Indexed OCR Text

Pages 41-60

المعاوضة، لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى
الآخر ، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه ، والملوك محتاجون إلى
الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بنى أمر العالم، وإما بطريق الإحسان
منك إليهم. فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك
ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة ، فلو قد وليت ولوا عنك
وتركوك فهم فى الحقيقة إنما يحبون أنفسهم ، وأغراضهم.
فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم تجد أحدهم سيداً مطاعاً وهو فى
الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذى أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر
بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجاً إليهم ، نقص الحب والإكرام والتعظيم
بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك .
والرب تعالى : يمتنع أن يكون المخلوق مكافياً له أومتفضلا عليه، ولهذا كان
النبى صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائّدته: ((الحمد لله حمداً كثيراً طيباً
مبارکا فيه غیر مکفی ولا مکفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا » رواه البخاری
من حديث أبى أمامة بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده
لا شريك له فى ذلك؛ بل ما بالخلق كاهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد فی کمال
افتقاره إلى اللّه ، واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه ،
أى بموجب علمه ذلك . فإن الإنسان قد يفتقرو لا يعلم مثل أن يذهب ماله
ولا يعلم، بل يظنه باقياً فإذا على بذها بهصار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء
إلى اللّه، لكن أهل الكفر والنفاق فى جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره
والعمل به ، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاءهم عباد الله .
٤١

فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات ، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع
أن يكون إلا فقيراً إلى خالقه ، وليس أحد غنياً بنفسه إلا الله وحده ، فهو
الصمد الغنى عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ، فالعبد فقير إلى الله من جهة
ربو بيته ومن جهة إلهيته ، كما قد بسط هذا فى مواضع .
والإنسان یذنب دائماً فهو فقیر مذنب ، ور به تعالى ير حمه ويغفر له ، وهو
الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه : لما وجد خیر أصلا ، لا فى الدنيا ولا فى
الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه ، وهو محتاج دائما إلى حصول
النعمة ، ودفع الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته ، ولا يندفع الشر
إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد. كما قال تعالى: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ
حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَ مَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيَن نَّفْسِكَ ) والمراد بالسيئات : ما يسوء العبد
من المصائب وبالحسنات: ما يسره من النعم. كما قال: ( وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَاتِ
وَالسَّيِّئَاتِ ) فالنعم والرحمة والخير كله من اللّه فضلا وجودا، من غير أن يكون
لأحد من جهة نفسه عليه حق ، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو
أحقه على نفسه ، وليس ذلك من جهة المخلوق ، بل من جهة الله، كما قد بسط
هذا فى مواضع.
والمصائب: بسبب ذنوب العباد وكسبهم. كما قال: (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ).
والنعم ، وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها : فهو سبحانه
المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها ، فإنه سبحانه هو الذى خلق العبد وجعله
مسلماً طائعاً، كما قال الخليل: ( الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ) وقال: (وَاجْعَلْنَامُسْلِمَیْنِ
٤٢

لَكَ ) وقال: (أَجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوةِ) وقال: (وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ
◌ِأَمِ نَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِثَايَنِنَايُوقِنُونَ) فسأل ربه أن يجعله مسلماً وأن يجعله
مقيم الصلاة . وقال: ( وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ) الآية : قال فى
آخرها : ( فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةُ ).
وفى صحيح أبي داود وابن حبان: ((اهدنا سبل السلام، وبجنا من الظلمات
إلى النور ، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابليها، وأتمعها علينا))
وفى الفاتحة: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وفى الدعاء الذى رواه الطبرانى عن ابن
عباس قال: مما دعابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: ((اللهم إنك تسمع
كلامى، وترى مكانى، وتعلم سرى وعلانيتى ، ولا يخفى عليك شىء من أمرى،
أنا البائس الفقير ، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر بذنبه ، أسألك
مسئلة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف
الضرير ، من خضعت لك رقبته ، وذل لك جسده ، ورغم لك أنفه ،
اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقياً وكن بى رؤوفا رحيما يا خير المسئولين ،
ويا خير المعطين )) .
ولفظ العبد فى القرآن: يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق
عليه لفظ عبده. كما قال: ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ) وأما قوله (إِلَّا مَنِ
أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء،
وقوله: (عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)
( وَذَكُرْ عَبْدَنَادَاوُودَ ) و( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوََّبُ) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ)
( وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَّ إِنَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ) ( فَوَجَدَاعَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآَ) (سُبْحَنَ
٤٣

