Indexed OCR Text

Pages 101-120

والثانى: كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لم أنس ولم تقصر، فقال له
ذو اليدين بلى قد نسيت. وكأن الفرق والله أعلم : - أن من أخبر مع تفريطه
فى الطريق الذى يعلم به صوابه وخطؤه فأخطأ سمى كاذبا - بخلاف من لم يفرط -
[ لأنه](١) تكلم بلا حجة ولا دليل مجازفة فأخطأ ، بخلاف من أخبر غير
مفرط . وهذا الفرق يصلح أن يفرق به فيمن حلف على شىء يعتقده ، كما حلف
عليه فتبين بخلافه أنه إن حلف مجازفاً بلا أصل يرجع إليه مثل من حلف أن
هذا غراب أو ليس بغراب بلا مستند أصلا فبان خطأ ؛ فإن هذا يحنث وذلك
يحنث، مثل هذا و [إن] لم يعلم خطؤه وإن أصاب وهى مسئلة حلفه أنه فى الجنة
وهذا كما تقول: المفتى إذا أفتى بغير علم أنه أثم وإن أصاب، وكذلك المصلى إلى
القبلة بغير اجتهاد ، وكذلك المفسر للقرآن برأيه .
ولهذا تجد هؤلاء فى أخبارهم من أكثر الناس كذبا بل الكذب كالصدق
عندهم ، فيستعملونه بحسب الحاجة ، ولا يبالون إذا أخبروا عن الشىء الواحد
بخبرين متناقضين، وتجدهم فى أعمالهم بحسب أهوائهم، فيعملون العملين المتناقضين
أيضاً ، إذا وافق هذا هو اهم فى وقت ، وهذا هو اهم فى وقت .
وهم دائماً مع المطاع سواء كان مؤمناً ، أو كافراً ، أو براً أو فاجراً ،
أو صديقاً أو زنديقاً ، والتتار قبل إسلامهم وإن شر کوهم فى هذا : فهم [ احسن
منهم] فى الخبريات إذ التتار لا يخبرون عن الأمور الإلهية : بالخبرين المتناقضين
بل أحدهم إما أن يعتقد الشىء علماً أو تقليداً ، أو لا يعتقد شيئاً ، فأما أن يجمع
(١) بالأصل ((كأنه)).
١٠١

بين النقيضين فلا، فهؤلاء شر حالا من مثل التتار، ولهذا ليس لهم عاقبة ، فإنهم
ليسوا متقين يميزون بين مأمور، ومحظور، وصدق وكذب ، والعاقبة إنما هى
للمتقين ، وإنما قيام أحدهم : بقدر ما يكون قادراً .
ومعلوم أن قدرة أحدهم لا تدوم ، بل يعمل بها من الأعمال ما يكون
سبب الوبال؛ ولا ريب أن هؤلاء مندرجون فى قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَصَدُ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ) وفى قوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُوا ◌ْالْتَطِلَ)
وقوله: ( وَلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّى إِذَا جَآءَ هُوَ
يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهِ عِندَهُ فَوَقَّنُهُ حِسَابَهُ) وفى قوله: (مَّثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍآشْتَدَتْ بِهِ الْرِيُحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لََّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ)
وفى قوله: (صُ بُكْمَّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ). وفى قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌّ لََّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْءَ اذَانٌ لَّا
يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْيِ بَلْ هُمْأَضَلُّ ) .
ولا ريب أن الحق نوعان: حق موجود ، وبه يتعلق الخبر الصادق ، وحق
مقصود: وبه يتعلق الأمر الحكيم ، والعمل الصالح، وضد الحق : الباطل ومن
الباطل الثانى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل لهو يلهو الرجل به فهو باطل
إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق، والحق الموجود
إذا أخبر عنه بخلافه كان كذبا ، وهؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل ، بين
الحق الموجود، الذى ينبغى اعتقاده ، والباطل المعدوم الذى ينبغى نفيه فى الخبر
١٠٢

