Indexed OCR Text

Pages 341-360

أنت كما أثنيت على نفسك » فالاستعاذة بمعاناته التى هى فعله، كالسؤال بإثابته التى
هى فعله .
وروى الطبرانى فى ( كتاب الدعاء) عن النبى صلى الله عليه وسلم أن اللّه
يقول: «ياعبدى إنما هى أربع: واحدة لى ، وواحدة لك ، وواحدة بينی
وبينك، وواحدة بينك و بین خلقی ؛ فالتی لی أن تعبدنى لا تشرك بی شيئاً ، والتى
هى لك أجزيك بها أحوج ما تكون إليه، والتى بينى وبينك منك الدعاء ومنى
الإجابة ، والتى بينك وبين خلقى فأت إلى الناس ماتحب أن يأتوه إليك)).
وتقسيمه فى الحديث إلى قوله : واحدة لى ، وواحدة لك، هو مثل تقسيمه
فى حديث الفاتحة ، حيث يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بنی وبین عبدی
نصفين ؛ نصفها لى، ونصفها لعبدى ،، ولعبدى ما سأل، والعبد يعود عليه نفع
النصفين ، والله تعالى يحب النصفين ؛ لكن هو سبحانه يحب أن يعبد ؛ وما يعطيه
العبد من الإعانة، والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقا إلى
عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولا ؛ وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة ،
والهداية إلى الصراط المستقيم؛ وبذلك يصل إلى العبادة، إلى غير ذلك مما يطول
الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه ، وإن كنا خرجنا عن المراد .
( الوجه الثانى) أن الدعاء له سبحانه وتعالى ، والعمل له سبب لحصول
مقصود العبد ، فهو كالتوسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته،
وقد تقدم أن الدعاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح إما أن يكون إقساما به،
٣٤١

أو سبباً به، فإن كان قوله ((بحق السائلين عليك)) إقساما فلا يقسم على الله إلا به
وإن كان سبباً فهو سبب بما جعله هو سبحانه سبباً ، وهو دعاؤه وعبادته .
فهذا كله يشبه بعضه بعضا، وليس فى شىء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء
منه ، ولا عمل صالح منا .
وإذا قال السائل: أسألك بحق الملائكة، أو بحق الأنبياء، وحق الصالحين؛
ولا يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء - فإذا لم يجز له أن يحلف به، ولا يقسم
على مخلوق به، فكيف يقسم على الخالق به ؟ وإن كان لا يقسم به وإنما
یتسبب به ، فليس فی مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده، ولکن
لا بد من سبب منه، كالإيمان بالملائكة والأنبياء ، أو منهم كدعاتهم . ولكن
كثيراً من الناس تعودوا ذلك كما تعودوا الحلف بهم ، حتى يقول أحدهم :
وحقك على الله، وحق هذه الشيبة على الله .
وإذا قال القائل: أسألك بحق فلان ، أو بجاهه : أى أسألك بإيمانى به ،
ومحبّى له، وهذا من أعظم الوسائل. قيل: من قصد هذا المعنى ، فهو معنى صحيح
لكن ليس هذا مقصود عامة هؤلاء ، فمن قال : أسألك بإيمانى بك وبرسولك
ونحو ذلك ، أو بإيمانى برسولك ومحبتى له ونحو ذلك ، فقد أحسن فى ذلك
كما قال تعالى فى دعاء المؤمنين: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِ يًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُوا
بِرَبَّكُمْ فَامَتَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) وقال
تعالى : ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَاَءَ امَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) وقال
تعالى: ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ
٣٤٢

خَيْرُ الزَّحِمِينَ ) وقال تعالى: (رَبَّنَآءَ امَتَابِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا
مَعَ الشَّهِدِينَ).
وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتنى فأطعت ، ودعوتنى فأجبت ، وهذا
سحر فاغفر لى. ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فأووا إلى
الغار ، وانطبقت عليهم الصخرة، ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم الصالحة، ففرج
عنهم وهو ما ثبت فى الصحيحين .
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا : حدثنا خالد بن خراش العجلانى وإسماعيل بن
إبراهيم ، قالا حدثنا صالح المرى عن ثابت عن أنس قال : دخلنا على رجل من
الأنصار وهو مريض ثقيل ، فلم نبرح حتى قبض ، فبسطنا عليه ثوبه ، وله أم
عجوز کبیرة عند رأسه ، فالتفت إليها بعضنا وقال : يا هذه احتسى مصيتك عند
الله . قالت: وما ذاك، مات ابنى؟ قلنا: نعم. قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا : نعم .
فمدت يديها إلى الله فقالت: اللهم إنك تعلم أنى أسلمت وهاجرت إلى رسولك
رجاء أن تعقبنى عند كل شدة فرجا ، فلا تحمل على هذه المصيبة اليوم . قال :
فكشفت الثوب عن وجهه ، فما برحنا حتى طعمنا معه ! .
وروى فى كتاب الحلية لأبى نعيم أن داود قال : بحق آبائى عليك،
إبراهيم وإسحاق ويعقوب . فأوحى الله تعالى إليه : ياداود ! وأى حق
لآ بائك على؟ وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ،
ولا يعتمد عليها .
٣٤٣

