Indexed OCR Text

Pages 261-280

يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يحتهدوا فى معرفة صحيحها وضعيفها
وتميز رجالها .
وكذلك الذين تكلموا فى الحديث والرجال ؛ ليميزوا بين هذا وهذا لأجل
معرفة الحديث؛ كما يفعل أبو أحمد بن عدى، وأبو حاتم البستى ، وأبو الحسن
الدار قطنى ، وأبو بكر الإسماعيلى وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقى،
وأبو إسماعيل الأنصارى ، وأبو القاسم الزنجانى ، وأبو عمر بن عبد البر،
وأبو محمد ابن حزم، وأمثال هؤلاء؛ فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر .
ولم نذكر من لايروى بإسناد - مثل كتاب (وسيلة المتعبدين) لعمر الملا الموصلى
و کتاب (الفردوس) لشهر یار الدیلی، وأمثال ذلك - فإن هؤلاء دون هؤلاء
الطبقات، وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير.
والمقصودهنا : أنه ليس فى هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي
صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه فى مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه ؛ بل
المروى فى ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمداً
من واضعه وإما غلطاً منه .
وفى الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة.
فنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا؛ وهم عبد الله
ومصعب ابنا الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان، وذكره ابن
أبى الدنيا فى كتاب (مجابى الدعاء) ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوى
٢٦١

عن سفيان الثورى عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبى أنه قال: ((لقد رأيت
عجباً ! كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن
الزبير وعبد الملك بن مروان ؛ فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم : ليقم
كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليمانى ، وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة.
ثم قالوا : قم ياعبد الله بن الزبير فإنك أول مولود فى الإسلام بعد الهجرة، فقام
فأخذ بالركن اليمانى ثم قال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ؛ أسألك بحرمة
وجهك وحرمة عرشك وحرمة نبيك أن لا تمیتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز ،
ويسلم على بالخلافة ؛ ثم جاء جلس .
ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليمانى ثم قال : اللهم إنك رب كل شىء، وإليك
يصير كل شىء، أسألك بقدرتك على كل شىء ، ألا تمیتنى من الدنيا حتى تولینی
العراق، وتزوجنى بسكينة بنت الحسين .
ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليمانى ثم قال : اللهم رب
السموات السبع ، ورب الأرض ذات النبت بعد القفر ، أسألك بما سألك
به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول
عرشك)» إلى آخره.
قلت : وإسماعيل بن أبان الذى روى هذا عن سفيان الثورى كذاب ، قال
أحمد بن حنبل: كتبت عنه، ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه . وقال يحيى
ابن معين : وضع حديثا على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعنى المأمون
٢٦٢

وقال البخارى ومسلم وأبو زرعة والدار قطنى: متروك. وقال الجوزجاني: ظهر
منه على الكذب. وقال أبو حاتم : كذاب. وقال ابن حبان: يضع على الثقات.
وطارق بن عبدالعزيز الذى ذكر أن الثورى روى عنه لا يعرف من هو. قال:
فإن طارق بن عبد العزيز المعروف الذى روى عنه ابن مجملان ليس من
هذه الطبقة .
وقد خولف فيها فرواها أبو نعم عن الطبرانى: حدثنا أحمد بن زيد بن
الجريش، حدثنا أبو حاتم السجستانى ، حدثنا الأصمعى قال : حدثنا عبد الرحمن
ابن أبى الزناد عن أبيه قال: ((اجتمع فى الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء
الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا. فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى
الخلافة ، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم، وقال مصعب: أما أنا
فأتمنى إمرة العراق ، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين ، وقال
عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنال كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر
قد غفر له )) .
قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم ، وليس فيه
سؤال بامخلوقات .
وفى الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه : ادع بكذا
وكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء ، وقد ذكر بعض هذه
الحكايات من جمع الأدعية ، وروى فى ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه
٢٦٣

