Indexed OCR Text

Pages 321-340

أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأبى الحسن على بن إسماعيل الأشعرى ،
وأبى عبد الله محمد بن كرام ، وغير هؤلاء. ولا أئمة التفسير ولا الحديث ،
ولا التصوف . ليس التكفير بهذه المسألة قول هؤلاء ، فالمكفر بمثل ذلك
يستتاب فإن تاب وإلا عوقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا ،
إلا أن يظهر منه ما يقتضى كفره وزندقته فيكون حكمه حكم أمثاله .
وكذلك المفسق بمثل هذا القول يجب أن يعزر بعد إقامة الحجة عليه ؛ فإن
هذا تفسيق لجمهور أئمة الإسلام.
وأما التصويب والتخطئة فى ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء
المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة . وتفصيل القول فى ذلك يحتاج إلى بسط
طويل لا تحتمله هذا الفتوى . والله أعلم؟ .
٣٢١

سئل رحمه الله تعالى:
عن رجلين تنازعا فى أمر فى الله ((عيسى بن مريم)) - عليه السلام- فقال
أحدهما : إن عيسى بن مريم توفاه الله ثم رفعه إليه؛ وقال الآخر: بل رفعه إليه
حيا . فما الصواب فى ذلك. وهل رفعه بجسده ، أو روحه أم لا ؟ وما الدليل
على هذا وهذا؟ وما تفسير قوله تعالى: ( إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ)؟!
فأجاب :
الحمد لله. عيسى عليه السلام حى، وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، فيكسر
الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية)) وثبت فى الصحيح عنه ((أنه
ينزل على المنارة البيضاء شرقى دمشق ، وأنه يقتل الدجال)) . ومن فارقت
روحه جسده لم ينزل جسده من السماء ، وإذا أحبى فإنه يقوم من قبره.
وأما قوله تعالى: (إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ)
فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت ؛ إذلو أراد بذلك الموت لكان عيسى
فى ذلك كسائر المؤمنين ؛ فإن اللّه يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء ، فعلم
أن ليس فى ذلك خاصية. وكذلك قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ)، ولو
٣٢٢

كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه فى الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره
من الأنبياء.
وقد قال تعالى فى الآية الأخرى: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّالَّذِينَ
ج
اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى سَّكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّ انِبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَئَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)
فقوله هنا: ( بَل ◌ِرَفَعَهُاللُّإِلَيْهِ ) یبین أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت فى
الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه ؛ إذ لو أريد موته لقال : وما قتلوه وما
صلبوه ؛ بل مات . فقوله: ( بَلَرَّفَعَهُاللهُ إِلیهِ ) یبین أنه رفع بدنه و روحه كما
ثبت فى الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه .
ولهذا قال من قال من العلماء : إنى متوفيك أى قابضك أى قابض
روحك وبدنك ، يقال: توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفى لا يقتضى
نفسه توفى الروح دون البدن ، ولا توفيهما جميعاً، إلا بقرينة منفصلة.
وقد يراد به توفى النوم كقوله تعالى: ( اُللَّهُ يَتَوَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) ،
وقوله: (وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ )، وقوله: ( حَتَّ
إِذَاجَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ) ، وقد ذكروا فى صفة توفى المسيح ما هو
مذكور فى موضعه. والله تعالى أعلم.
٣٢٣

سئل الشيخ /حمد الله تعالى :-
هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه
حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك ؟
فأجاب :-
لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث ؛ بل أهل المعرفة متفقون على أن
ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى فى ذلك أبو بكر - يعنى الخطيب فى كتابه
((السابق واللاحق))، وذكره أبو القاسم السهيلى فى ((شرح السيرة » باسناد
فيه مجاهيل ، وذكره أبو عبد الله القرطى فى ((التذكرة)) وأمثال هذه المواضع
فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً كما نص عليه أهل العلم،
وليس ذلك فى الكتب المعتمدة فى الحديث ، لا فى الصحيح ولا فى السنن ولا فى
المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة ، ولا ذكره أهل كتب المغازى
والتفسير ، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح . لأن ظهور كذب
ذلك لا يخفى على متدين ، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعى
على نقله ، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين :
٣٢٤

