Indexed OCR Text

Pages 181-200

وكونه متغيرا هذه التغيرات ، التى هى من نقص إلى كمال ، ومن كمال إلى
نقص ، وإن كانت خارجة عن ذاته فهذه الأشياء كانت معدومة ، ولم يخلقها عنده.
خارجة عنه ، فكيف يكون الحال؟ .
( الوجه الرابع ) أن عقدة حقيقة النبوة وما معها : إما أن يكون شيئا قائما
بنفسه ، أوصفة له أو لغيره ، فإن كان قائما بنفسه فإما أن يكون هو الله
أو غيره ، فإن كان ذلك هو الله فيكون الله هو النقطة الظاهرة، وهو حقيقة
النبوة ، وهو الروح الإضافى.
وقد قال بعد هذا : إنه جعل الروح الإضافى فى صورة فعل ذاته ، وأنه
أعطى محمداً عقدة نبوته ، فيكون قد جعل نفسه صورة فعله ، وأعطى محمداً
ذاته ، وهذا مع أنه من أبين الكفر وأقبحه فهو متناقض ، فمن المعطى ومن
المعطى؟ إذا كان أعطى ذاته لغيره ، وإن كانت هذه الأشياء أعيانا قائمة بنفسها
وهى غير الله - فسواء كانت ملائكة أو غيرها؛ من كل ما سوى الله من الأعيان،
فهو خلق من خلق الله مصنوع من بوب، والله خالق كل شىء ، فهو قد جعل
ظهور الحق واصفا ، وأنه المسمى باسم الرحمن ، فيكون المسمى باسم الرحمن
الواصف لنفسه مخلوقا ، وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد الذين :
(قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُ واْلِلَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ) ومن إِلحاد الذين قيل فيهم: (وَهُمْ
يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين.
وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقا من مخلوقاته .
وأما إن كان المراد بهذه الحقيقة وما معها صفة : فإما أن تكون صفة لله
١٨١

أو لغيره ، فإن كانت صفة للّه لم يجز أن تكون هى المسمى باسم الرحمن ، فإن
ذلك اسم لنفس اللّه لا لصفاته، والسجود لله لالصفاته، والدعاء لله لا لصفاته ،
وإن كانت صفة لغيره فهذا الإلزام أعظم وأعظم .
وهذا تقسيم لا محيص عنه ، فإن هذا الملحد فى أسماء اللّه جعل هذه العقدة
التى سماها ( عقدة حقيقة النبوة ) وجعلها صورة علم الحق بنفسه ، وجعلها مرآة
لا نعكاس الوجود المطلق، محلا لتميز صفاته القديمة ، وإن الحق ظهر فيه بصورته
وصفته واصفا يصف نفسه ويحيط به ، وهو المسمى باسم الرحمن ، ثم ذكر
أنه أعطى محمداً هذه العقدة .
ومعلوم أن المسمى باسم الرحمن هو المسمى باسم اللّه كما قال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْ
اللَّهَ أَوِ ادْ عُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّامَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى ) فيكون هو سبحانه هذه العقدة
التى أعطاها لمحمد، وإن كانت صفة له أو غيره، فتكون هى الرحمن ، فهذا الملحد
دائر بين أن يكون الرحمن هو خلق من خلق اللّه أوصفة من صفاته ، وبين أن
يكون الرحمن قد وهبه الله لمحمد، وكل من القسمين من أسمج الكفر وأبشعه .
( الوجه الخامس) أن قوله لهذه الحقيقة طرفان: طرف إلى الحق المواجه
إليها ، الذى ظهر فيه الوجود الأعلى واصفا ، وطرف إلى ظهور العالم منه ،
وهو المسمى بالروح الإضافى.
فذكر فى هذا الكلام ظهور الوجود وظهور العالم ، وقد تقدم أن الحق
كان ولم يكن معه شىء وهو متجلى بنفسه بوحدته الذاتية ، وأنه لما نزلت الخلية
١٨٢

