Indexed OCR Text

Pages 201-220

العظيم ، والإلحاد البليغ، وأمره أن يخرج به إلى أمته وأنه أبرزه ، كما حده له
رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة ولا نقصان، وكان جماعة من
الفضلاء - حتى بعض من خاطبنى فيه وانتصر له - يرى أنه كان يستحل
الكذب، ويختارون أن يقال: كان يتعمد الكذب، وأن ذلك هو أهون من
الكفر، ثم صرحوا بأن مقالته كفر، وكان ممن يشهد عليه بتعمد الكذب غير
واحد من عقلاء الناس، وفضلاتهم ؛ من المشايخ والعلماء.
ومعلوم أن هذا من أبلغ الكذب على الله ورسوله ، وأنه من أحق الناس
بقوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْقَالَ أُوَحِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ )
وكثير من المتنبئين الكذابين - كالمختار بن أبى عبيد وأمثاله - لم يبلغ كذبهم
وافتراؤهم إلى هذا الحد .
بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد ، وهؤلاء كلهم
كان يعظم النبى صلى الله عليه وسلم ويقر له بالرسالة ؛ لكن كان يدعى أنه رسول
آخر ، ولا ينكر وجود الرب ، ولا ينكر القرآن فى الظاهر ، وهؤلاء
جحدوا الرب ، وأشركوا به كل شىء ، وافتروا هذه الكتب التى قد يزعمون
أنها أعظم من القرآن ، ويفضلون نفوسهم على النبى صلى الله عليه وسلم من
بعض الوجوه ، كما قد صرح به صاحب الفصوص عن خاتم الأولياء .
وحدثنى الثقة عن الفاجر التلمسانى أنه كان يقول : القرآن كله شرك ليس
فيه توحيد ، وإنما التوحيد فى كلامنا.
٢٠١

وأما الضلال والحيرة : فما مدح اللّه ذلك قط، ولا قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((زدنى فيك تحيراً)) ولم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث،
ولا هو فى شىء من كتب الحديث ، ولا فى شىء من كتب من يعلم الحديث ؛
بل ولا من يعرف الله ورسوله، وكذلك احتجاجه بقوله: ( كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم
مَّشَوْافِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾.
وإنما هذا حال المنافقين المرتدين؛ فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله فى
القرآن، قال الله تعالى فى القرآن: (قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَاوَلَا
يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ نَا اللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهُوَتُهُ الشَّيَطِيْنُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ )
الآية.
وهكذا يريد هؤلاء الضالون ؛ المتحيرون ؛ أن يفعلوا بالمؤمنين، يريدون
أن يدعوا من دون الله مالا يضرهم، ولا ينفعهم ، وهى المخلوقات
والأوثان ، والأصنام ، وكل ما عبد من دون الله ، ويريدون أن يردوا
المؤمنين على أعقابهم، يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث
بعد الموت ، ويصيروا حائرين ضالين ( كَالَّذِى أَسْتَهْوَتُهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَا). وقال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَرَهُمْ) إلى قوله: ( يَعْمَهُونَ) أى يحارون. وقال تعالى: (وَأَرْتَابَتْ
قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ بَرَدَّدُونَ). وقال تعالى: (أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ ) فأمر بأن فسأله
٢٠٢

هداية الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، المغايرين للمغضوب
عليهم والضالين.
وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال
والحيرة مخالفة لكتب الله ورسله ، ولما فطر الله عليه عباده من
العقول والألباب.
٢٠٣

فصل
﴿ فى ذكر بعض ألفاظ ابن عربى التى تبين ما ذكرنا من مذهبه ، فإن
أ کثر الناس قد لا يفهمونه ﴾.
قال فى فص يوسف - بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى اللّه كظل الشخص،
وتناقض فى التشبيه - : فكل ما تدركه فهو وجود الحق فى أعيان الممكنات ،
فمن حيث هوية الحق هو وجوده ، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان
الممكنات ، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل : كذلك لا يزول عنه
باختلاف الصور اسم العالم أو اسم سوى الحق ، فمن حيث أحدية كونه ظلا
هو الحق ، لأنه الواحد الأحد ، ومن حيث كثرة الصور هو العالم ، فتفطن
وتحقق ما أوضحناه لك .
وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك : فالعالم متوهم ماله وجود حقيقى ،
وهذا معنى الخيال ، أى خيل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه ، خارج عن الوجود
الحق ، وليس كذلك فى نفس الأمر؛ ألا تراه فى الحس متصلا بالشخص الذى
امتدعنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال ؛ لأنه يستحيل على الشىء
الانفكاك عن ذاته ، فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك ؟ وما نسبتك إلى
الحق، وبما أنت حق، وبما أنت عالم، وسوى، وغير؟ وما شاكل هذه الألفاظ.
٢٠٤

