Indexed OCR Text

Pages 61-80

وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْ ) الآية. ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهداً
للمطاع ناظراً إليه .
وقد قيل فى: (ربيون) هنا: إنهم العلماء، فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى،
وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربو بين . والأول أصح من وجوه :-
أحدها: أن الربانيين عين الأحبار ، وهم الذين يربون الناس ، وهم أتمّهم
فى دينهم ، ولا يكون هؤلاء إلا قليلا .
الثانى: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا
كلهم ربانيين وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل.
الثالث : أن استعمال لفظ الربانى فى هذا ليس معروفاً فى اللغة .
الرابع : أن استعمال لفظ الربى فى هذا ليس معروفاً فى اللغة ؛ بل المعروف
فيها هو الأول ، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة
(ربى) بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء ، وقد قرئ
بالضم ، فعلم أنها لغات.
الخامس : أن اللّه تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد ، سواء
كان من الربانيين أو لم يكن .
السادس: أنه لا مناسبة فى تخصيص هؤلاء بالذكر ، وإنما المناسب ذكرهم
فى مثل قوله: ( لَوْلَا يَنْهَنهُمُ الرَِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) الآية. وفى قوله: ( وَلَكِن
كُنُواْ رَبِِّنِينَ ) فهناك ذكرهم به مناسباً .
السابع: قيل: إن الربانى منسوب إلى الرب ، فزيادة الألف والنون
كاللحيانى وقيل إلى تربيته الناس ، وقيل إلى ربان السفينة، وهذا أصح ؛ فإن
٦١

الأصل عدم الزيادة فى النسبة ، لأنهم منسوبون إلى التر بية ، وهذه تختص بهم ،
وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك؛ بل كل عبد له فهو منسوب
إليه ، إما نسبة عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين ، ولاسمى
به رسله وأنبياءه، فإن الربانى من يرب الناس، كما يرب الربانى السفينة ؛ ولهذا
كان الربانيون يذمون تارة، ويمدحون أخرى ، ولو كانوا منسوبين إلى الرب
لم يذموا قط ، وهذا هو الوجه الثامن :
أنها إن جعلت مدحاً فقد ذموا فى مواضع ، وإن لم تكن مدحا
لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح ، وإذا كان منسوبا إلى ربانى
السفينة بطل قول من يجعل الربانى منسوباً إلى الرب ، فنسبة الربيين إلى الرب
أولى بالبطلان .
التاسع: أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب : فلا تدل النسبة على أنهم
علماء ؛ نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله ، وهذا يعم جميع المؤمنين ، فكل من
عبدالله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم
يسموا ربانيين ولا ربيين ، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس :
اليوم مات ربانى هذه الأمة ، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم ؛
والخلفاء أفضل منهم ، ولم يسموا ربانيين ، وإن كانوا هم الربانيين ، وقال
إبراهيم : كان علقمة من الربانيين ؛ ولهذا قال مجاهد : هم الذين يربون الناس
بصغار العلم قبل كباره ، فهم أهل الأمر والنهى ، والإخبار يدخل فيه من أخبر
بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر، أوينه ، وذلك هو المنقول
عن السلف فى الربانى، نقل عن على قال ((هم الذين يغذون الناس بالحكمة
٦٢

ويربونهم عليها)) وعن ابن عباس قال: ((هم الفقهاء المعلمون)).
قلت : أهل الأمر والنهى هم الفقهاء المعدون. وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء
العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة: واحدهم ربانى وهم العلماء المعلمون . قال أبو عبيد:
أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية ، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب
لا تعرف الربانيين .
قلت : اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذى ينزلها ويقوم لمصلحتها ؛
ولكن العرب فى جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون ؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة
منزلة من الله عز وجل .
٦٣