ابن أبى الدنيا فى كتاب (مجابى الدعاء)، قال: حدثنا أبو هاشم، سمعت كثير بن محمد
ابن كثير بن رفاعة يقول : جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر جس بطنه
فقال: بك داء لا يبرأ . قال: ما هو ؟ قال : الدبيلة . قال فتحول الرجل فقال :
الله، الله، الله ربى لا أشرك به شيئا، اللهم إنى أتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة
صلى الله عليه وسلم تسلما ، یا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك وربی یر حمنى ما بى.
قال جس بطنه فقال : قد برئت ، ما بك علة .
قلت : فهذا الدعاء ونحوه قد روى أنه دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن
حنبل فى منسك المروذى التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فى الدعاء، ونها عنه
آخرون . فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته
وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين ، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل
النزاع، وما تنازعوا فیه یرد إلى الله والرسول.
وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ فى
الشريعة ، فإن كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين
ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان
والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التى فى الكنائس ويحصل ما يحصل من
غرضه ، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل
من غرضهم.
فصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته ، وإن كان الغرض مباحا
٢٦٤

فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته ، والشريعة جاءت
بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإلا بجميع المحرمات من
الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد،
لکن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهی الله ورسوله عنها كما أن کثیرا
من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة ، لكن لما
كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع.
فهذا أصل يجب اعتباره ، ولا يجوز أن يكون الشىء واجبا أو مستحبا إلا
بدليل شرعى يقتضى إيجابه أو استحبابه . والعبادات لا تكون إلا واجبة أو
مستحبة ، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة
إن كان المطلوب به أمرا مباحا .
وفى الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به ، بخلاف دعاء
الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى
إليهم ، فهذا ما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ،
ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين .
وحديث الأعمى الذى رواه الترمذى والنسائى هو من القسم الثانى من
التوسل بدعائه ، فإن الأعمى قد طلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو له
بأن يرد الله عليه بصره. فقال له ((إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك))
فقال. بل ادعه ، فأمره أن يتوضأ ويصلى ركعتين ويقول: ((اللهم إنى أسألك
٢٦٥

بنبيك فى الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى هذه
ليقضيها ، اللهم فشفعه فى ، فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته،
ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: ((وشفعه فى)) فسأل الله أن يقبل
شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه .
وهذا الحديث ذكره العلماء فى معجزات النبى صلى الله عليه وسلم ودعائه
المستجاب ، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات ، فإنه
صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.
وهذا الحديث - حديث الأعمى - قد رواه المصنفون فى دلائل النبوة
کالبيهقى وغيره: رواه البيهقى من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبى جعفر
الخطمى ، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن
رجلا ضريرا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال له
(((إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت)، قال فادعه «فأمره
أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلى ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إنى أسألك
وأتوجه إليك بنبيك محمد فی الرحمة ، یا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتی
هذه فيقضيها لى ، اللهم فشفعه فی وشفعنی فيه » قال فقام وقد أبصر، ومن هذا
الطریق رواه الترمذى من حدیث عثمان بن عمر .
ومنهاما رواه النسائى وابن ماجة أيضا وقال الترمذى هذا حديث حسن
صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو غير الخطمى ،
هكذا وقع فى الترمذى، وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمى وهو الصواب،
٢٦٦

وأيضا فالترمذى ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه
إلى قوله « اللهم شفعه فى )) .
قال الترمذى : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا شعبة
عن أبى جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلا
ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال ((إن
شئت صبرت فهو خير لك)) قال فادعه ، قال «فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه
ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة ،
یا محمد إنى توجهت بك إلى ربی فی حاجتی هذه لتقضى . اللهم شفعه فى» . قال
البيهقى: رويناه فى (كتاب الدعوات) بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة،
قال : ففعل الرجل فبرأ ، قال : وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبى
جعفر الخطمى.
قلت: ورواه الإمام أحمد فى مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقى ،
قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدينى: سمعت عمارة
بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ادع الله أن يعافينى، قال ((إن شئت أخرت ذلك
فهو خير لآخرتك ، وإن شئت دعوت لك)) قال : لا بل ادع الله لى «فأمره أن
يتوضأ وأن يصلى ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء : اللهم إنى أسألك وأتوجه
إليك بنبيك محمد فى الرحمة ، يا محمد إنى أتوجه بك إلى اللّه فى حاجتى هذه ،
فتقضی لی و تشفعنى فيه و تشفعه فى » قال ففعل الرجل فبرئ .
٢٦٧