وقال فى أول الفصوص - بعد ( فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية )
( وفص حكمة نفسية ، فى كلمة شيئية) - وقد قسم العطاء بأمر الله، وإنما يكون
عن سؤال وعن غير سؤال ، وذكر القسم الذى لا يسأل ، لأن شيئا هو هبة
اللّه إلى أن قال :
((ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به فى جميع أحواله: هو ما كان عليه
فى حال ثبوت عينه قبل وجودها ، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه
من العلم به . وهو ما كان عليه فى حال ثبوته، فيعلم علم اللّه به من أين حصل ،
وما ثم صنف من أهل اللّه أعلى وأكشف من هذا الصنف ، فهم الواقفون على
سر القدر ، وهم على قسمين :
منهم من يعلم ذلك بحجملا، ومنهم من يعلم ذلك مفصلا.
والذى يعلمه مفصلا: أعلى وأتم من الذى يعلمه مجملا ، فإنه يعلم ما تعين
فى علم الله فيه، إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به، وإما بأن يكشف
له عن عينه الثابتة، وعن انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى ، وهو
أعلى، فإنه يكون فى علمه بنفسه بمنزلة على الله به ، لأن الأخذ من معدن واحد ،
إلا أنه من جهة العبد عناية من اللّه سبقت له ، هى من جملة أحوال عينه ، يعرفها
صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك - أى على أحوال عينه - فإنه
ليس فى وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة - التى تقع صورة
الوجود عليها - أن يطلع فى هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة
فى حال عدمها ، لأنها نسب ذاتية لا صورة لها .
٢٠٥

فيهذا القدر نقول: إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة فى إفادتها
العلم، ومن هنا يقول اللّه: ( حَتَّى نَعْلَمَ ) وهى كلمة محققة المعنى ، ما هى كما
يتوهم من ليس له هذا المشرب ، وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث فى العلم
للتعلق ، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم يعقله فى هذه المسئلة ، لولا أنه أثبت
العلم زائداً على الذات فعل التعلق له لاللذات ، وبهذا انفصل عن المحقق من
أهل الله صاحب الكشف والشهود .
ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية ،
فأما المنح والهبات ، والعطايا الذاتية ، فلا تكون أبداً إلا عن تجلى إلهى ،
والتجلى من الذات لا يكون أبداً إلا لصورة استعداد العبد المتجلى له ، وغير
ذلك لا يكون ، فإذن المتجلى له ما رأى سوى صورته فى مرآة الحق ، وما رأی
الحق ، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه، كالمرآة
فى الشاهد ، إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع عليك أنك ما رأيت الصور
أو صورتك إلا فيها .
فأ برز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتى، ليعلم المتجلى له أنه ما رآه، وما ثم
مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلى من هذا ، واجهد فى نفسك عند ما ترى
الصورة فى المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبداً ألبتة ، حتى أن بعض من
أدرك مثل هذا فى صورة المرئى: ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائى ،
وبين المرآة ، هذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه.
وقد بينا هذا فى الفتوحات المكية ، وإذا ذقت هذا: ذقت الغاية التى ليس
٢٠٦

فوقها غاية فى حق المخلوق ، فلا تطمع ولا تتعب نفسك فى أن ترقى أعلى
من هذا الدرج ، فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض ، فهو مرآتك
فى رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته فى رؤيته أسماءه وظهور أحكامها ، وليست
سوى عينه ، فاختلط الأمر وانبهم ، فمنا من جهل فى علبه فقال : والعجز
عن درك الإدراك إدراك « ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول ، وهو أعلى
القول، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز، وهذا هو أعلى عالم بالله .
وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وخاتم الأولياء، وما
يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم،
ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولى الخاتم ، حتى أن الرسل لا يرونه
متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة - أعنى نبوة التشريع
ورسالته - ينقطعان ، والولاية لا تنقطع أبداً.
فالمرسلون من حيث كونهم أولياء : لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة
خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعاً
فى الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح فى مقامه ،
ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل ، كما أنه من وجه
يكون أعلى .
وقد ظهر فى ظاهر شرعنا : ما يؤيد ما ذهبنا إليه فى فضل عمر؛ فى أسارى
بدر بالحكم فيهم، وفى تأبير النخل ؛ فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم فى كل
٢٠٧

