Indexed OCR Text

Pages 261-280

وقال تعالى: ( إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَكِفِينَ )
إلى قوله: (قَالُوْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْءَ الِهَتَكُمْإِن كُنتُمْ فَعِينَ).
فهذا الخليل الذى جعله الله إمام الأئمة ، الذين يهتدون بأمره، من الأنبياء
والمرسلين بعده ، وسائر المؤمنين قال : (إِنَّ بَرِىٌّمِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِ وَجَّهْتُ
وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ).
وعند الملاحدة الذى أشركوه : هو عين الحق ليس غيره ، فكيف يتبرأ
من الله الذى وجه وجهه إليه؟ وأحد الأمرين لا زم على أصلهم؛ إما أن يعبده
فى كل شىء من المظاهر بدون تقييد ولا اختصاص - وهو حال المكمل عنده -
فلا يتبرأ من شىء؛ وإما أن يعبده فى بعض المظاهر ، كفعل الناقصين عندهم .
وأما التبرىء من بعض الموجودات فقد قال : إن قوم نوح لو تركوم
لتركوا من الحق بقدر ما تركوا من تلك الأوثان، والرسل قد تبرأت من
الأوثان ، فقد تركت الرسل من الحق شيئاً كثيراً، وتبرأوا من اللّه الذى
دعوا الخلق إليه، والمشركون - على زعمهم - أحسن حالا من المرسلين ،
لأن المشركين عبدوه فى بعض المظاهر، ولم يتبر أوا من سائرها ، والرسل
تبرأوا منه فى عامة المظاهر .
ثم قول إبراهيم: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ)
باطل على أصلهم ، فإنه لم يفطرها ، إذ هى ليست غيره ، فما أجدرهم بقوله :
(أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّاغُوتِ) الآية.
٢٦١

ثم قول الخليل: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُم
بِاللَّهِ ) الآية. وهذه حجة الله التى آتاها إبراهيم على قومه بقو له: كيف أخاف
ما عبد تموه من دون الله؟ وهى المخلوقات المعبودة من دونه ، وعندهم ليست
معبودة من دونه ، ومن لم يخفها فلم يخف اللّه ، فالرسل لم يخافوا الله.
وقول الخليل: ( أَنَّكُمْأَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْهِكُمْ سُلْطَانًا) لم يصح عندهم ،
فإنهم لم يشركوا بالله شيئا، إذليس ثم غيره حتى يشركوه به ، بل المعبود الذى
عبدوه هو الله، وأكثر ما فعلوه : إنهم عبدوه فى بعض المظاهر ، وليس فى
هذا أنهم جعلوا غيره شريكا له فى العبادة .
وقوله : ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْءٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ ) وورد فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية
شق ذلك على أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح (لَاأُشْرِك ◌ِلّهِإِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ؟)، فقد أخبر الله ورسوله أن الشرك ظلم عظيم، وأن
الأمن هو لمن آمن بالله ، ولم يخلط إيمانه بشرك ، وعلى زعم هؤلاء الملاحدة:
فإيمان الذين خلطوا إيمانهم بشرك: هو الإيمان الكامل التام ، وهو إيمان المحقق
العارف عندهم ، لأن من آمن بالله فى جميع مظاهره وعبده فى كل موجود :
هو أكمل ممن لم يؤمن به حيث لم يظهر ، ولم يعبده إلا من حيث لا يشهد
ولا يعرف ، وعندهم لا يتصور أن يوجد إلا فى المخلوق ، فمن لم يعبده فى شىء
٢٦٢