رواه البيهقى أيضاً من حديث شبيب بن سعيد الحبطى عن روح بن القاسم
عن أبى جعفر المدينى - وهو الخطمى - عن أبى أمامة سهل بن حنيف عن عثمان
ابن حنيف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير
يشتكى إليه ذهاب بصره فقال يا رسول اللّه ليس لى قائد وقد شق على؛ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم «ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل:
اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك فى الرحمة ، يا محمد إنى أتوجه بك
إلى ربى فيجلى عن بصرى ، اللهم فشفعه فى وشفعنی فی نفسى » قال عثمان
ابن حنيف : والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه
لم يكن به ضر قط .
فرواية شبيب عن روح عن أبى جعفر الخطمى خالفت رواية شعبة وحماد
ابن سلمة فى الإسناد والمتن؛ فإن فى تلك أنه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة
وفى هذه أنه رواه عن أبى أمامة سهل ، وفى تلك الرواية أنه قال : فشفعه فىّ
وشفعنی فیه، وفى هذه وشفعنى فى نفسى . لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من
رواية هشام الدستوائى عن أبى جعفر.
ورواه البيهقى من هذا الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد
موته - إن كانت صحيحة - رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد
الحبطى عن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المدينى عن
أبى أمامة سهل بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان فى حاجة له
وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر فى حاجته ، فلقى الرجل عثمان بن حنيف
٢٦٨

فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف : انت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد
فصل ركعتين ثم قل : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد فى الرحمة ،
یا محمد إنى أتوجه بك إلی ربی فیقضی لی حاجتى، ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى
أروح معك . قال فانطلق الرجل فصنع ذلك ، ثم أتى بعد عثمان بن عفان نجاء
البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : انظر
ما كانت لك من حاجة . فذ كر حاجته فقضاها له .
ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله
خيراً ما كان ينظر فى حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته فى : فقال عثمان
ابن حنيف: ما كلمته ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وجاءه
ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ((أو قصبر؟))
فقال له: يا رسول اللّه ليس لى قائد وقد شق علىَّ، فقال ((انت الميضأة فتوضأ
وصل ركعتين ثم قل : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد فی الرحمة ،
یا محمد إنى أتوجه إلى ربى فيجلی لی عن بصرى، اللهم فشفعه فی وشفعنی فی نفسی»
قال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل
لأنه لم یکن به ضر قط .
قال البيهقى : ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من
رواية يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب بن سعيد . قال : ورواه أيضاً
هشام الدستوائى عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه - وهو عثمان
ابن حنيف - ولم يذكر إسناد هذه الطرق.
٢٦٩

قلت : وقد رواه النسائى فى كتاب (عمل اليوم والليلة) من هذه الطريق من
حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف
عن عمه عثمان بن حنيف. ورواه أيضاً من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما
عن أبى جعفر عن عمارة بن خزيمة ، ولم يروه أحد من هؤلاء - لا الترمذى
ولا النسائى ولا ابن ماجة - من تلك الطريق الغريبة التى فيها الزيادة : طريق
شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم .
لكن رواه الحاكم فى مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن
عمر : حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدنى سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان
ابن خيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله
أن یعافینی فقال: « إن شئت أخرتذلك فهو خير لك ، وإن شئت دعوت ،
قال : فادعه . فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلى ركعتين ويدعو بهذا
الدعاء: ((اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة، يا محمد إنى
توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه، اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه ، قال الحاكم
على شرطهما .
ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطى وعون بن عمارة عن روح
ابن القاسم عن أبى جعفر الخطمى المدنى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن
عمه عثمان بن حنيف أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه
ذهاب بصره وقال: يا رسول اللّه ليس لى قائد وقد شق على، فقال: ((ائت
الميضأة فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنيك
٢٧٠

