Indexed OCR Text

Pages 481-500

ورسوله: كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح بن مريم ، فمن قال
بالحلول والاتحاد فى غير المسيح - كما تقوله الغالية فى على، وكما تقوله الحلاجية
فى الحلاج ، والحاكمية فى الحاكم، وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول
النصارى لأن المسيح بن مريم أفضل من هؤلاء كلهم .
وهولاء من جنس أتباع الدجال ، الذى يدعى الإلهية ليتبع ، مع أن
الدجال يقول للسماء أمطرى فتمطر ، وللأرض أنتى فتنبت، وللخربة أخرجى
كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة ، ويقتل رجلا مؤمناً ثم يأمر به
فيقوم ، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال ، فمن ادعى الإلهية بدون
هذه الخوارق : كان دون هذا الدجال .
والحلاج: كانت له مخاريق وأنواع من السحر ، وله كتب منسوبة إليه
فى السحر .
وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول اللّه فى البشر، واتحاده
به ، وإن البشر يكون إلهاً، وهذا من الآلهة : فهو كافر مباح الدم ، وعلى هذا
قتل الحلاج .
ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج ، وإن الكلام المسموع من
الحلاج كان كلام اللّه، وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله فهو كافر باتفاق
المسلمين؛ فإن الله لا يحل فى البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل
الرسل بكلامه ، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم
٤٨١

بقوله ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((أما إن اللّه قال على لسان نبيه سمع الله
لمن حمده » .
فإن كل واحد من المرسل والرسول: قد يقال إنه يقول على لسان الآخر
كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذى : قل على لسانى ما شئت، وكما يقال:
هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت ، فمثل هذا معناه مفهوم.
وأما أن الله هو المتكلم على البشر كما يتكلم الجنى على لسان المصروع: فهذا
كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه
القلم ، لكونه مصطلبا فى حال من أحوال الفنا والسكر ، فهذا تكلم به فى حال
رفع عنه فيهما القلم ، فالقول وإن كان باطلا لكن القائل غير مؤاخذ .
ومثل هذا يعرض لمن استولى [عليه] سلطان الحب مع ضعف العقل ،
كما يقال: إن محبوباً ألقى نفسه فى اليم فألقى المحب نفسه خلفه ، فقال: أنا وقعت
فلم وقعت خلفى؟ قال : غبت بك عنى فظننت أنك أنى.
وقد ينتهى بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذ كوره
عن ذكره وبمعروفه عن معرفته .
فإذا ذهب تميز هذا وصار غائب العقل - بحيث يرفع عنه القلم - لم يكن
معاقباً على ما تكلم به فى هذه الحال ، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال
ناقص ؛ لا يكون لأولياء الله.
٤٨٢

وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله ، مثل كتابة دمه
على الأرض: الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك: فكله كذب.
فقد جمع المسلمون أخبار الحلاج فى مواضع كثيرة ، کما ذکر ثابت بن سنان
فى أخبار الخلفاء - وقد شهد مقتله - وكما ذكر - إسماعيل بن على الحطفى
فى تاريخ بغداد - وقد شهد قتله - وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب فى تاريخه
وكما ذكر القاضى أبو يعلى فى المعتمد ، وكما ذكر القاضى أبو بكر بن الطيب،
وأبو محمد بن حزم وغيرهم ، وكما ذكر أبو يوسف القزوينى وأبو الفرج بن
الجوزى ؛ فيما جمعا من أخباره.
وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلى فى طبقات الصوفية : أن أكثر
المشايخ أخرجوه عن الطريق ، ولم يذكره أبو القاسم القشيرى فى رسالته من
المشايخ؛ الذين عدهم من مشايخ الطريق . وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر
الحلاج بخير ، لا من العلماء ولا من المشايخ ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛
لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله فى الظاهر
فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضاً خطأ .
وقول القائل : إنه قتل ظلماً قول باطل ، فإن وجوب قتله على ما أظهره
من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين ؛ لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن
الإلحاد إلى أصحابه : صار زنديقاً ، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة ، والفقهاء
متنازعون فى قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها ، وهو مذهب مالك وأهل
٤٨٣