وقد مضت السنة أن الحى يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر
ما يقدر عليه .
وأما المخلوق الغائب والميت ، فلا يطلب منه شىء . يحقق هذا الأمر أن
التوسل به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه فى لغة
الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه
وشفاعته ؛ ودعاؤه وشفاعته صلى اللّه عليه وسلم من أعظم الوسائل عند
الله عز وجل .
وأما فى لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته ،
والله تعالى لا يقسم عليه بشىء من المخلوقات ، بل لا يقسم بها بحال ، فلا يقال
أقسمت عليك يارب بملائكتك ، ولا بكعبتك ، ولا بعبادك الصالحين ،
كما لا يجوز أن يقسم الرجل بهذه الأشياء ، بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه
وصفاته، ولهذا كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته فيقول ((أسألك
بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض ياذا الجلال
والإكرام، يا حي يا قيوم ، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذى لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك))
الحديث كما جاءت به السنة .
وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له فى دين الإسلام:
وكذلك قوله «اللهم إنى أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك
وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى ، وبكلماتك التامات )).
٣٤٤

مع أن هذا الدعاء الثالث فى جواز الدعاء به قولان للعلماء ، قال الشيخ
أبو الحسن القدوری فی کتابه المسمى بشرح الكرخی : قال بشر بن الوليد سمعت
أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به ، وأكره أن
يقول ((بمعاقد العز من عرشك)، أو ((بحق خلقك)). وهو قول أبى يوسف قال
أبويوسف: ((معقد العز من عرشه)) هو الله، فلا أكره هذا وأكره أن يقول:
((بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام)، قال القدورى: المسألة
بخلقه لا تجوز ، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز - يعنى وفاقا -
وهذا من أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما يقتضى المنع أن يسأل الله بغيره.
فإن قيل: الرب سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته ، وليس لنا أن
تقسم عليه إلا به . فهلا قيل : يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته ، وأن لا يقسم
على مخلوق إلا بالخالق تعالى؟ قيل لأن إقسامه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء
عليه وذكر آياته ، وإقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه
أو تصديق خبر أو تكذیه.
ومن قال لغيره: أسألك بكذا . فإما أن يكون مقسما فهذا لا يجوز بغير الله
تعالى ، والكفارة فى هذا على المقسم لا على المقسم عليه، كما صرح بذلك أئمة
الفقهاء. وإن لم يكن مقسما فهو من باب السؤال، فهذا لا كفارة فيه على واحد منهما.
فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق ، وذلك لا يجوز.
وإما أن يكون سائلا به، وقد تقدم تفصيل ذلك. وإذا قال « بالله أفعل كذا))
٣٤٥

فلا كفارة فيه على واحد منهما، وإذا قال ((أقسمت عليك باللّه لتفعلن)) أو ((والله
لتفعلن ) فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف .
والذى يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به ، وأما إذا أقسم
على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا، كما كان يفعل
البراء بن مالك وغيره من السلف، فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال «رب أشعث أغبر ذى طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)»
وفى الصحيح أنه قال ، لما قال أنس بن النضر : والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية
الربيع، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((يا أنس، كتاب الله القصاص)) فعفا
القوم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله
لأبره)) وهذا من باب الحلف بالله لتفعلن هذا الأمر ، فهو إقسام عليه تعالى
به وليس إقساما عليه بمخلوق .
وينبغى للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التى جاء بها الكتاب والسنة ،
فإن ذلك لا ريب فى فضله وحسنه ، وأنه الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم
الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا
كانت لكم حاجة فاسألوا الله بجاهى، حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم،
ولا هو فى شىء من كتب الحديث ، وإنما المشروع الصلاة عليه فى كل دعاء .
ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء فى الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ،
لم يذكروا فيما شرع للمسلمين فى هذه الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من العلماء
٣٤٦

دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره فى حال من الأحوال ؛ وإن كان بينهما
فرق ؛ فإن دعاء غير الله كفر، ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين .-
لا الأنبياء ولا غيرهم - عن أحد من السلف وأئمة العلم، وإنما ذكره بعض
المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين ، بخلاف قولهم : أسألك بجاه
نينا أو بحقه ، فإن هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله ، ولم يكن مشهورا
بينهم ، ولا فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل السنة تدل على النهى عنه
كما نقل ذلك عن أبى حنيفة وأبی یوسف وغيرهما .
ورأيت فى فتاوى الفقيه أبى محمد بن عبد السلام قال : لا يجوز أن يتوسل
إلى اللّه بأحد من خلقه إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح حديث
الأعمى : فلم يعرف صحته - ثم رأيت عن أبى حنيفة، وأبى يوسف وغيرهما من
العلماء ، أنهم قالوا : لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء، ورأيت فى كلام
الإمام أحمد أنه فى النبى صلى الله عليه وسلم؛ لكن قد يخرج على إحدى الروايتين
عنه فى جواز الحلف به - وقد تقدم أن هذا الحديث لا يدل إلا على التوسل
بدعائه، ليس من باب الإقسام بالمخلوق على الله تعالى ، ولا من باب السؤال
بذات الرسول كما تقدم. والذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا
به وشرع لهم - وهو من أنفع الأمور لهم - إلى ما ليس كذلك ، فإن الصلاة
عليه من أعظم الوسائل التى بها يستجاب الدعاء وقد أمر الله بها.
والصلاة عليه فى الدعاء هو الذى دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى:
(إِنَّاللَّهَ وَمَّبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِّ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواتَسْلِيمًا ).
٣٤٧

وفى الصحيح عنه أنه قال. ((من صلى علىَّ مرة صلى الله عليه عشراً)، وعن
فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم رجلا يدعو فى صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبى صلى الله عليه
وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((عجل هذا!)) ثم دعاه فقال له أو لغيره:
(( إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بعده بما شاء )) رواه
أحمد وأبو داود - وهذا لفظه- والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث صحيح.
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى اللّه
عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول؛ ثم صلوا على؛ فإنه
من صلى على صلاة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة
فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل الله
لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة ».
وفى سنن أبى داود والنسائى عنه أن رجلا قال : يا رسول الله إن المؤذنين
يفضلوننا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قل كما يقولون، فإذا انتهيت
سل تعطه)) وفى المسند عن جابر بن عبد الله قال ((من قال حين ينادى المنادى:
اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضاء
لا سخط بعده، استجاب الله له دعوته)).
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الدعاء
لا يرد بين الأذان والإقامة » رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وقال
الترمذی : حديث حسن .
٣٤٨

وعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ساعتان
تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد على داع دعوته: عند حصول النداء ، والصف
فی سبیل الله » رواه أبو داود.
وفى المسند والترمذى وغيرهما عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال «يا أيها الناس
اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة. جاء الموت بما فيه)).
قال أبىّ: قلت يارسول الله إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من
صلاتى؟ قال ((ماشئت)) قلت؛ الربع؟ قال: ماشئت، وإن زدت فهو خيرلك)»
قلت: النصف؟ قال ((ماشئت، وإن زدت فهو خير لك)» قلت : الثلثين ؟ قال
((ما شئت، وإن زدت فهو خير لك)) قلت : أجعل لك صلاتى كلها ؟ قال
((إذاً يكفيك اللّه ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)) وفى لفظ (( إذاً تكفى
همك، ويغفر ذنبك » .
وقول السائل : أجعل لك من صلاتى ؟ يعنى من دعائى ؛ فإن الصلاة
فى اللغة هى الدعاء. قال تعالى: ( وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ).
وقال النى صلى الله عليه وسلم ((اللهم صل على آل أبى أوفى)) وقالت:
امرأة: صل علىَّ يا رسول الله وعلى زوجى، فقال ((صلى الله عليك وعلى
زوجك ».
فيكون مقصود السائل أى يا رسول الله إن لى دعاء أدعو به أستجلب به
٣٤٩

