Indexed OCR Text

Pages 1-20

لِقَاءُ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ
بالمسَجِدِ الحَرَامِ
(٢١٥)
الرُّلِفِى الىالاهْ لِوَالْقُرَّةُ
تَعْمَيْر ◌َاسَةِ كَامِ الْكِتْبَةُ
تَأليف العَلَامَة الفِقِيْه
محمّد بن أحمَد بن أمِنْ الّبن
المصْرِيّ الحَنَفِىّ
اعتنى بهَا
يوسفبن محمد الصَّمسيحى
أَنْهم بَطَبْعِهِ بَعْضُ أَهْل الَِّ الحرمين الشريفين وُّهم
دَارُ النَّقِالإسْلامِيَّةَ

جَمْعَ الُهُ المَخْفُوظَة
الطّبْعَة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤م
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزءٍ منه بأيّ شكل من الأشكال،
أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكّن من
استرجاع الكتاب أو أي جزءٍ منه، دون الحصول على إذن خطي مسبقاً.
سَرَ كَهْ دِ التَسَائِ الإسْلامِيَّة
لِلْطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ ش.م.م.
أسّنتها الشّيخ رمزيْ دِيثِقيّة رَحِمُ اللّه تعالى
سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣م
بيروت - لبنان - ص.ب: ١٤/٥٩٥٥
فاكس: ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
هاتف: ٠٠٩٦١١/٧٠٢٨٥٧
email: info@dar-albashaer.com
website: www. dar-albashaer.com
ISBN 978-614-437-106-0
9 786144 371060

المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد :
فهذه رسالة عنوانها «الزلفى إلى الله والقربة في تعمير ما سقط من
الكعبة)) للعلَّامة الفقيه تاج العارفين الحنفي، المتوفى في حدود
١٠٤٠ هـ.
وسبب تأليفه لهذه الرسالة هو ما حصل للكعبة المشرّفة من
سقوط بعض جدرانها إثر السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام
عام ١٠٣٩ هـ. وقد سُئل هو وغيره من العلماء عن حكم المال الذي
تبنى به الكعبة وعلى مَن تجب بنايتها؟ وحكم هدم الجدار الباقي منها
وإعادة بنائه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.
وبناءً عليه كتب علماء مكة جوابًا لبيان الحكم في هذه الواقعة
وختموه وأرسلوه إلى والي مصر آنذاك ليعرضه على علماء القاهرة
خاصة المفتين منهم والقضاة.
٣

قال المحبي: (ثم ورد السؤال من الديار المكيّة إلى الديار
المصرية عن ذلك وعليه خطوط السَّادة المكيين بالجواب عن ذلك
ليعرض على حضرة السلطان بنظر قاضي مصر إذ ذاك المولى أحمد
المعيد المُقدّم ذكره، فسأله أن يكتب أيضًا رسالة في شأن ذلك
لتعرض مع أجوبة المكيين تقوية لهم، فأجابه لذلك وألف رسالة
سمَّاها: ((الزلف والقربة في تعمير ما سقط من الكعبة)) وقد أحسن فيها
كل الإحسان وأجاد كل الإجادة).
ولأهمية هذه الرسالة اعتنيت بها ضبطًا مع تعليقات خفيفة
لأشارك بها مع الإخوة الفضلاء في لقاء العشر الأواخر من رمضان
المبارك.
هذا، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الإخلاص في القول
والعمل، وأن يبارك في أعمارنا وأولادنا إنه سميع مجيب.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
يوسفبن محمد الصمسيحى
مكة المكرّمة
١٤٣٤/٩/٨ هـ
٤

ترجمة موجزة للمؤلف(١)
هو العلّامة الفقيه المفتي تاج العارفين محمد بن أحمد بن أمين
الدين بن عبد العال الحنفي المصري.
(روى عن والده، ووالده روى عن والده، وهو عن والده،
وهو عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، وأجازه شيوخ عصره بالإفتاء
والتدريس، وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر، وأفاد الطلبة
وأجاد، وأَلَّف المؤلفات العديدة السَّنِيَّة، والرسائل الشهيرة في فقه
الحنفية).
(كان والده مفتي الحنفية بتلك الديار، وقطب الشريعة التي عليها
المدار، فنشأ ولده هذا في حجر العلم والعلى).
(وكان - رحمه الله - بمصر صدر المدرسين الذين تجملت
بفوائده المدارس، وفخر المتقدمين الذين تكملت بفرائدهم
المجالس).
(١) مصادر ترجمته :
((خلاصة الأثر)) (٤٦٩/١)، ((فوائد الارتحال)) للحموي (٣٧٣/٣)،
((سلافة العصر)) (٢٣٨/١)، ((نفحة الريحانة)) (١٨٢/٢)، ((إيضاح
المكنون)) (٦١٤/٣)، ((هدية العارفين)) (٢٤٥/١).