عنهما ، ولا بين الحق المقصود الذى ينبغى اعتماده ، والباطل الذى ينبغى اجتنابه،
بل يقصدون ما هووه وأمكنهم منهما .
وأصدق الحق الموجود : ما أخبر الله بوجوده ، والخبر الحق المقصود
ما أمر الله به ؛ وإن شئت قلت أصدق خبر عن الحق الموجود خبر الله ، وخير
أمر بالحق المقصود أمر الله، والإيمان يجمع هذين الأصلين: تصديقه فيما
أخبر، وطاعته فيما أمر. وإذا قرن بينهما قيل: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ ) والعمل خير من القول، كما قال الحسن البصرى: ((ليس الإيمان
بالتمنى ولا بالتحلى ؛ ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل .
١٠٣

سئل الشيخ :
عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة فى الفساد ، وقعلق كل منهم بسبب .
ومنهم من قال: إن يونس القتات يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب،
وأليم العقاب.
ومنهم من يزعم أن عليا الحريرى كان قد أعطى من الحال ما إنه إذا خلا
بالنساء والمردان، يصير فرجه فرج امرأة .
ومنهم من يدعى النبوة ، ويدعى أنه لا بد له من الظهور فى وقت ، فيعلو
دينه وشريعته ؛ وإن من شريعته السوداء تحريم النساء ، وتحليل الفاحشة
اللوطية ، وتحريم شىء من الأطعمة وغيرها ؛ كالتين ، واللوز، والليمون .
وتبعه طائفة : منهم من كان يصلى فترك الصلاة ، ويجتمع به نفر مخصوصون فى
كثير من الأيام الخ.
فأجاب : -
أما قول القائل إن يونس القتاتى يخلص أتباعه ومريديه من سوء الحساب،
وأليم العذاب يوم القيامة .
١٠٤

فيقال جواباً عاماً : من ادعى أن شيخاً من المشايخ يخلص مريديه يوم
القيامة من العذاب : فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله صلى الله عليه
وسلم ؛ ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل .
فإنه قد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يافاطمة
بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئاً، ياصفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله
شيئاً يا عباس عم رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً، سلونى ما شئتم من مالى)
و ثبت عنه فى الصحيح أنه قال : «لا ألفين أحدكم يحىء يوم القيامةو على رقبته بعیر
له رغاء ، فيقول : يا رسول الله أغثنى! فأقول: لا أغنى عنك من الله شيئاً قد
بلغتك)) الحديث بتمامه. وذكر مثل ذلك فى غير ذلك من الأقوال.
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذا لأهل بيته،
وأصحابه الذين آمنوابه ، وعزروه ونصروه؛ من المهاجرين والأنصار - يقول
إنه ليس يغنى عنهم من الله شيئاً - فكيف يقال : فى شيخ غايته أن يكون من
التابعين لهم بإحسان؟ وقد قال تعالى: ( وَمَا أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الذِينِ * ثُمَّمَآ أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ
الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَِذٍ لَِّهِ) وقال: (وَأَتَّقُواْ يَوْمَا لَّا
تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا ) وأمثال ذلك من نصوص القرآن والسنة .
وقد علم أنه ليس للأنبياء وغيرهم يوم القيامة إلا الشفاعة . وقد ثبت
فى الصحيح أن الناس يأتون آدم ليشفع فيقول: نفسى نفسى، وكذلك يقول
نوح، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى - وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل -
١٠٥

وهم أفضل الخلق ، ويقول لهم عيسى: اذهبوا إلى محمد ، عبد غفر الله له ما تقدم
من ذنبه وما تأخر ، فإذا رأيت ربى خررت له ساجداً ، فيقول: أى محمد ! ارفع
رأسك وقل يسمع ، واسأل تعط ، واشفع تشفع ، فيحد لى حداً فأدخلهم الجنة
وذكر مثل ذلك فى المرة الثانية .
فهذا خير الخلق وأكرمهم على الله، إذا رأى ربه لا يشفع حتى يسجد له،
ويحمده، ثم يأذن له فى الشفاعة ؛ فيحد له حداً يدخلهم الجنة . وهذا تصديق
قوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ ) إلى غير ذلك من الآيات.
وقد جاء فى الحديث الصحيح : أنه تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ؛
لكن بإذنه فى أمور محدودة ، ليس الأمر إلى اختيار الشافع. فهذا فيمن علم أنه
يشفع، فلو قال قائل: إن محمداً يخلص كل مريديه من النار : لكان كاذباً ؛ بل فى
أمته خلق يدخلون النار، ثم يشفع فيهم ؛ وأما الشيوخ فليس لهم شفاعة
كشفاعته والرجل الصالح قد يشفعه الله فيمن يشاء، ولا شفاعة إلا فى
أهل الإيمان.
وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس : فكثير منهم كافر بالله ورسوله ،
لا يقرون بوجوب الصلاة الخمس ، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق ،
ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ؛ بل لهم من الكلام فى سب اللّه ورسوله،
والقرآن والإسلام : ما يعرفه من عرفهم.
١٠٦