محمد نبى الرحمة ، يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فيجلى لى عن بصرى ، اللهم فشفعه
فىّ وشفعنی فی نفسی » قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل
الرجل وكأن لم يكن به ضر قط. قال الحاكم: على شرط البخارى.
وشبیب هذا صدوق روی له البخاری ، ولکنه قد روی له عن روح بن
الفرج أحاديث مناكير رواها ابن وهب، وقد ظن أنه غلط عليه. ولكن قد يقال
مثل هذا إذا انفرد عن الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة
وهشام الدستوائى بزيادة كان ذلك عليه فى الحديث ؛ لا سما وفى هذه الرواية أنه
قال ((فشفعه فى وشفعنى فى نفسى)) وأولئك قالوا « فشفعه فى وشفعنى فيه)»
ومعنى قوله ((وشفعنى فيه)) أى فى دعائه وسؤاله لى فيطابق قوله ((وشفعه فى)).
قال أبو أحمد بن عدى فى كتابه المسمى (بالكامل فى أسماء الرجال) - ولم يصنف
فی فنه مثله - : شبيب بن سعيد الحبطى أبو سعيد البصرى التمیمی حدث عنه ابن
وهب بالمناكير ، وحدث عن يونس عن الزهرى بنسخة الزهرى أحاديث
مستقيمة ، وذكر عن على بن المدينى أنه قال: هو بصرى ثقة كان من أصحاب
يونس، كان يختلف فى تجارة إلى مصر وجاء بكتاب صحيح، قال : وقد كتبها عنه
ابنه أحمد بن شبيب. وروی عن عدی حدیثین عن ابن وهب عن شبيب هذا
عن روح بن الفرج:
أحدهما : عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن سلام قال : مر بنا
رجل فقالوا إن هذا قد خدم النبى صلى الله عليه وسلم .
٢٧١

والثانى عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة
حديث دخول المسجد ، قال ابن عدى : كذا قيل فى الحديث عن عبد الله بن
الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال ابن عدى . ولشبيب بن سعيد نسخة الزهرى عنده عن يونس عن
الزهرى وهى أحاديث مستقيمة . وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير .
وحدثنى روح بن الفرج اللذين أمليتهما يرويهما ابن وهب عن شبيب ،
وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهرى : ليس
هو شبيب بن سعيد الذى يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التى يرويها عنه ،
ولعل شبيبا بمصر فى تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم ،
وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب .
قلت : هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدى عليه : رواهما عن روح
ابن القاسم وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم .
وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضاً كما رواه عنه ابناه ، لكنه لم يتقن
لفظه كما أتقنه ابناه .
وهذا يصحح ما ذكره ابن عدى فعلم أنه محفوظ عنه ، وابن عدى أحال
الغلط عليه لا على ابن وهب ، وهذا صحيح إن كان قد غلط ، وإذا كان قد غلط
على روح بن القاسم فى ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه فى هذا الحديث،
وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه .
٢٧٢

والرجل قد يكون حافظا لما يرويه عن شيخ ؛ غير حافظ لما يرويه عن
آخر : مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين ؛ فإنه يغلط فيه ، بخلاف
ما يرويه عن الشاميين . ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهرى . ومثل
هذا كثير ، فيحتمل أن يكون هذا يغاط فيما يرويه عن روح بن القاسم - إن
كان الأمر كما قاله ابن عدى - وهذا محل نظر .
وقد روى الطبرانى هذا الحديث فى المعجم من حديث ابن وهب عن
شبيب بن سعيد: ورواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد الله بن وهب
عن شبيب بن سعيد المكى عن روح بن القاسم عن أبى جعفر الخطمى المدنى
عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف
إلى عثمان بن عفان فىحاجة له، فلقى عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان
ابن حنيف: انت الميضأة فتوضأ ثم انت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم
إنى أسألك وأتوجه إليك بندينا محمد صلى الله عليه وسلم في الرحمة، يا محمد إنى
أتوجه بك إلى ربكعز وجل فيقضى لى حاجتى! وتذكر حاجتك ، ورح حتى
أروح معك ، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم أتى باب عثمان بن عفان
فأجلسه معه على الطنفسة ، وقال: حاجتك ، فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال
له : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من
حاجة فائتنا .
ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا
ما كان ينظر فى حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته فى . فقال له عثمان بن حنيف:
٢٧٣