من المخلوقات أصلا ، فما عبده فى الحقيقة أصلا ، وإذا أطلقوا أنه عبده فهو
لفظ لا معنى له ، أى إذا فسروه بالتخصيص فيكون بالتخصيص بمعنى أنه
خصص بعض المظاهر بالعبادة ، وهذا عندهم نقص لا من جهة ما أشركه
وعبده، وإنما هو من جهة ما تركه ، فليس عندهم فى الشرك ظلم ولا نقص إلا من
جهة فَّته ، وإلا فإذا كان الشرك عاما كان أكمل وأفضل .
وكذلك أيضا قول الخليل لقومه: ( إِنَّابُرَءَّ وَأْمِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)
تبرأ عندهم من الحق الذى ظهر فيهم وفى آلهتهم ، وكذلك كفره به ومعاداته
لهم كفر بالحق عندهم ومعاداة له .
ثم قوله: (حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِلَهِ وَحْدَهُ) كلام لا معنى له عندهم ، فإنهم كانوا
مؤمنين بالله وحده، إذ لا يتصور عندهم غيره، وإنما غايتهم إنهم عبدوه
فی بعض المظاهر ، وتر کوا بعضها من غیر کفر بهفيها .
وكذلك سائر ما قصه عن إبراهيم من معاداته لما عبده أولئك هو عندهم
معاداة لله لأنه ما عبد غير اللّه كما زعم الملحدون محتجين بقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّاتَعْبُدُ وَأِلَّا إِنَّهُ ) قالوا: وما قضى الله شيئا إلا وقع.
وهذا هو الإلحاد فى آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه ، والكذب
على الله، فإن ((قضى)) هنا ليست بمعنى القدر، والتكوين بإجماع المسلمين،
بل ويإجماع العقلاء، حتى يقال: ما قدر اللّه شيئا إلا وقع، وإنما هى بمعنى
أمر ، وما أمر الله به فقد يكون وقد لا يكون؛ فتدبر هذا التحريف.
٢٦٣

وكذلك قوله ما حكم اللّه بشىء إلا وقع كلام مجمل؛ فإن الحكم يكون بمعنى
الأمر الدينى، وهو الأحكام الشرعية، كقوله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ) الآية. وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا)
وقوله: ( ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُبََّكُمْ) ويكون الحكم حكما بالحق والتكوين والفعل
كقوله: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُلِ) وقوله: (قَلَ رَبِّ
احْكُ بِالْحَقّ ).
ولهذا كان بعض السلف يقرءون (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه )
ذكره ثعلب عن ابن عباس ، وذكروا أنها كذلك فى بعض المصاحف ، ولهذا
قال فى سياق الكلام: ( وَبِأَلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا) الآية وساق أمره ، ووصاياه ،
إلى أن قال: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْ حَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَا ءَ آخَرَ فَتُلْقَى فِى
جَهَنََّ مَلُومَّا مَّدْ حُورًا ).
فتم الكلام بمثل ما فتحه به ، من أمره بالتوحيد ، ونهيه عن الشرك ،
ليس هو إخباراً أنه ما عبد أحد إلا الله ، وأن الله قدر ذلك وكونه ، وكيف
وقد قال: ( وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ)؟ وعندهم ليس فى الوجود شىء يجعل
إلها آخر ، فأى شىء عبد فهو نفس الإله ليس آخر غيره .
ومثل معاداة إبراهيم والمؤمنين لله - على زعمهم - حيث عادى العابدين
والمعبودين ، وما عبد غير الله ، وما عبد الله غير الله ، فهو عین کل عابد وعين
كل معبود، فكذلك قوله تعالى: (لَا تَنَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ
٢٦٤

وعلى زعمهم ما لله عدو أصلا ، وأنه ما ثم غير ،
إِلَيْهِم بِالْمَوَّةِ )
ولا سوى ، بحيث يتصور أن يكون عدو نفسه، أو عدو الذوات التى
لا يظهر إلا بها.
(السادس) أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم، كما صرح به ،
حيث قال : إن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو ، فإنه ما عدم من البداية
فيدعى إلى الغاية .
وقال أيضا صاحب الفصوص: ( وَبَشْرِ الْمُخْبِتِينَ ) الذين خبت نار طبيعتهم
فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة: ( وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا ) أى حيروهم فى تعداد الواحد
بالوجوه والنسب: (وَلَانَزِدِ الظَّالِمِينَ ) لأنفسهم، المصطفين الذين أورثوا
الكتاب ، فهم أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق: ( إِلََّضَلَلًا ) أى
إلا حيرة ، وفى المحمدى زدنى فيك تحيراً.
( كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ) له فالمحير له، الدور ،
والحركة الدورية حول القطب ، فلا يبرح منه ، وصاحب الطريق المستطيل
مائل ، خارج عن المقصود ، طالب ما هو فيه ، صاحب خيال إليه غايته ،
فله ((من)) و((إلى)) وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له،
فيلزمه ((من)) ولا غاية فتحكم عليه ((إلى)) فله الوجود الأمم، وهو المؤتى جوامع
الكلم . اهـ
٢٦٥

