Indexed OCR Text

Pages 301-320

وفى هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على
المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه .
و کذلك ما استعمله سبحانه فى تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة
سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة - التى جعلوها
جوهر الابن - منه، وكما تزعمه الفلاسفة الصابتون من تولد العقول العشرة ،
والنفوس الفلكية التسعة: التى هم مضطربون فيها هل هى جواهر أو أعراض؟
وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور ، والنفوس بمنزلة إلاناث ، ويجعلون ذلك
آباءهم ، وأمهاتهم ، وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلهم بالنفوس أظهر لوجود
الحركة الدورية الدالة على الحركة الارادية الدالة على النفس المحركة ، لكن
أكثرهم يجعلون النفس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول
مشركى العرب وغيرهم: الذين جعلوا له بنين وبنات . قال تعالى (وَجَعَلُو اللَّهِ
شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ)
وقال تعالى (أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَلِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ)
وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء : أن العقول، أو العقول
والنفوس ((هى الملائكة)) وهى متولدة عن الله فقال الله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ
لِلِّالْبَتِ سُبْحَتَهُوَلَهُمْ مَايَشْتَهُونَ * وَإِذَابُشِّرَأَ حَدُهُمْ بِالْأُنَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
* يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشِّرَبِهِ: أَيُمْسِكُهُعَلَى هُوٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ التَّابِ أَلَسَآءَ مَا
يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ)
٣٠١

إلى قوله ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنِّ
لَاجَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرُطُونَ) وقال تعالى (أَمِ آَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنْكُمْ
◌ِلْبَنِينَ * وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمُ
أَوَ مَن يُنَشَّؤُّا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ
عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَا أَشَهِدُ واْ خَلَقَهُمْسَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ).
وقال تعالى ( أَفَرَءَتُ اللَّتَ وَالْعُزَّى) إلى قوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْنَى * تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ
ضِيرَى ) أى جائرة وغير ذلك فى القرآن .
فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف
تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم ، وتستخفون من إضافته إليكم مع أنه
واقع لا محالة ، ولا تنزهونهعر ذلك ، و تنفونه عنه ، وهو آحق بنفى
المكروهات المنقصات منكم.
وكذلك قوله فى التوحيد (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّامَلَكَتْ أَيْمَئُكُم
مِّنْ شُرَكَآءَ فِىِ مَارَزَقْتَكُمْ فَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَّخَافُونَهُمْ كَبِفَتِكُمْأَنْفُسَكُمْ) أى كيفة
بعضكم بعضاكما فى قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْخُلُونَ أَنفُسَكُمْ) وفى قوله (لَّوْلاَ إِذْسَمِعْتُمُوهُ
ظَنَّالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) وفى قوله (وَلَاَلْمِزُواْأَنْفُسَكُمْ ) وفى قوله
(فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقُلُواْأَنفُسَكُمْ) وفى قوله (وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ) الى
قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْنُلُونَ أَنفُسَكُمْ) فان المراد فى هذا كله مننوع واحد. فبين
سبحانه أن الخلوق لا یکون ملوكه شریکه فما له حتىيخاف مملوكه كما يخاف نظيره،
٣٠٢

بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيراً، فكيف ترضون لى أن تجعلوا ما هو
مخلوقی ومملوکی شریکا لی : يدعی ویعبد - کما أدعى وأعبد - كما كانوا يقولون
فى تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك - وهذا
باب واسع عظيم جدا ليس هذا موضعه .
وإنما الغرض التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين
من المسائل والدلائل : التى تستحق أن تكون أصول الدين .
وأماما يدخله بعض الناس فى هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من
أصول الدين؛ وإن أدخله فيه مثل ((المسائل)) ((والدلائل، الفاسدة: مثل
نفى الصفات ، والقدر ، ونحو ذلك من المسائل.
ومثل ((الاستدلال)) على حدوث العالم بحدوث ((الأعراض ، التی هی
صفات الأجسام القائمة بها : إما الأكوان ، وإما غيرها ، وتقرير المقدمات
التى يحتاج إليها هذا الدليل: من إثبات ((الأعراض)) التى هى الصفات أولاً،
أو إثبات ((بعضها)) كالأكوان التى هى الحركة، والسكون، والاجتماع ،
والافتراق، ((وإثبات حدوثها)) ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون وإبطال
انتقالها من محل إلى محل - ثم إثبات ((امتناع خلو الجسم)» ثالثا؛ إما عن كل
جنس من أجناس الأعراض: بإثبات أن الجسم قابل لها ، وأن القابل للشىء
لا يخلو عنه ، وعن ضده ؛ وإما عن الأكوان - وإثبات («امتناع حوادث
لا أول لها، رابعا ، وهو مبنى على مقدمتين :
٣٠٣