وهو شاعر وناثر، ووصف المحبي شعره بقوله: ((وشعره أحلى
من السكر المكرر، وأغلى قيمة من الجوهر)).
ومن شعره ما كتبه للعلَّامة الفقيه عبد الرحمن المرشدي المكي
الحنفي .
أذكرت ربعًا من أميمة أقفرا فأسلت دمعًا ذا شعاع أحمرا
أم شاقك الغادون عنك بسحرة لما سروا وتيمموا أم القرى
إلى آخر القصيدة.
توفي - رحمه الله تعالى - في حدود الأربعين بعد الألف.
٦

وصف المخطوط
اعتمدتُ في إخراج هذه المخطوط على نسخة واحدة صوَّرتُها
من مكتبة الجامعة الأردنية بعمَّان برقم ١٣٢٠، وأصلها بمكتبة
برنستون برقم هـ٦٢٢/١، وتقع في ثلاث ورقات.
ويوجد أيضًا نسخة أخرى للمخطوطة بمكتبة برنستون رقم
هـ ١١٦٠/٢ (٢٦) لم أتمكن من الحصول عليها.
وقام بتصوير النسخة من الجامعة الأردنية أخي الدكتور عادل
ابن محمد الرفاعي حفظه الله تعالى؛ فله مني الشكر والدعاء.
٧

:- - ليبر ات الرحمن الرحيم الحمد لله الذي حمار الكعبة البيت العتيق قبلة للناس واحى
بنائه حكان بحكم الوضع قوي الإساس والمصلوة والسلام على سيد محمد المدعولية التراج
والإحكام فبيتها وإزال الالتباس. وعلى الدوامماين الذين اقلوا معالم الدين وخموه عن
الاندرسن واجه فلاورد السوال من الديار المكية إلى الديار المصرية عما سقط من.
أبناء البيت المعم هل يجب إعاد به فورا ومن أي مال يضر عليه و هل يتعين أن يكون
فخاليا عن الشهرة واي الأموال اصل وعليه خطوط السادة المكيين بالجوأن عن ذلك
ليعرض فى حضرة سلطان سلاطين الاسلام" ظلم منه على كافة الأنام قطب دايرة
يجب القيام خدمه النية الحرام والركن والمقام
السماءهو
والمشاعر العظام وحزم المصطف عليه افضل الصلاة وازكى السلام ليسالدن في ذلك
أن الشريف فيما هنالك فان أبن تها جمل بيده مقاليد الأمور وقلة، تدين
مفتاط الجمهور بخصوصاً فيماهى من الأمور الشرعيات المشروعات والمنهياة فلابح
شىء من التصرفات الأبجدية الاعلام والاستئذان فإن مصارف ثبيت الملي مرجعه
مولانا السلطان خصوصاً في هذا المنهج العلي كثان ووحدة السوالعلى
جل على الموائيّ جايز ربس المين والمعالى عهد المحققين العظام سند المدعين الجام
تكاكل المشكلات خلال العضلات من لشركت با يام دولته مصر والقاهرة وافتخر
عما دة ما شاء اللهصلى الفي زاخرة عين العل الاسمي شيخ الإسلام والـ
ناحي التقوى والدين موكائنا وسند نا معيد أحمد قدري حرية في نفسه وولده
ونظرائيه نعين عنابن واحدة من مددة فكيف عن المثالية تفابها وإظهراقف
لطلا بها فكان ما استخر جره والجوا المطابقة والحكم الموافقع لاسيما والذي إستدب
كلامه هو الإمام الجليل المتقدم بل الناقلة عن الامام الأعظم الغرير الشهير يقاضى
وشعب إلى الفتاوى المذكورة فوجدتها الطبوما تقل مسطرة وحمل وا بدا تدوابه وبعل مول
فوقع هذا الاستخضار ف النفوس الموقع التام وكان سبب التنبيه للمراجعة والاهتمام
فاذهب تقنيات ذلك بالكتابة عملابقوله فيدوا العلم بها وتوسلنا إلى زيادة الإستفهام
يزجه بد بسبها" فأقول لا بأس بذكر بعضيك ماقاله علماء الحنفية ضافة الحروب
فابه من أحد الأنواع الأربعة التى نحن عليها في ذلك الكتاب فقالوا إن التحضَل من بيت المال
صورة الورقة الأولى
٨

