Indexed OCR Text

Pages 61-80

عِنْدٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ وافِيهِ اخْتِلَفًّا كَثِيرًا) وهو الاختلاف المذكور فى قوله: (إِنَّكُمْ
لَفِى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ).
فالتشابه هنا : هو تماثل الكلام وتناسبه : بحيث يصدق بعضه بعضا ؛
فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه فى موضع آخر ؛ بل يأمر به أو بنظيره
أوبملزوماته ؛ وإذا نهى عن شىء لم يأمر به فى موضع آخر ، بل ينهى عنه أوعن
نظيره أو عن ملزوماته ، إذا لم يكن هناك نسخ .
وكذلك إذا أخبر بثبوت شىء لم يخبر بنقيض ذلك ، بل يخبر بثبوته
أو بثبوت ملزوماته ، وإذا أخبر بنفى شىء لم يثبته ، بل ينفيه أو ينفى لوازمه،
بخلاف القول المختلف الذى ينقض بعضه بعضاً ، فيثبت الشىء تارة وينفيه
أخرى أو يأمر به وينهى عنه فى وقت واحد ، ويفرق بين المتماثلين فيمدح
أحدهما ويذم الآخر .
فالأقوال المختلفة هنا: هى المتضادة . والمتشابهة : هى المتوافقة.
وهذا التشابه يكون فى المعانى وإن اختلفت الألفاظ ، فإذا كانت المعانى
يوافق بعضها بعضاً ، ويعضد بعضها بعضاً ، ويناسب بعضها بعضاً ، ويشهد
بعضها لبعض ، ويقتضى بعضها بعضاً ، كان الكلام متشابهاً ؛ بخلاف الكلام
المتناقض الذى يضاد بعضه بعضاً .
فهذا التشابه العام، لا ينافى الإحكام العام ؛ بل هو مصدق له ، فإن الكلام
٦١

المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً لا يناقض بعضه بعضاً ، بخلاف الإحكام
الخاص ؛ فإنه ضد التشابه الخاص ، والتشابه الخاص هو مشابهة الشىء لغيره من
وجه مع مخالفته له من وجه آخر ، بحیث یشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو
مثله وليس كذلك .
والإحكام هو الفصل بينهما ، بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر ، وهذا
التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما .
ثم من الناس من لا يهتدى للفصل بينهما فيكون مشتبهاً عليه ، ومنهم
من يهتدى إلى ذلك ؛ فالتشابه الذى لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية
الإضافية ، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض ، ومثل هذا يعرف منه
أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه ، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا
به فى الآخرة بما يشهدونه فى الدنيا فظن أنه مثله ، فعلم العلماء أنه ليس مثله وإن
کان مشبهاً له من بعض الوجوه.
ومن هذا الباب الشبه التى يضل بها بعض الناس ، وهى ما يشتبه فيها
الحق والباطل ، حتى تشتبه على بعض الناس ؛ ومن أوتى العلم بالفصل بين هذا
وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل ، والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات،
لأنه تشبيه للشىء فى بعض الأمور بما لا يشبهه فيه .
فمن عرف الفصل بين الشيئين : اهتدى للفرق الذى يزول به الاشتباه
٦٢

والقياس الفاسد ؛ وما من شيئين إلا ويجتمعان فى شىء ويفترقان فى شىء،
فيينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه ، فلهذا كان ضلال بنى آدم من قبل
التشابه ، والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس
من جهة التأويل والقياس ؛ فالتأويل فى الأدلة السمعية ، والقياس فى الأدلة
العقلية ، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون فى الألفاظ المتشابهة، والقياس
الخطأ إنما يكون فى المعانى المتشابهة .
وقد وقع بنو آدم فى عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات ،
حتى آل الأمر إلى من يدعى التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه
عليهم وجود الرب بوجود كل موجود ، فظنوا أنه هو ، جعلوا وجود
المخلوقات عين وجود الخالق ، مع أنه لا شىء أبعد عن مائلة شىء ، أوأن يكون
إياه، أو متحداً به ، أو حالا فيه ، من الخالق مع المخلوق .
فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها ، حتى ظنوا وجودها
وجوده؛ فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه.
وذلك أن الموجودات تشترك فى مسمى الوجود ، فرأوا الوجود
واحداً ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
وآخرون توهموا أنه إذا قيل : الموجودات تشترك فى مسمى الوجود لزم
٦٣