وقال بعض شعرائهم :-
والا م ضلك لا ينى متنقلا؟
ما بال عيسك لا يقر قرارها
إلا إليك إذا بلغت المنزلا !
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن
فعندهم الإنسان هو غاية نفسه ، وهو معبود نفسه ، وليس وراءه شىء
يعبده أو يقصده ، أو يدعوه ، أو يستجيب له؛ ولهذا كان قولهم حقيقة
قول فرعون .
و کنت أقول لمن أخاطبه إن قولهم هو حقيقة قول فرعون ، حتی حدثنى
بعض من خاطبته فى ذلك من الثقات العارفين : إن بعض كبرائهم لما دعا هذا
المحدث إلى مذهبهم، وكشف له حقيقة سرهم . قال : فقلت له هذا قول فرعون؟
قال: نعم ، ونحن على قول فرعون ، فقلت له: الحمد لله الذى اعترفوا بهذا، فإنه
مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة .
وقد جعل صاحب الطريق المستطيل : صاحب خيال ، ومدح الحركة
المستديرة الحائرة ، والقرآن يأمر بالصراط المستقيم ، ويمدحه ويثنى على
أهله لا على المستدير ؛ ففي أم الكتاب: ( أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وقال :
(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ) وقال: (وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُواْ
مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًالَهَّهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا) الآيتين .
وقال تعالى فى موسى وهارون: ( وَءَانَيْنَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَهُمَا
٢٦٦

الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وقال تعالى: (وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمَا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمِ
يَذَّكَّرُونَ ) وقال عن إبليس: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنََّهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ *
ثُمَّلَا تِيَنَّهُم) الآية وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا
فَرِيقًامِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ).
وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه، فإنه قعد لهم على صراط
اللّه المستقيم ، فصدهم عنه حتى كفروا بربهم، وآمنوا أن نفوسهم
هى معبودهم وإلههم.
وقال تعالى فى حق خاتم الرسل : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيمٍ *
صِرَاطِ اللَّهِ) الآية .
وأيضاً فإن الله يقول: (وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ) وقال تعالى:
( إِنَّإِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) وقال تعالى: (إِلَى اَللَّهِ مَنْ جِعُكُمْ جَمِيعًا)
الآية وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنََّكَ كَادِعُّ إِلَى رَبِّكَ كَدْحَا فَمُلَقِيهِ ) وهؤلاء
عندهم ما ثم إلا أنت ، وأنت إلى الآن مردود إلى الله، وما زلت مردوداً
إليه ، وليس هو شىء غيرك ، حتى ترد إليه أو ترجع إليه ، أو تكدح إليه
أو تلاقيه، ولهذا حدثونا أن ابن الفارض لما احتضر أنشد بيتين :
ما قد لقيت: فقد ضيعت أيامى !
إن كان منزلتى فى الحب عندكم
واليوم أحسبها أضغاث أحلام !
أمنية ظفرت نفسى بها زمناً
٢٦٧

وذلك أنه كان يتوهم أنه هو اللّه، وأنه ما ثم مرد إليه ومرجع إليه غير
ما کان هو علیه ، فلما جاءته ملائكة الله تنزع روحه من جسمه ، وبدا له من
الله ما لم يكن يحتسب، تبين له أن ما كان عليه أضغاث أحلام من الشيطان.
وكذلك حدثنى بعض أصحابنا ، عن بعض من أعرفه وله اتصال بهؤلاء،
عن الفاجر التلمسانى : أنه وقت الموت تغير واضطرب ، قال : دخلت
عليه وقت الموت فوجدته يتأوه ، فقلت له : مم تتأوه ؟ فقال : من خوف
الفوت ، فقلت سبحان الله، ومثلك يخاف الفوت وأنت تدخل الفقير
إلى الخلوة فتوصله إلى اللّه فى ثلاثة أيام ؟ ! فقال ما معناه : زال ذلك كله وما
وجدت لذلك حقيقة ! .
( الثامن) أن عندهم من يدعى الإلهية من البشر ، كفرعون والدجال
المنتظر ، أو ادعيت فيه وهو من أولياء الله نبياً كالمسيح ، أو غير نبي كعلى،
أو ليس من أولياء الله كالحاكم بمصر وغيرهم، فإنه عند هؤلاء الملاحدة
المنافقين يصحح هذه الدعوى .
وقد صرح صاحب الفصوص بتصحيحهذه الدعوى ، کدعوى فرعون،
وهم كثيراً ما يعظمون فرعون ، فإنه لم يتقدم لهم رأس فى الكفر مثله ، ولا
يأتى متأخر لهم مثل الدجال الأعور الكذاب، وإذا نافقوا المؤمنين وأظهروا
الإيمان قالوا : إنه مات مؤمناً ، وأنه لا يدخل النار، وقالوا : ليس فى القرآن
ما يدل على دخوله النار .
٢٦٨