وأما من كان فيهم من عامتهم - لا يعرف أسرارهم وحقائقهم - فهذا
يكون معه إسلام عامة المسلمين، الذى استفاده من سائر المسلين لامنهم ؛ فإن
خواصهم مثل الشيخ سلول، وجهلان، والصهبانى وغيرهم: فهؤلاء لم يكونوا
يوجبون الصلاة ؛ بل ولا يشهدون للنبى صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
وفى أشعارهم - كشعر الكوجلى وغيره - من سب النبي صلى الله عليه
وسلم، وسب القرآن والإسلام: مالا يرضى به لا اليهود، ولا النصارى. ثم
منهم من يقول هذا الشعر ليونس. ومنهم من يقول: هو مكذوب على يونس،
لكن من المعلوم المشاهد أنهم ينشدون الكفر ويتواجدون عليه، ويبول أحدهم.
فى الطعام ويقول يشرح كبدى يونس، أوماء وَرْدِ يونس، ويستحلون الطعام
الذى فيه البول ويرون ذلك بركة .
وأما كفرياتهم: مثل قولهم وأنا حميت الحى، وأنا سكنت فيه، وأنا
تركت الخلائق فى مجارى التيه، موسى على الطور لما خر لى ناجا ، وصاحب
أقرب أنا جنبوه حتى جا ، يوم القيامة يرى الخلائق أفواجا ، إلى [ نبيه] عيسى
يقضى لهم حاجا .
ويقولون: تعالوا نخرب الجامع ونجعل منه جمارة ، ونكسر خشب المنبر
ونعمل منه زنارة ، ونحرق ورق ونعمل منه طنبارة ، نفتف لحية القاضى
ونعمل منه أوتاره. أنا حملت على العرش حتى صح، وأنا صرخت فى محمد حتى
هج، وأن البحار السبعة من هيتى ترتج.
١٠٧

وأمور أخر أعظم من هذا وأعظم من أن تذكر ؛ لما فيها من الكفر
الذى هو أعظم من قول الذين قالوا : إن لله ولدا .
وأما قول القائل إن من الشيوخ من كان يتحول فرجه فرج امرأة :
فكذب مختلق ؛ بل فى طريقه من المنكرات المخالفة لدين الإسلام ما يعرفه
من يعرف دين الإسلام ، وأصحابه ينقلون عنه كفريات سطروها عنه، كقوله:
لو قتلت سبعين نبياً ما كنت مخطئاً، ومعلوم أن قتل فى واحد من أعظم الكفر،
وفى الحديث المرفوع عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة
من قتل نبياً أو قتله فى )).
وإذا قيل : هذا قاله مشاهدة للحقيقة، القدرية الكونية. أن الله خالق
أفعال العباد كان العذر أقبح من الذنب ؛ فإنه لو كان القدر حجة : لم يكن على
إبليس وفرعون وسائر الكفار ملام، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ، وهذا المحتج
بالقدر لو تعدى عليه أحد لقاتله ، وغضب عليه . فإن كان القدر حجة : فهو
حجة يفعل به ما يريد ، وإن لم يكن حجة لم يؤذ آدمياً ، فكيف يكون حجة
لمن يكفر بالله ورسوله؟.
وآدم عليه السلام إنما حج موسى لأن موسى لامه لما أصابه من المصيبة ،
لم يلبه لحق اللّه تعالى فى الذنب ، فإن آدم تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب
له ، بل قال له: بماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال : تلومنى على أمر قدره
الله على قبل أن أخلق بأربعين سنة؟! فج آدم موسى.
١٠٨

وكذا يؤمر كل من أصابه مصيبة من جهة أبيه وغيره ، أن يسلم لقدر الله،
كما قال تعالى: ( وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ). قال علقمة: هو الرجل تصيبه
المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم . وأما الذنوب : فعلى العبد
أن لا يفعلها ؛ فإن فعلها فعليه أن يتوب منها ، فمن تاب وندم أشبه أباه آدم،
ومن أصر واحتج أشبه عدوه إبليس. قال اللّه تعالى: (فَأَصْبِرُإِنَّ وَعْدَاللَّهِ حَقٌ
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) فالمؤمن مأمور أن يصبر على المصائب ، ويستغفر من
الذنوب والمعائب .
١٠٩