التشبيه والتركيب ، فقالوا : لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظى ، خالفوا
ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم : من أن الوجود ينقسم إلى قديم
ومحدث ، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك فى مسمى الوجود لزم أن
يكون فى الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه ، وزعموا أن فى الخارج عن
الأذهان كليات مطلقة ، مثل وجود مطلق ، وحيوان مطلق، وجسم مطلق ونحو
ذلك ، خالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما فى الأذهان ثابتاً فى الأعيان
وهذا كله من نوع الاشتباه .
ومن هداه اللّه فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه ، وعلم
ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف ؛ وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه
من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذى يبين ما بينهما من
الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ ( إنا) و(نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد
له شركاء فى الفعل ، ويتكلم بها الواحد العظيم الذى له صفات تقوم كل صفة مقام
واحد ، وله أعوان تابعون له ؛ لا شركاء له . فإذا تمسك النصرانى بقوله
تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) ونحوه على تعدد الآلهة ، كان المحكم كقوله تعالى:
(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ ) ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً يزيل ما هناك من
٦٤

الاشتباه؛ وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبيناً لما يستحقه من العظمة والأسماء
والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.
وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات ، وماله من
الجنود الذين يستعملهم فى أفعاله، فلا يعلمهم إلا هو (وَمَايَعْلَمُ جُنُودَ رَئِكَإِلَّهُوّ)
وهذا من تأويل المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله ، بخلاف الملك من البشر إذا
قال : قد أمرنالك بعطاء ، فقد علم أنه هو وأعوانه ، مثل كاتبه وحاجبه و
خادمه ونحو ذلك أمروا به ، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداتهو
إراداته ونحوذلك.
والله - سبحانه وتعالى - لا يعلم عباده الحقائق التى أخبر عنها من صفاته
وصفات اليوم الآخر ، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا
حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة .
وبهذا يتبين أن التشابه يكون فى الألفاظ المتواطئة ، كما يكون فى الألفاظ
المشتركة التى ليست بمتواطئة ، وإن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين : من
إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء ، فهناك قد خص هذا الماء
بالجنة ، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا .
لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا ، وهو مع ما أعده الله
لعباده الصالحين - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر - من
التأويل الذى لا يعلمه إلا الله .
٦٥

و كذلك مدلول أسمائه وصفاته التى يختص بها ،والتى هى حقيقة لا يعلمها
إلا هو؛ ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم
- من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه - تأويل ما تشابه عليهم من القرآن
على غير تأويله، كما قال أحمد : فى كتابه الذى صنفه فى الرد على الزنادقة والجهمية
فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.
وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر فى ذلك ما يشتبه عليهم
معناه ، وإن كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله،
ولم ينف مطلق لفظ التأويل كما تقدم: من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين
لمراد الله به فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التى استأثر اللّه
بعليها ، فذاك لا يعلمه إلا هو ، وقد بسطنا هذا فى غير هذا الموضع .
ومن لم يعرف هذا: اضطربت أقواله ، مثل طائفة يقولون إن التأويل
باطل ، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره ، ويحتجون بقوله تعالى: (وَمَايَعْلَمُ
تَأْوِيَةُ: إِلَّ اللَّهُ) ويحتجون بهذه الآية على إيطال التأويل ، وهذا تناقض
منهم ؛ لأن هذه الآية تقتضى أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون
التأويل مطلقاً .
وجهة الغلط أن التأويل الذى استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التى لا يعلمها
إلا هو .
٦٦