الخير، وأستدفع به الشر، فكم أجعل لك من الدعاء، قال: ((ماشئت)) فلما
انتهى إلى قوله: أجعل لك صلاتى كلها؟ قال ((إذا تكفى همك ويغفر ذنبك)).
وفى الرواية الأخرى ((إذاً يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك))،
وهذا غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات؛ فإن الدعاء
فيه تحصيل المطلوب، واندفاع المرهوب ، كما بسط ذلك فى مواضعه.
وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية ، وأعرضوا عن
الأدعية البدعية ، فينبغى اتباع ذلك. والمراتب فى هذا الباب ثلاث :-
(إحداها ) أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء
والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيدى فلان أغثنى، أو أنا أستجير بك ،
أو أستغيث بك ، أو انصرنى على عدوى . ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله.
والمستغيث بالمخلوقات قد يقضى الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له فى
صورة الذى استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به ؛ وإنما هو شيطان
دخله وأغواه لما أشرك بالله، كما يتكلم الشيطان فى الأصنام وفى المصروع وغير ذلك
ومثل هذا واقع كثيرا فى زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه
فى قوم استغاثوا بى أو بغيرى ، وذكروا أنه أتى شخص على صورتى أو صورة
غيرى وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من بركة الاستغاثة (بى) أو بغيرى!
وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء
مع الله تعالى فى الصدر الأول من القرون الماضية كما ثبت ذلك فهذا أشرك بالله
نعوذ بالله من ذلك .
٣٥٠

وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لى وتب على، كما يفعله طائفة من الجهال
المشركين .
وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلى إليه ويرى الصلاة أفضل
من استقبال القبلة ، حتى يقول بعضهم : هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام.
وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج، حتى يقول إن السفر
إليه مرات يعدل حجة ، وغلاتهم يقولون: الزيارة إليه مرة أفضل من حج
البيت مرات متعددة. ونحو ذلك ، فهذا شرك بهم ، وإن كان يقع كثير
من الناس فى بعضه .
(الثانية) أن يقال للبيت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لى،
أو ادع لنا ربك ، أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها - فهذا أيضاً
لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة؛
وإن كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبى صلى الله عليه
وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم ((السلام عليكم أهل الديار
من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. يغفر الله لنا ولكم نسأل
الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم».
وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من
رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنیا فیسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى
يرد عليه السلام) .
٣٥١

وفى سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من مسلم
يسلم على إِلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام)» لكن ليس من
المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء ولا غيره . وفى موطأ مالك أن ابن
عمر كان يقول: ((السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام
عليك يا أبت)، ثم ينصرف.
وعن عبد الله بن دينار قال : رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي
صلى الله عليه وسلم فيصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، ويدعو لأبى بكر وعمر.
وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه
وسلم ، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى، لا يدعون مستقبلى
الحجرة ، وإن كان قد وقع فى بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية
والعامة من لا اعتبار بهم ، فلم يذهب إلى ذلك إمام متبع فى قوله، ولا من له
فى الأمة لسان صدق عام .
ومذهب الأئمة الأربعة - مالك وأبى حنيفة والشافعي وأحمد - وغيرهم
من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادأن يدعو
لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا فى وقت السلام عليه فقال الثلاثة - مالك
والشافعى وأحمد - : يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه ، وقال
أبو حنيفة : لا يستقبل الحجرة وقت السلام ، كما لا يستقبلها وقت
الدعاء باتفاقهم.
ثم فى مذهبه قولان : -
٣٥٢

قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره.
فهذا نزاعهم فى وقت السلام، وأما فى وقت الدعاء فلم يتنازعوا فى أنه إنما
يستقبل القبلة لا الحجرة (١).
والحكاية التى تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة
فأمره بذلك وقال: ((هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم»: كذب على مالك ليس
لها إسناد معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات فى كتب
أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضى وغيره، مثل ما ذكروا عنه أنه سئل
عن أقوام يطيلون القيام مستقبلى الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك ،
وذكر أنه من البدع ، التى لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال :
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك ، فإن الآثار المتواترة عن الصحابة
والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ، ولو كان استقبال الحجرة
عند الدعاء مشروعاً لكانواهم أعلم بذلك ، وكانوا أسبق إليه من بعدهم والداعى
یدعو الله وحده. وقد نهىعن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالی کما نھی عن
استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن أبى مرئد
(١) في الرسالة المفردة : بل قد تنازع العلماء فى السلام على النبي صلى الله عليه
وسلم: فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة، ويستدبر القبر . وقال مالك والشافعي : بل
يستقبل القبر، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويستدبر القبر ، ويجعل القبر عن يساره،
أويمينه، وهو الصحيح، إذ لا محذور في ذلك
٣٥٣