شىء ، وفى كل مرتبة ، وإنما نظر الرجال إلى التقدم فى مرتبة العلم بالله، هنالك
مطلبهم ، وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطر هم بها ، فتحقق ما ذكر ناه.
ولما مثل النبى صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى
موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة ، غير أنه صلى الله عليه
وسلم لا يراها - إلا كما قال - لبنة واحدة.
وأما خاتم الأولياء : فلا بد له من هذه الرؤية ، فيرى ما مثل به رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فيرى فى الحائط موضع لبنتين، واللبن من ذهب وفضة
فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة ، فلا
بد من أن يرى نفسه تنطبع فى موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك
اللبنتين ، فيكمل الحائط.
والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين : أنه تابع لشرع خاتم الرسل
صلى الله عليه وسلم فى الظاهر، وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره ، وما
يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن اللّه تعالى فى السر ماهو بالصورة الظاهرة
متبع فيه ، لأنه رأى الأمر على ما هو عليه ، فلا بد أن يراه هكذا ،
وهو موضع اللبنة الذهبية فى الباطن ، فإنه آخذ من المعدن الذى يأخذ
منه الملك ، الذى يوحى به إلى الرسول .
فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع ، فكل نبى من لدن آدم
إلى آخر نبى ، ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين ، وإن تأخر وجود
٢٠٨

طينته ، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (( كنت نياً
وآدم بين الماء والطين )) وغيره من الأنبياء ، ما كان نبياً إلا حين بعث .
وكذلك خاتم الأولياء ، كان ولياً وآدم بين الماء والطين، وغيره من
الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شرائط الولاية ، من الأخلاق الإلهية ،
والاتصاف بها من أجل كون اللّه يسمى بالولى الحمد .
خاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية ، مثل نسبة الأنبياء
والرسل معه ، فإنه الولى الرسول النبى .
وخاتم الأولياء : الولى الوارث ، الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب ، وهو
حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، مقدم الجماعة ، وسيد
ولد آدم فى فتح باب الشفاعة ؛ فعين بشفاعته حالا خاصاً ماعم ؛ وفى هذه الحال
الخاص تقدم على الأسماء الإلهية ؛ فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم فى أهل البلاء
إلا بعد شفاعة الشافعين ، ففاز محمد بالسيادة فى هذا المقام الخاص .
فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام اهـ.
فهذا الفص قد ذكر فيه حقيقة مذهبه التى يبنى عليها سائر كلامه فتدبر
ما فيه من الكفر الذى: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ
الْجِبَالُ هَذَّا ) وما فيه من جحد خلق الله وأمره، وجحود ربوبيته وألوهيته
وشتمه وسبه ، وما فيه من الإزراء برسله ، وصديقيه ، والتقدم عليهم
٢٠٩

بالدعاوى الكاذبة ، التى ليس عليها حجة ، بل هى معلومة الفساد بأدنى عقل وإيمان
وأيسر ما يسمع من كتاب وقرآن ، وجعل الكفار والمنافقين والفراعنة هم
أهل الله وخاصته أهل الكشوف وذلك باطل من وجوه :-
(أحدها) أنه أثبت له عيناً ثابتة قبل وجوده ولسائر الموجودات
وإن ذلك ثابت له ولسائر أحواله وكل ما كان موجوداً من الأعيان
والصفات والجواهر والأعراض فعينه ثابتة قبل وجوده . وهذا ضلال قد
سبق إليه كما تقدم .
( الثانى ) أنه جعل علم اللّه بالعبد إنما حصل له من علمه بتلك
العين الثابتة فى العدم التى هى حقيقة العبد ، لا من نفسه المقدسة ، وأن
علمه بالأعيان الثابتة فى العدم وأحوالها تمنعه أن يفعل غير ذلك ، وأن
هذا هو سر القدر .
فتضمن هذا وصف اللّه تعالى بالفقر إلى الأعيان وغناها عنه ، ونفى
ما استحقه بنفسه ، من كمال علمه وقدرته ، ولزوم التجهيل والتعجيز ،
وبعض ما فى هذا الكلام المضاهاة لما ذكره الله عمن قال فيه (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ
قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللَّه فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) الآية، فإنه جعل حقائق الأعيان
الثابتة فى العدم غنية عن الله فى حقائقها وأعيانها ، وجعل الرب مفتقرا إليها فى علمه
بها، فما استفاد علمه بها إلا منها ، كما يستفيد العبد العلم بالمحسوسات من
إدراكه لها ، مع غنى تلك المدركات عن المدرك.
٢١٠