فصل
وأما الذى يدعى النبوة ، وأنه يبيح الفاحشة اللوطية ، ويحرم النكاح ،
وما ذكر من ذلك: فهذا أمر أظهر من أن يقال عنه؛ فإنه من الكافرين، وأخبث
المرتدين ، وقتل هذا ومن اتبعه واجب بإجماع المسلمين ، والواحد من هؤلاء
إما أن يخاطب بالحجة لعل الله أن يتوب عليه ويهديه ؛ وإما أن يقام عليه الحد
فيقتل. فمن كان قادراً على أحد الأمرين لزمه ذلك ، ومن عجز عن هذا وهذا
فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ لكن عليه أن يعرف المعروف ويحبه وينكر
المنكر ويبغضه ، ويفعل ما يقدر عليه من الأمرين - من الأمر والنهى -
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((من رأى منكم منكراً
فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وليس وراء ذلك
من الإيمان مثقال ذرة )). واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
١١٠

المسئول من إحسان شيخ الإسلام
مفتي الأنام (تقى الدين) - أثابة الله الجنة-
أن يفتينا فى رجلين تشاجرا فى هذين البيتين المذكورين؛
وهما قول القائل :-
يا ليت شعرى من المكلف؟
الرب حق والعبد حق
أو قلت رب أنى يكلف؟!
إن قلت عبد فذاك ميت
فقال أحد الرجلين : هذا القول كفر؛ فإن القائل جعل الرب والعبد حقاً
واحداً ليس بينهما فرق، وأبطل التكليف . فقال له الرجل الثانى : ما فهمت
المعنى ، ورميت القائل بما لم يعتقده ويقصده، فإن القائل قال : الرب حق ،
والعبد حق ؛ أى الرب حق فى ربوبيته ، والعبد حق فى عبوديته ، فلا الرب
عبداً ، ولا العبد رباً كما زعمت.
ثم قال : -
يا ليت شعرى من المكلف ؟
مع علمه أن التكليف حق.
فار لمن ينسبه فى القيام به ، فقال: إن قلت عبد فذاك ميت . والميت :
ليس له من نفسه حركة، بل من غيره يقلبه كما يشاء، وكذلك العبد - وإن كان
١١١

حياً - فإنه مع ربه: كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه فعل بغير الله؛ لأنه
سبحانه لولم يقو العبد على القيام بالتكليف: لما قدر على ذلك . فالفعل لله
حقيقة . وللعبد مجازاً ، ودليل ذلك قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم؛
أى لا حول عن المعصية، ولا قوة على الطاعة : إلا بالله.
وقد علم أن الرب ليس عليه تكليف ؛ لأنه لا مكلف له ، والعبد ليس يقوم
بما كلف به إلا باللّه، والتكليف حق.
فتعجب القائل عند شهوده لهذه الحال ! وحار فى ذلك مع الإقرار به ،
وأنه على العبد حق ، فما ينبغى لعاقل أن يقع فيمن لا يفهم كلامه، بل التقصير من
الفهم القصير ، فمع أيهما الحق ؟
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية قدساللهروحه
ونور ضريحه - فقال:
الحمد لله . كلام هذا الثانى كلام باطل، وخوض فيما لم يحط بعلمه، ولم
يعرف حقيقته ، ولا هو عارف بحقيقة قول ابن عربى وأصله ؛ الذى تفرع منه
هذا الشعر وغيره، ولا هو أخذ بمقتضى هذا اللفظ ومدلوله.
فأما أصل ابن عربى فهو أن الوجود واحد . وأن الوجود الواجب هو عين
الوجود الممكن ، والقول بأن المعدوم شىء، وأعيان المعدومات ثابتة فى العدم ،
ووجود الحق فاض عليها ، فوجود كل شىء عين وجود الحق عنده ، وهذا
مبسوط فى غير هذا الموضع.
١١٢