الغنوىّ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)).
فلا يجوز أن يصلى إلى شىء من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم ، لهذا
الحديث الصحيح.
ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر ، بل هذا
من البدع المحدثة، وكذلك قصد شىء من القبور، لاسيما قبور الأنبياء والصالحين
عند الدعاء، فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه
أولى أن لا يجوز ، كما أنه لا يجوز أن يصلى مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له
بطريق الأولى .
فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئاً: لا يطلب منه أن يدعو الله له
ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكى إليه شىء من مصائب الدنيا والدين ؛ ولو
جازأن يشكى إليه ذلك فى حياته ، فإن ذلك فى حياته لا يفضى إلى الشرك
وهذا يفضى إلى الشرك، لأنه فى حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له
فى ذلك من الأجر والثواب ، وبعد الموت ليس مكلفاً ، بل ما يفعله من ذكر
للّه تعالى ودعاء ونحو ذلك - كما أن موسى يصلى فى قبره ؛ وكما صلى الأنبياء
خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ببيت المقدس، وتسبيح أهل الجنة
والملائكة - فهم يمتعون بذلك، وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم
ويقدره لهم . ليس هو من باب التكليف الذى يمتحن به العباد.
وحينئذ. فسؤال السائل للميت لا يؤثر فى ذلك شيئاً ؛ بل ماجعله الله فاعلا
له هو يفعله وإن لم يسأله العبد؛ كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به ، وهم إنما
٣٥٤

يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق؛ كما قال سبحانه وتعالى: (وَقَالُواْاتَّخَذَ
الرَّحْمَنُ وَلَدَأْسُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادُ شُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)
فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه وتعالى.
ولا يلزم من جواز الشىء فى حياته جوازه بعد موته؛ فإن بيته كانت
الصلاة فيه مشروعة . وكان يجوز أن يجعل مسجداً . ولما دفن فيه حرم أن
يتخذ مسجداً؛ كما فى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» يحذر ما فعلوا . ولولا ذلك
لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً .
وفى صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن من كان
قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنها كم
عن ذلك» . وقد کان صلى الله عليه وسلم فی حیاته يصلى خلفه ، وذلك من
أفضل الأعمال ، ولا يجوز بعد موته أن يصلى الرجل خلف قبره ، وكذلك
فى حياته يطلب منه أن يأمر ، وأن يفتى وأن يقضى ، ولا يجوز أن يطلب ذلك
منه بعد موته . وأمثال ذلك كثير .
وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأن هذا اللفظ لم يرد . والأحاديث المروية فى زيارة قبره كلها ضعيفة
بل كذب. وهذا اللفظ صار مشتركا فى عرف المتأخرين يراد به ( الزيارة
البدعية ) : التى فى معنى الشرك؛ كالذى يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به،
أو يسأل الله عنده.
٣٥٥

و (الزيارة الشرعية): هى أن يزوره للّه تعالى: للدعاء له، والسلام عليه
کما یصلی علی جنازته .
فهذا الثانى هو المشروع، ولكن كثير من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى
الأول ، فكره مالك أن يقول: زرت قبره ، لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذى
يقصده أهل البدع والشرك.
(الثالثة ) أن يقال : أسألك بفلان ، أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك
الذی تقدم عن أبى حنيفة وأبی یوسف وغيرهما أنه منهى عنه .
وتقدم أيضاً أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة ، بل عدلوا عنه إلى التوسل
بدعاء العباس وغيره.
وقد تبين ما فى لفظ ((التوسل، من الاشتراك بين ما كانت الصحابة
تفعله وبين مالم يكونوا يفعلونه ، فإن لفظ التوسل والتوجه فى عرف الصحابة
ولغتهم هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته.
ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن ، وإن كان بعض
الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)) ((أو فاستعينوا بأهل القبور))
فهذا الحديث كذب مفترى على النبى صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين
بحديثه ، لم يروه أحد من العلماء بذلك ، ولا يوجد فى شىء من كتب
الحديث المعتمدة .
٣٥٦