وأما فى حقيقة أمرهم فما زال عندهم عارفاً بالله، بل هو اللّه ، وليس
عندهم نار فيها ألم أصلا، كما سنذكره إن شاء الله عنهم؛ ولكن يتفطن بهذا
لكون البدع مظان النفاق ، كما أن السنن شعائر الإيمان.
قال صاحب الفصوص فى فص الحكمة، التى فى ((الكلمة الموسوية))، لما
تكلم على قوله: (وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ ) قال: وهنا سر كبير، فإنه أجاب بالفعل
لمن سأل عن الحد الذاتى جعل الحد الذاتى عين إضافته إلى ما ظهر به من صور
العالم ، أو ماظهرفيه من صور العالم ، فكأنه قال له فى جواب قوله : ( وَمَارَبُّ
اَلْعَلَمِينَ ) قال الذى يظهر فيه صور العالمين ، من علو وهو السماء ، وسفل وهو
الأرض ( إِنَّكُوقِنِينَ ) أو يظهر هو بها.
فلما قال فرعون لأصحابه إنه مجنون - كما قلنا فى معنى كونه مجنوناً أى
المستور عنه - على ما سألته عنه إذ لا يتصور أن يعلمه أصلا ، زاد موسى فى البيان
ليعلم فرعون رتبته فى العلم الإلهى ؛ لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك فقال: ( رَبُّ
اُلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) بجاء بما يظهر ويستر، وهو الظاهر والباطن ( وَمَابَيْنَهُمَاً)
وهو قوله: ( وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) ( إِنَ كُمْتَعْقِلُونَ ) أى إن كنتم أصحاب تقييد
فإن العقل للتقييد .
والجواب الأول : جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود ، فقال
له: ( إِنَّكُ مُوقِنِينَ ) أى أهل كشف ووجود فقد أعلتكم بما تيقنتموه فى
كشفكم ووجودكم.
٢٦٩

فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد أجبتكم بالجواب الثانى إن كنتم أهل
عقل وتقييد ، وحصر تم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم ، فظهر موسى بالوجهين
ليعلم فرعون فضله وصدقه، وعلم موسى أن فرعون علم ذلك ، أو يعلم ذلك
لكونه سأل عن الماهية ، فعلم أن سؤاله ليس على اصطلاح القدماء فى السؤال؛
فلذلك أجاب : فلو علم منه غير ذلك لخطأه فى السؤال.
فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم : خاطبه فرعون بهذا اللسان ،
والقوم لا يشعرون فقال له: ( لَيِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)
والسين فى السجن من حروف الزوائد، أى لأسترنك ، فإنك أجبت بما أيدتنى
به أن أقول مثل هذا القول ، فإن قلت لى بلسان الإشارة : فقد جهلت يافرعون
بوعيدك إياى ، والعين واحدة ، فكيف فرقت؟ فيقول فرعون: إنما فرقت
المراتب العين ؛ ما تفرقت العين ، ولا انقسمت فى ذاتها ؛ ومرتبتى الآن التحكم
فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين ، وأنا غيرك بالرتبة .
وساق الكلام إلى أن قال: ولما كان فرعون فى منصب الحكم صاحب
الوقت وأنه الخليفة بالسيف وأنه جار فى العرف الناموسى لذلك قال :
(أَنَارَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) أى وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما،فأنا الأعلى منهم ، بما
أعطيته فى الظاهر من التحكم فيكم .
·
ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لهم : لم ينكروه، وأقروا له بذلك ،
وقالوا له: ( فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَانَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا) فالدولة لك،
٢٧٠

فصح قوله: ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى ) وإن كان عين الحق: فالصورة لفرعون،
فقطع الأيدي والأرجل ، وصلب بعين حق ، فى صورة باطل ؛ لنيل
مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل ؛ فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها ؛
لأن الأعيان الثابتة اقتضتها ، فلا تظهر فى الوجود إلا بصورة ما هى
عليه فى الثبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه، وليست كلمة الله سوى أعيان
الموجودات)) .
٢٧١

