Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ِالَّهِ الرَِّ الرَّحَّمِ
بِسـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام
على من لا نبي بعده
قال الشيخ الإمام ، العالم العلامة ، شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس،
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى ، رضى الله عنه وأرضاه:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن
سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١) .
أما بعد: فقد سألنى من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه
منى فى بعض المجالس ؛ من الكلام (فى التوحيد) (والصفات) وفى (الشرع)
( والقدر) لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين ، وكثرة الاضطراب
(١) تسمي التدمرية .
١

فيهما . فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ، ومع أن أهل النظر، والعلم، والإرادة،
والعباد: لا بدأن يخطر لهم فى ذلك من الخواطر ، والأقوال ما يحتاجون معه
إلى بيان الهدى من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض فى ذلك بالحق
تارة ، وبالباطل تارات، وما يعترى القلوب فى ذلك: من الشبه التى توقعها فى
أنواع الضلالات.
فالكلام فى باب (التوحيد) (والصفات): هو من باب الخبر الدائر بين
النفي والإثبات.
والكلام فى ( الشرع والقدر): هو من باب الطلب، والإرادة: الدائر بين
الإرادة والمحبة ، وبين الكراهة والبغض: نفياً، وإثباتا.
والإنسان يجد فى نفسه الفرق بين النفي والإثبات ، والتصديق والتكذيب،
وبين الحب والبغض ، والحض والمنع ؛ حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين
النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة ، ومعروف عند أصناف المتكلمين
فى العلم ، كما ذكر ذلك الفقهاء فى كتاب الإيمان ، وكما ذكره المقسمون للكلام؛
من أهل النظر ، والنحو ، والبيان ، فذكروا أن الكلام نوعان : خبر، وإنشاء،
والخبر دائر بين النفى والإثبات، والإنشاء أمر، أونهى، أو إباحة.
وإذا كان كذلك: فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات
الكمال ، وينفى عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ، ولا بد له فى أحكامه
٢

من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته ، وعموم مشيئته
ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه : من القول والعمل ، ويؤمن
بشرعه وقدره إيماناً خالياً من الزلل .
وهذا يتضمن (التوحيد فى عبادته) وحده لا شريك له : وهو التوحيد
فى القصد والإرادة والعمل ، والأول يتضمن (التوحيد فى العلم والقول) كما دل
على ذلك سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ودل على الآخر سورة: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ)
وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة
فى ركعتى الفجر ، وركعتى الطواف، وغير ذلك.
فأما الأول وهو (التوحيد فى الصفات) فالأصل فى هذا الباب أن يوصف
الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفياً وإثباتاً؛ فيثبت لله ما أثبته
لنفسه، وینفی عنه ما نفاهعن نفسه .
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات ، من غير
تكيف ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تعطيل .
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات ،
من غیر إلحاد : لا فى أسمائه ولا فی آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون
فى أسمائه و آياته، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَِّهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُلْحِدُونَ
٣

فِى ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَهَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأْتِىّءَامِنَّايَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ )
الآية .
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات ، مع نفى مماثلة المخلوقات : إثباتاً
بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىُْ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
ففى قوله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ): رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
رد للإلحاد والتعطيل .
والله سبحانه: بعث رسله (بإثبات مفصل، ونفى مجمل) فأثبتوا لله الصفات
على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والمثيل ، كما قال تعالى
﴿ فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيْ لِعِبَدَيٍِّ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). قال أهل اللغة: هل تعلم له سمياً أى
نظیراً يستحق مثل اسمه. ويقال: مسامیاً يسامیه، وهذا معنى ما یروى عن ابن
عباس (مَلْ تَعْلَمُلَهُسَمِيًّا) مثيلا أو شيبها.
وقال تعالى (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدّ) وقال تعالى:
﴿فَلَا تَجْعَلُوْلِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ
اللَّهِأَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ ◌ُبَّالِلَّهِ ) وقال تعالى:
(وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِيْنَ وَبَتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
٤

يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَّى يَكُونُ لَهُ, وَلَهٌ وَلَوْتَكُن لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ
وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ).
وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِى لَهُ,مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَنَّخِذْ وَلَدًاوَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِكُ فِ الْمُلْكِ)
وقال تعالى: (فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَنَّاوَهُمْ
شَهِدُونَ * أَ إِنَّهُمْ مِنْإِفْكِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اَللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى
الْبَنِينَ * مَالَكُكَفَ تَّحَّكُمُونَ * أَفَلَانَذَّكَّرُونَ * أَمْلَكُرْ سُلْطَانٌ مُّبِيرٌ * فَأَنُواْ بِكِتَبِكُمْ إِنَ كُمُ صَدِقِينَ
: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبََّ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَنَ الَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *
إِلَّا عِبَادَالهِالْمُخْلَصِينَ ) إلى قوله:
( سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ).
فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون ، وسلم على المرسلين ، لسلامة
ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه ؛ إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما
له من الأسماء والصفات ، وبديع المخلوقات.
وأما (الإثبات المفصل): فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ، ما أنزله فى محكم
آياته كقوله: ( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) الآية بكالها. وقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدَّ * اللَّهُ الصََّمَدُ) السورة، وقوله: ( وَهُوَ الْعَلِيمُالْحَكِيمُ) (وَهُوَالْعَلِيمُ
اُلْقَدِيْرُ) ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ( وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
٥

وَهُوَالْغَفُورُ اُلْوَدُودُ * ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَالٌ لِمَايُرِيِدُ﴾ (هُوَ الْأَوَّلُ وَاُلْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ
)
وَالْبَاطِنِّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٍ * هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍثُمَّأُسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ اْأَرْضِ وَمَايَخْرِّيجُ مِنْهَا وَمَايَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَا
كُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ).
وقوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُمْ ) وقوله: (فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
اُلْكَفِينَ) الآية، وقوله: (رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ) وقوله:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ هُ جَهَنَّمُ خَلِدَافِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَهُ) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْيُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اُللَّهِ أَ كْبَرُ مِن ◌َّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
إِذْتُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) وقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ) وقوله: (ثُمَّاُسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
أَثْتِيَا طَوْعَا أَوْكَرْهَا قَالَتَآ أَنَيْنَا طَابِعِينَ)
وقوله : (وَكَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقوله: (وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُورِ
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِ ىَ الَّذِينَ كُمْ
اُلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نِيَّاً ) وقوله : (
تَزْعُمُونَ ) وقوله ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,َكُنْ فَيَكُونُ) وقوله:
(هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* هُوَ اَللَّهُ الَّذِى
لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ
٦

سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىّ
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
إلى أمثال هذه الآيات ، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم
فى أسماء الرب تعالى وصفاته ، فإن فى ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه
التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفى التمثيل ، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل
فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم، من الكفار والمشركين ، والذين أوتوا
الكتاب ، ومن دخل فى هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة ، والجهمية والقرامطة
والباطنية ونحوهم : فإنهم على ضد ذلك ، يصفونه بالصفات السلبية على وجه
التفصيل ، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما
يرجع إلى وجود فى الأذهان ، يمتنع تحققه فى الأعيان .
فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل ؛ فإنهم يمثلونه بالممتنعات ،
والمعدومات ، والجمادات ؛ ويعطلون الأسماء والصفات ، تعطيلا يستلزم
نفى الذات.
فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين ، فيقولون : لا موجود ولا معدوم ،
ولا حى ولا ميت ، ولا عالم ولا جاهل ، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه
بالإثبات شبهوه بالموجودات ، وإذا وصفوه بالنفى شبهوه بالمعدومات ،
٧

فسلبوا النقيضين ، وهذا ممتنع فى بداهة العقول ؛ وحرفوا ما أنزل الله من
الكتاب ، وما جاء به الرسول ، فوقعوا فى شر مما فروا منه ، فإنهم شبهوه
بالممتعات ، إذ سلب النقيضين بكمع النقيضين ، كلاهما من الممتنعات.
وقد علم بالاضطرار : أن الوجود لا بد له من موجد ، واجب بذاته ؛
غنى عما سواه ؛ قديم أزلى ؛ لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم ، فوصفوه بما
يمتنع وجوده ، فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات ،
دون صفات الإثبات ، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، وقد علم
بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا فى الذهن ، لا فيما خرج عنه من الموجودات
وجعلوا الصفة هى الموصوف. جعلوا العلم عين العالم ، مكابرة للقضايا البديهات
وجعلوا هذه الصفة هى الأخرى ، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة ،
جحداً للعلوم الضروريات.
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام ، من المعتزلة ومن اتبعهم ؛ فأثبتوا
لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات - فمنهم من جعل العليم ، والقدير ؛
والسميع ؛ والبصير ؛ كالأعلام المحضة المترادفات ، ومنهم من قال عليم بلا
علم ، قدير بلا قدرة ، سميع بصير بلا سمع ولا بصر ، فأثبتوا الاسم دون
ما تضمنه من الصفات .
٨

والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق
لصحيح المنقول : مذكور فى غير هذه الكلمات .
وهؤلاء جميعهم يفرون من شىء فيقعون فى نظيره ، وفى شر منه ، مع
ما يلزمهم من التحريف والتعطيل ، ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات ،
وفرقوا بين المختلفات ، كما تقتضيه المعقولات ؛ ولكانوا من الذين أوتوا
العلم ، الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ، ويهدى إلى
صراط العزيز الحميد.
ولكنهم من أهل المجهولات ، المشبهة بالمعقولات ، يسفسطون فى
العقليات ، ويقرمطون فى السمعيات .
وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم ، غنىعما
سواه ، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات : كالحيوان والمعدن والنبات ،
والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع ، وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد
له من محدث والممكن لا بد له من موجد، كما قال تعالى: (أَمْ خُلِّقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ) فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون
لأنفسهم تعين أن لهم خالقاً خلقهم .
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن فى الوجود ما هو قديم واجب بنفسه،
وما هو محدث ممكن ، يقبل الوجود والعدم : فمعلوم أن هذا موجود ، وهذا
٩

موجود، ولا يلزممن اتفاقهما فى مسمى الوجود أن يكون وجودهذا مثل وجود
هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما فى اسم عام : لا يقتضى
تماثلهما فى مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا فى غيره.
فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شىء موجود ، وإن البعوض شىء
موجود: إن هذا مثل هذا ؛ لاتفاقهما فى مسمى الشىء والوجود ، لأنّه ليس
فى الخارج شىء موجود غيرهما يشتركان فيه ، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا
كلياً ، هو مسمى الاسم المطلق ، وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود :
فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره ؛ مع أن الاسم حقيقة
فی کل منهما .
ولهذا سمى اللّه نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء ؛ وكانت تلك الأسماء
مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره ، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء
مختصة بهم ، مضافة إليهم ، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة
والتخصيص؛ ولم يلزم من اتفاق الاسمين ، وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق
والتجريد عن الإضافة والتخصيص: اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة
والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمى الله نفسه حياً، فقال: ( اللَّهُ لَ إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّ اَلْقَيُّومُ) وسمى
بعض عباده حياً؛ فقال: ( يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَىّ)
وليس هذا الحى مثل هذا الحى ، لأن قوله الحى اسم للّه مختص به ، وقوله:
١٠

( يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) اسم للحى المخلوق مختص به ، وإنما يتفقان إذا أطلقا
وجردا عن التخصيص؛ ولكن ليس للمطلق مسمى موجود فى الخارج، ولكن
العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركا بين المسميين ، وعند الاختصاص يقيد ذلك
بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق .
ولا بد من هذا فى جميع أسماء الله وصفاته ، يفهم منها ما دل عليه الاسم
بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص : المانعة من مشاركة
المخلوق للخالق فى شىء من خصائصه - سبحانه وتعالى.
وكذلك سمى الله نفسه علما حليما ، وسمى بعض عباده علما فقال :
(وَبَشَّرُوهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ ) يعنى إسحق، وسمى آخر حليما فقال: (فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ
حَلِيٍ) يعنى إسماعيل، وليس العليم كالعليم ، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعاً بصيراً، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تُؤَّدُّواْاُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْبِالْعَدْلِ إِنَّالَّه ◌ِمَا يَعِظُكُمِةٍ إِنَّاللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).
وسمى بعض عباده سميعاً بصيراً فقال: ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَّبْتَلِهِ
فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير.
وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم. فقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ)
وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: ( لَقَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِّنْ
١١

أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَرَءُ وفٌ رَّحِيمٌ)
ولیس الرء وف کالرء وف ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك . فقال: (المَلِكِ الْقُدُّوسِ ) ، وسمى بعض عباده بالملك
فقال ( وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (وَقَالَ الْلِكُ اثْنُنِ بِهِ).
وليس الملك كالملك .
وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ( أَفَمَنْ كَانَ
مُؤْمِنَا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُنَ ) وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز فقال: (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ) وسمى بعض
عباده بالعزيز ، فقال: (قَالَتِ أَهْرَأَتُ الْعَزِيزِ ) وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر ، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال:
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِ قَلْبٍ مُتَكَِّجَبَّارٍ ) وليس الجبار كالجبار ، ولا
المتكبر كالمتكبر ، ونظائر هذا متعددة .
وكذلك سمى صفاته بأسماء ، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال :
(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَاشَآءَ) (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ
هُوَ الَّزَّقُ ذُوَالْقُوَّةِ الْمَتِّينُ) وقال: (أَوَلَمْيَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَقَهُمْ هُوَأَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ).
وسمى صفة المخلوق علماً وقوة، فقال: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) وقال :
(وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلَّمٍ عَلِيمٌ) وقال: (فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) وقال: (اللّهُالَّذِى
١٢

خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ ثُمَّجَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَبَةً )
وقال: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) وقال: (وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ) أى بقوة، وقال:
( وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَذَا الْأَيْدِ ) أى ذا القوة وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة.
ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ( لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ
يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال: (إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَنْ
شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ).
وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة ، فقال: (تُرِيدُونَ عَرَضَ
اُلُّنْيَا وَالَهُيُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: (فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُونَهُ) وقال: (قُلْ إِنَ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا ، فقال: (رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوْعَنْهُ ) ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل
إرادته ، ولا محبته مثل محبته ، ولا رضاه مثل رضاه.
وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت ، فقال: (إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُ وْيُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اُللَّهِ أَكْبِرُ مِن مَّقَّتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى
اَلْإِيمَنِ فَتَكْفُرُونَ ) وليس المقت مثل المقت.
١٣

وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد ، كما وصف عبده بذلك ، فقال :
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) وقال: ( إِنَهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًاً ) وليس المكر
کالمکر، ولا الکید کالکید.
ووصف نفسه بالعمل، فقال: ( أَوْلَمْيَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمًّا
فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ) ووصف عبده بالعمل فقال ( جَزَاءُ بِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ ) وليس
العمل كالعمل .
ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة ، فقال: (وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلْطُّورِاَ لْأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَهُ نَجِيَّا) وقال: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) وقال: (وَنَادَنهُمَارَتُهُمَآ) ووصف عباده
بالمناداة والمناجاة، فقال: ( إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ) وقال: ( إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ) وقال: (إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَ مَّنَجَوْ بِاَلْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ ). وليس المناداة ولا المناجاة كالمناجاة والمناداة .
ووصف نفسه بالتكليم فى قوله: (وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقوله: (وَلَمَّا
جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) وقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن
كَلَّمَ اللَّهُ) ووصف عبده بالتكليم فى قوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ أَتْنُونِ بِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ فَلَمَا
كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ) وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبيئة،
ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ( وَإِذْأَسَرَّالنَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِحَدِينًا فَلَمَّانَبَّأَتْبِهِ
، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ, وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَمَّا نَتَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَّأَنِىَ
اٌلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) وليس الإنباء كالإنباء .
١٤

ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم ، فقال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ
اُلْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وقال: (تُعَلِّمُونَهُنَّ مَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)
وقال: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ،
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ) وليس التعليم كالتعليم .
وهكذا وصف نفسه بالغضب فقال: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ) ووصف
عبده بالغضب فى قوله: ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا ) وليس
الغضب كالغضب .
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه ، فذكر ذلك فى سبعة مواضع من
كتابه ، أنه استوى على العرش ، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره فى
مثل قوله: ( لِتَسْتَوُر ◌ْ عَلَى ظُهُورِهِ ) وقوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)
وقوله: ( وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: (وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةً غُلَّتْ آَيْدِهِمْ
ج
وَلُعِنُواْ بِمَاقَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنِفِقُّ كَيْفَ يَشَآءُ ).
ووصف بعض خلقه ببسط اليد فى قوله : ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ
وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) وليس اليد كاليد ، ولا البسط كالبسط ؛ وإذا كان المراد
بالبسط الإعطاء والجود: فليس اعطاء الله كإعطاء خلقه، ولاجوده جودهم،
ونظائر هذا كثيرة .
١٥

فلا بد من إثبات ما أثبته اللّه لنفسه ، ونفى مماثلته بخلقه .
فمن قال : ليس لله علم، ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى
ولا نادى ، ولا ناجى ، ولا استوى: كان معطلا جاحداً ، ممثلا لله بالمعدومات
والجمادات .
ومن قال له علم كعلى، أو قوة كقوتى، أو حب كى ، أو رضا كرضاى
أو یدان کیدای أو استواء کاستوائی کان مشبهاً مثلا له بالحيوانات ؛ بل لا بدمن
إثبات بلا تمثیل ، وتنزيه بلا تعطيل .
ويتبين هذا ( بأصلين ) شريفين .
(ومثلين) مضروبين - ولله المثل الأعلى -.
و (بخاتمة جامعة)
١٦