وأما التأويل المذموم والباطل : فهو تأويل أهل التحريف والبدع ،
الذين يتأولونه على غير تأويله ، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير
مدلوله بغير دليل يوجب ذلك ، ويدعون أن فى ظاهره من المحذور ما هو نظير
المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل ، ويصرفونه إلى معان هى نظير المعانى التى
نفوها عنه ، فيكون مانفوه من جنس ما أثبتوه ، فإن كان الثابت حقاً ممكناً
كان المنفى مثله، وإن كان المنفى باطلا ممتنعاً كان الثابت مثله.
وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقاً، ويحتجون بقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ ) قد يظنون أنا خوطبنا فى القرآن بما لا يفهمه أحد؛ أو بما لا معنى
له، أو بما لا يفهم منه شىء.
وهذا مع أنه باطل فهو متناقض ، لأنا إذا لم نفهم منه شيئاً لم يحزلنا أن
نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه ؛ لإمكان أن يكون له معنى صحيح،
وذلك المعنى الصحيح: لا يخالف الظاهر المعلوم لنا ، فإنه لا ظاهر له على قولهم
فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر ، فلا يكون تأويلا .
ولا يجوز نفى دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير .
فإن تلك المعانى التى دل عليها قد لا نكون عارفين بها ، ولانا إذا لم نفهم
اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعانى التى لم يدل عليها اللفظ أولى؛ لأن إشعار
اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بمالا يراد به ؛ فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى
٦٧

من المعانى ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعراً بما أريد به ، فلأن لا يكون
مشعراً بما لم يرد به أولى.
فلا يجوز أن يقال : إن هذا اللفظ متأول ، بمعنى أنه مصروف عن
الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح ، فضلا عن أن يقال: إن هذا التأويل
لا يعلمه إلا الله .
اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق.
فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لابد وأن يكون له تأويل يخالف
ظاهره . لكن إذا قال هؤلاء : إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر ، أو أنها
تجرى على المعانى الظاهرة منها كانوا متناقضين .
وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى ، وهناك معنى: فی سیاق واحد من غیر بیان
كان تلبيساً .
وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ أى تجرى على مجرد اللفظ الذى يظهر
من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضاً ؛ لأن من أثبت تأويلا
أو نفاه فقد فهم معنى من المعانى.
وبهذا التقسيم : يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها
فى هذا الباب.
٦٨

القاعدة السادسة
أنه لقائل أن يقول : لابد فى هذا الباب من ضابط ، يعرف به ما يجوز
على الله مما لا يجوز فى النفي والإثبات ، إذ الاعتماد فى هذا الباب على مجرد نفى
التشبيه ، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد ، وذلك أنه ما من
شیئین إلا بينهما قدر مشترك وقدر ميز .
فالنافی إن اعتمد فما ینفیه على أن هذا تشبيه قيل له : إن أردت أنه ماثل له
من كل وجه فهذا باطل ؛ وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو
مشارك له فى الاسم لزمك هذا فى سائر ما تثبته. وأنتم إنما أقتم الدليل على إبطال
التشبيه والتماثل الذى فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ،
ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول؛
فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه ، ولا يلزم من نفى هذا نفى التشابه من بعض
الوجوه ، كما فى الأسماء والصفات المتواطئة . ولكن من الناس من يجعل
التشبيه مفسراً بمعنى من المعانى، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا : إنه مشبه ،
ومنازعهم يقول : ذلك المعنى ليس من التشبيه .
٦٩

وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل .
وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله
صفة قديمة فهو مشبه مثل ، فمن قال إن لله علما قديماً أو قدرة قديمة كان عندهم
مشبهاً ممثلا ، لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله ، فمن أثبت له صفة
قديمة فقد أثبت لله مثلا قديماً، ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار، ومثبتة الصفات
لا يوافقونهم على هذا بل يقولون : أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه
رب العالمين ، وأنه بكل شىء عليم ، وأنه على كل شىء قدير، وأنه إله واحد
ونحو ذلك ؛ والصفة لا توصف بشىء من ذلك .
ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول فى الصفات إنها قديمة بل يقول :
الرب بصفاته قديم .
ومنهم من يقول : هو قديم وصفته قديمة ، ولا يقول : هو وصفاته
قديمان .
ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان ؛ ولكن يقول : ذلك لا يقتضى
مشاركة الصفة له فى شىء من خصائصه ، فإن القدم ليس من خصائص الذات
المجردة ، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات ، وإلا فالذات المجردة
لا وجود لها عندهم ، فضلا عن أن تختص بالقدم .
وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم ، والصفات متصفة بالقدم ، وليست
الصفات إلهاً ولاربا، كما أن النى محدث وصفاته محدثة ، وليست صفاته نبياً .
٧٠

فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل : كان هذا بحسب
اعتقادهم الذى ينازعهم فيه أولئك ، ثم تقول لهم أولئك : هب أن هذا المعنى قد
يسمى فى اصطلاح بعض الناس تشبيها ، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما
الواجب نفى ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية .
والقرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك.
ولكن يقولون الصفة فى لغة العرب ليست مثل الموصوف ، ولا كفؤه
ولا نده، فلا يدخل فى النص .
وأما العقل : فلم ينف مسمى التشبيه فى اصطلاح المعتزلة .
وكذلك أيضاً يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام
متماثلة ، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام ، وهذا
هو التشبيه .
وكذلك يقول: هذا كثير من الصفاتية ، الذين يثبتون الصفات وينفون
علوه على العرش ، وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك ، ويقولون: الصفات
قد تقوم بما ليس بجسم ، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما
فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسما وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه .
فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ، ولا يسمون من
أثبت السمع والبصر ، والكلام ونحوه مشبهاً ، كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله
٧١

وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضى أبو يعلى وأمثاله من
مثبتة الصفات والعلو؛ لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية ، كما هو أول قولى
القاضى أبی یعلی، فیکون الكلام فيه کالكلام فى الوجه .
وقد يقولون : إن ما يثبتونه لا ينافى الجسم، كما يقولونه فى سائر الصفات.
والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق.
وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم ،
والأجسام متماثلة.
والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى ، وتارة بمنع المقدمة
الثانية ، وتارة بمنع كل من المقدمتين ، وتارة بالاستفصال .
ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل ، سواء فسروا الجسم
بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود ، أو بالمركب من الهيولى والصورة
ونحو ذلك ، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة ، وعلى أنها متماثلة
فهذا يبنى على صحة ذلك؛ وعلى إثبات الجوهر الفرد ، وعلى أنه متماثل ، وجمهور
العقلاء يخالفونهم فى ذلك .
(والمقصود) هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه بحسبما بناء على
تماثل الأجسام ، والمثبتون ينازعونهم فى اعتقادهم ؛ كإطلاق الرافضة النصب على
٧٢
أ

من تولى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما؛ بناء على أن من أحبهما فقد أبغض علياً
رضی الله عنه؛ ومن أبغضه فهو ناصى.
وأهل السنة ينازعونهم فى المقدمة الأولى؛ ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين
لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه ، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك،
وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير هذا الموضع، وبينا فيه حجج من يقول بتماثل
الأجسام ، وحجج من نفى ذلك ، وبينا فساد قول من يقول بتمائلها .
وأيضاً فالاعتماد بهذا الطريق على نفى التشبيه اعتماد باطل ، وذلك
أنه إذا أثبت تماثل الأجسام ، فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التى ينفون
بها الجسم.
وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم ، وثبت امتناع الجسم: كان هذا وحده
كافياً فى نفى ذلك. لا يحتاج نفى ذلك إلى نفى مسمى التشبيه ، لكن نفى التجسيم
يكون مبنياً على نفى هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما ؛
ثم يقال: والأجسام متماثلة ، فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع ، وهذا
ممتنع عليه .
لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمداً فى نفى التشبيه على نفى
التجسيم ؛ فيكون أصل نفيه نفى الجسم ، وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن
شاء الله .
٧٣