الَّذِىَ أَسْرَىُّ بِعَبْدِهِ ) (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَا نَزَّلْنَا عَلَى
عَبْدِنَا) (فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآأَوَحَى) ( وَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ الَّهِ يَدْعُوهُ) (تَبَارَكَ الَّذِى
نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ). ويحوهذا كثير. وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها ،
كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ) (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
أَنْ يَتَّخِذُ واْعِبَادِى مِن دُونِ أَوْلِيَةَ ). قد يقال فى هذا: إن المراد به الملائكة،
والأنبياء ، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء: فغيرهم بطريق الأولى. فقد قال:
(إِن كُلُ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا).
وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم فى الدجال: ((فيوحى الله إلى المسيح
أن لى عباداً لا يدان لأحد بقتالهم)) وهذا كقوله: (بَعَثْنَا عَلَيَِّكُمْ عِبَادًا لَّنَآَ ) ،
فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم معبدون ، مذللون ، مقهورون ، يجرى
عليهم قدره .
وقد يكون كونهم عبيداً : هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا
كفاراً. كقوله: (وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) وقوله: (إِلَّ ◌َاتِى
الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) أى ذليلا خاضعاً. ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك،
وإنما الاستكبار عن عبادة اللّه كان فى الدنيا، ثم قال: (لَّقَدْ أَخْصَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا *
وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)، فذكر بعدها أنه يأتى منفرداً كقوله (وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وقال: (وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَلِلَّهِيَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرُهَا
)
طَوَعًا وَكَرْهًا)
) فليس المراد
الآية. وقال: ( بَلِ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَائِنُونَ
بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين بحت المشيئة والقدرة فإن هذا
٤٤

لا يقال طوعاً وكرهاً فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعاً وكرهاً،
فأما ما لا فعل له فيه : فلا يقال له ساجد أو قانت ، بل ولا مسلم ، بل الجميع
مقرون بالصانع بفطرتهم ، وهم خاضعون مستسلمون ، قانتون مضطرون
من وجوه .
منها : علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه . ومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار.
ومنها : خضوعهم واستسلامهم لما يجرى عليهم من أقداره ومشيئته . ومنها:
انقيادهم لكثير مما أمر به فى كل شىء، فإن سائر البشر لا يمكنون العبد من مراده
بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذى يكرهه، وهو مما أمر الله به ، وعصيانهم له
فى بعض ما أمر به - وإن كان هو التوحيد - لا يمنع كونهم قانتين خاضعين،
مستسلمين كرهاً ، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم ، فإنهم خاضعون
للدین الذی بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه فى أمور .
والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعاً ، وكذلك لما يقدره من المصائب ، فإنه
يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعاً ، فهو مسلم لله طوعاً خاضع له
طوعاً ، والسجود مقصوده الخضوع، وسجودكل شىء بحسبه ، سجوداً
يناسبه ويتضمن الخضوع للرب.
وأما فقر المخلوقات إلى اللّه: بمعنى حاجتها كلها إليه ، وأنه لا وجود لها ولا
شىء من صفاتها ، وأفعالها إلا به . فهذا: أول درجات الافتقار، وهو افتقارها
إلى ربوبيته لها ، وخلقه وإتقانه ، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له ، وله سبحانه
الملك والحمد .
وهذا معلوم عندكل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث
٤٥