ولهذا قال: ولما كان فرعون فى منصب التحكم صاحب الوقت ، وأنه
الخليفة بالسيف ، وإن جار فى العرف الناموسى لذلك قال: ( أَنَاْرَتِّكُمُ
الْأَعْلَى ) أى وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما ، فأنا الأعلى منهم ، بما أعطيته
فى الظاهر من الحكم فيكم ، ولما علمت السحرة صدقه فيما قال :
لم ينكروه، وأقروا له بذلك. فقالوا له: اقض ما أنت قاض، إنما تقضى
هذه الحياة الدنيا، والدولة لك، فصح قول فرعون: (أَنَاْرَبِّكُمُ الْأَعْلَى)
وإن كان عين الحق .
قال: ومن أسمائه الحسنى العلى ؛ على من! وما ثم إلا هو ؛ وعن ماذا،
وما هو إلا هو . إلى قوله : ومن عرف ما قررناه فى الأعداد ،
وأن نفيها عين إثباتها ، علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه ، فالآمر
الخالق المخلوق ، والأمر المخلوق هو الخالق ، كل ذلك من عين واحدة ،
لا بل هو العين الواحدة .
وقال : ألا ترى أن الحق يظهر بصفات الخلق ؟ فكل صفات الحق
حق له ، كما أن صفات المحدثات حق للخالق ونحو ذلك ، مما يكثر
فى كلامه ، وهذا الرجل له ترتيب فى سلوكه، من جنس ترتيب الملاحدة،
القرامطة . فأول ما يظهر اعتقاد معتزلة الكلابية ، الذين ينفون الصفات
الخبرية ، ويثبتون الصفات السبعة ، أو الثمانية ، ثم بعد ذلك اعتقاد
الفلاسفة ، الذين ينفون الصفات ويثبتون وجوداً واجباً مجرداً ، صدرت
عنه الممكنات .
١١٣

ثم بعد هذا يجعل هذا الوجود هو وجود كل موجود ، فليس عنده
وجودان : أحدهما واجب ، والآخر ممكن . ولا أحدهما خالق ، والآخر
مخلوق ؛ بل عين الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن ، مع تعدد
المراتب ، والمراتب عنده هى الأعيان الثابتة فى العدم ، على زعم من يقول :
إن المعدوم شىء ، ولا ريب أن من جعل المعدوم شيئاً ثابتاً فى الخارج عن
الذهن : فقوله باطل .
لكن أولئك يقولون: إن الخالق جعل لهذه الأعيان وجودا مخلوقاً، وابن
عرب یقول: بل نفس وجوده فاض عليها ، فهى مفتقرة إليه فى وجوده، وهو
مفتقر إلى ثبوتها؛ ولهذا قال : فيعبدنى وأعبده ، ويحمدنى وأحمده ؛ ولهذا
امتنع التكليف عنده ، فإن التكليف يكون من مكلف لمكلف ؛ أحدهما آمراً
والآخر مأموراً ، فامتنع التكليف .
ولهذا مثل ما يوجد من الكلام ، والسمع : بقول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به))
فلما كان المحدث هنا هو المحدث : جعل هذا مثلا لوجود الرب ، فعنده كل كلام
فى الوجود كلامه ، وهو المتكلم عنده ، وهو المستمع.
ولهذا يقول :
إن قلت عبد فذاك ميت .
وفى موضع آخر رأيته بخطه .
١١٤

إن قلت عبد فذاك نفی .
لأن العبد ليس له عنده وجود مخلوق ، بل وجوده هو الوجود الواجب
القديم عنده ، وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع.
فإن كلام الرجل يفسر بعضه بعضاً ، وهذا الأصل - وهو القول بوحدة
الوجود - قوله وقول ابن سبعين ، وصاحبه الششترى ؛ والتلمسانى، والصدر
القونوى ، وسعيد الفرغانى ، وعبد الله البليانى، وابن الفارض صاحب نظم
السلوك، وغير هؤلاء من أهل الإلحاد ، القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد .
وأما مدلول هذا الشعر : فإن قوله:
ياليت شعرى من المكلف؟:
استفهام إنكار للمكلف
ثم قال:
* إن قلت عبد فذاك ميت *
وفى موضع آخر قال فذاك نفى. وكلاهما باطل ؛ فإن العبد موجودوثابت
ليس بمعدوم منتف ؛ ولكن الله هو الذى جعله موجودا ثابتاً ، وهذا هو دين
المسلمين، أن كل ماسوى الله مخلوق لله موجود، بجعل الله له وجوداً؛ فليس لشىء
من الأشياء وجود إلا بإيجاد اللّه له، وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم"
موجوداً حياً ناطقاً فاعلا مريداً قادراً؛ بل هذا كله (١) لا يمنع ثبوت
ذواتها ، وصفاتها ، وأفعالها.
(١، ٢) بياض بالأصل.
١١٥