وإنما المقصودهنا : أن مجرد الاعتماد فى نفى ما ينفى على مجرد نفى التشبيهلا يفيد
إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، بخلاف الاعتماد على
نفى النقص والعيب ونحو ذلك ، مما هو سبحانه مقدس عنه ، فإن هذه
طريقة صحيحة .
و کذلك إذا أثبت له صفات الکال ونفى ماثلة غیره له فيها ، فإن هذا نفى
المائلة فيما هو مستحق له ، وهذا حقيقة التوحيد: وهو أن لا يشركه شىء من
الأشياء فما هو من خصائصه. وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على
وجه لا يماثله فيه أحد؛ ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف
به نفسه من الصفات ، ونفى مماثلته بشىء من المخلوقات .
( فإن قيل ) إن الشىء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من
ذلك الوجه ، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه .
( قيل) هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك
لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ، ولا نفى ما يستحقه لم يكن ممتنعاً،
كما إذا قيل : إنه موجود حى عليم سميع بصير ، وقد سمى بعض المخلوقات حياً
سميعاً علما بصيراً فإذا قيل : يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه
موجوداً حياً عليما سميعاً بصيرا . قيل : لازم هذا القدر المشترك ليس متنعاً على
الرب تعالى ، فإن ذلك لا يقتضى حدوثاً ولا إمكاناً ، ولا نقصاً ولا شيئاً مما
ينافى صفات الربوبية .
٧٤

وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود ، أو الحياة
أو الحى، أو العلم أو العليم، أو السمع أو البصر ، أو السميع أو البصير،
أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلى لا يختص بأحدهما دون الآخر؛
فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب
القديم ، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشترا كهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذى اشتركا فيه صفة كمال، كالوجود والحياة،
والعلم والقدرة ، ولم یکن فى ذلك شیء ما يدل على خصائص المخلوقين، كما لا يدل
على شىء من خصائص الخالق ، لم يكن فى إثبات هذا محذور أصلا ؛ بل إثبات
هذا من لوازم الوجود ، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا ، ومن نفى
هذا لزمه تعطیل وجود كل موجود .
ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة ، وكان
جهم ينكر أن يسمى اللّه شيئاً، وربما قالت الجهمية هو شىء لا كالأشياء، فإذا
نفى القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل العام .
والمعانى التى يوصف بها الرب تعالى كالحياة ، والعلم والقدرة ، بل الوجود
والثبوت، والحقيقة ونحو ذلك: يجب لوازمها ، فإن ثبوت الملزوم يقتضى
ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التى يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم
ذلك أصلا ، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة ، وعلم
ونحو ذلك .
٧٥

والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم .
وهذا الموضع من فهمه فهما جيداً وتدبره: زالت عنه عامة الشبهات ،
وانكشف له غلط كثير من الأذكياء فى هذا المقام ، وقد بسط هذا فى
مواضع كثيرة .
وبين فيها أن القدر المشترك الكلى لا يوجد فى الخارج إلا معيناً مقيداً ،
وإن معنى اشتراك الموجودات فى أمر من الأمور هو تشابها من ذلك الوجه ،
وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا ؛ لأن الموجودات فى الخارج
لا يشارك أحدهما الآخر فى شىء موجود فيه ، بل كل موجود متميز عن غيره
بذاته وصفاته وأفعاله .
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضاً فى هذا
المقام ؛ فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل ، فيجعل
ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذراً من ملزومات التشبيه ، وتارة
يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن
احتج به من النفاة .
ولكثرة الاشتباه فى هذا المقام : وقعت الشبهة فى أن وجود الرب
هل هو عين ماهيته ، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك
اللفظى أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه فى إثبات الأحوال ونفيها،
٧٦