الإلهية ، ظهرت عقدة حقيقة النبوة ، فصارت مرآة لانعكاس الوجود ، فظهر
الحق فيه بصورة وصفة واصفا .
وقد ذكر فى هذا الكلام الحق المواجه إليها والوجود الأعلى الذى ظهر ،
فى هذا الحق والطرف الذى لها إلى الحق ، فقد ذكر هنا ثلاثة أشياء : الحق ،
والوجود ، والطرف ، وقد جعل فيما تقدم : الحق هو الوجود المطلق الذى
العكس ، وهو الحق الذى ظهر فيه واصفا ، فتارة يجعل الحق هو الوجود
المطلق، وتارة يجعل الوجود المطلق قد ظهر فى هذا الحق ، وهذا تناقض .
ثم يقال له : هذان عندك عبارة عن الرب تعالى فقد جعلته ظاهراً وجعلته
مظهراً ، فإن عنيت بالظهور الوجود فيكون الرب قد وجد مرة بعد مرة ،
وهذا كفر شنيع، فكيف يتصور تكرر وجوده؟ وكيف يتصور أن يكون
قد وجد فى نفسه بعد أن لم يكن موجودا فى نفسه ؟ وإن عنيت به الوضوح
والتجلى، فليس هناك مخلوق يظهر له ويتجلى، إذ العالم بعد لم يخلق ، وأنت
قلت ظهر الحق فيه واصفا، وسميته الرحمن، ولم تجعل ظهوره معلوما ولا مشهودا،
فكيف يتصور أن يكون متجليا لنفسه بعد أن لم يكن متجليا ؟ فإن هذا وصف
له بأنه لم يكن يعلم نفسه حتى عليها .
وأيضا فقد قلت : إنه كان متجليا لنفسه بوحدته ، فهذا كفر وتناقض .
( الوجه السادس ) أن هذا التحير والتناقض مثل تحير النصارى ،
وتناقضهم فى الأقانيم .
١٨٣

فإنهم يقولون : الآب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة ، وهى
إله واحد .
والمتدرع بناسوت المسيح هو الابن ، ويقولون: هى الوجود ، والعلم ،
والحياة، والقدرة .
فيقال لهم : إن كانت هذه صفات فليست آلهة ، ولا يتصور أن يكون
المتدرع بالمسيح إلهاً ، إلا أن يكون هو الآب ، وإن كانت جواهر: وجب
أن لا تكون إلهاً واحداً؛ لأن الجواهر الثلاثة لا تكون جوهراً واحداً ،
وقد يمثلون ذلك بقولنا زيد العالم القادر الحى ، فهو بكونه عالماً ليس هو
بكونه قادراً .
فإذا قيل لهم هذا كله لا يمنع أن يكون ذاتاً واحدة لها صفات متعددة وأنتم
لا تقولون ذلك.
وأيضاً : فالمتحد بالمسيح إذا كان إلهاً: امتنع أن يكون صفة ، وإنما
يكون هو الموصوف؛ وأنتم لا تقولون بذاك ، فما هو الحق لا تقولونه : وما
تقولونه ليس بحق، وقد قال تعالى: ( يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ
وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).
فالنصارى حيارى متناقضون ، إن جعلوا الأقنوم صفة امتنع أن يكون
المسيح إلهاً ، وإن جعلوه جوهراً امتنع أن يكون الإله واحداً ، وهم يريدون
أن يجعلوا المسيح الله ويجعلوه ابن الله، ويجعلوا الآب والابن وروح القدس
١٨٤

إلهاً واحداً . ولهذا وصفهم الله فى القرآن بالشرك تارة ، وجعلهم قسما غير
المشركين تارة ؛ لأنهم يقولون الأمرين وإن كانوا متناقضين .
وهكذا حال هؤلاء فإنهم يريدون أن يقولوا بالاتحاد وأنه ما ثم غير ،
ويريدون أن يثبتوا وجود العالم ؛ جعلوا ثبوت العالم فى علبه وهو شاهد له ،
وجعلوه متجلياً لذلك المشهود له ، فإذا تجلى فيه كان هو المتجلى لا غيره ، وكانت
تلك الأعيان المشهودة هى العالم .
وهذا الرجل وابن عربى : يشتركان فى هذا ولكن يفترقان من
وجه آخر .
فإن ابن عربى يقول : وجود الحق ظهر فى الأعيان الثابتة فى نفسها .
فإن شئت قلت هو الحق ، وإن شئت قلت هو الخلق، وإن شئت قلت هو الحق
والخلق، وإن شئت قلت لاحق من كل وجه ، ولا خلق من كل وجه ، وإن
شئت قلت بالحيرة فى ذلك .
وأما هذا فإنه يقول : تجلى الأعيان المشهودة له ، فقد قالا فى جميع الخلق
ما يشبه قول ملكية النصارى فى المسيح، حيث قالوا: بأن اللاهوت، والناسوت
صارا جوهراً واحداً له أقومان .
وأما التلمسانى فإنه لا يثبت تعددا بحال، فهو مثل يَعاقبةِ النصارى ، وهم
أ كفرهم ، والنصارى قالوا بذلك فى شخص واحد، وقالوا: إن اللاهوت يتدرع
بالناسوت بعد أن لم يكن متدرعا به .
١٨٥