وقد قال تعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىّ اُلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى
بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا) وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه
غير مشروع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك -
عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك - ولعن أهله تحذيراً من التشبه بهم ، فإن
ذلك أصل عبادة الأوثان. كما قال تعالى: ( وَقَالُواْ لَنَذَرُنَّ الِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا
وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ).
فإن هؤلاء كانوا قوماً صالحين فى قوم نوح. فلما ماتوا عكفوا على
قبورهم، ثم صوروهم ، ثم اتخذوا الأصنام على صورهم ، كما تقدم ذكر ذلك
عن ابن عباس وغيره من علماء السلف. فمن فهم معنى قوله: ( إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّكَ
نَسْتَعِينُ) عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده وأنه يستعان
بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون
إلا عليه ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ) فالنصر المطلق - وهو خلق ما يغلب به
العدو - لا يقدر عليه إلا الله، وفى هذا القدر كفاية لمن هداه الله، والله أعلم.
وهذا الذى نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من هذا الشرك هو كذلك
فى شرائع غيره من الأنبياء: ففى التوراة أن موسى عليه السلام نهى بنى إسرائيل
عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك ، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة
الله لمن فعله؛ وذلك أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم،
كما فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إنا معشر
الأنباء ديننا واحد )) .
٣٥٧

وقد قال تعالى: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
وَمَا وَضَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْفِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْمِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً
إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْأُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ * فَتَقَطَّعُواْ
أَخْرَ هُم بَيْتَهُمْ زُبُرَ كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَتِهِمْ فَرِحُونَ ) وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ
حَنِيفًاً فِطْرَتَ اَللَّهِالَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *
مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ ) وهذا هو دين الإسلام الذى لا يقبل الله دينا غيره من الأولين
والآخرين ، كما قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع.
٣٥٨

فصل
وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله ، وما نهى الله عنه و رسوله -- فی حق
أشرف الخلق وأكرمهم على الله عز وجل، وسيد ولد آدم وخاتم الرسل
والنبيين ، وأفضل الأولين والآخرين ، وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم
جاها عند الله تبارك وتعالى - تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين
أولى بأن لا يشرك به ، ولا يتخذ قبره وثناً يعبد ، ولا يدعى من دون الله
لا فی حیاته ولا فی مماته .
ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ، ولا الميتين مثل
أن يقول: ياسيدى فلانا أغثنى، وانصرنى ، وادفع عنى ، أو أنا فى حسبك ،
ونحو ذلك؛ بل كل هذا من الشرك الذى حرم الله ورسوله، وتحريمه بما يعلم
بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم
وغير قبورهم - لما كانوا من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم
ويغويهم، كما يضل عباد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين فى صورة ذلك
المستغاث به ، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة ، كما تخاطب الشياطين
الكهان ، وبعض ذلك صدق ، لكن لا بد أن يكون فى ذلك ما هو كذب
بل الكذب أغلب عليه من الصدق .
٣٥٩

وقد تقضى الشياطين بعض حاجاتهم ، وتدفع عنهم بعض مايكرهونه ،
فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذى جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن
أن الله تعالى صور ملكا -على صورته- فعل ذلك، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ
وحاله! وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به ، كما
تدخل الشياطين فى الأصنام وتكلم عابديها وتقضى بعض حوائجهم، كما كان
ذلك فى أصنام مشركى العرب ، وهو اليوم موجود فى المشركين من الترك والهند
وغيرهم؛ وأعرف من ذلك وقائع كثيرة فى أقوام استغاثوا بى، وبغیری فی حال
غيبتنا عنهم ، فرأونى أو ذاك الآخر الذى استغائوا به قد جئنا فى الهواء
ودفعنا عنهم ، ولما حدثونى بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان قصور
بصورتى وصورة غيرى من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات
للشيخ فتقوى عزائمهم فى الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين ، وهذا من أكبر
الأسباب التى بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان.
وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس
يرون أيضاً من يأتى على صورة ذلك الشيخ النصرانى الذى استغاثوا به فيقضى
بعض حوائجهم.
وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء ، والصالحين ،
والشيوخ ، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم غاية أحدهم أن يجرى له
بعض هذه الأمور، أو يحكى لهم بعض هذه الأمور ، فيظن أن ذلك
كرامة ، وخرق عادة بسبب هذا العمل . ومن هؤلاء من يأتى إلى قبر الشيخ
٣٦٠