المدينة ، ومذهب أحمد فى أشهر الروايتين عنه ، وهو أحد القولين فى مذهب
أبى حنيفة ، ووجه فى مذهب الشافعى؛ والقول الآخر تقبل توبته .
وقد اتفقوا على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال قتل ظلماً .
وأما قول القائل : إن الحلاج من أولياء الله. فالمتكلم بهذا جاهل
قطعاً ، متكلم بما لا يعلم ، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد .
فإن ولى الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضى عنه، والشهادة بهذا
لغير من شهد له النبى صلى الله عليه وسلم بالجنة: لا تجوز عند كثير من العلماء
أو أكثرهم.
وذهبت طائفة من السلف ، كابن الحنفية ، وعلى بن المدينى : إلى أنه
لا يشهد بذلك لغير النبى صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل من استفاض
فى المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه
بجنازة فأثنوا خيراً، فقال: ((وجبت وجبت)، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها
شراً فقال: ((وجبت وجبت)) قال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت وجبت
لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله
فى الأرض» .
فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولى الله فى الباطن إما بنص وإما
بشهادة الأمة - فالخلاج: ليس من هؤلاء؛ جمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من
٤٨٤

أهل الإلحاد - إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولى الله ، ونحو
ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح.
فهذا الذى أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه:
أحدها : أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلماً
وكان ولياً لله، فقد قتل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ، وغيلان القدرى،
ومحمد بن سعيد المصلوب ، وبشار بن برد الأعمى ، والسهروردى ، وأمثال
هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين فى هؤلاء إنهم قتلوا ظلماً ، وإنهم كانوا
من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء.
وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم
الكفار، وعثمان، وعلى ، والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة ، لم يقتلوا بحكم
الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين ، كمالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد
وغيرهم . فإن الأئمة متفقون على تحريم دماء هؤلاء، وهم متفقون على دم
الحلاج وأمثاله .
الوجه الثانى : أن الاطلاع على أولياء الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق
الولاية ، وهو الإيمان والتقوى .
ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد - كأهل الحلول
والاتحاد - فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة ، لم يكن عارفاً بالإيمان
٤٨٥

والتقوى ، فلا يكون عارفاً بطريق أولياء الله؛ فلا يجوز أن يميز بين
أولياء الله وغيرهم.
الثالث : أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته ، فيكون من
جنسه ، فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه ، كشهادة اليهود والنصارى والرافضة
لأنفسهم على أنهم على الحق ، وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه
مردودة، فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع
أنهم أهل ضلال؟.
الرابع : أن يقال : أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله
أو لم يتب : فهذا غيب يعلمه الله منه، وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند
الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان
وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذراً فى رفع القلم ، وكذلك الشبهة التى
ترفع معها قيام الحجة : قد تكون عذراً فى الظاهر.
فهذا لو فرض : لم يجز أن يقال قتل ظلماً ، ولا يقال إنه موافق له على
اعتقاده ، ولا يشهد بما لا يعلم: فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك وغاية المسلم
المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الاصطلام والشبهة . وأما أن يوافقه على
ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد ، وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو
مارق من دين الإسلام.
٤٨٦

ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذى أمرنا به ، ونعرف طريق الله
الذى أمرنا به ، وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل ، وأنه يجب قتل
مثله ، وأما نفس الشخص المعين ؟ هل كان فى الباطن له أمر يغفر الله له به
من توبة أو غيرها ؟ فهذا أمر إلى اللّه، ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة
ذلك والله أعلم.
٤٨٧

سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام
أبو العباس بن تيمية رضى الله عنه:
عمن يقول : إن ما ثم إلا الله. فقال شخص كل من قال هذا الكلام
فقد كفر .
فأجاب رضي الله عنه:
الحمد لله. قول القائل ما ثم إلا اللّه: لفظ محمل، يحتمل معنى صحيحاً ومعنى
باطلا ، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين
ويرزق العباد إلا الله - فهو الذى يعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل
وهو الذى يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ، ويستعاذ به ويلتجىء العباد
إليه ؛ فإنه لا ما نع لما أعطى ولا معطى لما منع ، ولا ينفع ذا الجد منه الجد ،
كما قال تعالى فى فاتحة الكتاب: ( إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وقال
تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقال: (قُلْ هُوَرَبِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ مَنَّابٍ ) .
فهذه المعانى كلها صحيحة، وهى من صريح التوحيد ، وبها جاء القرآن ،
٤٨٨

فالعباد لا ينبغى لهم أن يخافوا إلا الله، كما قال تعالى: ( فَلَا تَخْشَوُاْ
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنًا وَقَالُواْحَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسُّمْ سُوءٌ) إلى قوله: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَ هُ فَلَا
تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ) .
وكذلك لا ينبغى أن يرجى إلا الله، قال الله تعالى: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُلِلنَّاسِ
مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ) وقال تعالى:
( قُلْ أَفَرَءَ يْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِإِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِِّ أَوْأَرَادَنِ
بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَنَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ).
ولا ينبغى لهم أن يتوكلوا إلا على اللّه، كما قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ
اُلْمُتَوَكِّلُونَ ) .
ولا ينبغى لهم أن يعبدوا إلا الله، كما قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوَإِلَّا لِيَعْبُدُ وا الله
مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ).
ولا يدعوا إلا اللّه، كما قال تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ
أَحَدًا) وقال تعالى: ( فَلَنَدْعُ مَعَ الَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) سواء
كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة .
٤٨٩