فهو سبحانه هو الذى جعل الحى حياً ، بل هو الذى جعل المسلم مسلماً ، والمصلى
مصلياً ، كما قال الخليل: (رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ
الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّقِ).
وهذه مسألة خلق أفعال العبيد، وهى مذهب أهل السنة والجماعة ، مع
اتفاقهم على أن العبد مأمورمنهى ، مثاب معاقب ، موعود متوعد ، وهو سبحانه
- الذى جعل الأبيض أبيض، والأسود أسود، والطويل طويلا ، والقصير
قصيرا ، والمتحرك متحركا ، والساكن ساكناً ، والرطب رطباً ، واليابس
يابساً، والذكر ذكراً، والأنثى أنثى، والحلو حلوا، والمر مراً.
ومع هذا فالأعيان تتصف بهذه الصفات ، واللّه تعالى خالق الذوات
وصفاتها ، فأى عجب من اتصاف الذات المخلوقة بصفاتها؟ ومن أين يكون الله
خالق ذلك كله بالحق ؟ فإذا قال القائل : الرب حق والعبد حق : فإن أراد به أن
هذا الحق هو عين هذا: فهذا هو الاتحاد والإلحاد ، وهذا هو الذى ينافى
التكليف ؛ وإن أراد أن العبد حق مخلوق ، خلقه الخالق : فهذا مذهب المسلمين ،
وذلك لا ينافى أن يكون الخالق مُمكناً للمخلوق ، كما أنه خالق له.
وقوله: إنقلت عبد فذاك میت. کذب، فإن العبد ليس بمیت ، بل هوحی
أحياه الله تعالى، كما قال تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ)
والله لا يكلف الميت، وإنما يكلف الحى؛ وإذا قيل إنه أراد بقوله ميت أنه
باعتبار نفسه لا حياة له. قيل: تفسير مراده بهذا فاسد لفظاً ومعنى ، أما اللفظ
فلأن كلامه لا يقتضى ذلك ، وأما المعنى فلأنه إذا فسر ذلك لم يناف التكليف .
١١٦

فإذا كان ميتاً -لولا إحياء الله-وقد أحیاهالله، فقد صار حياً یاحیاء الله له؛
وحينئذ فالله إنما كلف حياً لم يكلف ميتاً ، وأما أقوال إخوان الملاحدة والمحامين
عنهم أنه قال : ليت شعرى من المكلف ؟ مع علمه بأن التكليف حق فار لمن
ينسبه فى القيام به . فقال: إن قلت عبد فذاك ميت. والميت : ليس له من نفسه
حرکة ؛ بل من غيره یقلبه كما يشاء.
و کذلك العبد - وإن كان حياً - فإنه مع ربه کالميت مع الغاسل ، ليس
له من نفسه فعل بغير الله . فيقال لهم: هذا العذر باطل من وجوه:
أحدها : لأنه لا حيرة هنا؛ بل المكلف هو العبد بلا امتراء ولا حيرة ،
فإن الله يمتنع أن يكون هو المكلف بالصيام، والطواف، ورمى الجمار ؛
بل هو الآمر بذلك ، والعبد هو المأمور بذلك ، ومن حار هل المأمور بذلك
الله أو العبد؟ فهو إما يكون فاسد العقل مجنوناً؛ وإِما فاسد الدين ملحداً
زنديقا .
وكون الله خالقاً للعبد ولفعله: لا يمنع أن يكون العبد هو المأمور المنهى؛
فإنه لم يقل أحد قط إن اللّه هو الذى يركع، ويسجد ، ويطوف ، ويرمى
الجمار ، ويصوم شهر رمضان ؛ بل جميع الأمة متفقون على أن العبد هو
الراكع؛ الساجد ، الصائم ، العابد، لا نزاع فى ذلك بين أهل السنة والقدرية.
الثانى : أن قوله إن العبد -- وإن كان حياً - فإنه مع ر به كالميت مع
الغاسل: ليس بصحيح ؛ فإن الميت ليس له إحساس ، ولا إرادة؛ لما يقوم
١١٧