والمسلمون يعلمون أن الله عالم بالأشياء، قبل كونها بعلمه القديم الأزلى،
الذى هو من لوازم نفسه المقدسة، لم يستفد علمه بها منها: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيُ ) فقد دلت هذه الآية ، على وجوب علمه بالأشياء ،
من وجوه انتظمت البراهين المذكورة ، لأهل النظر والاستدلال القياسى
العقلى ، من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم:
(أحدها ) أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير ، وذلك يتضمن
تقديرها فى العلم قبل تكونها فى الخارج.
( الثانى) أن ذلك مستلزم للإرادة ؛ والمشيئة والإرادة مستلزمة لتصور
المراد والشعور به ، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام .
(الثالث ) أنها صادرة عنه، وهو سبيها التام ، والعلم بأصل الأمر
وسببه ، يوجب العلم بالفرع المسبب ، فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل
ما يصدر عنه .
( الرابع) أنه فى نفسه لطيف يدرك الدقيق ؛ خبير يدرك الخفى ، وهذا هو
مقتضى العلم بالأشياء ، فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام ، فهو
فى علمه بالأشياء مستغن بنفسه عنها ، كما هو غنى بنفسه فى جميع صفاته ، ثم إذا
رأى الأشياء بعد وجودها ، وسمع كلام عباده ونحو ذلك ؛ فإنما يدرك ما أبدع
وما خلق ، وما هو مفتقر إليه ، ومحتاج من جميع وجوهه، لم يحتج فى علمه
وإدراكه إلى غيره ألبتة ؛ فلا يجوز القول بأن علمه بالأشياء استفاده من نفس
الأشياء الثابتة ، الغنية فى ثبوتها عنه .
٢١١

وأما جحود قدرته : فلأنه جعل الرب لا يقدر إلا على تجليه فى تلك
الأعيان ، الثابتة فى العدم ، الغنية عنه ، فقدرته محدودة بها ، مقصورة
عليها ، مع غناها عنه وثبوت حقائقها بدونه، وهذا عنده هو السرالذى أعجز الله
أن يقدر على غير ما خلق ، فلا يقدر عنده على أن يزيد فى العالم ذرة ، ولا ينقص
منه ذرة ، ولا يزيد فى المطر قطرة ، ولا ينقص منه قطرة، ولا يزيد فى طول
الإنسان ولا ينقص منه، ولا يغير شيئا من صفاته، ولا حركاته، ولا سكناته،
ولا ينقل حجرا عن مقره، ولا يحول ماء عن ممره، ولا يهدى ضالا ولا يضل
مهتديا، ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا ؛ ففى الجملة لا يقدر إلا على ماوجد ،
لأن ماوجد فعينه ثابتة فى العدم ولا يقدر على أكثر من ظهوره فى تلك الأعيان .
وهذا التجهيل والتعجيز الذى ذكره ، وزعم أنه هو سر القدر - وإن
كان قد تضمن بعض ما قاله غيره من الضلال - ففيه من الكفر ما لا يرضاه
غيره من الضالين .
فإن القائلين بأن المعدوم شىء : يقولون ذلك فى كل ممكن كان أو لم يكن ،
ولا يجعلون علمه بالأشياء مستفاداً من الأشياء قبل أن يكون وجودها ، ولا أن
خلقه وقدرته مقصورة على ماعليه منها ، فإنه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها
فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه ، ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير
ما خلق هو كون الأعيان الثابتة فى العدم لا تقبل سوى هذا الوجود ؛ بل يمكن
عندهم وجودها على صفة أخرى ، هى أيضا من الممكن الثابت فى العدم .
فلا يفضى قولهم لا إلى تجهيل ، ولا إلى تعجيز من هذا الوجه ؛ وإنما
٢١٢