وأما إن أراد القائل: (( ما ثم إلا الله)) ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ما ثم
موجود إلا اللّه، ويقولون: ليس إلا الله أى ليس موجود إلا الله، ويقولون:
إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق ، والخالق هو المخلوق ، والمخلوق هو
الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من معانى الاتحادية ،
الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد ،
ونحو ذلك من المعانى ، التى توجد فى كلام ابن عربى الطائى ، وابن سبعين ،
وابن الفارض ، والتلسانى، ونحوهم من الاتحادية .
وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية، الذين يقولون: إن اللّه بذاته
فى كل مكان ، ويجعلونه مختلطاً بالمخلوقات ، حتى إن هؤلاء يجعلونه فى الكلاب
والخنازير والنجاسات ، أو يجعلون وجود ذلك وجوده ، فمن أراد هذه المعانى
فهو ملحد ضال ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، والله سبحانه
وتعالى أعلم .
٤٩٠

سئل شيخ الإسلام رحمه اللّه :-
عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر )) فهل
هذا موافق لما يقوله الاتحادية: بينوا لنا ذلك؟.
فأجاب :-
الحمد لله. قوله لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر: مروى بألفاظ أخر،
كقوله: ((يقول الله: يؤذينى ابن آدم. يسب الدهر وأنا الدهر بيدى الأمر،
أقلب الليل والنهار)) وفى لفظ: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر ، يقلب
الليل والنهار)) وفى لفظ: ((يقول ابن آدم ياخيبة الدهر، وأنا الدهر)).
فقوله فى الحديث (( بيدى الأمر أقلب الليل والنهار، يبين أنه ليس المراد
به أنه الزمان ، فإنه قد أخبر أنه یقلب الليل والنهار ، والزمان هو الليل والنهار؛
فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه ، كما دل عليه قوله تعالى:
(أَلَوْتَنَّاللَّهَ يُزْجِى سَحَابَاتُمَ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَبُنَزِّلُ
مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَ مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ ◌ِهِمَعَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَابَرْقِ يَذْهَبُ
بِلْأَبْصَرِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةَ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ ).
وإزجاء السحاب سوقه. والودق المطر.
٤٩١

فقد بين سبحانه خلقه للمطر ، وإنزاله على الأرض ، فإنه سبب الحياة
فى الأرض، فإنه سبحانه جعل من الماء كل شىء حى، ثم قال: ( يُقَلِّبُ اللَّهُ
اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ) إذ تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذى
هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن ، وذلك سبب تحويل الناس من حال
إلى حال ، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين .
وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان فى غير موضع، كقوله: ( وَجَعَلَالظُّلْمَتِ
وَالنُّوَرَ ) وقوله: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ)
وقوله: ( وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَّكَّرَ أَوْأَرَادَ شُكُورًا )
وقوله: ( إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَاتٍ لِأُوْلِ
اُلْأَلْبَبِ ). وغير ذلك من النصوص التى تبين أنه خالق الزمان .
ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة. والحركةمقدارها
من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة والسكون والسواد والبياض.
ولا يقول عاقل إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات، المفتقرة
إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها ، بل هى مفتقرة إلى محل
تقوم به ، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى
ما به فى نفسه من غيره ، فكيف يكون هو الخالق؟.
ثم أن يستغنى بنفسه ، وأن يحتاج إليه ما سواه ، وهذه صفة الخالق
سبحانه ، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول .
٤٩٢

وأهل الإلحاد - القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد - لا يقولون إنه
هو الزمان ، ولا إنه من جنس الأعراض والصفات ؛ بل يقولون هو مجموع
العالم ، أو حال فى مجموع العالم.
فليس فى الحديث شبهة لهم ، لو لم يكن قد بين فيه أنه - سبحانه - مقلب
الليل والنهار ، فكيف وفى نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار.
إذا تبين هذا : فللناس فى الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم.
أحدهما: وهو قول أبى عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام
فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ، ومن أشبههم ؛ فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو
منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان ، يقول أحدهم قبح الله الدهر
الذى شتت شملنا ، ولعن الله الزمان الذى جرى فيه كذا وكذا .
وكثيرا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا ، كقولهم: يا دهر
فعلت كذا . وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر ،
فيقع السب على اللّه تعالى؛ لأنه هو الذى فعل تلك الأمور وأحدثها، والدهر
مخلوق له ، هو الذى يقلبه ويصرفه .
والتقدير: أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها ؛ فإذا سب
الدهر فمقصوده سب الفاعل ، وإن أضاف الفعل إلى الدهر ، فالدهر لا فعل
له ؛ وإنما الفاعل هو الله وحده.
٤٩٣

وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق ، جعل يقول : لعن
الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبى صلى الله عليه وسلم
وفتياه فيقع السب عليه ، وإن كان الساب - لجهله - أضاف الأمر إلى
المبلغ فى الحقيقة ، والمبلغ له فعل من التبليغ ، بخلاف الزمان فإن اللّه
يقلبه و يصرفه .
والقول الثانى : قول نعيم بن حماد ، وطائفة معه من أهل الحديث
والصوفية: إن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه القديم الأزلى.
ورووا فى بعض الأدعية: يا دهر ! يا ديهور! يا ديهار! وهذا المعنى صحيح؛
لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شىء، وهو الآخر ليس بعده شىء ؛ فهذا
المعنى صحيح إنما النزاع فى كونه يسمى دهراً بكل حال .
فقد أجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله سبحانه وتعالى
ليس هو الدهر الذى هو الزمان ، أو ما يجرى مجرى الزمان ؛ فإن الناس
متفقون على أن الزمان الذى هو الليل والنهار .
وكذلك ما يجرى مجرى ذلك فى الجنة، كما قال تعالى: (وَلَمْ رِزْقُهُمْفِيهَا
بَكْرَةٌ وَعَشِيًا ). قالوا على مقدار البكرة والعشى فى الدنيا ؛ و[ فى ] الآخرة يوم
الجمعة يوم المزيد ، والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ؛ ولكن تعرف الأوقات
بأنوار أخر ، قد روى أنها تظهر من تحت العرش ، فالزمان هنالك مقدار
الحركة التى بها تظهر تلك الأنوار.
٤٩٤

وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر ؟ هذا ما تنازع فيه
الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون ، كما أثبتوا الكليات المجردة
فى الخارج، التى تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المطلقة؛ وأثبتوا الهيولى التى
هى مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه .
وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم : فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له
فى الخارج، وإنما هى أمور يقدرها الذهن ويفرضها ، فيظن الغالطون أن هذا
الثابت فى الأذهان هو بعينه ثابت فى الخارج عن الأذهان، كما ظنوا مثل ذلك فى
الوجود المطلق ، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده فى الذهن؛ وليس
فى الخارج إلا شىء معين وهى الأعيان ، وما يقوم بها من الصفات ، فلا مكان
إلا الجسم أو ما يقوم به ، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن
الصور ؛ بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذى يقوم به الأعراض ، ولا
صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم ، أو ما هو جسم يقوم به العرض وهذا
وأمثاله مبسوط فى غير هذا الموضع.
وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار والله أعلم؟.
تم الموجود الآن من كتاب توحيد الربوبية ويليه كتاب محمل اعتقاد السلف
٤٩٥

-

فهرس المجلد الثاني
الموضوع
الصفحة
١ - ١٤ قال: قاعدة أولية .
١-٣ أصل العلم الإلهى ومبدؤه ودليله الأول عند الرسول والذين آمنوا،
معرفة الله أول فرض ، بأى شىء يعرف.
٣، ٤ قرر سبحانه الحجة فى القرآن ببعث الرسل.
أئمّة المصنفين فى العلم يبتدئون بأصل العلم والإيمان ، وهو نزول الوحى
٤
والإقرار به ثم بمعرفة ما جاء به .
٤، ٥ ذكر هدى الخلق بالرسالة كثير فى القرآن وكذلك حصول الهداية
للمؤمنين .
٥، ٦ جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان وأهل النار هم أهل الكفر ، ربط
السعادة بالإيمان مع إصلاح العمل، إحباط العمل بزوال الإيمان.
الإقرار بالصانع فطرى .
٦
١٤،١٣،٧،٦ المقصود بالدعوة النبوية حصول العبادة من الخلق .
٧ - ١٤ طريقة القرآن جاءت فى أصول الدين وفروعه بأ كمل المناهج كما فى آية:
( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمْ).
٤٩٧