فصل
ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية ، الملاحدة ، المدعون
للتحقيق والعرفان: ما يأثرونه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كان اللّه
ولا شىء معه، وهو الآن على ما عليه كان)) وهذه الزيادة وهو قوله: ((وهو
الآن على ما عليه كان ، كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق ، وليس هو فى شىء من دواوين
الحديث ، لا كبارها ولا صغارها ، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد ،
لا صحيح ولا ضعيف، ولا بإسناد مجهول ، وإنما تكلم بهذه الكلمة : بعض
متأخرى متكلمة الجهمية ، فتلقاها منهم هؤلاء ، الذين وصلوا إلى آخر التجهم
- وهو التعطيل والإلحاد - .
ولكن أولئك قد يقولون : كان اللّه ولا مكان ولا زمان، وهو الآن
على ما عليه كان، فقال هؤلاء: كان الله ولاشىء معه، وهو الآن على ماعليه كان،
وقد اعترف بأن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أعلم هؤلاء بالإسلام
ابن عربى فقال فى كتاب: ( ما لا بد للمريد منه) وكذلك، جاء فى السنة ((كان
الله ولاشىء معه)) قال: وزاد العلماء وهو الآن على ما عليه كان، فلم يرجع إليه
٢٧٢

من خلقه العالم وصف لم يكن عليه ، ولا عالم موجود ، فاعتقدْ فيه من التنزيه
مع وجود العالم ما تعتقده فيه ولا عالم ولا شىء سواه.، وهذا الذى قاله هو
قول كثير من متكلمى أهل القبلة .
ولو ثبت على هذا لكان قوله من جنس قول غيره ؛ لكنه متناقض ، ولهذا
كان مقدم الاتحادية الفاجر التلمسانى : يرد عليه فى مواضع يقرب فيها إلى
المسلمين ، كما يرد عليه المسلمون المواضع التى خرج فيها إلى الاتحاد .
وإنما الحديث المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخارى عن
عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولم يكن شىء
قبله ، وكان عرشه على الماء ، وكتب فى الذكر كل شىء ، ثم خلق السموات
والأرض» .
وهذه الزيادة الإلحادية ، وهو قولهم : وهو الآن على ما عليه كان ،
قصد بها المتكلمة المتجهمة نفى الصفات ، التى وصف بها نفسه ؛ من استوائه
على العرش ، ونزوله إلى السماء الدنيا ، وغير ذلك فقالوا : كان فى الأزل ليس
مستويا على العرش ، وهو الآن على ما عليه كان ، فلا يكون على العرش لما
يقتضى ذلك من التحول والتغير .
ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين:
( أحدهما ) أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش: بمنزلة المعية ،
٢٧٣

ويسميها ابن عقيل الأحوال ، وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين جميع
أهل الأرض ، من المسلمين وغيرهم؛ إذ لا يقتضى ذلك تغيراً ، ولا استحالة.
(والثانى) أن ذلك وإن اقتضى تحولا من حال إلى حال ، ومن شأن
إلى شأن، فهو مثل مجيئه ، وإنيانه ، ونزوله ، وتكليمه لموسى ، وإتيانه يوم
القيامة فى صورة ، ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص ، وقال به أكثر أهل
السنة والحديث ، وكثير من أهل الكلام ، وهو لازم لسائر الفرق.
وقد ذكرنا نزاع الناس فى ذلك ، فى قاعدة الفرق بين الصفات ،
والمخلوقات ، والصفات الفعلية .
وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا : وهو الآن على ما عليه كان ، ليس
معه غيره ، كما كان فى الأزل ولا شىء معه ، قالوا : إذ الكائنات ليست غيره
ولا سواه ، فليس إلا هو: فليس معه شىء آخر ، لا أزلا ولا أبدا ؛ بل هو
عين الموجودات ، ونفس الكائنات ، وجعلوا المخلوقات المصنوعات : هى
نفس الخالق البارئ المصور .
وهم دائما يهذون بهذه الكلمة: ((وهو الآن على ما عليه كان ، وهى أجل
عندهم من: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ) ومن آية الكرسى لما فيها من الدلالة على الاتحاد
الذى هو إلحادهم ، وهم يعتقدون أنها ثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وأنها
من كلامه، ومن أسرار معرفته ، وقد بينا أنها كذب مختلق على النبى صلى الله
عليه وسلم لم يقلها ؛ ولم يروها أحد من أهل العلم ، ولا هى فى شىء من دواوين
٢٧٤