قد يقولون المانع من ذلك : إن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها ، فعلمه بأنه
لا أكمل من هذا يمنعه أن يريد ما ليس أكمل بحكمته ، فيجعلون المانع أمراً
يعود إلى نفسه المقدسة ؛ حتى لا يجعلونه منوعا من غيره.
فأين من لا يجعل له مانعاً من غيره ، ولا راد لقضائه ، ممن يجعله منوعا
مصدوداً؟ وأين من يجعله عالما بنفسه ، من يجعله مستفيداً للعلم من غيره ؟
ويمن هو غنى عنه؟ هذا مع أن أكثر الناس أنكروا على من قال: ليس فى الإمكان
أبدع من هذا العالم.
( الثالث ) أنه زعم أن من الصنف الذى جعله أعلى أهل الله من يكون
فى علمه بمنزلة على اللّه، لأن الأخذ من معدن واحد إذا كشف له عن أحوال
الأعيان الثابتة فى العدم ، فيعلمها من حيث عليها اللّه، إلا أنه من جهة العبد
عناية من اللّه سبقت له، هى من جملة أحوال عينه. يعرفها صاحب هذا
الكشف إذا أطلعه اللّه على ذلك ، جعل علمه وعلم الله من معدن واحد.
(الرابع) أنه جعل الله عالماً بها بعد أن لم يكن عالما ، واتبع المتشابه الذى
هو قوله : ( حَتَّى نَعْلَمَ ) وزعم أنها كلمة محققة المعنى ، بناء على أصله الفاسد
أن وجود العبد هو عين وجود الرب ، فكل مخلوق علم مالم يكن علمه ، فهو الله
علم مالم یکن علمه .
وهذا الكفر ما سبقه إليه كافر ، فإن غاية المكذب بقدر الله أن يقول :
إن الله علم مالم يكن عالما ؛ أما إنه يجعل كل ما تجدد لمخلوق من العلم فإنما تجدد
٢١٣

لله، وأن اللّه لم يكن عالما بما عليه كل مخلوق، حتى عليه ذلك المخلوق ، فهذا
لم يفتره غيره .
( الخامس) أنه زعم أن التجلى الذاتى ، بصورة استعداد المتجلى والمتجلى
له، ما رأى سوى صورته فى مرآة الحق ، وأنه لا يمكن أن يرى الحق مع عله
بأنه ما رأى صورته إلا فيه ، وضرب المثل بالمرآة ؛ جعل الحق هو المرآة ،
والصورة فى المرآة هى صورته .
وهذا تحقيق ماذكرته من مذهبه : أن وجود الأعيان عنده وجود الحق ،
والأعيان كانت ثابتة فى العدم ، فظهر فيها وجود الحق ، فالمتجلى له ، وهو العبد
لا يرى الوجود مجرداً عن الذوات ، مايرى إلا الذوات التى ظهر فيها الوجود،
فلا سبيل له إلى رؤية الوجود أبداً . وهذا عنده هو الغاية التى ليس فوقها غاية
فى حق المخلوق ، وما بعده إلا العدم المحض ، فهو مرآتك فى رؤيتك نفسك ،
وأنت مرآته فى رؤيته أسماءه، وظهور أحكامها .
وذلك لأن العبد لا يرى نفسه - التى هى عينه - إلا فى وجود الحق ، الذى
هو وجوده ، والعبد مرآته فى رؤيته أسماءه وظهور أحكامها ، لأن أسماء
الحق عنده هى النسب والإضافات ، التى بين الأعيان وبين وجود الحق ؛
وأحكام الأسماء هى الأعيان الثابتة فى العدم ، وظهور هذه الأحكام بتجلى
الحق فى الأعيان .
والأعيان التى هى حقيقة العيان : هى مرآة الحق، التى بها يرى أسماءه ؛
٢١٤

وظهور أحكامها ، فإنه إذا ظهر فى الأعيان : حصلت النسبة التى بين الوجود
والأعيان - وهى الأسماء - وظهرت أحكامها - وهى الأعيان -
ووجود هذه الأعيان هو الحق ؛ فلهذا قال وليست سوى عينه ، فاختلط
الأمر وانبهم.
فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه ؛ لتعلم ما يعتقده من ذات الحق وأسمائه
وأن ذات الحق عنده هى نفس وجود المخلوقات ، وأسماءه هى النسب التى بين
الوجود والأعيان ، وأحكامها هى الأعيان ، لتعلم كيف اشتمل كلامه على
الجحود لله ولأسمائه، ولصفاته وخلقه وأمره، وعلى الإلحاد فى أسماء الله
وآياته؟ فإن هذا الذى ذكره غاية الإلحاد فى أسماء الله وآياته؛ الآيات المخلوقة
والآيات المتلوة ، فإنه لم يثبت له اسما ولا آية ، إذ ليس إلا وجوداً واحداً؛
وذاك ليس هو اسما ولا آية ، والأعيان الثابتة ليست هى أسماءه ولا آياته؛
ولما أثبت شيئين فرق بينهما بالوجود والثبوت ، - وليس بينهما فرق - اختلط
الأمر عليه وانبهم .
وهذا حقيقة قوله: وسر مذهبه ؛ الذى يدعى أنه به أعلم العالم باللّه ، وأنه
تقدم بذلك على الصديق ، الذى جهل فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك؛
وتقدم به على المرسلين ، الذين ما علموا ذلك إلا من مشكاته ، وفيه من
أنواع الكفر والضلال ما يطول عدها :
منها : الكفر بذات الله إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق.
٢١٥