من جهة إحياء الموتى : ومن جهة الإيمان بعد الموت . فكان نقل مثل
هذا أولى من نقل غيره ، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب.
والخطيب البغدادى هو فى كتاب ((السابق واللاحق)) مقصوده أن يذكر
من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد سواء كان الذى يروونه
صدقاً أو كذباً ، وابن شاهين يروى الغث والسمين. والسهيلى إنما ذكر ذلك
باستاد فيه مجاهيل.
ثم هذا خلاف الكتاب، والسنة الصحيحة، والإجماع. قال الله تعالى:
﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ
يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّبِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الَْنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
وَهُمْ كُفَّارُ).
فبين اللّه تعالى: أنه لا توبة لمن مات كافراً. وقال تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُمْ
إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِىِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ)
، فأخبر أن سنته فى عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس ؛ فكيف بعد
الموت؟ ونحو ذلك من النصوص .
وفى صحيح مسلم: ((أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أبى؟ قال:
(((إن أباك فى النار)). فلما أدبر دعاه فقال: ((إن أبي وأ باك في النار)).
وفى صحيح مسلم أيضاً أنه قال: ((استأذنت ربى أن أزور قبر أمى،
٣٢٥

فأذن لى ، واستأذنته فى أن أستغفر لها فلم يأذن لى . فزوروا القبور فإنها
تذكر الآخرة».
وفى الحديث الذى فى المسند وغيره قال: ((إن أمى مع أمك فى النار))،
فإن قيل : هذا فى عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك فى حجة الوداع، ولهذا ذكر
ذلك من ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة ، وهذا باطل لوجوه : -
(الأول): إن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ ، كقوله فى أبى لهب:
(سَيَصْلَ نَارًاذَاتَ لَهَبٍ ) ، وكقوله فى الوليد: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا).
وكذلك فى: ((إن أبى وأباك فى النار، و «إن أمی وأمك فى النار ))،
وهذا ليس خبراً عن نار يخرج منها صاحبها کأهل الكبائر ؛ لأنه لو كان كذلك
الجاز الاستغفار لهما ، ولو كان قد سبق فى علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك، فان
الأعمال بالخواتيم ، ومن مات مؤمناً فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار
له ممتنعاً.
(الثانى): أن النبى صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه
(((بالحجون)» عند مكة عام الفتح، وأما أبوه فلم يكن هناك، ولم يزره إذ كان
مدفوناً بالشام فى غير طريقه ، فكيف يقال : أحى له ؟ .
(الثالث): إنهما لو كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا أحق بالشهرة والذكر
من عميه : حمزة ، والعباس ؛ وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم ،
٣٢٦

من أن أباطالب آمن، ويحتجون بما فى ((السيرة)) من الحديث الضعيف، وفيه
أنه تكلم بكلام خفى وقت الموت.
ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
عمك الشيخ الضال كان ينفعك فهل نفعته بشىء ؟ فقال: ((وجدته فى غمرة من
نار فشفعت فيه حتى صار فى ضحضاح من نار ، فی رجليه فعلان من نار يغلى
منهما دماغه، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار)).
هذا باطل مخالف لما فى الصحيح وغيره فإنه كان آخر شىء قاله : هو على
ملة عبد المطلب ، وأن العباس لم يشهد موته ، مع أن ذلك لو صح لكان
أبو طالب أحق بالشهرة من حمزة والعباس ، فلما كان من العلم المتواتر المستفيض
بين الأمة خلفاً عن سلف أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه فى جملة من يذكر
من أهله المؤمنين ، كمزة ، والعباس ، وعلى ، وفاطمة ، والحسن ،
والحسين رضى الله عنهم ، كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب .
(الرابع): أن الله تعالى قال (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىِ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَا ؤُ أَمِنكُمْ - إلى قوله - لَأَسْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ )
الآية. وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُوَأَنَّهُ عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ).
فأمر بالتأسى بإبراهيم والذين معه ؛ إلا فى وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار.
وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه والله أعلم.؟
٣٢٧