الحديث ؛ بل اتفق العارفون بالحديث على أنها موضوعة ، ولا تنقل هذه الزيادة
عن إمام مشهور فى الأمة بالإمامة ، وإنما مخرجها من يعرف بنوع من التجهم،
وتعطيل بعض الصفات ، ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث ، الذى
أخرجه أصحاب الصحيح : ((كان اللّه ولا شىء معه، وكان عرشه على
الماء ، وكتب فى الذكر كل شىء)) وهذا إنما ينفى وجود المخلوقات من
السموات والأرض ، وما فيهما من الملائكة ، والإنس والجن ؛ لا ينفى
وجود العرش .
ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف : إلى أن العرش متقدم على القلم
واللوح. مستدلين بهذا الحديث، وحملوا قوله: ((أول ما خلق الله القلم فقال
له: ١ كتب. فقال: وما أكتب؟ قال أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، على
هذا الخلق المذكور فى قوله: ( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ).
وهذا نظير حديث أبى رزين العقيلى ، المشهور فى كتب المسانيد
والسنن ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أين كان ربنا
قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: ((كان فى عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم
خلق عرشه على الماء)) فالخلق المذكور فى هذا الحديث لم يدخل فيه العماء وذكر
بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور فى قوله: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى
ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) وفى ذلك آثار معروفة .
٢٧٥

والدليل على أن هذا الكلام - وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان -
كلام باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع والاعتبار وجوه :-
(أحدها ) أن الله قد أخبر بأنه مع عباده فى غير موضع من الكتاب،
عموما وخصوصاً، مثل قوله: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَّا مِ ثُمَّ
أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) إلى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنْتُمْ) وقوله: (مَايَكُونُ
مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) إلى قوله: ( أَيْنَ مَا كَانُواْ) وقوله: (إِنَّاللَّهَ مَعَ
الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) وقال: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ) فى موضعين
وقوله: ( إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (وَقَالَ اللَّهُ
إِنَّ مَعَكُمْ) (إِنَّ مَعِىَ رَبِى سَيَهْدِينٍ).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول: ((اللهم أنت الصاحب
فى السفر ، والخليفة فى الأهل ، اللهم اصحبنا فى سفرنا ، واخلفنا فى أهلنا،
فلو كان الخلق عموماً وخصوصاً ليسوا غيره ، ولا هم معه ، بل ما معه شىء
آخر: امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته ، فإن المعية توجب شيئين: كون
أحدهما مع الآخر فلما أخبر الله أنه مع هؤلاء على بطلان قولهم: ((هو الآن
على ما عليه كان)) لا شىء معه ؛ بل هو عين المخلوقات ، وأيضاً فإن المعية
لا تكون إلا من الطرفين ، فإن معناها المقارنة والمصاحبة ، فإذا كان أحد
الشيئين مع الآخر: امتنع ألا يكون الآخر معه، فمن الممتنع أن يكون الله
مع خلقه ، ولا يكون لهم وجود معه ، ولا حقيقة أصلا ، بل هم هو.
٢٧٦

( الوجه الثانى) أن اللّه قال فى كتابه: ( وَلَ تَجْعَلْ مَعَ الَّهِإِلَهَا ءَ اخَرَ فَتُلْقَى فِى
جَهَنَّمَ مَلُومَا مَّدْ حُورًا ) وقال تعالى: ( فَلَنَدْعُ مَعَاللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ
الْمُعَذَّبِينَ ) وقال: ( وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَّلَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
وَجْهَهُ ).
فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلها آخر ، ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقا ،
أو يقول: إن معه عبدا مملوكا أو مربوبا فقيرا أو معه شيئا موجودا خلقه ،
كما قال: (لَآَ إِلَهَ إِلَّاهُوَ) ولم يقل لا موجود إلا هو، أو لا هو إلا هو ،
أو لا شىء معه إلا هو: بمعنى أنه نفس الموجودات وعينها .
وهذا كما قال: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ) فأثبت وحدانيته فى الألوهية ، ولم يقل
إن الموجودات واحد ، فهذا التوحيد الذى فى كتاب الله: هو توحيد
الألوهية ، وهو أن لا تجعل معه ولا تدعو معه إلها غيره ، فأين هذا من أن يجعل
نفس الوجود هو إياه؟ .
وأيضا: فهيه أن يجعل معه أو يدعو معه إلها آخر دليل على أن ذلك
يمكن ، كما فعله المشركون الذين دعوا مع الله آلهة أخرى ، فلو كانت تلك
الآلهة هى إياه - ولا شىء معه أصلا - امتنع أن يدعى معه آلهة أخرى.
فهذه النصوص: تدل على أن معه أشياء ليست بآلهة ، ولا يجوز أن تجعل
آلهة ، ولا تدعى آلهة ، وأيضا فعند الملحدين يجوز أن يعبد كل شىء ؛
ويدعى كل شىء ؛ إذ لا يتصور أن يعبد غيره ، فإنه هو الأشياء .
٢٧٧