وهؤلاء قالوا : إنه فى جميع العالم ، وأنه لم يزل، فقالوا بعموم ذلك ولزومه
والنصارى قالوا بخصوصه وحدوثه، حتى قال قائلهم : النصارى إنما كفروا
لأنهم خصصوا .
وهذا المعنى : قد ذ كره ابن عربى فى غير موضع من الفصوص، وذ کر
أن إنكار الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص، وإلا فالعارف
المكمل من عبده فى كل مظهر ؛ وهو العابد والمعبود ؛ وأن عباد الأصنام
لو تركوا عبادتهم: لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها، وأن موسى إنما أنكر
على هارون : لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل ؛ لضيق هارون ، وعلم
موسى بأنهم ما عبدوا إلا الله، وأن هارون إنما لم يسلط على العجل ليعبدوا الله
فى كل صورة ، وإن أعظم مظهر عبد فيه هو الهوى، فما عبد أعظم من الهوى؛
لكن ابن عربى يثبت أعياناً ثابتة فى العدم .
وهذا ابن حمويه إنما أثبتها مشهودة فى العلم فقط ، وهذا القول هو
الصحيح؛ لكن لا يتم معه ما طلبه من الاتحاد ، ولهذا كان هو أبعدهم عن تحقيق
الاتحاد وأقرب إلى الإسلام، وإن كان أكثرهم تناقضاً وهذياناً ، فكثرة
الهذيان خير من كثرة الكفر .
ومقتضى كلامه هذا: أنه جعل وجوده مشروطاً بوجود العالم، وإن كان
له وجود ما غير العالم، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن كان
قائماً بالحدقة ، فعلى هذا يكون الله مفتقراً إلى العالم محتاجاً إليه كاحتياج نور العين
١٨٦

إلى الجفنين. وقد قال الله تعالى: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) إلى آخر الآية.
فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى أموالهم ليعطيها الفقراء ؛
فكيف قوله فيمن جعل ذانه مفتقرة إلى مخلوقاته ، بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت
ذاته ، وتفرقت وعدمت ، كما ينتشر نور العين ويتفرق ، ويعدم
إذا عدم الجفن؟ .
وقد قال فى كتابه : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيِنِ زَالَتَآَ)
الآية. فمن يمسك السموات والأرض؟ وقال فى كتابه: (وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنْ تَّقُوَمَ
السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَهْرِهِ) الآية. وقال: ( رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ فَرَوْنَهَا)
وقال ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَقُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
(
لا يؤوده لا يثقله ولا یکر نه.
وقد جاء فى الحديث ؛ حديث أبى داود: (( ما السموات والأرض
وما بينهما فى الكرسى إلا كلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسى فى العرش كتلك
الحلقة فى الفلاة )) وقد قال فى كتابه: ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَاُلْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الآية.
وقد ثبت فى الصحاح من حديث أبى هريرة وابن عمر وابن مسعود :
(( إن الله يمسك السموات والأرض بيده)) فمن يكون فى قبضته السموات
والأرض ، وكرسيه قد وسع السموات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما ،
١٨٧