سئل رحمه الله :-
عن هذه الأحاديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى («موسى» عليه
السلام وهو يصلى فى قبره ، ورآه وهو يطوف بالبيت ، ورآه فى السماء ؛
وكذلك بعض الأنبياء. وهل إذا مات أحد يبقى له عمل؟ والحديث أنه ينقطع
عمله. وهل ينتفع بهذه الصلاة والطواف؟ وهل رأى الأنبياء بأجسادهم فى هذه
الأماكن أم بأرواحهم؟
فأجاب :
الحمد لله رب العالمين. أما رؤيا موسى عليه السلام فى الطواف فهذا كان
رؤيا منام لم يكن ليلة المعراج، كذلك جاء مفسراً كما رأى المسيح أيضاً، ورأى
الدجال . وأما رؤيته ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج فى السماء لما رأى آدم
فى السماء الدنيا ، ورأى يحيى وعيسى فى السماء الثانية ، ويوسف فى الثالثة ،
ء
وإدريس فى الرابعة ، وهارون فى الخامسة ، وموسى فى السادسة ، وإبراهيم
فى السابعة ، أو بالعكس، فهذا رأى أرواحهم مصورة فى صور أبدانهم.
وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة فى القبور؛ وهذا
ليس بشىء.
٣٢٨

لكن ((عيسى)) صعد إلى السماء بروحه وجسده ، وكذلك قد قيل
فی « إدریس )).
وأما ((إبراهيم)) ((وموسى)) وغيرهما فهم مدفونون فى الأرض.
والمسيح - صلى الله عليه وسلم وعلى سائر النبيين - لا بد أن ينزل إلى الأرض
على المنارة البيضاء شرقى دمشق فيقتل الدجال، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير
كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة ؛ ولهذا كان فى السماء الثانية مع أنه أفضل
من يوسف ، وإدريس ، وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل
يوم القيامة ، بخلاف غيره .
وآدم كان فى سماء الدنيا لأن نسم بنيه تعرض عليه : أرواح السعداء -
والأشقياء لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم
الخياط - فلا بد إذا عرضوا عليه أن يكون قريباً منهم.
وأماكونه رأى موسى قائما يصلى فى قبره، ورآه فى السماء أيضاً فهذا لا منافاة
بينهما ، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة . فى اللحظة الواحدة تصعد ،
وتهط كالملك، ليست فى ذلك كالبدن .
وقد بسطت الكلام على أحكام الأرواح بعد مفارقة الأبدان فى غير هذا
الموضع، وذكرت بعض ما فى ذلك من الأحاديث، والآثار، والدلائل.
وهذه الصلاة ونحوها مما يتمتع بها الميت ، ويتنعم بها كما يتنعم أهل الجنة
٣٢٩

بالتسبيح ، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس فى الدنيا النفس ؛ فهذا ليس من
عمل التكليف الذى يطلب له ثواب منفصل ، بل نفس هذا العمل هو من النعيم
الذى تتنعم به الأنفس وتتلذذ به .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من
ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له)) يريد به العمل
الذى يكون له ثواب ، لم يرد به نفس العمل الذى يتنعم به ، فإن أهل الجنة
يتنعمون بالنظر إلى الله، ويتنعمون بذكره وتسبيحه، ويتنعمون بقراءة القرآن،
ويقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ، ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا ، فإن منزلك
عند آخر آية تقرؤها.
ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم ومناجاته ، وإن كانت هذه الأمور فى الدنيا أعمالا
يترتب عليها الثواب؛ فهى فى الآخرة أعمال يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله
وشربه ونكاحه، وهذه كلها أعمال أيضاً ؛ والأكل والشرب والنكاح
فى الدنيا مما يؤمر به ويثاب عليه مع النية الصالحة ، وهو فى الآخرة نفس
الثواب الذى يتنعم به ، والله أعلم .
وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة فإن هذه المسائل لها بسط طويل .
٣٣٠