الاول وأن احد هما ليس باولي من الاخراذلم يقع فيعباراتكم ما يدل على تقديم بعضها علىالعقن ومي
بذلك الط قول منا الظهيرية وجون المصرية من الخراج في قال بأن أخلها الجزر تحتاج الخ ليل و
بانجمة الف المنصوص عليه ينها من اموال بيت المال فلا يمتنع الصرف من عمال الفركتبرع
ونذى ووقف على مالها بم ظفرت بنقل يشهد لذلكه تريما قال العلامة أني ذهبان في منطول
ودَاجَة البيت العتيق عبرة تماعٍ وبالا مان تكسى لعر الثارها العلامة ابن الشحبة.
مسئلة البيت من الواقعة الحامية للشهية في أدبباج الكعبة اذا صار خلق لا يجوز اخذة
لمن للسلطة اتيليه ويستعينيه علىامر الكعبه انتهى قال الطرسوسي وفي زماننا :.
وأرت منه بناخ من بني شيبة وتختفي أن يكون الشر منهم فالله لابد فى كركل من الأولياء
له في السلطان في الاخذ والبيع إن كانت الكسوة التي يشتريها الأمام في كل سنه
من مال نفسه وإن كانت من بيت الملي فإن لم يكونوا مستخ فين اخذ ثم ضربيتّ الل ..
آنا كورونا بوجه من الوجوه المسموعة الاخذ من لا يكون اصماراخذ ولا البيع وابن إعلام
فى القبض الإمام الكولي ايضا.
ج الكعية إذا صار خلق الا يجى
. لكرة سخة السلطان ويستغيرة
الكعبة أنهجر.
تكست المالاول فيمكن أن يقال فيه إن تقريرهم علاة لكل ي كل سنة ينزل منزلة الأوان
والحال فى زماننا إن ماتكسى بالكعبة المشرفة من المكان يتحمل من الا دموقوفة عليها
فلايجون مح ذك الشع الواقع من بني شعبة ولا الابعداغ منهم لم يقسنى أن يص في مصتالالكعبة
كما قالوافي حضير المسجد ونخوه اللهم إلا إن يكون الواقف شرطان يكون الرت لبني شيعية.
ف يجوز لايتياع منهم انشى نشاط والمخزنز تجبه أول السنة قال العلامة المعدي:
من الفي فى كلشهراريت داهو من المتوسط وتهمان للتهيان
عليه والا فالو جو باول العام بكر فإن الشيخ المكرمون الجوعرض والجزير تجب تؤاول ...
الحمل عند الامام الاانها تؤخذ في آخرء قبل تمامه بحيث يبقى منه يوم أو يومانٍ وقال أبوعوف
توجد الجزية حين تدخل السنة ويمضي شهران منها فتخص ما قد منا وبن ما حرزاه.
ـان الشر فاء عمارة الكمية الشريفة وتلك الذروة الحالية المنيفة يكون من أموال بيت المال
من خراج أو جزيزا ونحو ذلك كما تقدم تفصيله وذلك حيث لم يكن هناك والخاص من
نذر أو وقف أو غير ذلك وحيث كان الصرف من بيت المالى فالمخاطب ذلك مولا الملطا:
أشهر الن به قواعد الدين وإقام نظام الموحدين ويقوم مقامه فى ذلك وكيله المطلق هومو
الوزير الفم والمنشير المعظم الجزل إبنه تعالهما الاجور واقام بها الركاب كشريعه على عمر الدهوب
وَأظهر ناموس الشريعة الغرابيفاً حضرة مولا أشيخ مشايخ الأسلام المنوه بأحمر الشريف
ج هذه الارقام ولابرع ...
في مزر الكلام إذ هو الباعث على ◌ّ ر هذه الخالدُون
أن الشريف مظهراً للفرايد وبإنتماءها نترغم النواب تجد دانه الكرام ماالبدكاب والجم جبن الحمام ٣°.
صورة الورقة الأخيرة
٩

لِقَاءُ العَشْرِ الأوَاخِ
بالمسَجِدِ الخَرَامِ
(٢١٥)
البُرَافِى الِبَائِبْ الِوَالْقُرَيَّةُ
تَغْفِيْ نَا سَقَةُ مِنْ الْكِتْبَةُ
تَأليف العَلَامَةِ الفِقِيْه
محمّدبن أحمَد بن أبيِنْ الدين
المصْرِيّ الحَنَفِّ
اعتَنَ بهَا
يوسفبن محمد الصّمسيحى

