Indexed OCR Text
Pages 181-200
أما الضرب الأول : فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة ، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسول أصحابه، فيما رواه الثقات، وصححه النقاد الأثبات ودل القرآن المبين ، والحديث الصحيح المتين على ثبوتها . قال رحمه الله تعالى: ((وهى أن الله تعالى أول لم يزل، واخر لا يزال، أحد قديم وصمد كريم، عليم حليم علىّ عظيم، رفيع مجيد ، وله بطش شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعال لما يريد، قوى قدير، منيع نصير، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس، والوجه، والعين ، والقدم، واليدين ، والعلم، والنظر، والسمع، والبصر، والإرادة، والمشيئة، والرضى، والغضب، والمحبة والضحك ، والعجب، والاستحياء؛ والغيرة، والكراهة ، والسخط، والقبض، والبسط، والقرب ، والدنو، والفوقية والعلو والكلام ، والسلام ، والقول ، والنداء والتجلى واللقاء ، والنزول ؛ والصعود، والاستواء ، وأنه تعالى فى السماء ، وأنه على عرشه بائن من خلقه. قال مالك : إن الله فى السماء وعلمه فى كل مكان» ، وقال عبد الله بن المبارك (( تعرف ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنا من خلقه ، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ههنا - وأشار إلى الأرض))، وقال سفيان الثورى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ) قال: ((علمه))، قال الشافعى: إنه على عرشه فى سمائه بقرب من خلقه كيف شاء))، قال أحمد: ((إنه مستو على العرش عالم بكل مكان))، وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء ، وإنه يأتى يوم القيامة كيف شاء ، ١٨١ وإنه يعلو على كرسيه ، والإيمان بالعرش والكرسى وما ورد فيهما من الآيات والأخبار . وأن الكلم الطيب يصعد إليه، وتعرج الملائكة والروح إليه ، وأنه خلق آدم بيديه ، وخلق القلم وجنة عدن وشجرة طوبى بيديه، وكتب التوراة بيديه وأن كلنا يديه يمين. وقال ابن عمر: ((خلق الله بيديه أربعة أشياء آدم، والعرش والقلم، وجنة عدن، وقال لسائر الخلق : كن فكان، ، وأنه يتكلم بالوحى كيف يشاء ، قالت عائشة رضى الله عنها: ((لشأنى فى نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فى بوحی يتلى)). وأن القرآن كلام اللّه بجميع جهاته منزل غير مخلوق ، ولا حرف منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود ، قال عبد الله بن المبارك: ((من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر ، وأن الكتب المنزلة على الرسل مائة - وأربعة كتب - كلام الله غير مخلوق، قال أحمد: وما فى اللوح المحفوظ وما فى المصاحف وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف ، فهو كلام الله غير مخلوق))، قال البخارى: ((وأقول: فى المصحف قرآن وفى صدور الرجال قرآن ، فمن قال غير هذا يستتاب ؛ فإن تاب وإلا فسييله سبيل الكفر)). قال وذكر الشافعى المعتقد بالدلائل، فقال («لله أسماء وصفات جاء بها ١٨٢ كتابه؛ وأخبر بها نبيه أمته ؛ لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها - إلى أن قال - نحو إخبار اللّه سبحانه إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )، وأن له يميناً بقوله: (وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ)، وأن له وجهاً لقوله: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، وقوله: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اٌلْجَالِ وَآلْإِكْرَامِ)، وأن له قدماً لقوله: ((حتى يضع الرب فيها قدمه» يعنى جهنم . وأنه يضحك من عبده المؤمن لقوله صلى الله عليه وسلم الذى قتل فى سبيل الله: ((إنه لقى الله وهو يضحك إليه))، وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا ، لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه ليس بأعور، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الدجال فقال: ((إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور ، ، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم ، كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن». قال: ((وسوى ما نقله الشافعى أحاديث جاءت فى الصحاح والمسانيد، وتلقتها الأمة بالقبول والتصديق ، نحو ما فى الصحيح من حديث الذات، وقوله: (( لا شخص أغير من