Indexed OCR Text
Pages 381-400
فصل وقد تقدم أن دين اللّه وسط بين الغالى فيه . والجافى عنه. والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالى بأيهما ظفر : إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه . وإذا كان الإسلام الذى هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان کثیراً ممن ينتسب إليه ؛ حتى أخرجه عن كثير من شرائعه؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية . وأمر النبى صلى اللّه عليه وسلم بقتال المارقين منه؛ فثبت عنه فى الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين ((على بن أبى طالب وأبى سعيدالخدرى، وسهل بن حنیف، وأبى ذر الغفاری ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبدالله بن عمر ، وابن مسعود» رضى الله عنهم، وغير هؤلاء. أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال («يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم ؛ فإن فى قتلهم أجراً عندالله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركنهم لأقتلنهم قتل عاد»، وفى رواية ((شر قتيل تحت أديم السماء، خير ٣٨١ قتيل من قتلوه)) وفى رواية «لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوى لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل)). وهؤلاء لما خرجوا فى خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب- رضى الله عنه - قاتلهم هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم . واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام. وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين وخرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة . ولهذا قاتل المسلمون أيضاً ((الرافضة)) الذين هم شر من هؤلاء، وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين ، مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم. ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر، ويكفرون من يقول: إن الله يرى فى الآخرة ، أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، ويكفرون من خالفهم فى بدعهم التی هم عليها . فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف ، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم ، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر ، ويقنتون فى الصلوات الخمس، ويحرمون الفقاع، وذبائح أهل الكتاب ، وذبائح من خالفهم من المسلمين ، لانهم عندهم كفار ، ويقولون على الصحابة رضى ٣٨٢ الله عنهم أقوالا عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا، إلى أشياء أخر . فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله. فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة ؛ حتى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتالهم ، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة فى هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام والسنة ، حتى يدعى السنة من ليس من أهلها ، بل قد مرق منها وذلك ((بأسباب)) :- منها الغلو الذى ذمه الله تعالى فى كتابه حيث قال: (يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الَّهِإِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَمُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ) إلى قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وقال تعالى . (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ) ؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو فى الدين)) وهو حديث صحيح. ومنها التفرق والاختلاف الذى ذكره الله تعالى فى كتابه العزيز: ومنها أحاديث تروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وهى كذب عليه باتفاق أهل المعرفة ، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها الموافقة ظنه وهواء . ٣٨٣ (((وأضل الضلال)) اتباع الظن والهوى، كما قال الله تعالى فى حق من ذمهم: ( إِن يَشَّعُونَ إِلََّ الَنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْجَاءَ هُمْ مِن نَّتِهِمُ الْهُدَىّ وقال فى حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) ، فنزهه عن الضلال وَمَا غَوَى * وَمَايَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى * إِنْ هُوَإِلَّا وخىٌ يُوحَى والغواية اللذين هما الجهل والظلم ، فالضال هو الذى لا يعلم الحق، والغاوى الذى یتبع هواه. وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس ؛ بل هو وحى أوحاه الله إليه، فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى . وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التى ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها، وصار من أكابر الظالمين . وهى فصول : - ٣٨٤ الفصل الأول أحاديث رووها فى الصفات زائدة على الأحاديث التى فى دواوين الإسلام ما نعلم بالیقین القاطع أنها کذب وبهتان، بل كفر شنيع . وقد يقولون من أنواع الكفر مالا يروون فيه حديثاً ؛ مثل حديث يروونه: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاة. وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقائله من أعظم القائلين على اللّه غير الحق ، ولم يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلا، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أهل العلم - كابن قتيبة وغيره - هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار ليشينوا به [على] أهل الحديث ، ويقولون: إنهم يروون مثل هذا . وكذلك حديث آخر : فيه أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشى أمام الحجيج وعليه جبة صوف ، أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله ، الذى لا يقوله من عرف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ٣٨٥ - ! ! ! وهكذا حديث فيه ((أن الله يمشى على الأرض، فإذا كان موضع خضرة قالوا: ((هذا موضع قدميه» ويقرءون قوله تعالى: (فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) هذا أيضاً كذب باتفاق العلماء. ولم يقل الله فانظر إلى آثار خطى اللّه، وإنما قال: آثار رحمة الله) ورحمته هنا النبات. وهكذا أحاديث فى بعضها «أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فى الطواف» وفى بعضها ((أنه رآه وهو خارج من مكة)) وفى بعضها ((أنه رآه فى بعض سكك المدينة » إلى أنواع أخر. وكل حدیث فیه « أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه فى الأرض)) فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم ، هذا شىء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم. وإنما كان النزاع بين الصحابة فى أن محمدا صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج ؟ فكان ابن عباس رضى الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة رضى الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك ، ولم ترو عائشة رضى الله عنها فى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئا، ولا سألته عن ذلك. ولا نقل فى ذلك عن الصديق رضى الله عنه، كما يروونه ناس من الجهال: ((أن أباها سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: نعم. وقال لعائشة: لا ، فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء. 1 1 ولهذا ذكر القاضى ((أبو يعلى)) وغيره: أنه اختلفت الرواية عن الإمام ٣٨٦ : أحمد - رحمه الله - هل يقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه؟ أو يقال بعين قلبه . أو يقال : رآه ولا يقال بعيني رأسه ولا بعين قلبه؟ على ثلاث روايات . وكذلك الحديث الذى رواه أهل العلم أنه قال: (( رأيت ربى فى صورة كذا وكذا)، يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما وفيه (( أنه وضع يده بين كتفى، حتى وجدت برد أنا مله على صدرى، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج. فإن هذا الحديث كان بالمدينة . وفى الحديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم، وقال: ((رأيت كذا وكذا)) وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها ، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة ، كما قال الله تعالى: (سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًامِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا ). فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة ، كما جاء مفسرا فى كثير من طرقه «انه كان رؤيا منام ، مع أن رؤيا الأنبياء وحى، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج . وقد اتفق المسلمون على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينيه فى الأرض ، وأن اللّه لم ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم قط حديث فيه ((أن اللّه نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: ((أن الله يدنو عشية عرفة))، وفى رواية ((إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ٣٨٧ ثلث الليل الآخر ، فيقول : من يدعونى فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ )) . وثبت فى الصحيح: أن اللّه يدنو عشية عرفة، وفى رواية ((إلى سماء الدنيا ، فيباهى الملائكة بأهل عرفة ، فيقول: أنظروا إلى عبادى ! أتونى شعثا غبرا، ما أراد هؤلاء؟ وقد روى ((أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان)) إن صح الحديث فإن هذا ما تكلم فيه أهل العلم . وكذلك ما روى بعضهم: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل من حراء تبدى له ربه على كرسى بين السماء والأرض ، غلط باتفاق أهل العلم . بل الذى فى الصحاح : ((أن الذى تبدى له الملك الذى جاءه بحراء فى أول مرة، وقال له: (( اقرأ! فقلت: لست بقارىء ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ؛ ثم أرسلنى ، فقال: اقرأ فقلت: لست بقارىء، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ؛ ثم أرسلنى، فقال: ( أَقْرَأْبِاسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرِمُ * الَّذِى عَلََّ بِالْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنسَنَ مَا لَعَ ) فهذا أول ما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم. ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحى. قال: ((فينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا ؛ فرفعت رأسى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض» رواه جابر رضى الله عنه فى الصحيحين . فأخبر أن الملك الذى جاءه بحراء رآه بين السماء والأرض ، وذكر أنه رعب ٣٨٨ منه ، فوقع فى بعض الروايات الملك فظن القارىء أنه الملك، وأنه اللّه وهذا غلط وباطل . وبالجملة أن كل حديث فيه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه فى الأرض)) وفيه ((أنه نزل له إلى الأرض)) وفيه ((أن رياض الجنة من خطوات الحق، وفيه (( أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم . وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطل باتفاق أهل السنة والجماعة ؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحداً من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت . وثبت ذلك فى صحيح مسلم عن النواس ابن سمعان عن النبى صلى الله عليه وسلم؛ أنه لما ذكر الدجال قال: ((واعلموا أن أحداً منكم لن یری ربه حتى يموت)). وكذلك روى هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر: يحذر أمته فتنة الدجال ، وبين لهم (( أن أحداً منهم لن يرى ربه حتى يموت)) فلا يظنن أحد أن هذا الدجال الذى رآه هو ربه . ولكن الذى يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها هو على مراتب كثيرة ؛ قال النبى صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). ٣٨٩ وقد يرى المؤمن ربه فى المنام فى صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه ؛ فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا فى صورة حسنة ، وإذا كان فى إيمانه نقص رأی ما يشبه إيمانه. ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة فى اليقظة ، ولها (( تعبير وتأويل)) لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق. وقد يحصل لبعض الناس فى اليقظة أيضاً من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم فى المنام : فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم . وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه ، فهذا كله يقع فى الدنيا . وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه و تجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعینی رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم فى المنام أنه منام. فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه ، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط فى ذلك ، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط فى ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان. نعم رؤية اللّه بالأبصار هى للمؤمنين فى الجنة ، وهى أيضاً للناس فى عرصات القيامة؛ كما تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إنكم سترون ربكم کما ترون الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب ، وكما ترون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب)) . ٣٩٠ وقال صلى الله عليه وسلم: ((جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما . وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما . وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن ) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ! فيقولون: ماهو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؛ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ، وهى الزيادة. وهذه الأحاديث وغيرها فى الصحاح : وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها («الجهمية)) ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم: الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة. ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم فى الآخرة ؛ وبين تصديق الغالية ؛ بأنه يرى بالعيون فى الدنيا ، وكلاهما باطل . وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعينی رأسه فی الدنیاهم ضلال كما تقدم ، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه فى بعض الأشخاص : إما بعض الصالحين ، أو بعض المردان ، أو بعض الملوك أو غيرهم ، عظم ضلالهم ٣٩١ وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه فى صورة عيسى بن مريم. بل هم أضل من أتباع الدجال الذى يكون فى آخر الزمان ، ويقول للناس أنا ربكم ! ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت! ويقول للخربة: أخرجى كنوزك فتتبعه كنوزها! وهذا هو الذى حذر منه النبى صلى الله عليه وسلم أمته. وقال: ((ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال ، وقال: (( إذا جلس أحدكم فى الصلاة فليستعذ بالله من أربع؛ ليقل: اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر. وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال » . فهذا ادعى الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق ، حتى قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنه أعور؛ وإن ربكم ليس بأعور، واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت )) ، فذكر لهم علامتين ظاهرتين يعرفهما جميع الناس ؛ لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن من الناس من يضل فيجوز أن يرى ربه فى الدنيا فى صورة البشر ، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وهؤلاء قد يسمون (((الحلولية)) و((الاتحادية)). وهم صنفان :- ((قوم ، يخصونه بالحلول أو الاتحاد فى بعض الأشياء. كما يقوله النصارى ٣٩٢ فى المسيح عليه السلام، والغالية فى على رضى الله عنه ونحوه ؛ وقوم فى أنواع من المشايخ ، وقوم فى بعض الملوك ، وقوم فى بعض الصور الجميلة ؛ إلى غير ذلك من الأقوال التى هى شر من مقالة النصارى . و((صنف)) يعمون فيقولون بحلوله أو اتحاده فى جميع الموجودات - حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها - كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية : كأصحاب ابن عربى ، وابن سبعين ، وابن الفارض، والتلمسانى، والبليانى، وغيرهم)). ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب أن الله سبحانه خالق العالمين ، ورب السموات والأرض وما بينهما ؛ ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه. وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ؛ ومع هذا فهو معهم أينما كانوا؛ كما قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَّامٍ ثُمَّ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ يَعْلَمُ مَايَلِحُ فِ الْأَرْضِ وَمَايَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَايَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). فهؤلاء ((الضلال الكفار)) الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه ، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه! وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً؛ ٣٩٣ أو صياً؛ أو غير ذلك ؛ ويزعم أنه كلمهم، يستتابون . فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً، إذهم أكفر من اليهود والنصارى ( الَّذِينَ قَالُوَأَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله فى الدنياوالآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا : إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم ؛ بل الذين قالوا إنه اتخذ ولدا حتى قال: ( وَقَالُوا أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْجِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَؤُ اُلْأَرْضُ وَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا * أَنْ دَعَوْ لِرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا)، فكيف بمن يزعم فى شخص من الأشخاص أنه هو ؟ هذا أ كفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً رضى الله عنه؛ أو غيره من أهل البيت هو الله . وهؤلاء هم ((الزنادقة)) الذین حرقهم على - رضى الله عنه - بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة ، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثاً ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار ، واتفقت الصحابة - رضى الله عنهم - على قتلهم؛ لكن ابن عباس - رضى الله عنهما - كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء. ٣٩٤ فصل وكذلك الغلو فى بعض المشايخ: إما فى الشيخ ((عدى )) ويونس القتی أو الحلاج وغيرهم؛ بل الغلو فى على بن أبى طالب - رضى الله عنه- ونحوه، بل الغلو فى المسيح عليه السلام ونحوه . فكل من غلا فى حى ؛ أو فى رجل صالح كمثل على - رضى الله عنه - أو ((عدى)) أو نحوه؛ أو فيمن يعتقد فيه الصلاح؛ كالحلاج أو الحاكم الذى كان بمصر ، أو يونس القتى ونحوهم ، وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده ، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدى ، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى؛ مثل أن يقول : يا سيدى فلان اغفر لى أو ارحمى أو انصرنى أو ارزقنى ، أو أغثنى أو أجرنى ، أو توكلت عليك ، أو أنت حسى ؛ أو أنا فى حسبك ؛ أو نحو هذه الأقوال والأفعال ؛ التى هى من خصائص الربوبية التى لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد اللّه وحده لا شريك له ولا نجعل مع اللّه إلهاً آخر. ٣٩٥ والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى - مثل: الشمس والقمر والكواكب ، والعزير والمسيح والملائكة ، واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، ويغوث ويعوق ونسر ، أو غير ذلك - لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق؛ أو أنها تنزل المطر ، أو أنها تنبت النبات ، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكوا كب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء ، أو يعبدون قبورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله . فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه ، لا دعاء عبادة؛ ولا دعاء استغاثة. وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْبُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة ؛ فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إليّ كما تتقربون ، ويرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ، ويخافون عذابى كما تخافون عذابى ، وقال تعالى : ( قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِلَ يَمْلِحِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرْكٍ وَمَالَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِرٍ * وَلَاتَفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) فأخبر سبحانه: أن ما يدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة فى الملك ٣٩٦ ولا شرك فى الملك ، وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به ، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه . وقال تعالى: (وَكَمْ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اُللَّهُلِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَى) وقال تعالى: (أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلِّ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَكُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ ) الآية . وعبادة الله وحده: هى أصل الدين ، وهو التوحيد الذى بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، فقال تعالى: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ)؟ وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةِرَسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّغُوتَ) وقال تعالى: ( وَمَآ أَرْسَلْنَامِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ). وكان النبى صلى اللّه عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته ، حتى قال له رجل: ما شاء اللّه وشئت. فقال: ((أجعلتنى لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده)) وقال: ((لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد؛ ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد))، ونهى عن الحلف بغير الله فقال: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) ٣٩٧ وقال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك))، وقال: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)). ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق ، كالكعبة ونحوها. ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن السجود له ، ولما سجد بعض أصحا به نهاه عن ذلك وقال: ((لا يصلح السجود إلا لله))، وقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))، وقال لمعاذ بن جبل - رضى الله عنه -: ((أرأيت لو مررت بقبرى أكنت ساجداً له))؟ قال: لا. قال: ((فلا تسجد لى)). ونهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ؛ فقال فى مرض موته: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا)) قالت عائشة رضى الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفى الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس : ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا بيتى عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى»، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور ، ولا تشرع الصلاة عند القبور ؛ بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة . ٣٩٨ والسنة فى زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن ، قال الله تعالى فى كتابه عن المنافقين ( وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : («السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم؛ ولا تفتنا بعدهم؛ واغفر لنا ولهم». وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم القبور بالعبادة ونحوها، قال الله تعالى فى كتابه: (وَقَالُوْ لَا نَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمْوَلَنَذَرُنَ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ). قال طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين ؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها . ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبى صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد فى بيوت الله وهى المساجد التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا، كما قال صلى الله عليه وسلم (( لا تتخذوا بيتى عيدا) كل هذا لتحقيق ٣٩٩ التوحيد الذى هو أصل الدين ورأسه الذى لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، وكما قال تعالى: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ اُفْتَرَىَّ إِثْمَّا عَظِيمًا ). ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية فى القرآن آية الكرسى ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ اَلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) . وقال صلى الله عليه وسلم: ( من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة). والإله: الذى يألهه القلب عبادة له، واستعانة، ورجاء له، وخشية، وإجلالا ، وإكراما . ٤٠٠