وبأمره تقوم السماء والأرض، وهو الذى يمسكهما أن تزولا ، أيكون محتاجا
إليهما مفتقراً إليهما، إذا زالا تفرق وانتشر؟.
وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول : إن السموات تقله أو تظله ؛
لما فى ذلك من احتياجه إلى مخلوقاته ، فمن قال : إنه فى استوائه على العرش
محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنه كافر؟ لأن الله غنى عن العالمين
حى قيوم ، هو الغنى المطلق وما سواه فقير إليه ، مع أن أصل الاستواء على
العرش : ثابت بالكتاب والسنة ، واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة، بل هو ثابت
فى كل كتاب أنزل على كل نى أرسل ، فكيف بمن يقول إنه مفتقر إلى السموات
والأرض، وأنه إذا ارتفعت السموات والأرض: تفرق، وانتشر ، وعدم ؟
فأين حاجته فى الحمل إلى العرش، من حاجة ذاته إلى ما هو دون العرش؟ .
ثم يقال لهؤلاء : إن كنتم تقولون بقدم السموات والأرض ودوامهما :
فهذا كفر . وهو قول بقدم العالم ، وإنكار انفطار السموات والأرض
وانشقاقهما ، وإن كنتم تقولون بحدوثهما فكيف كان قبل خلقهما؟ هل كان
منتشراً ، متفرقاً معدوما ، ثم لما خلقهما صار موجوداً مجتمعاً ؟ هل
يقول هذا عاقل ؟ .
فأنتم دائرون بين نوعين من الكفر ، مع غاية الجهل والضلال ، فاختاروا
أيهما شئتم : إن صور العالم لاتزال تفنى ويحدث فى العالم بدلها مثل الحيوان
والنبات والمعادن ، ومثل ما يحدثه اللّه فى الجو من السحاب والرعد والبرق
والمطر وغير ذلك ، فكلما عدم شىء من ذلك: ينتقص من نور الحق ، ويتفرق
١٨٨

ويعدم ، بقدر ما عدم من ذلك ، وكلما زاد شىء من ذلك : زاد نوره
واجتمع ووجد .
وأما إن عنى أن نور الله باق بعد زوال السموات والأرض ؛ لكن
لا يظهر فيه شىء ، فما الشىء الذى يظهر بعد عدم هذه الأشياء؟ وأى تأثير
السموات والأرض فى حفظ نور الله؟.
وقد ثبت فى الصحيح عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إن الله لا ينام ، ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه،
يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور -
أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ،
وقال عبد الله بن مسعود: ((إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات
من نور وجهه )) .
فقد أخبر الصادق المصدوق: أن اللّه لو كشف حجابه لأحرقت سبحات
وجهه ما أدركه بصره من السموات ، والأرض ، وغيرهما ، فمن يكون سبحات
وجهه تحرق السموات والأرض! وإنما حجابه هو الذى يمنع هذا الاحراق ،
أيكون نوره إنما يحفظ بالسموات والأرض؟ .
( الوجه السابع ) قوله فالعلويات جفنها الفوقانى ، والسفليات جفنها
التحتانى ، والتفرقة البشرية فى السفليات، أهداب الجفن الفوقانى ، والنفس
الكلية سوادها ، والروح الأعظم بياضها . يقال له : فإذا كان العالم هو هذه
١٨٩

العين : فالعين الأخرى أى شىء هى؟ وبقية الأعضاء أين هى؟ هذا لازم قولك
إن عنيت بالعين المتعين ، وإن عنيت الذات والنفس - وهو ما تعين فيه -
فقد جعلت نفس السموات ، والأرض ، والحيوان ، والملائكة : أبعاضاً
من اللّه، وأجزاء منه، وهذا قول هؤلاء الزنادقة، الفرعونية الاتحادية، الذين
أتبعهم الله فى الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين.
فيقال له: فعلى هذا لم يخلق الله شيئا، ولا هو رب العالمين، لأنه إما أن
يخلق نفسه أو غيره، خلقه لنفسه محال، وهذا معلوم بالبديهة أن الشىء لا يخلق
نفسه ؛ ولهذا قال تعال: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْشَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ) يقول:
أخلقوا من غير خالق ، أم ثم خلقوا أنفسهم؟ .
ولهذا قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه
الآية أحسست بفؤادى قد انصدع . فقد علموا أن الخالق لا يكون هو المخلوق
بالبديهة ، وخلقه لغيره ممتنع على أصلهم؛ لأن هذه الأشياء هى أجزاء منه ليست
غيراً له .
( الوجه الثامن ) أنه جعل البشر أهداب جفن حقيقة اللّه، وهم دائما
يزيدون وينقصون ، ويموتون ويحيون ، وفيهم الكافر والمؤمن ، والفاجر
والبر ، فتكون أهداب جفن حقيقة الله : لا تزال مفرقة ، كاشرة فاسدة ،
ويكون المشركون، واليهود، والنصارى: أجفان حقيقته ، وقد لعن من جعلهم
أبناءه على سبيل الاصطفاء ، فكيف بمن جعلهم من نفسه؟ .
١٩٠