دلیل افتقار الأشياء إلىمحدثها ، و کذلك حاجاتها إلی محدثها بعد إحداثه ها : دليل
افتقارها فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق .
والصواب: أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذ واتها لا لأمر آخر جعلها
مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها ؛ لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن
غنى الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غنى ، فهو غنى بنفسه لا بوصف
جعله غنياً ، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهى معدومة وهى موجودة
فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى الخالق كان
معناه : أنه لا يوجد إلا بالخالق هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم،
وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات
وسجودها وتسبيحها وقوتها : أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف
وجهور الخلف .
ولكن طائفة تدعى أن افتقارها، وخضوعها ، وخلقها ، وجريان المشيئة
عليها: هو تسبيحها وقنوتها ، وإن كان ذلك بلسان الحال ، ولكونها دلالة شاهدة
للخالق جل جلاله. وقل للأرض من نجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج
نباتها وثمارها ، فإن لم تجبك حواراً وإلا أجابتك اعتباراً ، وهذا يقوله الغزالى
وغيره، وهو أحد الوجوه التى ذكرها أبو بكر بن الأنبارى فى قوله: (كُلُلَّهُ.
قَِئُونَ ) قال: كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه ، فذلك
دليل على ذله لربه، وهو الذى ذكره الزجاج فى قوله: (وَلَهُأَسْلَمَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) قال : إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره فى جيلهم،
لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها، وهذا المعنى صحيح، لكن الصواب
٤٦
:

الذى عليه جمهور علماء السلف والخلف : أن القنوت ، والاستسلام، والتسبيح
أمر زائد على ذلك ، وهذا كقول بعضهم : إن سجود الكاره وذله وانقياده لما
يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم فى قوله: ( وَإِن
مِّنْ شَىْءٍ إِلَّايُسَُّ بِهْدِهِ ). قال: تسبيحه دلالته على صانعه فتوجب بذلك
تسبيحاً من غيره، والصواب أن لها تسبيحاً وسجوداً بحسبها.
والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له : أمر
فطرى فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات،
كما قد بسط الكلام على هذا فى مواضع ، وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة
القياس الشمولى، والتمثيلى ، فإن القياس البرهانى العقلى: سواء صيغ بلفظ
الشمول، كالأشكال المنطقية ، أو صيغ بلفظ التمثيل ، وبين أن الجامع هو علة
الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد ، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين
فى غير هذا الموضع.
والتحقيق : أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث هو علم فطرى ،
ضرورى فى المعينات الجزئية ، وأبلغ مما هو فى القضية الكلية ، فإن الكليات :
إنما تصير كليات فى العقل بعد استقرار جزئياتها فى الوجود، وكذلك عامة
القضايا الكلية، التى يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم،
كقولهم: الكل أعظم من الجزء أو النقيضان لايجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء
المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك، فإنه أى كلى تصوره الإنسان على أنه
أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه
أكثر من بعض وأن الدرهم أكبر من بعضه ، وأن المدينة أكثر من بعضها
٤٧

وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما : الوجود والعدم ، فإن
العبد إذا قصور وجود أى شىء كان وعدمه: علم أن ذلك الشىء لا يكون
موجوداً معدوماً فى حالة واحدة وأنه لا يخلو من الوجود والعدم ، وهو يقضى
بالجزئيات المعينة ، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك.
ولما كان القياس الكلى فائدته أمر مطلق لا معين : كان إثبات الصانع
بطريق الآيات هو الواجب. كما نزل به القرآن ، وفطر اللّه عليه عباده، وإن
كانت الطريقة القياسية صحيحة ، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل فى
الآيات الإلهيات : استعمل قياس الأولى لا القياس الذى يدل على المشترك،
فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التی لا كمال فيها . فالبارى
تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك ، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذى لا نقص فيه
كالحياة ، والعلم ، والقدرة : فالخالق أولى بذلك منه ، فالمخلوقات كلها آيات
للخالق ، والفرق بين الآية وبين القياس : أن الآية تدل على عين المطلوب
الذى هى آية وعلامة عليه ، فكل مخلوق فهو دليل . وآية على الخالق نفسه ، كما
قد بسطناه فى مواضع .
ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات ، فإنها قد فطرت على ذلك ،
ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات : لم تعلم أن هذه الآية له ، فإن كونها آية
له ودلالة عليه : مثل كون الاسم يدل على المسمى فلا بد أن يكون قد قصور
المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له ، فكذلك كون هذا دليلا على هذا
يقتضى تصور المدلول عليه وقصور أن ذلك الدليل مستلزم له ، فلا بد فى ذلك
أن يعلم أنه مستلزم للدول، فلو لم يكن المدلول متصوراً لم يعلم أنه دليل عليه ،
٤٨

فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه ؛ لكن قد لا يكون
الإنسان عالماً بالإضافة ، ولا كونه دليلا ، فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف
أنه مستلزم له ، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق ، فلا بد
أن يكونوا يعرفونه ؛ حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له .
والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية : هى التى جاء بها القرآن ،
واتفق العقل والشرع ، وتلازم الرأى والسمع .
والمتفلسفة كابن سينا والرازى ومن اتبعهما ، قالوا : إن طريق إثباته
الاستدلال عليه بالممكنات ، وإن الممكن لا بد له من واجب ، قالوا : والوجود
إما واجب وإما ممكن ، والممكن لا بد له من واجب ، فيلزم ثبوت الواجب على
التقديرين ؛ وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، وركبها من كلام المتكلمين وكلام
سلفه؛ فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث ، وقسمه هو إلى واجب
وممكن ، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا ؛ بل زعم أنه ممكن . وهذا التقسيم
لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حذاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه
وجمهور العقلاء وغيرهم ، وقد بينا فى مواضع أن القدم ، ووجوب الوجود ،
متلا زمان عند عامة العقلاء ، الأولين والآخرين ، ولم يعرف عن طائفة منهم
نزاع فى ذلك ، إلا ما أحدثه هؤلاء فإنا نشهد حدوث موجودات کثيرة، حدثت
بعد أن لم تكن ، ونشهد عدمها بعد أن كانت ، وما كان معدوماً أو سيكون
معدوماً لا يكون واجب الوجود ، ولا قديماً أزلياً .
ثم إن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود : فليس فى دليلهم أنه
مغاير للسموات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالى وغيره ، لكن
٤٩

عمدتهم أن الجسم لا يكون واجباً، لأنه مركب ، والواجب لا يكون مركباً،
هذا عمدهم .
وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة ، وما زال النظار يينون فساد هذا
القول كل بحسبه ، كما بين الغزالى فساده بحسبه .
وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود
بنفسه الذى لا يقبل العدم فتكون الذات واجبة والصفات واجبة ، ويقال
للموجود بنفسه والقائم بنفسه ، فتكون الذات واجبة دون الصفات ، ويقال
لمبدع الممكنات، وهى المخلوقات ، والمبدع لها هو الخالق ، فيكون الواجب
هو الذات المتصفة بتلك الصفات ، والذات مجردة عن الصفات لم يخلق ،
والصفات مجردة عن الذات لم يخلق ، ولهذا صار من سار خلفهم من يدعى
التحقيق والعرفان ، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق ، كما قد بسط
القول عليه فى مواضع.
والمقصودهنا: الكلام أولا : فى أن سعادة العبد فى كمال افتقاره إلى ربه
واحتياجه إليه ، أى فى أن يشهد ذلك ويعرفه ، ويتصف معه بموجب ذلك من
الذل والخضوع والخشوع ، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع
استغناء فيطغى. كما قال تعالى: (كَلََّإِنَّالْإِنسَنَ لَطْفَىَ * أَنْ رََّاهُ أَسْتَغْفَ) وقال:
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَاِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّفَذُودُعَاءِ عَرِيضٍ ) وفى الآية
الأخرى : ( كان يؤساً) .
٥٠

