة الإنسان من حياة وحس، وعلم وعمل ، ونيل لذة وإدراك شهوة، ليست بشىء . وإنما تعددت أصنافه إلى ما يشبه حقيقة الملك ؛ كمال من على من كل شىء طرفاليس بالكثير ، إلى حال من أتقن العلم بالله وبأسمائه وآياته ، ولا يشبه حال من معه درهم ، إلى حال من معه درة ، ولا يشبه حال من يسوس الناس كلهم ، إلى حال من يسوس إنسانا وفرسا . وقد دل على هذا دلالة بينة قوله تعالى: ( وَلَقَدْكَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَمَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ، فدل على أنهم لم يفضلوا على الجميع ، وقوله: (من ) للتبعيض . فإن قلت : هذا الاستدلال مفهوم للمخالف ، وأنت مخالف لهذا ، منازع فيه . ٣٥٥ فيقال لك : تخصيص الكثير بالذكر لا يدل على مخالفة غيره بنفى ، ولا إثبات ، وأيضاً فإن مفهومه: أنهم لم يفضلوا على ما سوى الكثير ، فإذا لم يفضلوا فقد يساوون بهم ، وقد يفضل أولئك عليهم ، فإن الأحوال ثلاثة : إما أن يفضلوا على من بقى ، أو يفضل أولئك عليهم ، أو يساوون بهم. قال: واختلاف الحقائق والذوات لا بد أنها تؤثر فى اختلاف الأحكام والصفات ، وإذا اختلفت حقيقة البشر والملك فلا بد أن يكون أحد الحقيقتين أفضل ، فإن كونهما متما ثلتين متفاضلتين ممتنع. وإذا ثبت أن أحدهما أفضل بهذه القضية المعقولة ؛ وثبت عدم فضل البشر بتلك الكلمة الإلهية ؛ ثبت فضل الملك، وهو المطلوب. وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى السنة : أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة. وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر، وأتباع الأشعرى على قولين : منهم من يفضل الأنبياء والأولياء ، ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشىء . وحكى عن بعض متأخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة ، وربما حكى ذلك عن بعض من يدعى السنة ويواليها . وذكر لى عن بعض من تكلم فى أعمال القلوب أنه قال : أما الملائكة المدبرون السموات والأرض وما بينهما والموكلون ببنى آدم ؛ فهؤلاء أفضل من ٣٥٦ هؤلاء الملائكة . وأما الكروبيون الذين يرتفعون عن ذلك فلا أحد أفضل منهم، وربما خص بعضهم نبينا صلى الله عليه وسلم. واستثناؤه من عموم البشر، إما تفضيلا على جميع أعيان الملائكة ، أو على المدبرين منهم أمر العالم. هذا ما بلغنى من كلمات الآخرين فى هذه المسألة . وكنت أحسب أن القول فيها محدث حتى رأيتها أثرية سلفية صحابية ، فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول فيها ، فقلنا حينئذ بما قاله السلف ، فروى أبو يعلى الموصلى فى (( كتاب التفسير ، المشهور له عن عبد الله بن سلام - وكان عالماً بالكتاب الأول ، والكتاب الثانى - إذ كان كتابياً، وقد شهد له النبى صلى الله عليه وسلم بحسن الخاتمة، ووصية معاذ عند موته ، وأنه أحد العلماء الأربعة الذين يبتغى العلم عندهم. قال : ما خلق الله خلقاً أ كرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم: الحديث عنه. قلت : ولا جبرائيل ، ولا ميكائيل؟ ! قال : يا ابن أخى ! أوتدری ما جبرائيل وميكائيل ؟ إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر ، مثل: الشمس، والقمر؛ وما خلق الله تعالى خلفاً أ کرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم. وروى عبد الله فى ((التفسير» وغيره عن معمر عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة : ياربنا ! جعلت لبنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ، فاجعل لنا الآخرة . فقال : وعزتى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له كن فكان . ٣٥٧ وكذلك قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لادم، ولعن الممتنع عن السجود له ، وهذا تشريف وتكريم له . وقد قال بعض الأغبياء : إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبلة لهم، يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة ؛ وليس فى هذا تفضيل له عليهم ؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله ، بل حرمة المؤمن عند اللّه أفضل من حرمتها، وقالوا: السجود لغير الله محرم ، بل كفر. والجواب: أن السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله ويدل على ذلك وجوه :- أحدها : قوله لآدم: ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له معنى، ومن التميز فى اللسان أن يقال: سبحدت له، وسبحدت إليه. كما قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُ واْلِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )، وقال: ( وَلِلَّهِيَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ). وأجمع المسلمون على : أن السجود لغير اللّه محرم ، وأما الكعبة فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت المقدس، ثم صلى إلى الكعبة، وكان يصلى إلى عنزة، ولا يقال لعنزة ، وإلى عمود وشجرة ، ولا يقال لعمود ولا لشجرة ؛ والساجد للشىء يخضع له بقلبه ، ويخشع له بفؤاده ؛ وأما الساجد إليه فإنما يولى وجهه وبدنه إليه ظاهراً ، كما يولى وجهه إلى بعض ٣٥٨ النواحى إذا أمه، كما قال: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). والثانى: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود ، أو يزعم أنه خير منه. فإن القبلة قد تكون أحجاراً، وليس فى ذلك تفضيل لها على المصلين إليها ، وقد يصلى الرجل إلى عنزة وبعير، وإلى رجل ، ولا يتوهم أنه مفضل بذلك، فمن أى شىء فر الشيطان؟ هذا هو العجب العجيب !!! والثالث: أنه لو جعل آدم قبلة فى سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة ، إذ جعلت قبلة دائمة فى جميع أنواع الصلوات ؛ فهذه القصة الطويلة التى قد جعلت علماً له ، ومن أفضل النعم عليه، وجاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها ، وامتن علیه، لیس فیہا أ کثر من أنه جعله کالكعبة فی بعض الأوقات !!! مع [أن ] بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم، والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة ؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته ؛ أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به فى شىء نزر قليل جداً؟ !! هذا ما لا يقوله عاقل. وأما قولهم: لا يجوز السجود لغير الله. فيقال لهم: إن قيلت هذه الكلمة على الجملة فهی كلمة عامة، تنفی بعمومها جواز السجود لآدم، وقد دل دلیل خاص على أنهم سيحدوا له، والعام لا يعارض ما قابله من الخاص. وثانيها : أن السجود لغير اللّه حرام علينا وعلى الملائكة. أما الأول فلا دليل وأما الثانى فما الحجة فيه ؟ ٣٥٩ (وثالثها) أنه حرام أمر الله به ، أوحرام لم يأمر به ، والثانى حق ولا شفاء فيه ، وأما الأول فكيف يمكن أن يحرم بعد أن أمر الله تعالى به؟ (ورابعها): أبو يوسف وإخوته خروا له سبجداً، ويقال : كانت تحيتهم ؛ فكيف يقال: إن السجود حرام مطلقاً؟ وقد كانت البهائم تسجد للنبي صلى الله عليه وسلم ، والبهائم لا تعبد الله. فكيف يقال يلزم من السجود لشىء عبادته ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها ، ومعلوم أنه لم يقل : لو كنت آمراً أحداً أن يعبد. (وسابعها) وفيه التفسير أن يقال : أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده، وهو فى غيره ممتنع باطل . وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله تعالى أن نسجد له ، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير، طاعة لله عز وجل . إذ أحب أن نعظم من سيدنا له ، ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب ألبتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له ، وقربة يتقربون بها إليه ، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم. وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له. ٣٦٠