( الوجه التاسع) أنه متناقض من حيث جعل الروح بياضها، والنفس
الكلية سوادها ، والسموات الجفن الأعلى ، والأرضون الجفن الأسفل .
ومعلوم أن جفنى عين الإنسان : محيطان بالسواد والبياض ، والروح
والنفس عنده هى فوق السموات والأرض ، ليست بين السماء والأرض ،
كما أن سواد العين وبياضها بين الجفنين، فهذا التمثيل مع أنه من أقبح الكفر:
ففيه من الجهالة والتناقض ماتراه .
( الوجه العاشر ) أن النفس الكلية اسم تلقاه عن الصابئة الفلاسفة.
وأما الروح: فإن مقصوده بها هو الذى يسمونه العقل ، وهو أول
الصادرات ، وسماه هو روحا، وهذا بناه على مذهب الصابئة ، وليس هذا من
دين الحنفاء ، وقد بينا فساد ذلك فى غير هذا الموضع.
لكن الصابئة الفلاسفة خير من هؤلاء ؛ فإنهم يقرون بواجب الوجود
الذى صدرت عنه العقول ، والنفوس والأفلاك ، والأرض لا يجعلونها إياه
وهؤلاء يجعلونها إياه .
فقولهم إنما ينطبق على المعطلة ، مثل فرعون - وحزبه - الذى قال :
(وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى) وقال: (يَهَمَنُ
أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ السَّمَوَتِ ) الآية.
فإن فرعون: يقر بوجود هذا العالم ، ويقول : ما فوقه رب ، ولا له
خالق غيره .
١٩١

فهؤلاء إذا قالوا إنه عين السموات والأرض : فقد جحدوا ما جحده
فرعون ، وأقروا بما أقربه فرعون ؛ إلا أن فرعون لم يسمه إلها ولم
يقل هو الله.
وهؤلاء قالوا : هذا هو الله ؛ فهم مقرون بالصانع؛ لكن جعلوه هو الصنعة.
فهم فى الحقيقة معطلون ، وفى اعتقادهم مقرون.
وفرعون بالعكس : كان منكراً للصانع فى الظاهر ، وكان فى الباطن مقرا
به ؛ فهو أكفر منهم ؛ وهم أضل منه وأجهل ؛ ولهذا يعظمونه جدا .
( الوجه الحادى عشر) قول القائل: بل هذا هو الحق الصريح المتبع؛
لا مايرى المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه ، المتحير فى بيداء ضلالته وجهله.
فيقال: من الذى قال هذا الحق من الأولين والآخرين ؟ وهذا كتاب الله
من أوله إلى آخره ، الذى هو كلام الله ، ووحيه ، و تنزيله ، ليس فيه شىء
من هذا ، ولا فى حديث واحد عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد
من أئمة الإسلام ومشايخه ، إلا عن هؤلاء المفترين على اللّه الذين هم فى مشايخ
الدين : نظير جنكيزخان فى أمر الحرب ، فديانتهم تشبه دولته ، ولعل إقراره
بالصانع : خير من إقرارهم ؛ لكن بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون خيرا
من التتار من هذا الوجه .
وأما محققوهم وجمهورهم: فيجوز عندهم التهود والتنصر ، والإسلام
١٩٢