الحمد لله الذي جعل الكعبة البيت العتيق قبلةً للناس، وأمر ببنائه
فكان محكم الوضع قوي الأساس. والصلاة والسَّلام على سيدنا
محمد المبعوث لبيان الشرائع والأحكام فبيّنها وأزال الالتباس. وعلى
آله وأصحابه الذين أعلَوا معالمَ الدِّين وحَمَوهُ عن الاندراس.
وبعد :
فلما ورد السؤال من الديار المكية إلى الديار المصرية عما سقط
من بناء البيت المعظّم(١)، هل تجب إعادته فورًا؟
(١) كان ذلك في سنة (١٠٣٩ هـ) إثر مطر شديد وسيل عظيم، حصل بسببه
سقوط جدار الكعبة من جهة الحِجر، ومن جهة الشرق إلى الباب، وثلاثة
أرباع الجهة الغربية للكعبة، ولم يبق إلَّا الجهة الجنوبية.
ووقع هذا الحادث الجلل في عهد السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد
الخليفة العثماني، وكان والي مكة آنذاك الشريف مسعود بن إدريس بن
أبي نمي، المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ.
وقد كتب في تاريخ هذه الحادثة عدد من العلماء والمؤرخين منهم ابن علان
المكي في كتبه: ((إعلام سائر الأنام))، و((إنباء المؤيد الجليل مراد))،
و((الإنباء العميم ببناء البيت الحرام الفخيم))، و((نشر ألوية التشريف))،
و((البيان في توجيه فرضية عمارة الساقط من البيت لسلطان الإسلام =
١٣

ومن أيِّ مالٍ يُصرَف عليه؟
وهل يتعيَّنَ أن يكون خاليًا عن الشبهة؟
وأَيُّ الأموالِ أحلّ؟
وعليه خطوط السادة المكيين بالجواب عن ذلك ليُعرَض على
حضرة سلطان سلاطين الإسلام، ظِلُّ الله على كافة الأنام، قطب دائرة
السعادة، ومركز عالم السيادة(١)، المجتبى للقيام بخدمة البيت
الحرام، والركن والمقام، والمشاعر العظام، وحرم المصطفى عليه
أفضل الصلاة وأزكى السلام، ليُستَأَذَن في ذلك، ويُرَاجَعُ رأيُهُ الشريف
= والإيمان))، وغيرها .
وألَّف إبراهيم الميموني في تاريخ الحادثة كتابه: ((تهنئة أهل الإسلام
بتجدید بيت الله الحرام)).
وكذلك الفقيه حسن الشرنبلالي في رسالته: ((إسعاد آل عثمان المكرّم ببناء
بيت الله المحرم)). وغيرهم من العلماء والمؤرخين.
وللشاعر إبراهيم بن يوسف المهتار المكي قصيدة في هذه الحادثة سمّاها
((الدر المنظم في وقوع أركان بيت الله المعظم))، كما في «إتحاف فضلاء
الزمن)) (٤٨/٢)، ((وسلافة العصر)) (١٤٦/١).
وينظر: ((منائح الكرم)) (٦٤/٤)، ((الأرج المسكي)) (ص١٠٨، ١٤٤ -
١٤٩)، ((أخبار الكرام)) للأسدي (ص١٤٨)، ((سمط النجوم العوالي))
(٤/ ٤٣٤).
(١) هذه مبالغات غير مقبولة خاصة في العلماء، وقد تكون أَحد أسباب تجرؤ
بعض الولاة على غيرهم من العلماء غير المتزلفين.
وينظر كتاب: ((بدائع السلك في طبائع الملك)) لابن الأزرق الغرناطي.
١٤

فيما هنالك؛ فإن الله تعالى جعل بيده مقاليد الأمور، وقلَّدهُ تدبير
مصالح الجمهور، خصوصًا فيما هو من الأمور الشرعيات،
المشروعات والمنهيات، فلا يصح شيءٌ من التصرفات إلَّا بعد
الإعلام والاستئذان، فإنَّ مصارف بيت المال مرجعها مولانا
السلطان، خصوصًا في هذا النهج العلي الشأن.
ووجدتُ السؤال بمجلس أَجلِّ علماء الموالي، حائز رتب السبق
والمعالي، سيد المحققين العظام، سند المدققين الفخام، فأَّاك
المشكلات، حلّال المعضلات، من تشرَّفَت بأيام دولته مصر
والقاهرة، وافتخرت بمحامده على سائر الأمصار أيّ مفاخرة، عين
العلماء الراسخين، شيخ الإسلام والمسلمين، صاحب التقوى
والدِّين، مولانا وسيدنا معيد أحمد أفندي(١)، حرسَهُ الله في نفسه
وولده، ونظر إليه بعين عنايته وأمدَّهُ من مَدَدِهِ.
(١) المولى أحمد بن يوسف المفتي المعروف بالمعيد، اشتهر بذلك لأنه كان
معيد درس شيخه محمد فهمي المعروف بابن الحنائي في مدرسة علي باشا
الجديدة، وولادته بقرية قازطاغي بتركيا .
تولى القضاء بالشام، ومصر، وأدرنة، وغيرها، وتولى أيضًا منصب الفتوى
بالسلطنة العثمانية.
وبنى مدرسة تجاه داره بالقرب من جامع السلطان محمد الفاتح.
كان رحمه الله كثير التقشف مداومًا على العبادة، وكان علماء الروم
ينظرون إليه نظر التوقير، ويتوسمون فيه الصلاح والفلاح، توفي سنة
١٠٥٧ هـ رحمه الله تعالى.
ينظر: ((خلاصة الأثر)) (٣٦٨/١).
١٥