اللّه))، وقوله: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير من سعد، والله أغير منى)، وقوله: ((ليس أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم ١٨٣ الفواحش ما ظهر منها وما بطن))، وقوله: ((يد الله ملأى))، وقوله : (( بيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع » وقوله: ((إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين ، وتكون السموات بيمينه ، ثم يقول: أنا الملك ». ونحوه قوله: (( ثلاث حثيات من حثيات الرب))، وقوله: ((لما خلق آدم مسح ظهره بیمینه ) ، وقوله فی حدیث أبی رزین : قلت : يا رسول الله ، فا يفعل ربنا بنا إذا لقيناه ؟ قال : تعرضون عليه بادية له صفحاتكم ، لا يخفى عليه منكم خافية ، فيأخذربك بيده غرفة من الماء ، فينضح قبلكم ، فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة)) أخرجه أحمد فى المسند . وحديث: ((القبضة التى يخرج بها من النار قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حما ، فيلقيهم فى نهر من أنهار الجنة يقال له : نهر الحياة)). ونحو الحديث: ((رأيت ربى فى أحسن صورة))، ونحو قوله: (( خلق آدم على صورته، ، وقوله : بدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه »، وقوله : (( كلم أباك كفاحا،، وقوله: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له)) ، وقوله: (( يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكا ». وفى حديث المعراج فى الصحيح: ((ثم دنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، وقوله: «كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش ١٨٤ إن رحمتی سبقت غضى))، وقوله: ((لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزید ؟ حتی یضع رب العزة فيها قدمه ۔ وفى رواية: رجله - فینزویبعضها إلى بعض، وتقول: قَدِ قَدٍ ، وفى رواية «قط قط بعزتك)). ونحو قوله: ((فيأتيهم الله فى صورته التى يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا))، وقوله: («يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك ، أنا الديان». إلى غيرها من الأحاديث ، هالتنا أو لم تهلنا ، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها، وفى الآى الواردة فى الصفات : أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ، ولا تعطلها ولا تتأولها ، وعلى العقول لا تحملها ، وبصفات الخلق لا نشبهها ، ولا نعمل رأينا وفكرنا فيها ، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها ، بل نؤمن بها ونكل عليها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح ، وهم القدوة لنا فىكل علم . روينا عن إسحاق أنه قال: ((لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة ، إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف اللّه به نفسه فى القرآن إنما هى صفاته ، ولا يعقل في مرسل ، ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التى عرفهم الرب عز وجل. فأما أن يدرك أحد من بنى آدم تلك الصفات ، فلا يدركه أحد - الحديث إلى آخره )). ١٨٥ وكما روينا عن مالك ، والأوزاعى، وسفيان ؛ والليث وأحمد بن حنبل أنهم قالوا فى الأحاديث فى الرؤية والنزول: ((أمروها كما جاءت)). وكما روى عن محمد بن الحسن - صاحب أبى حنيفة - أنه قال فى الأحاديث التى جاءت: ((إن الله يهبط إلى السماء الدنيا))؛ ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها . ولا نفسرها)). انتهى كلام الكرجى رحمه الله تعالى . والعجب أن هؤلاء المتكلمين ، إذا احتج عليهم بما فى الآيات والأحاديث من الصفات قال: قالت الحنابلة : إن الله: كذا وكذا، بما فيه تشنيع وترويج لباطلهم ، والحنابلة اقتفوا أثر السلف، وساروا بسيرهم ، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم والله الموفق. النوع الثاني أن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم . فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد. والإنسان لو أنه يناظر المشركين ، وأهل الكتاب : لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذى معه ، والباطل الذى معهم . فقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه ١٨٦ وسلم: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِ لْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ)، وقال تعالى: ( وَلَا تُجَدِلُواْأَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ). فلو كان خصم من يتكلم بهذا الكلام - سواء كان المتكلم به أبو الفرج أو غيره ، من أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة - لكان ينبغى أن يذكر الحجة ، ويعدل عما لا فائدة فيه ، إذ كان فى مقام الرد عليهم ، دع والمنازعون له - كما ادعاه - هم عند جميع الناس أعلم منه بالأصول والفروع. وهو فى كلامه ورده لم يأت بحجة أصلا، لا حجة سمعية، ولا عقلية. وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام - قد خالفها أكثر منها من أهل الكلام - فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية ، كما فعل هذا المعترض. ومن يرد على الناس بالمعقول إن لم يبين حجة عقلية ، وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات ، كمعصوم الرافضة ، وغوث الصوفية . فأما قوله: ((إن مثل هؤلاء لا يحدثون، فيقال له : قد بعث الله الرسل إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى اللّه. فمن الذى أسقط اللّه مخاطبته من الناس؟ دع من تعرف أنت وغيرك ممن فضلهم الله ما ليس هذا موضعه. ولو أراد سفيه أن يرد على الراد بمثل رده لم يعجز عن ذلك . وكذلك قوله: ((إنهم يكابرون العقول)). فنقول: المكابرة للعقول، ١٨٧ إما أن تكون فى إثبات ما أثبتوه ، وإما أن تكون فى تناقضهم بجمع (١) من إثبات هذه الأمور ونفى الجوارح. أما الأول: فباطل. فإن المجسمة المحضة التى تصرح بالتجسيم المحض، وتغلو فيه لم يقل أحد قط: إن قولها مكابرة للعقول، ولا قال أحد: إنهم لا يخاطبون؛ بل الذين ردوا على غالية المجسمة - مثل هشام بن الحكم وشيعته - لم يردوا عليهم من الحجج العقلية إلا بحجج تحتاج إلى نظر واستدلال. والمنازع لهم - وإن كان مبطلا فى كثير مما يقوله - فقد قابلهم بنظير حججهم، ولم يكونوا عليه بأظهر منه علیهم ، إذ معكل طائفة حق وباطل . وإذا كان مثل ((أبى الفرج بن الجوزى)) إنما يعتمد فى نفى هذه الأمور على ما يذكره نفاة النظار فأولئك لا يكادون يزعمون فى شىء من النفى والاثبات أنه مكابرة للمعقول ؛ حتى جاحدوا الصانع الذين هم أجهل الخلق وأضلهم وأكفرهم ، وأعظمهم خلافا للعقول لا يزعم أكثر هؤلاء الذين انتصر بهم أبو الفرج: أن قولهم مكابرة للعقول ، بل يزعمون أن العلم بفساد قولهم إنما يعلم بالنظر والاستدلال. وهذا القول - وإن كان يقوله جل هؤلاء النفاة من أهل الكلام - فليس هو طريقة مرضية. لكن المقصود: أن هؤلاء النفاة لا يزعمون أن العلم بفساد (١) كذا بالأصل ولعله يجمعهم بين إثبات . ١٨٨ قول المثبتة معلوم بالضرورة ولا أن قولهم مكابرة للعقل ، وإن شنعوا عليهم بأشياء ينفر عنها كثير من الناس فذاك ليستعينوا بنفرة النافرين على دفعهم ، وإخماد قولهم؛ لا لأن نفور النافرين عنهم يدل على حق أو باطل ، ولا لأن قولهم مكابرة للعقل ، أو معلوم بضرورة العقل، أو يبديهته فساده. هذا لم أعلم أحداً من أئمة النفاة أهل النظر يدعيه فى شىء من أقواله المثبتة ، وإن كان فيها من الغلو ما فيها . ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين ، أو محبة الموافقين لا يدل على صحة قول ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدى من الله ، بل الاستدلال بذلك هو استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله. فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذى يحبه ، ورد القول والفعل الذى يبغضه بلا هدى من الله قال تعالى: ( وَإِنَّ كَثِيرَ الَّضِلُونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلَيٍ ) ، وقال: (فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَنَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أََّعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى ◌ِّنَ اللَّهِ ) وقال تعالى لداود: ( وَلَا تَشَّعِالْهَوَىُ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ )، وقال تعالى: (فَإِن شَهِدُ وا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمُّ وَلَا تَنَّبِعُ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْأَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ)، وقال تعالى: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَلَا ١٨٩ النَّصَرَى حَتَّى تَتَّعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىْ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى جَاءَ مِنَ الْعِلْمِ مَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا تَصِيرٍ ). فمن اتبع أهواء الناس بعد العلم الذى بعث الله به رسوله وبعد هدى الله الذى بينه لعباده : فهو بهذه المثابة . ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع والتفرق - المخالفين للكتاب والسنة - أهل الأهواء: حيث قبلوا ما أحبوه ، وردوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدى من الله. وأما قول المعترض عن أبى الفرج: ((وكأنهم يخاطبون الأطفال، فلم تخاطب الحنابلة إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، الذين هم أعرف باللّه وأحكامه ، وسلمنا لهم أمر الشريعة ، وهم قدوتنا فيما أخبروا عن الله وشرعه. وقد أنصف من أحال عليهم ، وقد شاقق من خرج عن طريقتهم وادعى أن غيرهم أعلم بالله منهم ، أو أنهم علموا وكتموا ، وأنهم لم يفهموا ما أخبروا به. أو أن عقل غيرهم فى ( باب معرفة الله) أتم ، وأكمل، وأعلم مما نقلوه ، وعقلوه، وقد قدمنا ما فيه كفاية فى هذا الباب ، والله الموفق. (وَمَن ◌َّيَجْعَلِ اللهُلَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِنْ نُورٍ ). ١٩٠ قال شيخ الإسلام رحمه الله وقدس سرا :- فصل (الأقوال نوعان): أقوال ثابتة عن الأنبياء ، فهى معصومة ؛ يجب أن يكون معناها حقاً ، عرفه من عرفه وجهله من جهله ، والبحث عنها إنما هو عما أرادته الأنبياء ؛ فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذى يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى ، ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعاً له ؛ فإن وافقه قبله وإلا رده ، وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلا ، مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيراً من ذلك أو أكثره لم ترده الأنبياء ، فهو محرف الكلم عن مواضعه، لا طالبٌ لمعرفة التأويل الذى يعرفه الراسخون فى العلم . النوع الثانى : ماليس منقولا عن الأنبياء ، فمن سواهم ليس معصوما ، فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد قصور مراده ، ومعرفة صلاحه من فساده ، ١٩١ فمن قال من أهل الكلام : إنه لا يفعل الأشياء بالأسباب ؛ بل يفعل عندها لا بها ، ولا يفعل لحكمة، ولا فى الأفعال المأمور بها ما لأجله كانت حسنة ، ولا المنهى عنها ما لأجله كانت سيئة ، فهذا مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة من السلف . وأول من قاله فى الإسلام جهم بن صفوان الذى أجمعت الأمة على ضلالته؛ فإنه أول من أنكر الأسباب والطبائع ، كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفى الصفات ، وأول من قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته فى الآخرة. ونصوص الكتاب والسنة فى إبطال هذا كثيرة جداً كقوله: (قُلْنَايَنَارُ كُنِ بَدَّا وَسَلَمًا عَلَى إِبْرَهِيمَ) فسلب النار طبيعتها. وقوله: (لِتُخْرِيَ بِهِ حََّوَاتًا) وقوله: (حَتَّ إِذَا أَقَّلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا ) فأخبر أن الرياح تقل السحاب أى تحمله نجعل هذا الجماد فاعلا بطبعه . وقال: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ) جعلها فاعلة بطبعها . وقوله: (فَأَنْبَنَافِيهَا مِن كُلِّ زَوْبِ كَرِيمٍ) وهو الكثير المنفعة، والزوج الصنف . والأدلة فى ذلك كثيرة ، يخبر فيها أنه يخلق بالأسباب والحكم ، وأخبر أنه قائم بالقسط، وأنه لا يظلم الناس شيئاً ، فلا يضع شيئاً فى غير موضعه ، ولا يسوى بين مختلفين، ولا يفرق بين متماثلين، كما قال: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّْعَلَهُمْ) الآية. وقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ ) الآية وقال: ( أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِينَ كَلْبُجْرِمِينَ) الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ ١٩٢ الآية. وقال: (وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَ الظُّلُمَتُ) الآية، وغيرها كثير. وقوله : ( الَّذِينَ يَقَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّالْأُمِى) الآية. فدلت هذه الآية وغيرها : على أن ما أمرهم به هو معروف فى نفسه تعرفه القلوب ، فهو مناسب لها مصلح