وقال شيخ الإسلام رحمه الله :-
فصل
قال الله تعالى: ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
اُلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ).
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليهود مغضوب عليهم
والنصارى ضالون)).
وكتاب اللّه يدل على ذلك فى مواضع؛ مثل قوله تعالى: (قُلّ هَلْ أُنَبِّئُكُم
بِشَرِمِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَنْ لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) وقوله: (فَبَآءُ وبِعَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)
وقوله: ( وَبَآءُ ويِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ). وقال فى النصارى:
( قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ
مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَنِ سَوَآءِ السَِّيلِ). وقال: (يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ
لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلَّقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ) وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌّابْنُ
اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبُْ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهُونَ
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * أَتَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَا
إِلَاهَا وَاحِدًا لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وقال تعالى: (مَا كَانَ
٦٤

لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّيَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ كُنُوْ رَبَِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ نَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ
الْمَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنتُمُسْلِمُونَ) وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوْلَّذِينَ
زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ
إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَيَّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) .
ولما أمرنا الله سبحانه: أن نسأله فى كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ، والصديقين، والشهداء، والصالحين،
المغايرين للمغضوب عليهم والضالين : كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه
أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه
وسلم حيث قال: ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة؛ حتى
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )» قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال :
((فمن؟)) وهو حديث صحيح.
وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم : ففيه
شبه من اليهود ، ومن انحرف من العباد : ففيه شبه من النصارى ، كما يرى
فى أحوال منحرفة أهل العلم: من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب،
والبخل بالعلم ، والكبر وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وغير ذلك .
وكما يرى فى منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو فى الأنبياء والصالحين ،
والابتداع فى العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات.
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى
٦٥

عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) ولهذا حقق الله له نعت
العبودية فى أرفع مقاماته حيث قال: (سُبْحَنَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا).
وقال تعالى: (فَأَوْحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى). وقال تعالى: ( وَنَّهُ لَقَامَ عَبْدُ الَّهِيَدْعُوهُ
كَادُ وايَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ). ولهذا يشرع فى التشهد وفى سائر الخطب المشروعة؛
كتطب الجمع والأعياد ، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره ،
أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيا
وقعت فيه النصارى فى المسيح ؛ من دعوى الألوهية، حتى قال له رجل :
ماشاء الله وشئت. فقال: ((أجعلتنى لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)). وقال
أيضاً لأصحابه: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ، بل قولوا ما شاء الله ثم شاء
محمد)) وقال: ((لا تتخذوا قبرى عيداً وصلوا على حيث ما كنتم فإن صلاتكم
تبلغنى. وقال: (( اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور
مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك)).
والغلو فى الامة وقع فى طائفتين : طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون
فى الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية ، وطائفة من جهال المتصوفة
يعتقدون نحو ذلك فى الأنبياء والصالحين ؛ فمن توهم فى نبينا أو غيره من الأنبياء
شيئاً من الألوهية والربوبية ؛ فهو من جنس النصارى وإنما حقوق الأنبياء
ماجاء به الكتاب والسنة عنهم . قال تعالى فى خطابه لبنى إسرائيل: (وَءَامَنتُم
بِرُسُلِ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ
٦.٦

وَلَأُدْ خِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ) والتعزير : النصر والتوقير والتأييد.
وقال تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،
وَتُعَزِّرُهُ وَتُوَقِّرُوهُ ). فهذا فى حق الرسول ، ثم قال فى حق اللّه تعالى:
(وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وقال تعالى (وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَشَّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ
اُلْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ
الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اُلَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). وقال تعالى: (قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُغَفُورٌ رَّحِيمٌ) . ( قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَلَ يُحِبُّ الْكَفِرِينَ).
وقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِ كَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُواتَسْلِيمًا ).
وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ
أَقْتَّرَ فْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَتَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَصُواْ ﴾ .
وذكر طاعة الرسول فى أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن . وقال :
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُوْلِلَّهِ وَ لِلَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ) وقال تعالى:
(فَلَ وَرَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ
حَرَجً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُو أ ◌َسْلِيمًا) وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وقال تعالى: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، لِيَحْكُ بَّنَّهُ أَنْ يَقُولُوْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
٦٧

وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ ) فعل الطاعة لله والرسول؛ وجعل
الخشية والتقوى لله وحده. كما قال: (وَإِنَّنَ فَأَرْهَبُونِ).
وقال: ( وَإِذَ قَتَّقُونِ ) وقال: (فَلَا تَخْشَوْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ ).
وقال: ( إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ)! وقال تعالى:
(لَّا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وقال تعالى: (النَِّىُّأَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ أُمَّهَمُهُمْ ).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من
ولده ووالده والناس أجمعين)). وقال له عمر: والله يارسول اللّه لأنت أحب
إلى من كل أحد إلا من نفسى؛ فقال: ((لا يا عمر ؛ حتى أكون أحب إليك من
نفسك)) فقال: فأنت أحب إلى من نفسى قال: ((الآن يا عمر)).
فقد بين اللّه فى كتابه حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم من الطاعة له،
ومحبته ؛ وتعزيره ؛ وتوقيره؛ ونصره؛ وتحكيمه؛ والرضى بحكمه؛ والتسليم
له ؛ واتباعه والصلاة والتسليم عليه؛ وتقديمه على النفس والأهل والمال ،
ورد مايتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق.
وأخبر أن طاعته طاعته فقال: ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) ومبايعته
مبايعته فقال: ( إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) وقرن بين اسمه واسمه
) . وفى الأذى فقال :
فى المحبة فقال: ( أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ
( إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) وفى الطاعة والمعصية فقال: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ). (وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وفى الرضا فقال: (وَاَللَّهُ وَرَسُولُ:
أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) فهذا ويحوه هو الذى يستحقه رسول اللّه وَله بأنى هو وأمى.
٦٨

فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال: ( وَأَعْبُدُوا اللَّهَ
وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّ نَسْتَعِيرٌ). (وَمَا أُمِرُوَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ حُنَفَاءَ ) وقد جمع بينهما فى مواضع كقوله: (فَأُعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ ). وقوله: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) . وقوله:
(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ ).
) وقال :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَلِ الْمُتَوَّكِلُونَ
و کذلك التوکل کما قال : (
( قُلْ أَفَرَءَ يْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَبِ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ أَوْأَرَادَنِى
بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَكَّلُ الْمُتَوَّكَلُونَ ) وقال:
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ).
والدعاء لله وحده سواء كان دعاء العبادة ، أو دعاء المسئلة والاستعانة،
كما قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِأَحَدًا * وَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ
يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْ عُوْرَبِ وَلَا أَثْرِلُ بِ أَحَدًا) وقال تعالى: (فَأَدْعُواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْكَرِهَ اَلْكَفِرُونَ) وقال: ( فَلَنَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ
مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) وقال :
( وَلَ تَظْرُ دِالَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال: ( قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم
مِّنِ دُونِهِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَتْفَ الضُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَّحْوِيلاً * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى
رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) روى
عن ابن مسعود: أن قوما كانوا يدعون الملائكة ؛
٦٩

والمسيح ، وعزيرا ، فقال الله : هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ،
ويرجونه ؛ ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم ، وترجونه ، وتتقربون إليه . وقال
تعالى: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ) وقال: (أَمَّنْ يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ)؟
وقال: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَلَهِإِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَ يَزْنُونَ ).
وتوحيد الله وإخلاص الدين له فى عبادته واستعانته فى القرآن : كثير
جدا؛ بل هو قلب الإيمان؛ وأول الإسلام وآخره. كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
رسول الله)) وقال: ((إنى لأعلى كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد رُوحُه
لها روحا)) وقال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه: وجبت له الجنة)) وهو
قلب الدين والإيمان ، وسائر الأعمال كالجوارح له. وقول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته
إلى الله ورسوله: فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها؛
أو امرأة يتزوجها : فهجرته إلى ما هاجر إليه)) فبين بهذا أن النية عمل القلب
وهى أصل العمل . وإخلاص الدين لله ، وعبادة الله وحده ، ومتابعة
الرسول ولية فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصرى : ما يقوله فى قصائده فى مدح
الرسول وله من الاستغاثة به، مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد.
ونحوذلك.
٧٠