(إحداهما): أن الجسم لا يخلو عن ((الأعراض)» التى هى الصفات
(والثانية) أن ما لا يخلو عن ((الصفات)) التى هى الأعراض فهو محدث لأن
الصفات التى هى الأعراض لا تكون إلا محدثة ، وقد يفرضون ذلك فى
بعض الصفات التى هى الأعراض كالأكوان ، وما لا يخلو عن جنس الحوادث
فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى.
فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس
بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق ((أهل الكلام))
كالأشعرى وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها،
وذكروا أنها محرمة عندهم. بل المحققون على أنها طريقة باطلة ، وأن مقدماتها
فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقا . ولهذا تجد من اعتمد عليها فى
أصول دينه فأحد الأمرين له لازم ؛ إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين
أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة ، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة.
كما هو حال طوائف منهم.
وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد فى الشرع والعقل . كما التزم
جهم لأجلها فناء الجنة والنار ، والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع حركات أهل
الجنة. والتزم قوم لأجلها - كالأشعرى وغيره - أن الماء والهواء والنار لهطعم ولون
وريح ونحو ذلك. والتزم قوم لأجلها، وأجل غيرها: أن جميع ((الأعراض،
كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض
٣٠٤

الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام
بصفاتها. فقالوا: صفات ((الأجسام)) أعراض أى أنها تعرض وتزول فلا
تبقى بحال بخلاف صفات الله فإنها باقية . وأما جمهور عقلاء بنى آدم فقالوا:
هذه مخالفة للمعلوم بالحس .
والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات
الرب مطلقاً ، أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام
الصفات بها والدليل يجب طرده . والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة
به وهو أيضاً فى غاية الفساد والضلال . ولهذا التزموا القول بخلق القرآن ،
وإنكار رؤية الله فى الآخرة، وعلوه على عرشه. إلى أمثال ذلك من اللوازم التى
التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التى جعلها المعتزلة ، ومن اتبعهم أصل دينهم
فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ؛ ولكن ليست فى الحقيقة من
أصول الدين الذى شرعه الله لعباده.
وأما الدين الذى قال اللّه فيه (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُاْ شَرَعُواْلَهُمْ مِنَ الدِّينِ
مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ ) فذاك له أصول وفروع بحسبه.
وإذا عرف أن مسمى أصول الدين فى عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال
وإبهام - لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات - تبين أن
الذى هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن
٣٠٥

الرسول. وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز
أن تكون منقولة عن النى صلى الله عليه وسلم إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل
كما أن لازم الحق حق.
وهذا التقسيم ينبه أيضاً على مراد السلف والأثمة بذم الكلام وأهله :
إذ ذلك يتناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة . فأما
من قال الحق الذى أذن الله فيه حكماً ودليلا فهو من أهل العلم والإيمان. والله
يقول الحق وهو يهدى السبيل .
وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه - إذا احتيج
إلى ذلك وكانت المعانى صحيحة - كمخاطبة العجم: من الروم، والفرس، والترك
بلغتهم وعرفهم ، فإن هذا جائز حسن للحاجة .
وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة،
لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها - ((يا أم خالد هذا سنا ، والسنا
بلسان الحبشة الحسن. لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يُترجمُ القرآن
والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة ، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من
كتب الأمم، وكلامهم بلغتهم. ويترجمها بالعربية. كما أمر النبي صلى الله عليه
وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ، ويكتب له ذلك حيث
لم يأمن من اليهود عليه.
٣٠٦

فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة
كلفظ ((الجوهر)) و((العرض)) و((الجسم)) وغير ذلك ؛ بل لأن المعانى التى
يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم فى الأدلة والأحكام ما يجب
النهى عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معانى محملة فى النفى والإثبات. كما قال الإمام
أحمد فى وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون فى الكتاب ، مخالفون للكتاب،
متفقون على مخالفة الكتاب ، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ، ويلبسون على
جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه .
فإذا عرفت المعانى التى يقصدونها بأمثال هذه العبارات ، ووزنت بالكتاب
والسنة: بحيث يثبت الحق الذى أثبته الكتاب والسنة ، وينفى الباطل الذى نفاه
الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق ؛ بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم
بهذه الألفاظ : نفيا وإثباتا : فى الوسائل والمسائل ؛ من غيربيان التفصيل
والتقسيم الذى هو الصراط المستقيم . وهذا من مثارات الشبهة .
فإنه لا يوجد فى كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من الصحابة
والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين: أنه علق بمسمى لفظ ((الجوهر))
(والجسم، ((والتحيز)) ((والعرض)) ونحو ذلك شيئا من أصول الدين:
لا الدلائل ولا المسائل ؛ والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها . تارة
لاختلاف الوضع. وتارة لاختلافهم فى المعنى الذى هو مدلول اللفظ كمن يقول
((الجسم)) هو المؤلف ، ثم يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه؟
٣٠٧

أو الجوهران فصاعدا؟ أو الستة؟ أو الثمانية؟ أو غير ذلك؟ ومن يقول هو الذى
يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وأنه مركب من المادة والصورة ، ومن يقول
هو الموجود ، أو الموجود القائم بنفسه؛ وأن الموجود لا يكون إلا كذلك.
والسلف والأئمة - الذين ذموا وبدعوا الكلام فى الجوهر والجسم
والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ
فى أصول الدين : فى دلائله ، وفى مسائله: نفيا وإثباتا.
فأما إذا عرف المعانى الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة ، وعبر عنها لمن
يفهم بهذه الألفاظ: ليتبين ما وافق الحق من معانى هؤلاء ، وما خالفه . فهذا
عظيم المنفعة ، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال
تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ
اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) وهو مثل الحكم بين سائر
الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعانى التى يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم.
وذلك يحتاج إلى معرفة معانى الكتاب والسنة . ومعرفة معانى هؤلاء بألفاظهم .
ثم اعتبار هذه المعانى بهذه المعانى ليظهر الموافق والمخالف.
وأما قول السائل فإن قيل بالجواز: فما وجهه ، وقد فهمنا منه عليه السلام
النهى عن الكلام فى بعض المسائل ؟ فيقال قد تقدم الاستفسار والتفصيل فى
جواب السؤال ، وأن ما هو فى الحقيقة أصول الدين الذى بعث الله به رسوله
٣٠٨

فلا يجوز أن ينهى عنها بحال ، بخلاف ما سمى أصول الدين وليس هو أصولا
فى الحقيقة. لا دلائل ولا مسائل . أو هو أصول لدين لم يشرعه اللّه بل شرعه
من شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذى جاء به الكتاب والسنة النهى عن أمور.
منها القول على الله بلا علم، كقوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَالَمْ يَُّزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا
لَ نَّعَلَمُونَ) وقوله (وَلَا نَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ).
ومنها أن يقال عليه غير الحق كقوله ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيشَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لََّ يَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) وقوله (لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِإِلَّا الْحَقَّ)
ومنها الجدل بغير علم كقوله (هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ
ومنها الجدل فى الحق بعد ظهوره كقوله
فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلِمٌ ) .
(يُجَدِلُونَكَ فِ اُلْحَقِّ بَعْدَ مَانَبَيَّنَ ).
ومنها الجدل بالباطل كقوله (وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُواْ بِهِ الْحَقَّ ). ومنها
الجدل فى آياته كقوله (مَا يُحَدِلُ فِىّءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) وقوله ( الَّذِينَ
يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمٌّ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ ءَامَنُوا) وقوله
(إِنِ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيهِ) وقوله (وَيَعْلَمَ اُلَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ
ءَِنَا مَا لَمُ مِّن ◌َحِيصٍ) ونحو ذلك قوله ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ
٣٠٩