٠
فصل
فأما الأصلان: فأحدهما أن يقال : ( القول فى بعض الصفات كالقول فى
فى بعض) فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن اللّه حى بحياة ، عليم بعلم ، قدير
بقدرة ، سميع بسمع ، بصير بيصر متكلم بكلام ، مريد بإرادة ، ويجعل
ذلك كله حقيقة ، وينازع فى محبته ورضاه ، وغضبه وكراهته ، فيجعل ذلك
مجازاً ، ويفسره إما بالإرادة ، وإما ببعض المخلوقات ، من النعم
والعقوبات .
فيقال له : لا فرق بين ما نفيته ، وبين ما أثبته ، بل القول فى أحدهما
كالقول فى الآخر ؛ فإن قلت : إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته
ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل .
وإن قلت: إن له إرادة تليق به ؛ كما أن للمخلوق إرادة تليق به . قيل لك:
وكذلك له محبة تليق به ، وللمخلوق محبة تليق به ، وله رضا وغضب يليق به،
وللمخلوق رضا وغضب يليق به .
وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، فيقال له: والإرادة
١٧

ميل النفس إلى جلب منفعة ، أو دفع مضرة ، فإن قلت : هذه إرادة المخلوق
قيل لك : وهذا غضب المخلوق .
وكذلك يلزم القول فى كلامه وسمعه وبصره وعله وقدرته ؛ إن نفى عنه
الغضب ، والمحبة ، والرضا ، ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين ؛ فهذا
منتف عن السمع والبصر ، والكلام وجميع الصفات.
وإن قال : إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين ؛ فيجب نفيه عنه .
قيل له: وهكذا السمع، والبصر ، والكلام ، والعلم ، والقدرة.
فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له: فما نفاه كما يقوله هو
لمنازعه فیما أثبته .
فإذا قال المعتزلى: ليس له إرادة ، ولا كلام قائم به ؛لأن هذه الصفات لا تقوم
إلا بالمخلوقات ، فإنه يبين للمعتز لى أن هذه الصفات يتصف بها القديم ، ولا
تكون كصفات المحدثات ، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة
والرضا ونحو ذلك.
فإن قال : تلك الصفات أثبتها بالعقل ، لأن الفعل الحادث دل على القدرة ،
والتخصيص دل على الإرادة ، والإحكام دل على العلم ، وهذه الصفات
مستلزمة للحياة ، والحى لا يخلو عن السمع ، والبصر ، والكلام ،
أو ضد ذلك .
١٨

قال له سائر أهل الإثبات : لك جوابان :-
أحدهما أن يقال : عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين ، فهب
أن ما سلكت من الدليل العقلى لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه .
وليس لك أن تنفيه بغير دليل ، لأن النافى عليه الدليل كما على المثبت ،
والسمع قد دل عليه ، ولم يعارض ذلك معارض عقلى ولا سمعى ، فيجب
إثبات ما أثبته الدليل ، السالم عن المعارض المقاوم.
الثانى أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك
من العقليات .
فيقال نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة ، كدلالة التخصيص
على المشيئة ، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم ، وعقاب الكافرين يدل على
بغضهم ، كما قد ثبت بالشهادة والخبر : من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ،
والغايات المحمودة فى مفعولاته ومأموراته - وهى ما تنتهى إليه مفعولاته
ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة ؛ كما يدل التخصيص
على المشيئة، وأولى: لقوة العلة الغائية ؛ ولهذا كان ما فى القرآن من بيان
ما فى مخلوقاته من النعم والحكم: أعظم ما فى القرآن من بيان ما فيها من الدلالة
على محض المشيئة .
١٩

وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء، كالمعتزلى الذى يقول:
إنه حى عليم قدير ، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء ، وإثبات الصفات ، فإنك إن قلت :
إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضى تشبيهاً أو تجسيماً ، لأنما لا نجد فى الشاهد
متصفا بالصفات إلا ما هو جسم ، قيل لك : ولا تجد فى الشاهد ما هو مسمى
حى عليم قدير إلا ما هو جسم ، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده
فى الشاهد إلا للجسم فانف الأسماء ، بل وكل شىء لأنك لا تجده فى الشاهد
إلا للجسم .
فكل ما يحتج به من نفى الصفات يحتج به نافى الأسماء الحسنى ، فما كان جواباً
لذلك كان جوابا لمثبتى الصفات.
وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال لا أقول : هو
موجود، ولاحی، ولا علیم، ولا قدیر؛ بل هذه الأسماء مخلوقاته ، إذ هی مجاز ،
لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحى العليم.
قيل له: وكذلك إذا قلت : ليس بموجود ، ولا حى، ولا عليم ، ولا
قدير : كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات ، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فإن قال : أنا أنفى النفي والإثبات. قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه
النقيضان من الممتعات ، فإنه يمتنع أن يكون الشىء موجوداً معدوماً ،
٢٠