وكذلك ما يفعله كثير من الناس ، من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم؛
والاستعانة بهم أحياء وأمواتا ، فإنى أنكرت ذلك فى مجالس عامة وخاصة ،
وبينت للناس التوحيد ، ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة.
وهو دين الإسلام العام ، الذى بعث الله به جميع الرسل . كما قال تعالى:
( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ) وقال: (وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ) وقال:(وَسْئَلْ مَنْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ) وقال: (يَأَيُّهَ الرُّسُلُ
كُوْمِنَ الََِّّتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّئُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ
فَنَّقُونِ ) وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَاوَصَيْنَابِهِ.
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالِّينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)
وقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: يا معاذ أتدرى ما حق الله
على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: ((حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا
به شيئا . أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم)) وقال
لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)).
ويدخل فى العبادة الخشية ، والإنابة ، والإسلام ، والتوبة ، كما قال
تعالى: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ) وقال: ( فَلاَ
تَخْشَوأُ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ ) وقال: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللّهَ ) وقال الخليل:
(وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِ: إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ
١٨

تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَ كْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ
بِهِ، عَلَيْ كُمْ سُلْطَانَّافَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِلْأَمَّنِ إِن كُنتُمُ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَوْ يَلْبِسُوْاْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ). وقال: (أَلَانُقَئِلُونَ قَوْمَا نَّكَثُواْ
أَيْمَانَهُمْ ) إلى قوله: ( أَتَخْشَوْنَهُمَّ قَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ)
(وَإِنَ فَأَتَّقُونِ ) وقال: ( وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ ) وقال نوح:
( أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ). جعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن
يطاع. كما قال تعالى: ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ). وكذلك
قالت الرسل مثل نوح، وهود، وصالح ، وشعيب، ولوط وغيرهم: (فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) جعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا. وكذلك فى مواضع
كثيرة جدا من القرآن: (اتقوا الله) (اتقوا اللّه). (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَتَّقُواْ اللَّهَ ) .
وكذلك (١) .
وقال: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِأَبِّبُ) وقال: (وَأَنِبُوْإِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْلَهُ)
وقال عن إبراهيم: ( إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) . وقالت
بلقيس: ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا) وقال: (بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ,
لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَخْرُهُ عِندَرَبِّهِ) وقال: (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا) (وَمَن تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) وقال: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِيَّكُمْ)
(تُوبُواْ إِلَى الَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا)، والاستغفار: (أُسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)
(١) بياض بالأصل
٧٢

( وَأَنْ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَ نُوبُواْإِلَيْهِ). والاسترزاق والاستنصار، كما فى صلاة
الاستسقاء، والقنوت على الأعداء، قال: (فَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ
وَأَشْكُرُ وْلَهُ ) وقال: (إِن يَنصُرَّكُمُ اللّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُّكُمْ مِنْ
بَعْدِهِ، وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) والاستغاثة كما قال: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَسْتَجَابَ
لَكُمْ ) ، والاستجارة كما قال: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُوَلَا
يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلِّّقُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)؟ والإستعاذة كما
قال: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) وقال:
(وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُبِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ).
وقال: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ) الآية. وتفويض الأمر كما قال مؤمن آل فرعون:
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِىَ إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
وفى الحديث المتفق عليه فى الدعاء الذى علبه النبى صلى الله عليه وسلم
أن يقال عند المنام: ((اللهم إنى أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك،
وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك )).
وقال: ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ، وَلِىٌّوَلَا
). وقال: (اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ
شَفِيٌ
ثُمَاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ، مِن وَإٍِ وَلَا شَفِيع) فالولىّ الذى يتولى أمرك كله،
والشفيع الذى يكون شافعاً فيه أى عوناً ؛ فليس للعبد دون اللّه من ولى"
يستقل ولا ظهير معين وقال: (وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّهُوَّوَ إِن
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَرَآَ لِفَضْلِهِ)، وقال: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَمُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ
) . وقال: (أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ
فَلَ مُرْسِلَ لَهُمِنَّ بَعْدِهِ
٧٣

لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) ،
وقال: (قُلِ أَدْ عُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَ
لَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرَاءٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَمِيرٍ * وَلَاتَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ
أَذِنَ لَهُ ).
وقال: ( مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ) وقال: (وَكَمَ مِن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى
شَفَعَُّهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ الَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى).
فالعبادة والاستعانة وما يدخل فى ذلك من الدعاء ؛ والاستغاثة ، والخشية؛
والرجاء ؛ والإنابة ؛ والتوكل ؛ والتوبة ؛ والاستغفار : كل هذا لله وحده
لاشريك له ؛ فالعبادة متعلقة بألوهيته ، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله
رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لاملك ولا نى ولا غيره؛
بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له نداً وهو خلقك؛ والشرك
أن تجعل لغيره شركا أى نصيباً فى عبادتك؛ وتوكلك؛ واستعانتك ؛ كما قال
من قال: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ) وكما قال تعالى: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءُ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْأَهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ) وكما قال: (أَمِ أَشَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءً
قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ)؟ وكما قال: (مَالَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِّ
وَلَا شَفِيع ).
وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة ؛ وكذلك أجزاؤها التى هى
عبادة بنفسها ؛ من السجود ؛ والركوع ؛ والتسبيح : والدعاء ؛ والقراءة؛
والقيام، لا يصلح إلا لله وحده.
ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده؛ لا لشمس ؛ ولا لقمر
٧٤

ولا لملك؛ ولا لنى؛ ولا صالح؛ ولا لقبر نى؛ ولا صالح؛ هذا فى جميع ملل
الأنبياء ، وقد ذكر ذلك فى شريعتنا حتى نهى أن يتفل على وجه التحية
والإكرام للمخلوقات؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا أن يسجد له.
وقال: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها
من عظم حقه عليها)) . ونهى عن الانحناء فى التحية ، ونهاهم أن يقوموا خلفه
فى الصلاة وهو قاعد .
وكذلك الزكاة العامة ، من الصدقات كلها والخاصة ، لا يتصدق إلا لله ،
كما قال تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّ ◌َبِغَاءَ وَجْهِرَةِالْأَعْلَ) وقال:
( إِنَّ فُطِعِمُكُوْلوَجْهِ اللَّهِ ). وقال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
وَتَثْبِيِتَامِّنْ أَنفُسِهِمْ) وقال: ( وَمَءَانَيْتُمْ مِّنْ ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُضْعِفُونَ ) . فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين لا ملك؛ ولا
الشمس؛ ولا لقمر؛ ولا لنى؛ ولا لصالح، كما يفعل بعض السوّال والمعظمين
كرامة لفلان وفلان ، يقسمون بأشياء: إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما
من الصالحين، كما يقال : بكر وعلى ونور الدين أرسلان والشيخ عدى
والشيخ جاليد .
وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به، ولا يحلق
الرأس إلا به؛ ولا يوقف إلا بفنائه؛ لا يفعل ذلك بنبى؛ ولا صالح ؛ ولا بقبر
نى؛ ولا صالح ؛ ولا بوثن ؛ وكذلك الصيام لا يصام عبادة إلا لله، فلا يصام
لأجل الكواكب والشمس والقمر ، ولا لقبور الأنبياء والصالحين
ونحو ذلك.
٧٥

وهذا كله تفصيل الشهادتين : اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله
وشهادة أن محمدا عبده ورسوله، والإله من يستحق أن يالهه العباد، ويدخل فيه
حبه وخوفه، فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله ، وما كان من
أمور الرسالة فهو حق الرسول .
ولما كان أصل الدين الشهادتين : كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف
الشهادة، والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة؛ ولهذا قالوا: (رَآءَامَتَابِمَا أَنْزَلْتَ
وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ)؛ ولهذا كان المحققون على أن الشهادتين
أول واجبات الدين ، كما عليه خلص أهل السنة وذكره منصور السمعانى
والشيخ عبد القادر وغيرهما ؛ وجعله أصل الشرك، وغيروا بذلك ملة التوحيد
التى هى أصل الدين ؛ كما فعله قدماء المتفلسفة ؛ الذين شرعوا من الدين مالم
يأذن به الله .
ومن أسباب ذلك: الخروج عن الشريعة الخاصة التى بعث الله بها محمدا
صلى الله عليه وسلم ؛ إلى القدر المشترك الذى فيه مشابهة الصابئين؛ أو النصارى،
أو اليهود؛ وهو القياس الفاسد، المشابه لقياس الذين قالوا: ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ
الرِّبَوَأْ) فيريدون أن يجعلوا السماع جنساً واحداً، والملة جنسا واحداً ،
ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه، ولا بين المأمور به والمنهى عنه . فالسماع
الشرعى الدينى سماع كتاب الله وتزيين الصوت به وتحييره ، كما قال صلى الله
عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال أبو موسى: لوعلمت أنك تستمع
الجبرته لك بحبيرا . والصورَ، والازواجَ، والسرارىَّ التى أباحها الله تعالى.
٧٦

والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُأَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيَهَا اسْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِ وَالْأَصَالِ * رِجَالٌ).
وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم ، مخالفة أصحاب الجحيم ؛
وينهى أن يشبه الأمر الدينى الشرعى بالطبيعى البدعى ؛ لما بينهما من القدر
المشترك كالصوت الحسن ، ليس هو وحده مشروعا حتى ينضم إليه القدر
المميز ؛ حروف القرآن ؛ فيصير المجموع من المشترك ، والمميز هو
الدين النافع .
-
-
٧٧

وقال - رحمه الله-
فصل
في أن لا يسأل العبد الا الله
) قال النبي صلى
قال الله تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَنَصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب
الله عليه وسلم لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله)).
وفى الترمذى: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع،
فإنه إن لم ييسره لم يتيسر )) وفى الصحيح، أنه قال لعدى بن مالك والرهط الذين
بايعهم معه: (( لا تسألوا الناس شيئاً)» فكان سوط أحدهم يسقط من يده :
فلا يقول لأحد ناولنى إياه، وفى الصحيح فى حديث السبعين ألفا ، الذين
يدخلون الجنة بغير حساب: (( هم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ،
ولا يتطيرون)) والاسترقاء طلب الرقية، وهو نوع من السؤال.
وأحاديث النهى عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله: ((لاتحل
المسألة إلا لثلاثة)) وقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله)) الحديث، وقوله ((لاتزال
المسألة بأحدهم ... )) وقوله: ((من سأل الناس وله ما يغنيه ... )) وأمثال ذلك.
وقوله: (( من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس : لم تسد فاقته)) الحديث.
فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم : فليس من هذا الباب ؛ لأن المخبر
٧٨

لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب ، والسائل محتاج إلى ذلك ؛ قال
صلى الله عليه وسلم: ((هلا سألوا إذلم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال))! ولكن
من المسائل ما ينهى عنه. كما قال تعالى: ( لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ) الآية. وكنهيه
عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك .
وأما سؤله لغيره أن يدعو له : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر :
((لا تنسنا من دعائك)) وقال: ((إذا سمعتم المؤذن : فقولوا مثل ما يقول،
ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لى الوسيلة
فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك
العبد! فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة)) . وقد يقال فى هذا:
هو طلب من الأمة الدعاء له ؛ لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر
مما لو كان الدعاء لأنفسهم، كما قال للذى قال : أجعل صلاتى كلها عليك؟ فقال:
(((إذًّا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)) فطلبه منهم الدعاء له :
لمصلحتهم، كسائر أمره إياهم بما أمر به وذلك لما فى ذلك من المصلحة لهم ،
فإنه قد صح عنه أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة :
إلا وكل الله به ملكا كل ما دعا دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك مثله)).
٧٩

وقال شيخ الإسلام رحمه الله :-
فصل
العبادات مبناها على الشرع والاتباع ، لا على الهوى والابتداع ، فإن
الإسلام مبنى على أصلين :
أحدهما : أن نعبد الله وحده لا شريك له.
والثانى : أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ،
لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ
اُلْأَمْرٍ فَاتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) الآية.
وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُواْلَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ ).
فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم ، من
واجب ومستحب ، لا نعبده بالأمور المبتدعة , كما ثبت فى السنن من حديث
((العرباض بن سارية)) قال ((الترمذى)): حديث حسن صحيح. وفى ((مسلم))
أنه كان يقول فى خطبته: « خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى
الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).
وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يصلى إلا لله، ولا يصوم إلا لله،
٨٠