( ومنها) الكفر بأسماء الله، فإنها ليست عنده إلا أمور عدمية، فإذا
قلنا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ» الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فليس الرب عنده
إلا نسبة إلى الثبوت .
(السادس) أنه قال: فاختلط الأمر وانبهم، أو هو على أصله الفاسد
مختلط منبهم ، وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين ، قد بين اللّه بكتابه
الحق من الباطل والهدى من الضلال .
قال: فمنا من جهل فى علمه فقال : العجز عن درك الإدراك إدراك، وهذا
الكلام مشهور عندهم نسبته إلى أبى بكر الصديق ، جعله جاهلا ، وإن كان
هذا اللفظ لم يحفظ عن أبى بكر ، ولا هو مأثور عنه فى شىء من النقول
المعتمدة ، وإنما ذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب الشكر نحوا من ذلك ، عن
بعض التابعين غير مسمى، وإنما يرسل عنه إرسالاً من جهة من يكثر
الخطأ فى مراسيلهم .
كما يحكون عن عمر أنه قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر إذا
تخاطبا كنت كالزنجى بينهما )). وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة ، وإنما
الذى فى الصحيح عن أبى سعيد الخدرى قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
على المنبر، فقال: ((إن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد
ما عند الله)) فبكى أبو بكر، فقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا، أو كما قال.
فجعل الناس يقولون: عجبا لهذا الشيخ ، يبكى إن ذكر رسول الله صلى الله
٢١٦

عليه وسلم عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة ! فكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر هو أعلمنا به ، فكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومقاصده فى كلامه؛ وإن كانوا كلهم
مشتر کین فی فهمه .
وهذا كما فى الصحيح أنه قيل لعلى رضى الله عنه: هل ترك عندكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ وفى لفظ: هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً لم يعهده إلى الناس؟ فقال: (( لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً
يؤتيه الله عبداً فى كتابه ، وما فى هذه الصحيفة: وفيها العقل، وفكاك الأسير،
وأن لا يقتل مسلم بكافر .
وبهذا الحديث ونحوه من الأحاديث الصحيحة : استدل العلماء على أن
كل ما يذكر عن على وأهل البيت ؛ من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي
صلى الله عليه وسلم دون غيرهم كذب عليهم ، مثل ما يذكر منه الجفر، والبطاقة
والجدول ، وغير ذلك وما يأثره القرامطة الباطنية عنهم ، فإنه قد كذب على
جعفر الصادق رضى الله عنه، ما لم يكذب على غيره. وكذلك كذب على علىّ
رضى الله عنه، وغيره من أئمة أهل البيت رضى الله عنهم، كما قد بين هذا وبسط
فى غير هذا الموضع.
وهكذا يكذب قوم من النساك ومدعى الحقائق ، على أبى بكر وغيره ،
وأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يخاطبه بحقائق لا يفهمها عمر مع حضوره ؛
ثم قد يدعون أنهم عرفوها، وتكون حقيقتها زندقة وإلحاداً .
٢١٧

