Indexed OCR Text
Pages 221-240
فى الدعاء كما ذكر تم نظائره ـ فيحمل قول القائل: أسألك بنبيك محمد، على أنه أراد: إنى أسألك بإيمانى به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيمانى به ومحبته، ونحو ذلك، وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع. قيل : من أراد هذا المعنى فهو مصيب فى ذلك بلا نزاع ، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف - كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره كان هذا حسنا . وحينئذ فلا يكون فى المسألة نزاع. ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى ، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر . وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس فى زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ . فإن قيل : فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم، قيل : الرحم توجب على صاحبها حقا لذى الرحم كما قال الله تعالى: (وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم (( الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه اللّه)) وقال ((لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوى الرحمن وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت: بلى قد رضيت )) وقال صلى الله عليه وسلم ((يقول الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمى، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بنته )) . ٢٢١ وقد روى عن على أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على على . وحق ذى الرحم باق بعد موته كما فى الحديث أن رجلا قال: يا رسول الله! هل بقى من بر أبوى شىء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال ((نعم! الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ وعدهما من بعدهما ، وصلة رحمك التى لا رحم لك إلا من قبلهما))، وفى الحديث الآخر حديث ابن عمر ((من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودأبيه بعد أن يولى)) . فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره. والذى قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق: لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم . (أحدهما ) الإقسام على الله سبحانه و تعالى به، وهذا منهى عنه عند جماهیر العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء. و (الثانى) السؤال به، فهذا يجوزه طائفة من الناس ، ونقل فى ذلك آثار عن بعض السلف ، وهو موجود فى دعاء كثير من الناس ، لكن ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك كله ضعيف بل موضوع . وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة ، إلا حديث الأعمى الذى علمه أن يقول: ((أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة))، وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه ، فإنه صريح فى أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ، وهو ٢٢٢ طلب من النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يقول: ((اللهم شفعه فى)) ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم . ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كاله. ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقيناً، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا )» : يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته ؛ إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس . وشاع النزاع فى السؤال بالأنبياء والصالحين ؛ دون الإقسام بهم ؛ لأن بين السؤال والإقسام فرقاً : فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم ، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبر قسمه ، فإبرار القسم خاص ببعض العباد . وأما إجابة السائلين فعام ؛ فإن اللّه يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافراً ، وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له من الخير مثلها ، ٢٢٣ وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها (( قالوا : يا رسول الله إذاً نكثر . قال ((اللّه أكثر)). وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم - وهو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إنه لا يجوز - ليس فى المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا أن يجعل هذا من مسائل السب ؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوَّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به : فليس معه فى ذلك نقل عن مالك وأصحابه ، فضلا عن أن يقول مالك : إن هذا سب للرسول أو تنقص له . بل المعروف عن مالك أنه كره للداعى أن يقول : ياسيدى سيدى ، وقال: قل كما قالت الأنبياء : يارب يارب يا كريم. وكره أيضاً أن يقول : يا حنان یا منان . فإنه ليس بمأثور عنه . فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذا لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبياً كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا اللّه بمخلوق ، لا نى ولا غيره ، بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنينا فسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا . فيسقون. وكذلك ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان فى حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى بمخلوق، ٢٢٤ لا به ولا بغيره ، لا فى الاستسقاء ولا غيره ، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى؛ فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس، فلم نعدل عن الأمر المشروع الذى كنا نفعله فى حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن تتوسل ببعض أقاربه ، وفى ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال اللّه تعالى بأضعف السبيين مع القدرة على أعلاهما - ونحن مضطرون غاية الاضطرار فى عام الرمادة الذى يضرب به المثل فى الجدب . والذى فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشى كما توسل عمر بالعباس ؛ وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل فى الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح ، قالوا : وإن كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ، اقتداء بعمر ، ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى فى ذلك لا بنی ولا بغیر نبی . وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعى وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم ، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذى فيها هو هذا ؛ بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة ، ولكن من الناس من يحرف نقلها ، وأصلها ضعیف كما سنبينه إن شاء الله تعالى ، ٢٢٥ والقاضى عياض لم يذ کرها فى كتابه فى باب زيارة ؛ قبره، بل ذ کر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه ، وإنما ذكرها فى سياق أن حرمة النبى صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وتوقيره وتعظيمه لازم ؛ كما كان حال حياته ، وكذلك عند ذكره وذكر حديثه ، وسنته ، وسماع اسمه. وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختيانى فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال : وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه ، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه . وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه . فقيل له يوماً فى ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علىّ ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لانكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكى حتی نرحمه . ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذکر عنده النبى صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة . ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله. ٢٢٦ ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه فى فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى فى عينيه دموع . ولقد رأيت الزهرى - وكان ◌َمنْ أهنأ الناس وأقربهم - فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتى صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين ، فإذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. فهذا كله نقله القاضى عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ، ثم ذكر حكاية باستاد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة ، قالوا : حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دهات ، قال : حدثنا أبو الحسن على بن فهر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى إسرائيل ، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك. يا أمير المؤمنين ، لا ترفع صوتك فى هذا المسجد، فإن الله أدب قوماً فقال: ( لَتَرْفَعُواْأَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ ) الآية، ومدح قوماً فقال: (إِنَّالَّذِينَ ) الآية، وذم قوماً فقال: ( إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَرَسُولِاُللَّهِ ٢٢٧ ) الآية ، وإن حرمته ميتاً كرمته حياً . فاستكان لها مِن وَرَآءِ الْحُجُرَتِ أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبلُ القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ جَآءُولَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا زَّحِيمًا ). قلت وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمدبن حميدالرازى لم يدرك مالكا ، لاسيما فى زمن أبى جعفر المنصور ، فإن أبا جعفر توفى بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وتوفى مالك سنة تسع وسبعين ومائة . وتوفى محمد بن حميد الرازى سنة ثمان وأربعين ومائتين، ولم يخرج من بلده حين رحل فى طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه ، وهو مع هذا ضعيف عندأكثر أهل الحديث ، كذبه أبو زرعة، وابن وارة ، وقال صالح بن محمد الأسدى : مارأيت أحداً أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه . وقال يعقوب بن شيبة : كثير المناكير . وقال النسائى: ليس بثقة . وقال ابن حبان : ينفرد عن الثقات بالمقلوبات . وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين . وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمى توفى سنة تسع وخمسين ومائتين . وفى الإسناد أيضاً من لاتعرف حاله . وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ٢٢٨ ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند ، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟! هذا إن ثبت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له فى مسألة فى الفقه ، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ، ومروان بن محمد الطاطرى ضعفوا رواية هؤلاء ، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين ، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟. مع أن قوله ((وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة )) إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة ، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة ، وهذا حق ؛ كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتى الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فر ، آدم فمن دونه تحت لوائى يوم القيامة ولا خر ، ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه : - (أحدها) قوله ((أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو؟)) فقال ((ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم)) . فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعى إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو فى مسجده ، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه ، بل إنما يستقبل ٢٢٩ القبر عند السلام على النبى صلى اللّه عليه وسلم والدعاء له . هذا قول أكثر العلماء کالك فى إحدى الروايتين والشافعى وأحمد وغيرهم. وعند أصحاب أبى حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضاً . ثم منهم من قال: يجعل الحجرة على يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه . ومنهم من قال : بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه ، وهذا هو المشهور عندهم، ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك . قال القاضى عياض فى المبسوط عن مالك قال ((لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ، ولكن يسلم ويمضى)) قال: وقال نافع : كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجىء إلى القبر فيقول: السلام على النبى صلى الله عليه وسلم، السلامعلى أبى بكر، السلام على أبى. ثم ينصرف. ورؤى واضعا يده على مقعد النبى صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه. قال: وعن ابن أبى قسيط والقعنى كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا برمانة المنبر التى تلقاء القبر بميامنهم ، ثم استقبلوا القبلة يدعون . قال: وفى الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثى أنه كان - يعنى ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبى بكر وعمر، وعند ابن القاسم والقعنى: ويدعو لأبى بكر وعمر . قال مالك فى رواية ابن وهب: يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وقال فى المبسوط: ويسلم على أبى بكر وعمر . ٢٣٠ قال أبو الوليد الباجى : وعندى أن يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة ولأبى بكر وعمر [ بلفظ السلام] لما فى حديث ابن عمر من الخلاف. وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور فى رواية ابن وهب ، قال مالك فى رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر . فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره. وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب فى الواضحة وغيره قال : وقال مالك فى المبسوط : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء . وقال فيه أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر . قيل له : فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك فى اليوم مرة أو أكثر ، وربما وقفوا فى الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك : لم يبلغنى هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها ، أو دخلوا أتوا القبر فسلموا قال ولذلك رأى (١). (١) بياض بالأصل. ٢٣١ قال أبو الوليد الباجى: ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم . قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد)) (« اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قال: وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ((لا تجعلوا قبرى عيدا)). قال ومن كتاب أحمدبن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا ، وفى (العتبية ) يعنى عن (١) مالك : يبدأ : بالركوع قبل السلام فى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم" ، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبى صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق، وأما فى الفريضة فالتقدم إلى الصفوف . قال : والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل فى البيوت . فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبى صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقدكره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له ، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو فى مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر ، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبى صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه. (١) أي يقدم صلاة تحية المسجد على السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم ٢٣٢ وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لوكان قصد الدعاء عند القبر مشروعا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟. فدل ذلك على أن ما فى الحكاية المنقطعة من قوله ((استقبله واستشفع به )) كذب على مالك ، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التى يفعلها مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء ، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لى أوادع لى، أو يشتكى إليه مصائب الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أويشتكى إليهم المصائب ، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين ، وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويُبَّلَّغُ سلام البعيد . وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذى رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من حديث حيوة بن شريح المصرى حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مامن أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحى حتى أرد عليه السلام)). وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة فى السلام عليه عند قبره صلوات الله ٢٣٣ وسلامه عليه ، فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شىء منها فى الدين. ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئاً منها ، وإنما يرويها من يروى الضعاف كالدار قطنى والبزار وغيرهما. وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمرى - وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه - مثل قوله: (( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى فى حياتى)) فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين » فإن من زاره فى حياته وكان مؤمناً به كان من أصحابه لاسيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لا تسبوا أصحابى، فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، أخرجاه فى الصحيحين . والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه ، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين؟ بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهى عنه . وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب ، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه فى حياته، فكيف بالسفر المنهى عنه؟ وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه ، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ لم يكن عليه ٢٣٤ أن يوفى بنذره ، بل ينهى عن ذلك . ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان الشافعى : أظهر هما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد. والثانى لا يجب وهو مذهب أبى حنيفة ، لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجباً بالشرع ، وإتيان هذين المسجدين ليس واجباً بالشرع فلا يجب بالنذر عنده. وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله، وقد ثبت فى صحيح البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)». وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة ، فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه ؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل : زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعظمه. وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة القبور، وقيل لأن الزائر أفضل من المزور، وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك . والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التى هى من جنس الشرك، فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: ٢٣٥ زيارة شرعية ، وزيارة بدعية . فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة ، فهذه الزيارة الشرعية . والثانى: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم؛ أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء فى المساجد والبيوت ؛ أو أن الإقسام بهم على اللّه وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضى إجابة الدعاء ، فمثل هذه الزيارة بدعة منهى عنها . فإذا كان لفظ ((الزيارة)) مجملا يحتمل حقاً وباطلا عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ «السلام» عليه، ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روى فى زيارة قبره أو زيارته بعد موته ، فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، لا يحتج بشىء منها فى أحكام الشريعة . والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال « ما بین بیتی ومنبری روضة من رياض الجنة)) ، هذا هو الثابت فى الصحيح ، ولکن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبرى . وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد - صلوات الله وسلامه عليه - ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة، لما تنازعوا فى موضع دفنه ، ولو كان هذا عندهم لكان نصا فى محل النزاع . ولكن دفن فى حجرة عائشة فى الموضع الذى مات فيه ، بآبی هو وأمى صلوات الله عليه وسلامه. ثم لما وسع المسجد فى خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة ٢٣٦ عمر بن عبد العزيز أمره أن يشترى الحجر ويزيدها فى المسجد ، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت فى المسجد ودخلت حجرة عائشة فى المسجد من حينئذ، وبنوا الحائط البرانى مسنما محرفا ، فإنه ثبت فى صحيح مسلم من حديث أبى مر ثد الغنوى أنه قال صلى الله عليه وسلم ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلى إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما نهى عن اتخاذها مساجد ونهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلى إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له. فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذى سد الله ورسوله ذريعته ، وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم. وقد روى سفيان الثورى عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله ملائكة سیاحین فی الأرض يبلغونی عن امتی السلام ، رواه النسائی وأبو حاتم فی صحیحه، وروی نحوه عن أبى هريرة. فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة. وفى الحديث المشهور الذى رواه أبو الأشعث الصنعانى عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثروا على من الصلاة فى كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتى تعرض على يومئذ ، فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم منى منزلة)) . وفى مسند الإمام أحمد : حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبى ٢٣٧ ذئب عن المقبرى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تتخذوا قبرى عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنی، ورواه أبو داود . قال القاضى عياض وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من صلى على عند قبرى سمعته. ومن صلى على نائياً أبلغته)) . وهذا قد رواه محمد بن مروان السدى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة ، وهذا هو السدى الصغير وليس بثقة ، وليس هذا من حديث الأعمش . وروى أبو يعلى الموصلى فى مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبى بكر الحنفى: حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، سمعت الحسن بن على قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((صلوا فى بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ، ولا تتخذوا بتى عيدا . صلوا على وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغنى). وروی سعیدبن منصور فى سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا هذا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تتخذوا قبری عیدا، وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى)) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. وروى هذا المعنى عن على بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن على بن أبى طالب ، ذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد المقدسى الحافظ فى مختاره الذى ٢٣٨ هو أصح من صحيح الحاكم . وذكر القاضى عياض عن الحسن بن على قال: إذا دخلت فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تتخذوا بيتى عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا على حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم)). ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها ((ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة)) إنما يدل على أنه يوم القيامة تتوسل الناس بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث ، لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته فى حياته ، فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته، فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة- أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فى الدنيا عند قبره . ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا سنه لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة، فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذى لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة أدلتها الشرعية ، مع على قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته ، وتمام رغبته فى اتباع السنة وذم البدع وأهلها ، ؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا . ثم قال فى الحكاية: ((استقبله واستشفع به فيشفعك الله)) والاستشفاع به ٢٣٩ معناه فى اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة ، وكما كان أصحابه يستشفعون به . ومنه الحديث الذى فى السنن أن أعرابياً قال: يارسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال ، وهلك المال، فادع الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك فى وجوه أصحابه وقال «ويحك أتدرى ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه ، وذكر تمام الحديث. فأنكر قوله ((نستشفع بالله عليك)) ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أنكر أن يكون الله شافعا إلى المخلوق ولهذا لم ينكر قوله ((نستشفع بك على الله)) فإنه هو الشافع المشفع. وهم - لو كانت الحكاية صحيحة - إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته صلى الله عليه وسلم ولهذا قال فى تمام الحكاية: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ) الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم ، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم. وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته فإنما يقال فى ذلك ((استشفع به فيشفعه الله فيك)) لا يقال: فيشفعك الله فيه. وهذا معروف الكلام، ولغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان فى فلان فشفع فيه . فالمشفع الذى يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به . ٢٤٠