والإشراك ، لا يحرمون شيئا من ذلك ، بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شىء ،
ولا يجب عليه شىء.
ومعلوم أن التتار الكفار : خير من هؤلاء ، فإن هؤلاء مرتدون عن
الإسلام، من أقبح أهل الردة، والمرتد شرمن الكافر الأصلى من وجوه كثيرة،
وإذا كان أبو بكر الصديق قاتل المرتدين بمنعهم الزكاة : فقتال هؤلاء أولى.
وأما ما حكاه عن الذى سماه الشيخ المحقق ، العالم الربانى ، الغوث السابع
( فى الشمعة ) من أنه قال : اعلم أن العالم بمجموعه حدقة عين الله، التى لا تنام
الخ. فالكلام عليه من وجوه .
(أحدها) أن تسمية قائل مثل هذا المقال: محققاً، وعالماً ، وربانياً ،
عين الضلالة والغواية ، بل هذا كلام لا تقوله لا اليهود ، ولا النصارى ،
ولا عباد الأوثان.
فإن كان الذى قاله مسلوب العقل: كان حكمه حكم غيره فى أن اللّه رفع عنه
القلم، وإن كان عاقلا جرأة على الله الذى يقول: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا *
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ) إلى آخر الآيات . وقال:
(وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ)
إلى قوله: ( اُلِّمِينَ ) وقال (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ
مَرْيَمَ ) إلى قوله: ( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
١٩٣

فإذا كان هذا قوله فيمن يقول : إنهم أبناؤه وأحباؤه ، فكيف قوله فيمن
يقول : إنهم أهداب جفنه؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
( الوجه الثانى) أن هذا الشيخ الضال ـ الذى قال هذا الكفر والضلال -
قد نقض آخر كلامه بأوله ، فإن لفظ العين : مشترك بين نفس الشىء ، وبين
العضو المبصر ، وبين مسميات أخر ، وإذا قال بعين الشىء ، فهو من العين التى
بمعنى النفس ، أى تميز بنفسه عن غيره ، فإذا قال : إن العالم بمجموعه حدقة
عين الله - التى لا تنام - فالعين هنا بمعنى البصر.
ثم قال فى آخر كلامه : ونعنى بعين الله ما يتعين اللّه فيه؛ فهذا من العين بمعنى
النفس ، وهذه العين ليس لها حدقة ولا أجفان ، وإنما هذا بمنزلة من قال :
نبعت العين وفاضت، وشربنا منها واغتسلنا، ووزنتها فى الميزان ؛ فوجدتها
عشرة مثاقيل ؛ وذهبها خالص .
وسبب هذا: أنه كان كثيراً ما كان يتصرف فى حروف بلا معان .
( الوجه الثالث ) أنه تناقض من وجه آخر ؛ فإنه إذا كان العالم هو حدقة
العين ؛ فينبغى أن يكون قد بقى من اللّه بقية الأعضاء غير العين، فإذا قال فى آخر
كلامه: والله هو نور العين، كان الله جزءاً من العين، أو صفة له ، فقد جعل
- فى أول كلامه - العالم جزءاً من الله، وفى آخر كلامه جعل الله جزءاً من
العالم ، وكل من القولين كفر ، بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله:
(وَجَعَلُواْ لَهُ، مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ
١٩٤

وَأَصْفَنْكُمْ بِالْبَنِينَ ) فإذا كان الله كفر من جعل له من عباده جزءاً فكيف من
جعل عباده تارة جزءاً منه وتارة جعله هو جزءاً منهم؟!
فلعن الله أرباب هذه المقالات ، وانتصر لنفسه، ولكتابه ، ولرسوله،
ولعباده المؤمنين منهم.
( الوجه الرابع) أنه تناقض من جهة أخرى ، فإنه إذا قال: العين ما يتعين
اللّه فيه، والعالم كله حدقة عينه التى لا تنام ؛ فقد جعله متعيناً فى جميع العالم ؛ فإذا
قال بعدها وهو نور العين ، بقيت سائر أجزاء العين؛ من الأجفان، والأهداب
والسواد؛ والبياض ، لم يتعين فيها ، فقد جعله متعيناً فيها ، غير متعين فيها .
( الوجه الخامس) أن نور العين: مفتقر إلى العين ، محتاج إليها لقيامه بها،
فإذا كان اللّه فى العالم كالنور فى العين؛ وجب أن يكون محتاجاً إلى العالم.
واعلم أن هذا القول يشبه قول الحلولية ؛ الذين يقولون : هو فى العالم
كالماء فى الصوفة ، وكالحياة فى الجسم ونحو ذلك ، ويقولون : هو بذاته فى
كل مكان ؛ وهذا قول قدماء الجهمية ، الذين كفرهم أئمة الإسلام ، وحكى
عن الجهم أنه كان يقول: هو مثل هذا الهواء ، أو قال هو هذا الهواء.
وقوله أولا: هو حدقة عين اللّه، يشبه قول الاتحادية ، فإن الاتحادية
يقولون: هو مثل الشمعة التى تتصور فى صور مختلفة وهى واحدة ، فهو عندهم
الوجود ؛ واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة .
١٩٥