فصل
والسعادة فى معاملة الخلق : أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم فى
اللّه، وتخافه فيهم ولا تخافهم فى اللّه؛ وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم،
و تکف عن ظلهم خوفاً من الله لا منهم. کما جاء فى الأثر: «ارجالله فى الناس
ولا ترج الناس فى الله وخف اللّه فى الناس ولا تخف الناس فى الله)) أى:
لا تفعل شيئاً من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا
خوفاً من ذمهم ، بل ارج اللّه ولا تخفهم فى اللّه فيما تأتى وما تذر بل افعل
ما أمرت به وإن كرهوه. وفى الحديث: ((إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس
بسخط الله أو تذمهم على ما لم يؤتك اللّه)) فإن اليقين يتضمن اليقين فى القيام
بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته ، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه و تدبيره ،
فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا: لا بوعده ولا برزقه ، فإنه إنما يحمل
الإنسان على ذلك ، إما ميل إلى ما فى أيديهم من الدنيا : فيترك القيام فيهم بأمر
الله؛ لما يرجوه منهم . وإما ضعف تصديق بما وعد اللّه أهل طاعته من النصر
والتأييد والثواب فى الدنيا والآخرة ، فإنك إذا أرضيت اللّه: نصرك، ورزقك
وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفاً منهم ورجاء لهم ؛ وذلك
من ضعف اليقين .
وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك: فالأمر فى ذلك إلى الله لا لهم،
٥١

فإنه ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن ، فإذا ذمتهم على ما لم يقدر: كان ذلك من ضعف
يقينك ، فلا يخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك؛ لكن من
حمده الله ورسوله وقليل فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله تسيّر فهو المذموم.
ولما قال بعض وفد بنی تمم: یا محمد أعطنی فإن حمدی زین وإن ذمی
شين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك الله عز وجل)).
وكتبت عائشة إلى معاوية، وروى أنها رفعته إلى النبى صلى اللّه عليه وسلم:
(«من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط
الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً)) هذا لفظ المرفوع ولفظ الموقوف: ((من أرضى
اللّه بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط
الله عاد حامده من الناس له ذاماً)) هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه
فى الدين ، والمرفوع أحق وأصدق ، فإن من أرضى اللّه بسخطهم كان قد انقاه:
وكان عبده الصالح واللّه يتولى الصالحين، وهو كاف عبده (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ ) . فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب،
وأما كون الناس كلهم يرضون عنه: فقد لا يحصل ذلك ، لكن يرضون عنه
إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة ، ومن أرضى الناس بسخط الله
لم يغنوا عنه من الله شيئاً، كالظالم الذى يعض على يده يقول: (يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَوَيِلَقَ لَيْنِى لَوْأَفَّخِذْ فُلَانَّا خَلِيلًا ) وأما كون حامده ينقلب ذاماً :
فهذا يقع كثيراً، ويحصل فى العاقبة ، فإن العاقبة للتقوى ، لا يحصل ابتداء عند
أهوائهم وهو سبحانه أعلم.
فالتوحيد ضد الشرك ، فإذا قام العبد بالتوحيد الذى هو حق اللّه ، فعبده
٥٢

لا يشرك به شيئاً كان موحداً. ومن توحيد الله وعبادته: التوكل عليه والرجاء
له ، والخوف منه ، فهذا يخلص به العبد من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم ،
وترك العدوان عليهم : يخلص به العبد من ظلمهم ، ومن الشرك بهم . وبطاعة
ربه واجتناب معصيته: يخلص العبد من ظلم نفسه وقد قال تعالى فى الحديث
القدسى: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ». فالنصفان يعود نفعهما إلى
العبد، وكما فى الحديث الذى رواه الطبرانى فى الدعاء: ((ياعبادى: إنما هى أربع
واحدة لى ، وواحدة لك ، وواحدة بينى وبينك . وواحدة بينك وبين خلقى
فالتى لى : تعبدنى لا تشرك بي شيئاً. والتى لك: عملك أجزيك به أحوج ما تكون
إليه. والتى بينى وبينك: فمنك الدعاء وعلى الإجابة . والتى بينك وبين خلقى :
فأت إليهم ما يحب أن يأتوه إليك))(١) والله يحب النصفين.
ويجب أن يعبدوه. وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله
وإحسانه ، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إِنما يحبه لكونه طريقاً إلى
عبادته ، والعبد يطلب ما يحتاج أولا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى
الهداية إلى الصراط المستقيم ، وبذلك يصل إلى العبادة . فهو يطلب ما يحتاج إليه
أولا ليتوسل به إلى محبوب الرب، الذى فيه سعادته. وكذلك قوله: ((عملك
أجزيك به أحوج ما تكون إليه )) فإنه يحب الثواب الذى هو جزاء العمل ،
فالعبد إنما يعمل لنفسه، ( لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ ) ثم إذا طلب
العبادة : فإنما يطلبها من حيث هى نافعة له ، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب
ربه فلا يطلب العبد قط إلا مافيه حظ له وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه
من حيث هو ملائم له فمن عبد الله لا يشرك به شيئاً : أحبه وأثابه ، فيحصل
(١) نص الحديث في الطبراني مجلد ٢ - ٧٩٣/٧٩٢
٥٣