وكثير من هؤلاء الزنادقة والجمال: قد يحتج على ذلك بحديث أبى هريرة
(( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين: أما أحدهما فبثته فيكم؛
وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا الحلقوم) وهذا الحديث صحيح ؛ لكن الجراب
الآخرلم يكن فيه شىء من علم الدين، ومعرفة الله وتوحيده، الذى يختص به أولياؤه.
ولم يكن أبو هريرة من أكابر الصحابة ، الذين يخصون بمثل ذلك
- لو كان هذا ما يخص به - بل كان فى ذلك الجراب أحاديث الفتن ، التى
تكون بين المسلمين ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما سيكون من الفتن
التى تكون بين المسلمين ، ومن الملاحم التى تكون بينهم وبين الكفار.
ولهذا لما كان مقتل عثمان وفتنة ابن الزبير ونحو ذلك : قال ابن عمر :
لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم ، وتهدمون البيت وغير ذلك،
لقلتم : كذب أبو هريرة ، فكان أبو هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث
الفتن قبل وقوعها ؛ لأن ذلك مما لا يحتمله رؤوس الناس وعوامهم .
وكذلك قد يحتجون بحديث حذيفة بن اليمان ، وأنه صاحب السر الذى
لا يعلمه غيره ، وحديث حذيفة معروف ؛ لكن السر الذى لا يعلمه غيره: هو
معرفته بأعيان المنافقين ، الذين كانوا فى غزوة تبوك. ويقال : إنهم كانوا هموا
بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأوحى الله إلى النبى صلى الله عليه وسلم
أمرهم، فأخبر حذيفة بأعيانهم؛ ولهذا كان عمر لا يصلى إلا على من صلى عليه
حذيفة؛ لأن الصلاة على المنافقين منهى عنها .
وقد ثبت فى الصحيح عن حذيفة ، أنه لما ذكر الفتن ، وأنه أعلم الناس
٢١٨

بها، بين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصه بحديثها ، ولكن حدث الناس كلهم
قال: ((وكان أعلمنا أحفظنا ».
ومما يبين هذا: أن فى السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم كان عام الفتح قد
أهدر دم جماعة : منهم عبد الله بن أبى سرح ، نجاء به عثمان إلى النبى صلى الله عليه
وسلم ليسابعه ، فتوقف عنه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم بايعه وقال:
((أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلى، وقد أمسكت عن هذا فيضرب عنقه؟))
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! هلا أومأت إلى؟ فقال: ((ما ينبغى
لنى أن تكون له خائنة الأعين ، فهذا ونحوه مما يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم
يستوى ظاهره وباطنه ، لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه ، كما تدعيه الزنادقة
من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنسكة ونحوهم.
( السابع) أنه قال: ((ومنا من علم فلم يقل مثل هذا، وهو أعلى القول،
بل أعطاه العلم والسكوت ما أعطاه العجز ، وهذا هو أعلى عالم باللّه، وليس هذا
العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأولياء
والرسل : إلا من مشكاة الرسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء
إلا من مشكاة الولى الخاتم ؛ حتى إن الرسل لا يرونه متى رأوه ، إلا من مشكاة
خاتم الأولياء.
فإن الرسالة والنبوة - أعنى نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان، والولاية
لا تنقطع أبداً؛ فالمرسلون من كونهم أولياء: لا يرون ماذكرناه إلا من مشكاة
خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعاً
٢١٩

فى الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح فى مقامه ، ولا
يناقض ماذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل ، كما أنه من وجه يكون أعلى
- إلى قوله - ولما مثل النبى صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن.
ففى هذا الكلام من أنواع الإلحاد والكفر ، وتنقيص الأنبياء والرسل
مالا تقوله لا اليهود ولا النصارى ، وما أشبهه فى هذا الكلام بما ذكر فى قول
القائل : نخر عليهم السقف من تحتهم إن هذا لا عقل ولا قرآن .
وكذلك ما ذكره هنا - من أن الأنبياء والرسل تستفيد من خاتم الأولياء
الذى بعدهم - هو مخالف للعقل ، فإن المتقدم لا يستفيد من المتأخر . ومخالف
للشرع ، فإنه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأنبياء والرسل أفضل
من الأولياء ، الذين ليسوا أنیاء ولا رسلا .
وقد يزعم أن هذا العلم - الذى هو عنده - أعلى العلم (وهو القول بوحدة
الوجود ) وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق ، وحقيقة تعطيل الصانع
وجحده ، وهو القول الذی یظهره فرعون ، فلم یکفه زعمه أن هذا حق ، حتى
زعم أنه أعلى العلم . ولم يكفه ذلك حتى زعم أن الرسل إنما يرونه من مشكاة
خاتم الأولياء .
فجعل خاتم الأولياء : أعلم بالله من جميع الأنبياء والرسل ، وجعلهم يرون
العلم بالله من مشكاته .
ثم أخذ يبين ذلك فقال: فإن الرسالة والنبوة : - أعنى نبوة التشريع
٢٢٠