ولهذا كان صاحب هذه المقالات: متخبطا لا يستقر عند المسلمين الموحدين
المخلصين، ولا هو عند هؤلاء الملاحدة الاتحادية من محققيهم العارفين .
فإن هؤلاء كلهم من جنس النصيرية ، والإسماعيلية ، مقالات هؤلاء فى
الرب من جنس مقالات أولئك ، وأولئك فيهم المتمسك بالشريعة ، وفيهم
المتخلى عنها ، وهؤلاء كذلك ، لكن أولئك أحذق فى الزندقة ، وهم يعلمون
أنهم معطلون مثل فرعون، وهؤلاء جهال يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
( الوجه السادس) قوله : إن العلويات والسفليات لو ارتفعت: لانبسط
نور الله تعالى: بحيث لا يظهر فيه شىء أصلا؛ وهذا كلام محمل ، ولا ريب أن
قائل هذه المقالة من المذبذبين ، بين الكافرين والمؤمنين ، لا هو من المؤمنين ،
ولا من الاتحادية المحضة ؛ لكنه قد لبس الحق بالباطل ، وذلك أن الاتحادية
يقولون إن عين السموات والأرض لو زالت لعدم الله، وهذا اللفظ يصرح
به بعضهم ، وأما غالبهم فيشيرون إليه إشارة ، وعوامهم لا يفهمون هذا من
مذهب الباقين ، فإن هؤلاء من جنس القرامطة ، والباطنية ، وأولئك إنما يصلون
إلى البلاغ الأكبر ، الذى هو آخر مراتب خواصهم .
ولهذا حدثنى بعض أكابر هؤلاء الاتحادية : عن صاحب هذه المقالة ،
أنه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف. فقلت له: هذا
من أبطل الباطل ، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد
والإلحاد ، وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذى خلطه ، مثل
١٩٦

قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر
فيه شىء .
فيقال له : إذا ارتفعت العلويات والسفليات : فما تعنى بانبساطه؟ أتعنى
تفرقه وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الأجفان؟ أم تعنى أنه ينبسط شىء
موجود؟ وما الذى ينبسط حينئذ؟ أهو نفس الله، أم صفة من صفاته؟ وعلى
أى شىء ينبسط ؟ وما الذى يظهر فيه أو لا يظهر؟ .
فإن عنيت الأول وهو مقتضى أول كلامك ، لأنك قلت : وإنما قلنا
إن العلويات والسفليات أجفان عين الله لأنهما يحافظان على ظهور النور ، فلو
قطعت أجفان عين الإنسان ؛ لتفرق نور عينه وانتشر ، بحيث لا يرى شيئاً
أصلا ، فكذلك العلويات والسفليات لو ارتفعت : لانبسط نور الله، بحيث
لا يظهر فيه شىء أصلا .
وقد قلت : إن الله هو نور العين، والروح الأعظم بياضها، والنفس
الكلية سوادها .
ومعلوم أن نور العين على ما ذكرته بشرط وجوده هو الأجفان ، فإذا
ارتفع الشرط ارتفع المشروط ، فيكون العالم عندك شرطاً فى وجود الله،
فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله لانتفاء شرطه، وإن أثبت له ذاتا غير العالم
فهذا أحد قولى الاتحادية .
فإنهم تارة يجعلون وجود الحق : هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها ،
١٩٧

وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، وهذا تعطيل محض للصانع
وهو قول القونوى والتلسانى ، وهو قول صاحب الفصوص فى كثير من
كلامه ، وتارة يجعلون له وجوداً قائماً بنفسه ، ثم يجعلون نفس ذلك الوجود
هو أيضاً وجود المخلوقات ، بمعنى أنه فاض عليها؛ وهذا أقل كفراً من الأول ،
وإن كان كلاهما من أغلظ الكفر وأقبحه .
وفى كلام صاحب الفصوص وغيره - فى بعض المواضع - ما يوافق هذا
القول ، وكذلك كلام هذا ، فإنه قد يشير إلى هذا المعنى .
ثم مع ذلك: هل يجعلون وجوده مشروطا بوجود العالم ، فيكون محتاجا
إلى العالم ، أولا يجعلون؟ قد يقولون هذا ، وقد يقولون هذا .
(السابع) إنهم يمدحون الضلال والحيرة، والظلم والخطأ ، والعذاب الذى
عذب الله به الأمم، ويقلبون كلام اللّه وكلام رسوله قلبا يعلم فساده بضرورات العقول
مثل قول صاحب الفصوص : لو أن نوحا ما جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه
فدعاهم جهاراً ، ثم دعاهم إسراراً - إلى أن قال : وذكر عن قومه أنهم تصاموا
عن دعوته ، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ، فعلم العلماء باللّه ما أشار
إليه نوح فى حق قومه ؛ من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا
دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان . ومن أقيم فى القرآن :
لا یصغی إلی الفرقان؛ وإن کان فيه .
فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه ، ونهى عنه ، ويأتون من الإفك
١٩٨

والفرية على اللّه والإلحاد فى أسماء اللّه وآياته، بما: (تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَرْنَ
مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا ) كقول صاحب الفصوص فى فص نوح.
(مِّمَا خَطِيَِّمْ أَغْرِقُواْ ) فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله
وهو الحيرة .
(فَأُدْخِلُواْ نَارًا ) فى عين الماء فى المحمدتين، (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ )
سحرت التنور إذا أوقدته ( فَلَمْ يَجِدُ واْلَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا): فكان اللّه عين
أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد ، فلو أخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة :
لنزلوا عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل لله ، وبالله، بل هو الله.
وَقَالَ نُعُ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ ) الذين استغشوا ثيابهم
وجعلوا أصابعهم فى آذانهم ، طلباً للستر لأنه دعاهم ليغفر لهم ، والغفر
السعر ( دَيَّارًا) أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة (إِنَّكَ إِن تَذَرُّهُمْ ) أى
تدعهم وتتركهم ( يُضِلُّواْ عِبَادَكَ ) أى يحيروهم ويخرجوهم من العبودية، إلى
مافيهم من أسرار الربوبية ، فينظروا أنفسهم أرباباً ، بعد ما كانوا عند أنفسهم
عبيداً ، فهم العبيد الأرباب ( وَلَا يَلِدُوَأْ ) أى ما ينتجون ولا يظهرون
﴿ إِلََّفَاجِرًا ) أى مظهراً ما ستر (كَفَّارًا) أى سائراً ماظهر بعد ظهوره،
فيظهرون ما ستر ، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر ، ولا يعرف قصد
الفاجر فى نجوره ، ولا الكافر فى كفره، والشخص واحد (زَبِّ أَغْفِرْلِ)
أى استرنى، واستر مراحلى، فيجهل مقامى وقدرى كما جبل قدرك فى قولك
١٩٩

( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (وَلِوَلِدَىَ) أى من كنت نتيجة عنهما وهما العقل
والطبيعة (وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى) أى قلبى ( مُؤْمِنًا) مصدقاً بما يكون فيه من الأخبار
الإلهية وهو ما حدثت به أنفسها ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ) من العقول (وَالْمُؤْمِنَتِ ) من
النفوس ( وَلَ نَزِدِالِّمِينَ ) من الظلمات أهل الغيب المكتفين داخل الحجب
الظلمانية ( إِلَّانَبَارًا ) أى هلاكا ، فلا يعرفون نفوسهم ، لشهودهم وجه
الحق دونهم .
وهذا كله: من أقبح تبديل كلام اللّه وتحريفه، ولقد ذم اللّه أهل الكتاب
فى القرآن على ما هو دون هذا ، فإنه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه ،
وأنهم: (يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِ بِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا)
(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).
وهؤلاء قد حرفوا كلام اللّه عن مواضعه أقبح تحريف. وكتبوا كتب
النفاق والإلحاد بأيديهم، وزعموا أنها من عند الله.
تارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الملك الذى يوحى به إلى النبى ،
فيكونون فوق النبى بدرجة .
وتارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله، فيكون أحدهم فى علمه
بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأن الأخذ من معدن واحد .
وتارة يزعم أحدهم أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاه فى منامه هذا النفاق
٢٠٠