للعبد ما يحبه من النعم تبعاً لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشترى ، البائع يريد
من المشترى أولا المن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشترى يريد
السلعة ، ومن لوازم ذلك : إرادة إعطاء المن .
فالرب يحب أن يحب. ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا يحصل العبادة إلا به
والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به ومن لوازم ذلك ؛ محبته لعبادة الله فمن عبدالله
وأحسن إلى الناس، فهذا قام بحقوق الله وحق عباد الله، فى إخلاص الدين له.
ومن طلب من العباد العوض ثناء أودعاء أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم الله. ومن
خاف الله فيهم ولم يخفهم فى اللّه كان محسناً إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله
يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف اللّه فهذا
ظالم لنفسه ولهم ، حيث خاف غير الله ورجاه، لأنه إذا خافهم دون اللّه احتاج
أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم ، وإما بمقابلتهم بشىء
أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله
فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلها؟
فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر مهين ذليل إذا قهر ،
فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك ، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس .
وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه مايرجوه منهم ، فلا بد أن يبغضهم فيظلهم
إذا لم يكن خائفاً من الله عز وجل، وهذا موجود كثير فى الناس، بجدهم يخاف
بعضهم بعضاً ويرجو بعضهم بعضاً ، وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر ، ويطلب
ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض ، ظالمون فى حق الله حيث خافوا غيره ورجوا
غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التى تعذب النفس بها وعليها ،
وهو يجر إلى فعل المعاصى المختصة ، كالشرك والزنا ، فإن الإنسان إذا لم يخف
٥٤

من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له ؛ فإن نفسه تبقى طالبة
لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها ، وليس عندها من ذكر الله وعبادته
ماتستريح إليه وبه ؛ فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات
وقول الزور ، وذكر ماجريات النفس والهزل واللعب ومخالطة قرناء السوء
وغير ذلك ولا يستغنى القلب إلا بعبادة الله تعالى.
فإن الإنسان خلق محتاجاً إلى جلب ما ينفعه، ودفع مايضره ، ونفسه
مرريدة دائماً، ولا بدلها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به،
وليس ذلك إلا لله وحده ؛ فلا تطمئن القلوب إلا به ، ولا تسكن النفوس
إلا إليه، و ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّ اللَّهُلَفَسَدَنَا) فكل مألوه سواه يحصل به الفساد،
ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لاشريك له.
فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين : عبدت غيره ؛ من الآلهة التى يعبدها
أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم ؛ فأشركت بالله بعبادة غيره ، واستعانته ؛ فتعبد
غيره وتستعين به لجهلها بسعادتها التى تنالها بعبادة خالقها والاستعانة به ؛ فبالعبادة
له تستغنى عن معبود آخر ، وبالاستعانة به تستغنى عن الاستعانة بالخلق،
وإذا لم يكن العبد كذلك : كان مذنباً محتاجاً ، وإنما غناه فى طاعة ربه ، وهذا
حال الإنسان ؛ فإنه فقير محتاج ، وهو مع ذلك مذنب خطاء فلا بد له من ربه ؛
فإنه الذى يسدى مغافِرَهُ، ولا بد له من الاستغفار من ذنوبه . قال تعالى:
(فَأَعْلَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ) فبالتوحيد يقوى العبد ويستغنى،
ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، وبالاستغفار يغفر له ويدفع
عنه عذابه، (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّ بَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فلا يزول فقر العبد وفاقته
٥٥