وفى أن المعدوم هل هو شىء أم لا ؟ وفى وجود الموجودات هل هو زائد على
ماهيتها أم لا ؟
وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض فى هذه المقامات ؛ فتارة
يقول أحدهم القولين المتناقضين ، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها ؛ وتارة
يبقى فى الشك والتحير .
وقد بسطنا من الكلام فى هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط
والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شىء فى الخارج هو ماهيته الموجودة
فى الخارج، بخلاف الماهية التى فى الذهن، فإنها مغايرة للوجود فى الخارج، وأن
لفظ الذات والشىء والماهية والحقيقة ونحو ذلك فهذه الألفاظ كلها متواطئة .
فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها ، فالمشكك نوع من المتواطئ
العام ، الذى يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك ، سواء كان المعنى
متفاضلا فى موارده أو متماثلا .
وبينا أن المعدوم شىء أيضاً فى العلم والذهن لا فى الخارج ، فلا فرق بين
الثبوت والوجود ، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمى والعينى ، مع أن
ما فى العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به .
وكذلك الأحوال التى تتماثل فيها الموجودات وتختلف : لها وجود فى
٧٧

الأذهان ، وليس فى الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة ،
فتتشابه بذلك وتختلف به .
وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة ،
من فهمها على قدر نفعها ، وانفتح له باب الهدى ، وإمكان إغلاق باب الضلال.
ثم بسطها وشرحها له مقام آخر؛ إذ لكل مقام مقال.
((والمقصود»: هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه
عنه - كما يفعله كثير من المصنفين - خطأ لمن تدبر ذلك ، وهذا من طرق
النفى الباطلة .
٧٨

فصل
وأفسد من ذلك : ما يسلكه نفاة الصفات ، أو بعضها إذا أرادوا أن
ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه ، مما هو من أعظم الكفر ، مثل أن يريدوا تنزيهه
عن الحزن والبكاء ونحو ذلك ، ويريدون الرد على اليهود : الذين يقولون إنه
بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة ، والذين يقولون يالهية بعض
البشر وإنه الله .
فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفى التجسيم والتحيز ونحو ذلك ،
ويقولون لو اقصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزاً وذلك متنع،
وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة ، نفاة الأسماء
والصفات ، فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه :-
(أحدها) أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فساداً فى
العقل والدين من نفى التحيز والتجسيم ؛ فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء
ما ليس فى ذلك ، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام،
والدليل معرف للدلول ومبين له ؛ فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين
بالآخفى ، كما لا يفعل مثل ذلك فى الحدود.
٧٩

(الوجه الثانى) أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات: يمكنهم أن يقولوا
نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز ، كما يقوله من يثبت الصفات وينفى التجسيم ،
فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال ، فيصير كلام من وصف
الله بصفات الكمال وصفات النقص واحداً، ويبقى رد النفاة على الطائفتين
بطريق واحد ، وهذا فى غاية الفساد .
(الثالث ) أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة ، واقصافه
بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع ، فيكون ذلك دليلا على فساد
هذه الطريقة .
(الرابع) أن سالكى هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه
الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات ، كما أن كل من نفى شيئاً منهم ألزمه الآخر بما
يوافقه فيه من النفى.
فمثبتة الصفات - كالحياة والعلم، والقدرة والكلام، والسمع والبصر - إذا
قالت لهم النفاة كالمعتزلة : هذا تجسيم ؛ لأن هذه الصفات أعراض والعرض
لا يقوم إلا بالجسم، أو لأنا لانعرف موصوفاً بالصفات إلا جسما .
قالت لهم المثبتة : وأنتم قد قلتم : إنه حى عليم قدير. وقلتم : ليس بجسم؛
وأنتم لا تعلمون موجوداً حياً عالماً قادراً إلا جسما ، فقد أثبتموه على خلاف
ما علمتم ، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حياً عالماً قادراً ؛ بلا حياة
ولا علم ولا قدرة ، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل.
٨٠