واللّه ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه
ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفتصبر؟ فقال: يا رسول الله
إنه ليس لى قائد وقد شق على، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «انت
الميضأة فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات)) فقال عثمان بن حنيف :
فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن
به ضر قط .
قال الطبرانى روی هذا الحديث شعبة عن أبى جعفر واسمه عمر بن يزيد
وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة ، قال أبو عبد الله المقدسى :
والحديث صحيح.
قلت والطبرانى ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن
شعبة وذلك إسناد صحيح : يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر ، وطريق ابن
وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدى ، فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه ؛
بل ذکر فیها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف ، ولیس کذلك بل
فى حديث الأعمى أنه قال ((اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه - أو قال - فى نفسى)).
وهذه لم یذ کرها ابن وهب فى روايته ، فيشبه أن یکون حدث ابن وهب
من حفظه كما قال ابن عدى فلم يتقن الرواية . وقد روى أبو بكر بن أبى خيثمة
فى تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال : حدثنا مسلم بن ابراهيم حدثنا حماد بن
سلمة ، أنا أبو جعفر الخطمى عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف أن
٢٧٤

رجلا أعمى أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنى أصبت فى بصرى فادع الله
لى قال («اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبي
محمد نی الرحمة . یامحمد أستشفع بك علىربى فى رد بصرى، اللهم فشفعنى فى نفسى
وشفع نبي فى رد بصرى، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك، فردالله عليه بصره.
قال ابن أبى خيثمة : وأبو جعفر هذا ۔ الذی حدث عنه حماد بن سلمة ۔
اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذى يروى عنه شعبة ، ثم ذكر الحديث من
طريق عثمان بن عمر عن شعبة. قلت: وهذه الطريق فيها ((فشفعنى فى نفسى))
مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهى قوله: ((وإن كانت حاجة
فافعل مثل ذلك - أو قال - فعل مثل ذلك)).
وهذه قد يقال : إنها توافق قول عثمان بن حنيف ، لكن شعبة وروح بن
القاسم أحفظ من حماد بن سلمة ، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه
الرواية قد تكون بالمعنى وقوله ((وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ، قد يكون
مدرجا من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل (( وإن
كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك)) بل قال «وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك».
وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون
عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض ، فإنه لم يأمره بالدعاء
المشروع؛ بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولفظ
الحديث يناقض ذلك ، فإن فى الحديث أن الأعمى سأل النى صلى الله عليه وسلم
٢٧٥

أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره فى الدعاء أن يقول ((اللهم فشفعه
فى)) وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النى صلى الله عليه وسلم داعيا شافعا له
بخلاف من لم یکن کذلك، فهذا يناسب شفاعته و دعاءه للناس فى محياه فى الدنيا
ويوم القيامة إذا شفع لهم .
وفيه أيضا أنه قال ((وشفعنى فيه)) وليس المراد أنه يشفع للنى صلى الله
عليه وسلم فى حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم - وإن كنا مأمورين بالصلاة
والسلام عليه ، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة ، ففى صحيح البخارى عن جابر
ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من قال إذا سمع النداء:
اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه
مقاما محمودا الذى وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة )) .
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىّ ، فإن من صلى على
صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى
إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة
حلت عليه الشفاعة )) .
وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له وهو معنى الشفاعة ، ولهذا كان الجزاء
من جنس العمل ، فمن صلى عليه صلى عليه اللّه، ومن سأل الله له الوسيلة
المتضمنة لشفاعته شفع له صلى الله عليه وسلم، كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة
٢٧٦

فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة فى الشفاعة؛ فلهذا قال:
اللهم فشفعه فى و شفعنی فیه .
وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فى مثل هذا هو من كرامة
الرسول على ربه ، ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته ؛ فهو كشفاعته يوم
القيامة فى الخلق ، ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول ((فشفعه فى وشفعنى فيه))
بخلاف قوله ((وشفعنى فى نفسى)) فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا
الطريق الغريب.
وقوله (( وشفعنی فیه » رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر،
وروح بن عبادة. وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان
ابن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذى والنسائى وابن ماجة: رواه الترمذى
عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة .
ورواه ابن ماجة عن أحمد بن سيار عن عثمان بن عمر ، وقد رواه أحمد
فى المسند عن روح بن عبادة عن شعبة ، فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث . مع
أن قوله ((وشفعنى فى نفسى)» إن كان محفوظاً مثل ماذكرناه ، وهو أنه طلب
أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يدع له النبي
صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجرداً كسائر السائلين.
ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان
٢٧٧

يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للآخر بخلاف الطالب الواحد الذى
لم يشفع غيره.
فهذه الزيادة فيها عدة علل : انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه
وإعراض أهل السنن عنها ، واضطراب لفظها ، وأن راويها عرف له - عن
روح هذا - أحاديث منكرة .
ومثل هذا يقتضى حصول الريب والشك فى كونها ثابتة ، فلا حجة فيها ،
إذ الاعتبار بما رواه الصحابى لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذى رواه لا يدل على
ما فهمه بل على خلافه .
ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال : اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه - مع
أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يدع له -- كان هذا كلاماً باطلا؛ مع أن عثمان
ابن حنيف لم يأمره أن يسأل التى صلى الله عليه وسلم شيئاً ولا أن يقول فشفعه
فىّ، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه ، وليس هناك
من النبى صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة ؛ فلو قال بعد موته
(فشفعه فى ، لكان كلاماً لا معنى له ، ولهذا لم يأمر به عثمان .
والدعاء المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، والذى أمر به
ليس ما ثوراً عن النی صلى الله عليه وسلم .
ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة فى جنس
العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من
٢٧٨

الصحابة عليه - وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لا يوافقه -
لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها ، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ
فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول.
ولهذا نظائر كثيرة : مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء فى عينيه
فى الوضوء، ويأخذ لأذنيه ماء جديداً ، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى
العضدين فى الوضوء ويقول : من استطاع أن يطيل غرته فليفعل ، وروى عنه
أنه كان يمسح عنقه ويقول هو موضع الغل . فإن هذا وإن استحبه طائفة من
العلماء اتباعاً لهما فقد خالفهم فى ذلك آخرون وقالوا : سائر الصحابة لم يكونوا
يتوضؤون هكذا .
والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذى فى الصحيحين وغيرهما من
غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل مازاد على المرفقين
والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استطاع أن
يطيل غرته فليفعل . بل هذا من كلام أبى هريرة جاء مدرجاً فى بعض
الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إنكم تأتون يوم القيامة غراً
محجلين من آثار الوضوء))، وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع فى
العضد والساق ، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل ، وظن من
ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة ، وهذا لا معنى له فإن الغرة فى الوجه لا فى
اليد والرجل ، وإنما فى اليد والرجل الحجلة . والغرة لا يمكن إطالتها فإن الوجه
٢٧٩

يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة فى الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها،
وإطالتها مثلة .
وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبى صلى الله عليه
وسلم وينزل مواضع منزله ويتوضأ فى السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل
مائه على شجرة صب عليها ، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه
مستحبا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء ؛ كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة
كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم ، لم يفعلوا
مثل ما فعل ابن عمر . ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون
متابعته والاقتداء به .
وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذى فعل ، فإذا فعل
فعلا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة ، وإذا قصد
تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك ، كما كان يقصد أن يطوف
حول الكعبة ، وأن يستلم الحجر الأسود ، وأن يصلى خلف المقام ، وكان
يتحرى الصلاة عند اسطوانة مسجد المدينة ، وقصد الصعود على الصفا
والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما .
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده - مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه
لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه - فإذا قصدنا تخصيص
ذلك المكان بالصلاة فيه ، أو النزول لم نكن متبعين ، بل هذا من البدع التى
٢٨٠