إلا بالتوحيد ؛ فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيراً محتاجاً معذباً
فى طلب مالم يحصل له. واللّه تعالى: (لَيَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) وإذا حصل مع
التوحید الاستغفار : حصل له غناه وسعادته ، وزال عنه ما يعذبه ، ولا حول
ولا قوة إلا بالله .
والعبد مفتقر دائماً إلى التوكل على الله والاستعانة به، كما هو مفتقر
إلى عبادته ؛ فلا بد أن يشهد دائماً فقره إلى الله، وحاجته فى أن يكون معبوداً له،
وأن يكون معيناً له؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه.
قال تعالى: ( إِنَّمَاذَلِكُمُالشَّيْطَانُ يَُّوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ) أى يخوفكم بأوليائه. هذا هو
الصواب الذى عليه الجمهور ؛ كابن عباس وغيره وأهل اللغة كالفراء وغيره .
قال ابن الأنبارى: والذى تختاره فى الآية: يخوفكم أولياءه. تقول العرب
أعطيت الأموال: أى أعطيت القوم الأموال ؛ فيحذفون المفعول الأول .
قلت : وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفاً مطلقاً ، ليس له فى
تخويف ناس بناس ضرورة ؛ فذف الأول لأنه ليس مقصوداً .
وقال بعض المفسرين : يخوف أولياءه المنافقين ، والأول أظهر ؛ لأنها
نزلت بسبب تخويفهم من الكفار ؛ فهى إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من
الناس. وقد قال: ( يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ) الضمير عائد إلى أولياء
الشيطان؛ الذين قال فيهم : (فَأَخْشَوْهُمْ) قبلها، والذى قال الثانى: فسرها من جهة
المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه ؛ لأن سلطانه عليهم ؛ فهو يدخل
عليهم المخاوف دائما ، وإن كانوا ذوى عدد وعدد، وأما المؤمنون فهم متوكاون
على الله لا يخوفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول ؛ أى : يخوف
٥٦

المنافقين أولياءه ، وهو يخوف الكفار، كما يخوف المنافقين ؛ ولو أريد أنه
يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه؛ وهو قوله: ( فَلاَ تَخَافُوهُمْ).
وأيضاً فإنه يعد أولياءه ويمنيهم ؛ ولكن الكفار : يلقى الله فى قلوبهم
الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك. قال تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً
فِي صُدُورِهِم مِّنَاللَّهِ) وقال: (سَأُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ)؛ ولكن
السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا
الذين [ قالوا ] ذلك من
الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين ؛ وإنما يخاف من الكفار
المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: ( وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)
وقال: ( فَإِذَا جَآءَالْخَوْفُ) الآية. فكلا القولين صحيح من حيث المعنى؛ لكن
لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين ، كما دل عليه السياق،
وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم .
فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ، ويجعل ناساً
خائفين منهم .
ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ، ولا
يخاف الناس كما قال: ( فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) فوف الله أمر به وخوف
أولياء الشيطان نهى عنه. قال تعالى: (لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّا الَّذِينَ
) فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته ، وقال:
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًّاإِلَّ اللَّهَ) وقال:
( وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ ).
وبعض الناس يقول : يارب إنى أخافك وأخاف من لايخافك ، فهذا
٥٧
. ......

كلام ساقط لا يجوز ؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدا،
فإن من لايخاف الله أذل من أن يخاف ، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان ،
فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل قد يؤذينى قيل: إنما يؤذيك بتسليط
الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله؛ وإنما يسلط على العبد
بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فائقيته وتوكلت عليه كفاك شركل شر، ولم يسلطه
عليك ، فإنه قال: ( وَمَنْ يَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )، وتسليطه يكون بسبب
ذنوبك وخوفك منه . فإذا خفت اللّه وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط
عليك، كما قال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
وفى الآثار: ((يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب
الملوك ونواصيها بيدى ، فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة ، ومن
عصانى جعلتهم عليه نقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ؛ ولكن توبوا
إلىَّ وأطيعون أعطفهم عليكم» .
ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: (أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ)
الآية وقال: (وَكَأَيِّنِ مِن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) الآيات - والأكثرون
يقرؤون قاتل - والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف: هم الجماعات
الكثيرة ، قال ابن مسعود وابن عباس فى رواية عنه والفراء : ألوف كثيرة
وقال ابن عباس فى أخرى ومجاهد وقتادة : جماعات كثيرة وقرئ بالحركات
الثلاث فى الراء ، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه : الذين ما وهنوا
وما ضعفوا . وأما على قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان :-
أحدهما : يوافق الأول أى الربيون يقتلون فما وهنوا ، أى: ماوهن من بقى
٥٨