سئل الشيخ رحمه اللّه :-
عن ((الذبيح)) من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام، هل هو: إسماعيل،
أو إسماق؟.
فأجاب :
الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء، وكل
منهما مذكور عن طائفة من السلف ، وذكر أبو يعلى فى ذلك روايتين عن
أحمد ، ونصر أنه إسحاق ، اتباعاً لأبى بكر عبد العزيز ، وأبو بكر اتبع محمد
ابن جرير . ولهذا يذكر أبو الفرج بن الجوزى: أن أصحاب أحمد ينصرون أنه
إسحق ، وإنما ينصره هذان ، ومن اتبعهما ، ويحكى ذلك عن مالك نفسه
لكن خالفه طائفة من أصحابه .
وذكر الشريف أبو على بن أبى يوسف : أن الصحيح فى مذهب أحمد أنه
إسماعيل ، وهذا هو الذى رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه، قال: مذهب أبى
أنه إسماعيل ، وفى الجملة فالنزاع فيها مشهور ، لكن الذى يجب القطع به أنه
إسماعيل ، وهذا الذى عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة ، وهو الذى
تدل عليه التوراة التى بأيدى أهل الكتاب .
٣٣١

وأيضاً فإن فيها أنه قال لإبراهيم : اذيح ابنك وحيدك. وفى ترجمة أخرى:
بكرك. وإسماعيل هو الذى كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب،
لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحق ، فتلقى ذلك عنهم من تلقاء ، وشاع
عند بعض المسلمين أنه إسحق ، وأصله من تحريف أهل الكتاب.
ومما يدل على أنه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة فى سورة الصافات. قال
تعالى: (فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمِ حَلِيمٍ ) ، وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن
الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليما. وأى حلم أعظم من حله
حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: (سَتَجِدُفِىّإِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾؟ وقيل:
لم ينعت اللّه الأنبياء بأقل من الحلم، وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به فى
قوله تعالى: ( إِنَّإِبْرَهِيمَ لَأَوَّةُ حَلِيمٌ )، (إِنَّإِتَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَّهٌ مُنِيبٌ)، لأن
الحادثة شهدت بحلهما: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّإِنْ أَرَى فِ الْمَنَامِآَنِ
أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٍّ سَتَجِدُ نِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ - إلى
قوله - وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِىِ الْآَخِرِينَ * سَلَمُ عَلَ إِنْزَهِيمَ * كَذَلِكَ
تَجْرِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبَّامِنَ الصَّلِحِينَ *
وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقْ وَمِن ذُرِيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِيرٌ).
فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه :-
(أحدها): أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولا ، فلما استوفى ذلك قال :
٣٣٢

( وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّامِنَ الصَّلِحِينَ * وَبَرَّكْنَاعَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقَ ) ، فبين أنهما
بشارتان : بشارة بالذبيح ، وبشارة ثانية إسحق، وهذا بين .
(الثانى): أنه لم يذكر قصة الذبيح فى القرآن إلا فى هذا الموضع، وفى سائر
المواضع يذكر البشارة ياسحق خاصة، كما فى سورة هود: من قوله تعالى: ( وَأَمْرَأَتُهُ.
قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءٍ إِسْخَقَ يَعْقُوبَ ) ، فلو كان الذبيح
إسحق لكان خلفا للوعد فى يعقوب . وقال تعالى: ( فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ
لَا تَخَفْ وَبَشَرُوهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ فَأَقْبَتِ أَمْرَأَتُهُ، فِ صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُورٌ عَقِيمٌ ) ،
وقال تعالى فى سورة الحجر: ( قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّانُبَشِرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ * قَالَ
أَبَشَّرْتُمُونِي عَلىَ أَنْ مَسَنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ
الْقَيِطِينَ )، ولم يذكر أنه الذبيح ، ثم لما ذكر البشارتين جميعا: البشارة
بالذبيح والبشارة ياسحق بعده ، كان هذا من الأدلة على أن إسحق ليس هو الذبيح.
ويؤيد ذلك أنه ذكر هبته وهبة، يعقوب لإبراهيم فى قوله تعالى: ( وَوَهَبْنَا
لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ)، وقوله: ( وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَ إِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ
لَمِنَ الصَّالِحِينَ )، ولم يذكر الله الذبيح.
(الوجه الثالث): أنه ذكر فى الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة يا سحق
ذكر البشارة بغلام عليم فى غير هذا الموضع ، والتخصيص لا بد له من حكمة ،
٣٣٣

وهذا مما يقوى اقتران الوصفين ، والحلم هو مناسب للصبر الذى هو
خلق الذبيح .
وإسماعيل وصف بالصبر فى قوله تعالى: ( وَأَذْكُرْ إِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ
وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ)، وهذا أيضاً وجه ثالث فإنه قال فى الذبيح:
) ، وقد وصف
يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُ نِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
)
الله إسماعيل أنه من الصابرين، ووصف الله تعالى إسماعيل أيضاً بصدق الوعد
فى قوله تعالى: ( إِنَّهُكَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) ؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على
الذبح فوفى به .
الوجه الرابع :
أن البشارة بإسحق كانت معجزة ؛ لأن العجوز عقيم ؛ ولهذا قال الخليل عليه
) وقالت امرأته :
السلام: ( أَبَشَّرْتُمُونِ عَلىَ أَن مَّسَنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
(ءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِىِ شَيْئًا)، وقد سبق أن البشارة باسحق فى حال
الكبر ، وكانت البشارة مشتركة بين إبراهيم وامر أته.
وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون
الأم المبشرة به، وهذا ما يوافق ما نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى
الصحيح وغيره : من أن إسماعيل لما ولدته هاجر غارت سارة، فذهب إبراهيم
٣٣٤

يإسماعيل وأمه إلى مكة ، وهناك أمر بالذبح . وهذا ما يؤيد أن هذا الذبيح
دون ذلك .
ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحق أن الله تعالى قال: (فَبَشَّرْنَهَا
◌ِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ )، فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه ؟ والبشارة
بيعقوب تقتضى أن إسحق يعيش ويولد له يعقوب ، ولا خلاف بين الناس أن
قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب ، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم
عليه السلام ، وقصة الذبيح كانت فى حياة إبراهيم بلا ريب.
ومما يدل على ذلك: أن قصة الذبيح كانت بمكة ، والنبى صلى الله عليه وسلم
لما فتح مكة كان قرنا الكبش فى الكعبة ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم للسادن:
(( إنى آمرك أن تخمر قرنى الكبش فإنه لا ينبغى أن يكون فى القبلة
ما يلهى المصلى )» .
ولهذا جعلت منى محلا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،
وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن .
ولم ينقل أحد أن إسحق ذهب إلى مكة ، لا من أهل الكتاب ، ولا
غيرهم ، لكن بعض المؤمنين من أهل الكتاب يزعمون أن قصة الذبيح
كانت بالشام ، فهذا افتراء. فإن هذا لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك
٣٣٥

الجبل ، وربما جعل منسكا كما جعل المسجد الذى بناه إبراهيم وما حوله
من المشاعر.
وفى المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه، وأسئلة أوردها طائفة كابن
جرير، والقاضى أبى يعلى ، والسهيلى، ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها
والجواب عنها. والله عز وجل أعلم.
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآ له وصحبه وسلم تسليما.
٣٣٦