لفسادها ؛ ليس معنى كونه معروفا أنه مأمور به إذ هذا قدر مشترك ، فعلم أن ما يأمر به رسوله مختص ، وما نهى عنه مختص بأنه منكر محذور ، وما يحله مختص بأنه طيب ، وما يحرمه مختص بأنه خبيث ، ومثل هذا كثير فى القرآن وغيره من الكتب ، كالتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ١٩٣ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الاستدال بكون الشىء بدعة على كراهيته : ( قاعدة عظيمة عامة ) ، وتمامها بالجواب عما يعارضها . فإن من الناس من يقول : البدع تنقسم إلى قسمين ، لقول عمر : نعمت البدعة ، وبأشياء أحدثت بعده صلى اللّه عليه وسلم؛ وليست مكروهة: للأدلة من الإجماع والقياس. وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من العادة؛ بمنزلة من إذا قيل لهم: (تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَآءَنَآَ) . وما أكثر من يحتج به من المنتسبين إلى علم أو عبادة ، بحجج ليست من أصول العلم ، وقد يبدى ذووا العلم له مستنداً من الأدلة الشرعية ؛ والله يعلم أن قوله لها وعمله بها: ليس مستنداً إلى ذلك؛ وإنما يذكرها دفعاً لمن يناظره. والمجادلة المحمودة: إنما هى إبداء المدارك التى هى مستند الأقوال والأعمال ١٩٤ وأما إظهار غير ذلك: فنوع من النفاق فى العلم والعمل، وهذه ((قاعدة)) دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب، قال الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُوْ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ). فمن ندب إلى شىء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله ، من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه فى ذلك: فقد اتخذ شريكا لله شرع فى الدين ما لم يأذن به الله، وقد يغفر له لأجل تأويل إذا كان مجتهداً : الاجتهاد الذى يعفى معه عن المخطئ ؛ لكن لا يجوز اتباعه فى ذلك كما قال تعالى: (أَتَّخَذُوَ أْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًامِّن دُونِ اللَّهِ). فمن أطاع أحداً فی دین لم يأذن الله به: من تحليل ، أو تحريم، أو استحباب أو إيجاب: فقد لحقه من هذا الذم نصيب ، كما يلحق الآمر الناهى . ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه . فيتخلف الذم لفوات شرطه ، أو وجود مانعه . وإن كان المقتضى له قائما ، ويلحق الذم من تبين له الحق ؛ فتركه أو قصر فى طلبه فلم يتبين له ، أو أعرض عن طلبه ، لهوى أو كسل ونحو ذلك . وأيضاً : فإن الله عاب على المشركين شيئين : - ((أحدهما)): أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً . ((الثانى)): تحريمهم ما لم يحرمه الله، كما بينه صلى اللّه عليه وسلم فى حديث ١٩٥ عياض عن مسلم، وقال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوَشَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ) جمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة ؛ وإما مستحبة : ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب به إلى اللّه، ومنهم من ابتدع دينا عبد به الله، كما أحدثت النصارى من العبادات. وأصل الضلال فى أهل الأرض إنما نشأ من هذين، إما اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم مالم يحرمه. ولهذا كان الأصل الذى بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال ((عبادات وعادات)) ؛ فالأصل فى العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله؛ والأصل فى العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهى عنها لما أحدث فيها من الدين الذى يتقرب به . ١٩٦ سئل شيخ الإسلام أحمد بن تیمیة-قدس اللهروحه- عن رجل قال : - إذا كان المسلمون مقلدين ، والنصارى مقلدين ، واليهود مقلدين : فكيف وجه الرد على النصارى واليهود ، وإبطال مذهبهم والحالة هذه؟ وما الدليل القاطع على تحقيق حق المسلمين ، وإبطال باطل الكافرين؟ . فأجاب - رضى الله عنه: الحمد لله : هذا القائل كاذب ضال فى هذا القول، وذلك أن التقليد المذموم هو قبول قول الغير بغير حجة ؛ كالذين ذكر الله عنهم أنهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَابَاءَنَا) قال تعالى: (أَوَلَوْكَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) وقال: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْءَابَآءَ هُمْ ضَآلِّينَ * فَهُمْ عَلَىّءَ اَِّهِمْ يُهْرَعُونَ ) ونظائر هذا فى القرآن كثير. فمن اتبع دين آبائه وأسلافه لأجل العادة التى تعودها ، وترك اتباع الحق ١٩٧ الذى يجب اتباعه: فهذا هو المقلد المذموم ، وهذه حال اليهود والنصارى ؛ بل أهل البدع والأهواء فى هذه الأمة : الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءم فی غیر الحق؛ كما قال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ وَقَالُوارَبَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَآءَنَا فَأَ ضَلُّونَالسَّبِيلَا * رَبَّنَآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا) وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَوَبِلَى لَيْتَنِ لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) إلى قوله: (خَذُولًا). وقال تعالى: (إِذْ تَبَزَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) إلى قوله: (وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ) وقال تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُ وْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقا فى معصية الله : كان له نصيب من هذا النم والعقاب. والمطيع للمخلوق فى معصية الله ورسوله : إما أن يتبع الظن؛ وإما أن يتبع ما یهواه ، وکثیر يتبعهما . وهذه حال كل من عصى رسول اللّه: من المشركين وأهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى ، ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة ، كما قال تعالى : ١٩٨ (إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنِ) إلى قوله: (وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِّن رَّتِهِمُ الْهُدَى) و((السلطان) هو الكتاب المنزل من عند الله وهو الهدى الذى جاءهم من عند اللّه كما قال تعالى: (أَمْأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّا فَهُوَ يَتَكَلَمُ بِمَا كَانُواْبِهِ، يُشْرِكُونَ ) وقال: (إِنَّالَّذِينَ يُحَدِّلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ) إلى قوله: (بِبَلِغِيهِ). وقال لبنى آدم: (فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى) إلى قوله: ( وَلَعَذَابُ اُلْأَخِرَةِأَشَدُّ وَأَبْقَى ). وبيان ذلك : أن الشخص إما أن يبين له أن ما بعث الله به رسوله حق ، ويعدل عن ذلك إلى اتباع هواه ، أو يحسب أن ما هو عليه من ترك ذلك هو الحق، فهذا متبع للظن، والأول متبع لهواه (١) اجتماع الأمرين: قال تعالى فى صفة الأولين: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالَّلِمِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وقال تعالى: (وَحَحَدُ واْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) وقال تعالى : ( الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمْ) إلى قوله: ( لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). وقال تعالى فى صفة الأخسرين: ( ( قُلْ هَلْ نُنِئِكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (١) بياض بالاصل . ١٩٩ الآية، وقال: ( أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَبَهْدِى مَن يَشَآءُ). فالأول : حال المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه، کما هو موجود فى اليهود . والثانى: حال الذين يعملون بغير علم، قال تعالى: ( وَإِنَّكَثِيرَ الَّضْلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَكَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ). وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه ، وكذلك من اتبع الرسول بغير بصيرة ولا تبين ، وهو الذى يسلم بظاهره من غير أن يدخل الإيمان إلى قلبه ، كالذى يقال له فى القبر: ما ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟. فيقول: هاه، هاه، لا أدرى . سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته - هو مقلد - فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق ؛ أى لمات. وقد قال تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ ) فن لم يدخل الإيمان فى قلبه وكان مسلماً فى الظاهر: فهو من المقلدين المذمومين . فإذا تبين أن المقلد مذموم - وهو من اتبع هوى من لا يجوز اتباعه - كالذى يترك طاعات رسل الله، ويتبع ساداته وكبرائه، أو يتبع الرسول ظاهراً ٢٠٠