الصفحة
الموضوع
٧ - ١٤ المتكلم يستحسن تقرير الربوبية أولا ثم الرسالة فى الآية، ويظن أنه
قد وافق طريقة القرآن فى نظره فى القضايا العقليات ، وقد أخطأ من
وجوه ، الأول ..
أصول دين المتكلمين ، والقضايا التى يسمونها عقليات.
٧
١١
أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ ).
)
الوجه الثانى .
١٢
١٥-٢٤ وقال: ((فصل)) فى تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل بيان أصل العلم
والإيمان .
الفرق بين المنهاج النبوى والمنهاج الصابتى وما تفرع عنه من المنهاج
١٥
الكلامى والعبادى .
أصل علم الأنبياء وعملهم ، أصل العلم الإلهى فطرى ضرورى.
١٥
١٧-٢٠ هل يسمى اللّه دليلا، هو الدليل على نفسه.
٢٠-٢٣ طرق الفلاسفة والمتكلمين وأصولهم التى يفرعون عليها وأدلتهم وما
فيها من الفساد: فى الوسائل والمقاصد.
٢٣-٢٤ أول ما يبتدئ به المصنفون فى الفلسفة والكلام وأول دعوة الرسل.
٢٥-٣٨ وقال: ((فصل)) قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة فى
قيام الممكنات بالواجب القديم .
٢٥-٢٧ قيام الممكنات بالواجب حق إذا فسر ذلك ..
٢٥، ٣٢ تفسير: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) بهذا تفسير محدث.
٤٩٨

الصفحة
الموضوع
٢٥، ٢٦ تفسير الحلولية والاتحادية لهذه الآية.
٢٧، ٢٨ ما يجوز أن يفسر به القرآن وما لا يجوز.
ما أثر عن السلف والمفسرين فى هذه الآية .
٢٨
٣٢-٣٩ وقال: ((فصل، ثم يقال هذا أيضا يقتضى ...
٣٢-٣٨ الفرق بين الممكن والواجب.
٣٤، ٣٥ وجوب الوجود والاستقلال بالفعل والتنزه عن الشريك من خصائص
رب العالمين .
٣٦، ٣٧ من دلائل توحيد الربوبية وإمكان المخلوقات.
٣٧، ٣٨ هذه المعانى تدل على توحيد الإلهية ، المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة
المقاييس على توحيد الربوبية مع أنه لم ینازع فى أصله أحد.
٣٩-٥٤ وقال: ((قاعدة)» أصل الإثبات والنفى والحب والبغض هو شعور النفس.
النفس إذا شعرت بثبوت ذات شىء أو صفاته اعتقدت ثبوته والعكس
٣٩
بالعكس.
لما كان فى نفس الأمر وجود مألوه كان أصل السعادة الإيمان بذلك.
٤٠
٤٠، ٤١ الإيمان هو قول القلب وعمله.
انقسمت الأمة فى تحقيق معنى الإيمان إلى ثلاث فرق.
٤١
أمر الله نبيه أن يدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم
٤٢
بالتی هی أحسن.
٤٢-٤٨ هذه الطرق الثلاثة تشبه البرهان والخطابة والجدل من بعض الوجوه.
٤٩٩

الصفحة
الموضوع
٤٢، ٤٣ تفسير (هَلْ أُنِيِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ).
تلك الطرق الثلاثة أكمل لوجوه أحدها ...
٤٤
الثانى ، الثالث .
٤٥
٤٤-٤٩ تقسم المنطقيين لمقدمات القياس إلى مستيقن ومشهور ومسلم : ليس
وصفا لازما .
٤٩-٥٣ يوضح ذلك أنه أضاف القرآن إلى الملك تارة وإلى محمد تارة: دليل
على أنه إضافة بلاغ لا إنشاء.
٤٩-٥٣ تفسير آيات .
يؤمر المحدث بأن يعرض ذلك على النبوة .
٥٣
٥٤-٩٤ وقال: ((فصل، ثم إن المنحر فين المشابهين للصابئة.
المنحرفون من أهل المنطق والكلام والتصوف سلكوا فى العلم الإلهى
٥٤
طريقين طريقة النظر والقياس وطريقة الوجد والعمل.
٥٤-٥٧ ذكر أبو حامد طرق الناس واختار منها التصوف.
٥٧، ٥٨ جهل المنحرفين بما سوى طريقتهم وغلبة عالم التوهم عليهم.
٥٨، ٥٩ طوائف أخرى تشبه تلك الطوائف وتضاهى .. الخ.
٥٩-٩٣ كل من طريق النظر والتجرد فيه منفعة لكن أولئك قصروا .. الخ
وبسط ذلك ....
القرآن يدعو إلى النظر والزهد والعبادة ويذكر صلاح القوة النظرية
٥٩
والإرادية ، النظر النافع ...
٥٠٠