وسئل رحمه الله:
عن «الخضر)، و((إلياس)): هل هما معمران؟ بينوا لنا رحمكم الله تعالى.
فأجاب :-
إنهما ليسا فى الأحياء؛ ولا معمران ؛ وقد سأل إبراهيم الحربى أحمد
ابن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس ، وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما ، فقال
الإمام أحمد : من أحال على غائب لم ينصف منه ؛ وما ألقى هذا إلا شيطان .
وسئل ((البخارى)) عن الخضر وإلياس: هل مما فى الأحياء؟ فقال:
كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يبقى على رأس مائة
سنة من هو على وجه الأرض أحد)»؟!
وقال أبو الفرج بن الجوزى: قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَالبَشَرِمِن قَبْلِكَ
اُلْخُلْدَ)، وليس هما فى الأحياء ، والله أعلم.
٣٣٧

(١)
سئل الشيخ رحمه اللّه :-
هل كان الخضر عليه السلام نبياً أو ولياً ؟ وهل هو حى إلى الآن؟ وإن
كان حياً فما تقولون فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو كان
حياً لزارنى، هل هذا الحديث صحيح أم لا؟
فأجاب : -
أما نبوته : فمن بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه ولا
إلى غيره من الناس، وأما قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد اختلف فى
نبوته، ومن قال إنه فى: لم يقل إنه سلب النبوة ؛ بل يقول هو كإلياس فى؛
لكنه لم يوح إليه فى هذه الأوقات ، وترك الوحى إليه فى مدة معينة ليس نفيا
لحقيقة النبوة ، كما لو فتر الوحى عن النبي صلى الله عليه وسلم فى أثناء
مدة رسالته .
وأكثر العلماء على أنه لم یکن نبياً ، مع أن نبوة من قبلنا یقرب کثیر منها
من الكرامة والكمال فى الأمة. وإن كان كل واحد من النبيين أفضل من كل
(١) هكذا وجدت هذه الرسالة .
٣٣٨

واحد من الصديقين كما رتبه القرآن وكما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((ما طلعت الشمس ولاغربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من
أبى بكر الصديق، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن كان الرجل ليسمع
الصوت فيكون نياً)).
وفى هذه الأمة من يسمعه ويرى الضوء وليس بنى؛ لأن مايراه ويسمعه
يجب أن يعرضه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فإن وافقه فهو حق ،
وإن خالفه تيقن أن الذى جاء من عند الله يقين لا يخالطه ريب ولا يحوجه أن
يشهد عليه بموافقة غيره .
وأما حياته : فهو حى . والحديث المذكور لا أصل له ، ولا يعرف له
إسناد، بل المروى فى مسند الشافعى وغيره: أنه اجتمع بالني صلى عليه وسلم ،
ومن قال إنه لم يجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم فقد قال ما لا علم له به ، فإنه من
العلم الذى لا يحاط به.
ومن احتج على وفاته بقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أرأيتكم ليلتكم
هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض من هو عليها اليوم أحد))
فلا حجة فيه ، فإنه يمكن أن يكون الخضر إذ ذاك على وجه الأرض.
ولأن الدجال - وكذلك الجساسة - الصحيح أنه كان حياً موجوداً
٣٣٩

على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو باق إلى اليوم لم يخرج، وكان فى جزيرة
من جزائر البحر.
فما كان من الجواب عنه كان هو الجواب عن الخضر، وهو أن يكون لفظ
الأرض لم يدخل فى هذا الخبر، أو يكون أراد صلى الله عليه وسلم الآدميين
المعروفين، وأما من خرج عن العادة فلم يدخل فى العموم كما لم تدخل الجن،
وإن كان لفظاً ينتظم الجن والإنس . وتخصيص مثل هذا من مثل هذا العموم
كثير معتاد. والله أعلم.
٣٤٠