منهم، لقتل كثير منهم أى: ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوالعدوهم،
بل قاموا بأمر الله فى القتال حتى أدالهم اللّه عليهم وصارت كلمة الله هي العليا .
والثانى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قتل معه ربيون كثير فاوهن من بقى
منهم لقتل النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمداً
قد قتل ، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية ، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة
ما وهنوا؛ ولو أريد أن النبي قتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل
تقليلهم هو المناسب لها ؛ فإذا كثروا لم يكن فى مدحهم بذلك عبرة .
وأيضاً لم يكن فيه حجة على الصحابة : فإنهم يوم أحد قليلون والعدو
أضعافهم، فيقولون ولم يهنوا ؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون .
وأيضاً فقوله : (وَكَتِنِ مِن نَّبِيٍ ) يقتضى كثرة ذلك ، وهذا لا يعرف
أن أنبياء كثيرين قتلوا فى الجهاد .
وأيضاً فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير ، وهذا
لم يوجد ؛ فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون ، وموسى وأنبياء
بنى إسرائيل لم يقتلوا فى الغزو ؛ بل ولا يعرف فى قتل فى جهاد ، فكيف يكون
هذا كثيراً ويكون جيشه كثيراً ؟!
والله سبحانه أنكر على من ينقلب سواء كان النبى مقتولا أو ميتاً، فلم يذمهم
إذا مات أو قتل على الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب ، ولهذا تلاها
الصديق رضى الله عنه بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها
قبل ذلك.
ثم ذكر بعدها معنى آخر : وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم
٥٩

خلق كثير . وهم لا يهنون، فيكون ذكر الكثرة مناسبا لأن من قتل مع الأنبياء
كثير ، وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن ، فما وهنوا وإن كانوا كثيرين
ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم، ولم يقل هنا: ولم ينقلبوا على أعقابهم فلو كان
المراد أن نبيهم قتل لقال فانقلبوا على أعقابهم ، لأنه هو الذى أنكره إذا مات
التى أو قتل ، فأنكر سبحانه شيئين : الارتداد إذا مات أو قتل ، والوهن
والضعف والاستكانة لما أصابهم فى سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال:
(فَمَا وَهَنُواْلِمَآ أَصَابَهُمْ) إلخ. ولم يقل: فما وهنوا لقتل النبى، ولو قتل وهم أحياء
لذكر ما يناسب ذلك، ولم يقل: (فَمَا وَهَنُواْلِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ومعلوم أن ما
يصيب فى سبيل الله فى عامة الغزوات لا يكون قتل نى.
وأيضاً فكون التى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير : لا يستلزم أن يكون
النبى معهم فى الغزاة ، بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه ، وكذلك
كل من قتل على دينه فقد قتل معه، وهذا الذى فهم الصحابة ؛ فإن أعظم قتالهم
كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى فتحوا البلاد شاماً؛ ومصراً ؛
وعراقاً؛ ويمناً ؛ وعرباً، وعجماً؛ وروماً؛ ومغرباً؛ ومشرقاً، وحينئذ فظهر
كثرة من قتل معه ، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون ،
ويكون فى هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة ، فإنهم كلهم يقاتلون
مع النبى صلى الله عليه وسلم على دينه ؛ وإن كان قد مات ، والصحابة الذين
يغزون فى السرايا والنبى ليس معهم : كانوا معه يقاتلون وهم داخلون فى قوله :
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) الآية وفى قوله: (وَلَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ
٦٠