فيجوز للإنسان حينئذ : أن يدعو كل شىء من الآلهة المعبودة من دون
اللّه؛ وهو عند الملاحدة ما دعا معه إلها آخر! فعل نفس ما حرمه الله
وجعله شركا : جعله توحيدا ، والشرك عنده لا يتصور بحال.
(الوجه الثالث) أن الله لما كان ولاشىء معه: لم يكن معه سماء، ولا أرض،
ولا شمس ولا قمر ، ولا جن ولا إنس ، ولا دواب ولا شجر ، ولا جنة
ولا نار ، ولا جبال ولا بحار . فإن كان الآن على ما عليه كان : فيجب أن
لا يكون معه شىء من هذه الأعيان ، وهذا مكابرة للعيان ، وكفر
بالقرآن والإيمان.
( الوجه الرابع) أن الله كان ولا شىء معه، ثم كتب فى الذكر كل شىء،
كما جاء فى الحديث الصحيح ، فإن كان لا شىء معه فيما بعد : فما الفرق بين حال
الكتابة وقبلها ، وهو عين الكتابة واللوح عند الفراعنة الملاحدة .
٢٧٨

فصل
وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية - الذين ألحدوا فى أسماء الله وآياته -
أن فرعون كان مؤمناً، وأنه لا يدخل النار ، وزعموا أنه ليس فى القرآن
ما يدل على عذابه ، بل فيه ما ينفيه، كقوله: ( أَدْخِلُوَاْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اُلْعَذَابِ ) قالوا: فإنما أدخل آله دونه. وقوله: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) قالوا إنما أوردهم ولم يدخلها، قالوا: ولأنه قد آمن أنه
لا إله إلا الذى آمنت به بنوا إسرائيل ، ووضع جبريل الطين فى فمه لا يرد
إيمان قلبه.
وهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام ، لم يسبق
ابن عربى إليه - فيما أعلم - أحد من أهل القبلة ؛ بل ولا من اليهود، ولا
من النصارى؛ بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون .
فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه بدليل ، فإنه لم يكفر
أحد بالله ، ويدعى لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون.
ولهذا ثنى اللّه قصته فى القرآن فى مواضع فإن القصص إنما هى أمثال
٢٧٩

مضروبة للدلالة على الإيمان ، وليس فى الكفار أعظم من كفره ، والقرآن
قد دل على كفره وعذابه فى الآخرة فى مواضع :
(أحدها ) قوله تعالى فى القصص: ( فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَاِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ) إلى قوله: (وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ).
فأخبر سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه ، وأخبر أنهم كانوا قوماً
فاسقين، وأخبر أنهم: (قَالُواْمَا هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَّى) وأخبر أن فرعون قال :
(مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَكِ غَيْرِى) وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله موسى،
وأنه يظنه كاذباً ، وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده ، وظنوا أنهم
لا يرجعون إلى اللّه، وأنه أخذ فرعون وجنوده فنبذهم فى اليم، فانظر كيف
كان عاقبة الظالمين ، وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون،
وأنه أتبعهم فى الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين .
فهذا نص فى أن فرعون من الفاسقين ، المكذبين لموسى ، الظالمين ،
الداعين إلى النار ، الملعونين فى الدنيا بعد غرقهم ، المقبوحين فى الدار
الآخرة .
وهذا نص فى أن فرعون بعد غرقه ملعون ، وهو فى الآخرة مقبوح
غير منصور ، وهذا إخبار عن غاية العذاب ، وهو موافق للموضع الثانى
فى سورة المؤمن وهو قوله: (وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ
٢٨٠