لَهُ ◌ُُّهُمْ دَاحِضَةُ عِندَرَبِّهِمْ ) وقوله (وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ )
وقوله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدَّى وَلَاَ كِنَبِ مُنِيرٍ).
ومن الأمور التى نهى اللّه عنها فى كتابه التفرق والاختلاف كقوله:
( وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ) إلى قوله (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
٤٠٠٠ ذو و /٤,٠٠
وَأُخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدٌ
قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود
وُجُوهُ ) .
وجوه أهل البدعة والفرقة، وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعَالَّسْتَ
مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ) وقال تعالى: (فَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) إلى قوله (وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ
الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا).
وقد ذم أهل التفرق والاختلاف فى مثل قوله ( وَمَا نَفَرَّقُواْإِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ) وفى مثل قوله (وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) وفى مثل قوله (وَإِنَّالَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَِ شِقَاقٍ
بَعِيدٍ ) .
وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توافق كتاب الله كالحديث
المشهور عنه الذى روى مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو وسائره معروف
فی مسند أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول
٣١٠

الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه - وهم يتناظرون فى القدر - ورجل
يقول: ألم يقل الله: كذا، ورجل يقول: ألم يقل الله: كذا فكأنما فقىء فى وجهه
حب الرمان فقال أبهذا أمرتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا: ضربوا كتاب الله
بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً ، لا ليكذب بعضه
بعضاً انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)، هذا الحديث
أو نحوه.
وكذلك قوله: ((المراء فى القرآن كفر، وكذلك ما أخرجاه فى الصحيحين
عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله: (هُوَ الَّذِىَ أَنزَلَ عَلَيْكَ اُلْكِنَبَ
مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَثُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ
فقال النبى صلى الله
مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ )
عليه وسلم : ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله
فاحذروهم )) .
وأما أن يكون الكتاب أو السنة نهى عن معرفة المسائل التى يدخل فيما
يستحق أن يكون من أصول دين اللّه فهذا لا يكون اللهم إلا أن تنهى عن بعض
ذلك فى بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل . كقول عبد
الله بن مسعود ((ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة
لبعضهم)، وكقول على رضى الله عنه ((حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا
ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله)). أو مثل قول حق يستلزم فسادا
٣١١

أعظم من تركه فيدخل فى قوله صلى الله عليه وسلم ((من رأى منكم منكراً فليغيره
بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان »
رواه مسلم .
وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب ؟ وهل نقل عنه عليه السلام
ما يقتضى وجوبه .
فيقال : لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا
عاما مجملا ، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على
الكفاية فإن ذلك داخل فى تبليغ ما بعث الله به رسوله ، وداخل فی تدبر
القرآن وعقله وفهمه ، وعلى الكتاب ، والحكمة ، وحفظ الذكر ، والدعاء
إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتى هى أحسن ، ونحو
ذلك - ما أوجبه الله على المؤمنين - فهو واجب على الكفاية منهم.
وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، ومعرفتهم، وحاجتهم
وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم ، أو عن فهم
دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من
علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ، ويجب على المفتى ، والمحدث ،
والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك .
وأما قوله هل يكفى فى ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد
٣١٢

من الوصول إلى القطع؟ فيقال : الصواب فى ذلك التفصيل. فإنه وإن كان طوائف
من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التى قد يسمونها مسائل الأصول
يجب القطع فيها جميعها ، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين ، وقد
يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد. فهذا الذى قالوه على إطلاقه وعمومه :
خطأ مخالف للكتاب ، والسنة، وإجماع سلف الأمة ، وأئمتها.
ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيراً ما يحتجون فيها
بالأدلة التى يزعمونها قطعيات ، وتكون فى الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن
أن تكون من الظنيات ؛ حتى إن الشخص الواحد منهم كثيراً ما يقطع بصحة
حجة فى موضع، ويقطع ببطلانها فى موضع آخر ، بل منهم من غاية كلامه
كذلك؛ وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم الضرورى بنقيض ما ادعاه
الآخر.
وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله
من ذلك، كقوله ( أَعْلَمُواْأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وقوله
(فَأَعْلَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ اللهُ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ) وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله
الإيمان به .
وقد تقرر فى الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله (فَأَنَّقُوا اللَّهَ
مَا أَسْتَطَعْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
أخرجاه فى الصحيحين .
٣١٣

فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة - من هذه المسائل الدقيقة- قديكون
عند کثیر من الناس مشتبهاً لا يقدر فیه علی دلیل یفیده الیقین ؛ لا شرعی ،
ولا غيره لم يجب على مثل هذا فى ذلك مالا يقدر عليه ، وليس عليه أن يترك
ما يقدر عليه من اعتقاد قوى غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين ؛ بل ذلك هو
الذى يقدر عليه. لا سيما إذا كان مطابقاً للحق. فالاعتقاد المطابق للحق ينفع
صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه.
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل فى هذا الباب ، أو عجز فيه عن
معرفة الحق: فإنما هو لتفريطه فى اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر ،
والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب اللّه ضلوا . كما قال
تعالى: (فَإِمَّايَأْنِنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَمَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) قال ابن
عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل فى الدنيا ولا يشقى
فى الآخرة ثم قرأ هذه الآية .
وكما فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره عن على عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال «ستكون فتن قلت فما المخرج منها يارسول الله قال كتاب الله فيه نبأ
ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من
جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين وهو
الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذى لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به
٣١٤

الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء وفى
رواية ولا تختلف به الآراء وهو الذى لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا
قُرءانا عجبًا* يهدِى إِلَىالرُّشْدِ) من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل
ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)». قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَتَِّعُوَةٌ وَلَا تَقَبِعُواْالسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ ) وقال تعالى: ( الَّمَصّ * كِتَبُّ أُنْزِلَ
إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) إلى قوله: ( أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ
وَلَا تَّبِعُوْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَآءَ ) وقال تعالى: (وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُواْإِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّاعَنْ
دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ * أَوْتَقُولُواْ لَوْأَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَ كُم
ج
بَيِّنَةٌ مِّنْ زَيْكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَاُ سَنَجْزِى
اُلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَاسُوْءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوَأْيَصْدِفُونَ ).
فذكر سبحانه أنه سيجزى الصادف عن آياته مطلقاً - سواء كان مكذبا
أولم يكن - سوء العذاب بما كانوا يصدفون : يبين ذلك أن كل من لم يقر
بما جاء به الرسول فهو كافر . سواء اعتقد كذبه ، أو استكبر عن الإيمان به ،
أو أعرض عنه اتباعا لما يهواه ، أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به
فهو كافر . وقد يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به .
ولهذا أخبر اللّه فى غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع
ما أنزله وإن كان له نظر ، وجدل ، واجتهاد فى عقليات وأمور غير ذلك وجعل
٣١٥

ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً
فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَآَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوْ يَجْحَدُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ
وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) وقال تعالى: (فَلَمَّاجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ
فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ * فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا
قَالُواْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَابِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ * فَلَمْيَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا
رَأَوْبَأْسَنَّاسُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ) وقال تعالى:
( الَّذِينَ يُحَدِ لُونَ فِىّ ءَ ايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ وَيِنْدَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ). وقال تعالى: (إِن فِ صُدُورِ هِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّاهُمْ بِبَلِغِيةٍ فَأُسْتَعِذْ بِاللَّهِ)
والسلطان هو الحجة المنزلة من عند الله كما قال تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا
فَهُوَ بَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْبِهِ يُشْرِكُونَ) وقال تعالى (أَمْ لَكُرْسُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأَنُواْبِكِتَبِّكُمْ
إِنَ كُمْ صَدِقِينَ ) وقال تعالى: (إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُمْ مَّا أَنَزَّلَ اَللَّهُ بِهَا
مِن سُلْطَانٍ ).
وقد طالب سبحانه من اتخذ ديناً بقوله ( أثْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَآ أَوْ
أَثَرَوَمِّنْ عِلْمٍ ) .
فالكتاب الكتاب ، والأثارة كما قال من قال من السلف : هى الرواية،
والإسناد . وقالوا : هى الخط أيضاً . إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط ،
وذلك لأن الأثارة من الأثر ؛ فالعلم الذى يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد
ويقيد بالخط فيكون كل ذلك من آثاره.
٣١٦

وقال تعالى فى نعت المنافقين: (أَلَمَّتَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُواْ بِمَآ
أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أَنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ وَأْأَنْ يَكْفُرُواْ
بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا * وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم
◌ُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ ثُمَّ جَآءُ ولَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىّ
أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ).
وفى هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير
الكتاب والسنة ، وعلى نفاقه ، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة
الشرعية وبين ما يسميه هو «عقليات، من الأمور المأخوذة عن بعض
الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار.
فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا ،
أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التى نهى عنها ، أو لا تباع هواه بغير هدى
من الله : فهو الظالم لنفسه ، وهو من أهل الوعيد ؛ بخلاف المجتهد فى طاعة
الله ورسوله باطناً وظاهراً الذى يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛
فهذا مغفور له خطؤه. كما قال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،
وَاُلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَِّكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِنْ رُسُلِهِ)
إلى قوله: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ
٣١٧

رَبَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ). وقد ثبت فى صحيح مسلم أن اللّه قال
قد فعلت ، وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم
لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك .
فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنى والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا
أو أخطأوا .
وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق - والحال هذه -
فيقال : هذه العبارة وإن کثر تنازع الناس فيها نفياً وإثباتاً فينبغى أن يعرف
أن الخلاف المحقق فيها نوعان :
(أحدهما) ما اتفق الناس على جوازه ، ووقوعه ، وإنما تنازعوا فى
إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق .
( والثانى) ما اتفقوا على أنه لا يطاق؛ لكن تنازعوا فى جواز الأمر
به ، ولم يتنازعوا فى عدم وقوعه . فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان
على أنه لا يطاق ، وتنازعوا فى وقوع الأمر به ؛ فليس كذلك .
(فالنوع الأول) كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته فى ((استطاعة
العبد ، وهى قدرته ، وطاقته . هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله ، أو يجب
أن تكون متقدمة على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه.؟
فمن قال بالأول لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما لا يطيقه
٣١٨

عنده قدرة إلا مع الفعل . ولهذا كان الصواب الذى عليه محققو
إذا لم يكن
المتكلمين ، وأهل الفقه ، والحديث ، والتصوف، وغيرهم ما دل عليه القرآن ،
وهو أن ((الاستطاعة)) التى هى مناط الأمر والنهى وهى المصححة للفعل
لا يجب أن تقارن الفعل. وأما ((الاستطاعة)) التى يجب معها وجود الفعل
فهی مقارنة له .
((فالأولى» كقوله ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صلّ قائماً، فإن لم تستطع
فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب)) ومعلوم أن الحج والصلاة تجب على
المستطيع سواء فعل ، أو لم يفعل . فعلم أن هذه الاستطاعة لا تجب أن تكون
مع الفعل .
((والثانية)، كقوله تعالى: ( مَاكَانُواْيَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ
يُبْصِرُونَ ). وقوله تعالى: ( وَعَرَضْنَاجَهَنََّيَوْمَئِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ
فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)
علی قول من يفسر
الاستطاعة بهذه ، وأما على تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة
مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم . فنفوسهم لا تستطيع إرادته ؛ وإن
كانوا قادرين على فعله لو أرادوه وهذه حال من صده هواه ورأيه الفاسد عن
استماع كتب اللّه المنزلة ، واتباعها: فقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه
((الاستطاعة)) هى المقارنة للفعل الموجبة له.
٣١٩

وأما ((الأولى)) فلولا وجودها لم يثبت التكليف بقوله: (فَأَنَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَأَ تُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلَّاوُسْعَهَآ) وأمثال ذلك ، فهؤلاء المفرطون والمعتدون فى أصول الدين إذا
لم يستطيعوا سمع ما أنزل إلى الرسول فهم من هذا القسم.
وكذلك أيضاً تنازعهم فى ((المأمور به)) الذى على الله أنه لا يكون
أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون. فمن الناس من يقول إن هذا غير مقدور عليه.
كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم اللّه، وخبره ، وكتابه بأنه لا
يكون . وذلك لاتفاق الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكناً ، ولا
مقدورا عليه . وقد خالفهم فى ذلك جمهور الناس . وقالوا : هذا منقوض عليهم
بقدرة الله تعالى وقالوا إن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدوراً للعبد؛
غير واقع ، ولا كائن: لعدم إرادة العبد له ، أو لبغضه إياه ، ونحو ذلك ، لا
لعجزه عنه، وهذا النزاع يزول بتنويع القدرة عليه كما تقدم ، فإنه غير مقدور
القدرة المقارنة للفعل ، وإن كان مقدوراً ((القدرة المصححة للفعل)، التى هى مناط
الأمر والنهى.
( وأما النوع الثانى) فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما
لا يطيق الأعمى، والأقطع والرَّمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل
هذا النوع قد اتفقوا على أنه غير واقع فى الشريعة .
٣٢٠