به من الحركة ، ولا قدرة على ذلك، ولا يوصف بأنه يحب الفعل ،
أو يبغضه، أو يريده ، أو يكرهه، ولا أنه يركع ويسجد ، ويصوم ويحج،
ويجاهد العدو .
وقول من قال بهذا : لا يحمد الميت على فعل الغاسل ، ولا يذم ولا يثاب
ولا يعاقب ، وأما العبد فإن الله جعله حياً مريداً، قادراً فاعلا ، وهو يصوم
ويصلى ، ويحج ويقتل ، ويزنى باختياره ومشيئته ، والله خالق ذاته وصفاته
وأفعاله؛ فله مشيئة والله خالق مشيئته، كما قال تعالى: (لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ *
وَمَاتَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ).
وله قدرة، واللّه خالق قدرته ، وهو مصل صائم، حاج معتمر ، واللّه
خالقه وخالق أفعاله، فتمثيله بالميت تمثيل باطل .
الثالث أن يقال: إن كان كالميت مع الغاسل ؛ فيكون الغاسل هو المكلف
فيكون الله هو المكلف، فيلزم أن يكون الرب هو المكلف .
الرابع : أن عقلاء بنى آدم متفقون على ما فطرهم الله عليه ، من أن العبد
الحى يؤمر وينهى ، ويحمد ويذم على أفعاله الاختيارية ، متفقون على أن من
احتج بالقدر على ظلمه وفواحشه : لم يقبل ذلك منه ، فلو ظلم ظالم لغيره : لم يقبل
أحد منه أن يدفع عن نفسه الملام بالقدر . وأما الميت فليس فى العقلاء من يذمه،
ولا يأمره ولا ينهاه، فكيف يقاس هذا بهذا؟.
وأما قول القائل: فإن اللّه لو لم يقوّ العبد على التكليف: لما قدر على ذلك
١١٨

فكلام صحيح ؛ لكن ليس فيه ما ينافى أن يكون مكلفاً ، مأموراً منهياً ، مصليا
صائماً ، قاتلا زانياً .
وأما قوله : فالفعل للّه حقيقة، وللعبد مجاز. فهذا كلام باطل ، بل العبد
هو المصلى الصائم، الحاج المعتمر المؤمن ، وهو الكافر الفاجر ، القاتل الزانى،
السارق حقيقة ، واللّه تعالى لا يوصف بشىء من هذه الصفات ، بل هو منزه
عن ذلك ؛ لكنه هو الذى جعل العبد فاعلا لهذه الأفعال ، فهذه مخلوقاته
ومفعولاته حقيقة ، وهى فعل العبد أيضا حقيقة .
ولكن طائفة من أهل الكلام - المثبتين للقدر - ظنوا أن الفعل هو
المفعول ، والخلق هو المخلوق ؛ فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله:
قالوا فهى فعله. فقيل لهم مع ذلك : أهى فعل العبد؟ فاضطربوا ؛ فمنهم من قال :
هى كسبه لا فعله ، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. ومنهم من قال:
بل هى فعل بين فاعلين . ومنهم من قال : بل الرب فعل ذات الفعل ، والعبد
فعل صفاته .
والتحقيق ما عليه أئمة السنة ، وجمهور الأمة ؛ من الفرق بين الفعل
والمفعول ، والخلق والمخلوق ؛ فأفعال العباد هى كغيرها من المحدثات مخلوقة ،
مفعولة لله : كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة ، مفعولة لله، وليس ذلك
نفس خلقه وفعله، بل هى مخلوقة ومفعولة ، وهذه الأفعال هى فعل العبد القائم
به ، ليست قائمة باللّه ، ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته؛
١١٩

وإنما يتصف بخلقه وفعله ، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته ، والعبد فاعل لهذه
الأفعال، وهو المتصف بها ، وله عليها قدرة ، وهو فاعلها باختياره ومشيئته ،
وذلك كله مخلوق لله ، فهى فعل العبد ، وهى مفعولة للرب .
لكن هذه الصفات : لم يخلقها اللّه بتوسط قدرة العبد، ومشيئته ، بخلاف
أفعاله الاختيارية ؛ فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته ، كما خلق غير
ذلك؛ من المسببات بواسطة أسباب أخر ، وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع ؛
ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة ، والله أعلم .
١٢٠