فكشفَ عن المسألة نقابها، وأظهر الخفاء لطلابها .
فكان ما استخرجَه هو الجواب المطابق، والحكم الموافق؛
لا سيما والذي استدلَّ بكلامه هو الإمام الجليل المقدَّم، سند الناقلين
عن الإمام الأعظم، التحرير الشهير بقاضي خان(١).
فرجعتُ إلى الفتاوى المذكورة، فوجدتها طبق ما نقل مسطورة،
ومثل ما به استدلَّ، وعليه عوَّل؛ فوقع هذا الاستحضار في النفوس
الموقع التام، وكان سبب التنبيه للمراجعة والاهتمام.
فأحببت تقييد ذلك بالكتابة، عملاً بقوله: قيدوا العلم بها(٢)،
وتوصلنا إلى زيادة الاستفهام من حضرته بسببها .
(١) حسن بن منصور بن أبي القاسم المعروف بقاضي خان الأوزجندي
الفرغاني الحنفي الإمام فخر الدين، صاحب الفتاوى وغيرها، توفي سنة
٥٩٢ھـ.
ينظر: ((الجواهر المضية)) (٢٠٥/١)، ((الإعلام)) (٢٢٤/٢).
(٢) حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا، ((قيِّدوا العلم بالكتاب))، رواه الخطيب
في ((تاريخ بغداد)) (٤٦/١٠)، وابن عبد البرّ في ((جامع بيان العلم وفضله))
(٧٢/١) وغيرهما .
وصحَّحه الشيخ الألباني - رحمه الله - في ((صحيح الجامع)) رقم
(٤٤٣٤)، و((السلسلة الصحيحة)) رقم (٢٠٢٦).
وصحَّ موقوفًا عن أنس رضي الله عنه: ((قيِّدوا العلم بالكتابة))، رواه
الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٦/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٧٦/١).
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٨٤/١): ((رواه الطبراني في ((الكبير))
ورجاله رجال الصحيح)). وصحَّ أيضًا من قول عمر بن الخطاب =
١٦

فأقول :
*
لا بأس بذكر تفصيل ما قاله علماء الحنفية هنا قبل
الجواب، فإنَّه من أحد الأنواع الأربعة التي نصَّ عليها في ذلك
الكتاب.
فقالوا: إن المتحصِّل من بيت المال [١/أ] أربعة أنواع(١):
● أحدها: ما ذكره العلّامة قاضي خان الذي هو مناط الكلام
بقوله :
ومَصرِفُ خراج الأراضي والجزية، وما يؤخذ من نصارى
بني تغلب؛ [للمقاتلة](٢) وذراريهم، وكل ما تعود منفعته على عامة
المسلمين؛ نحو الكُرَاع، والسلاح، والعدَّة للعدو، وعمارة الجسور
والقناطر، وحفر الأنهار العامة، وبناء المساجد والنفقة عليها،
والقضاة والفقهاء، انتهت عبارته(٣).
ومن جملة هذا النوع أيضًا: ما يأخذُهُ العاشِرُ من أهل الحرب
وأهل الذمّة إذا مرُّوا عليه، ومال أهل نجران، وما صولح عليه أهل
= وابن عباس رضي الله عنهما: ((قيِّدوا العلم بالكتاب))؛ رواه ابن أبي شيبة
في (المصنف)) رقم (٢٦٩٥٥، ٢٦٩٥٦) وغيره.
(١) ينظر: ((المبسوط)) (١٨/٣)، ((بدائع الصنائع)) (٦٨/٢)، (تبيين الحقائق))
(٢٨٣/٣)، ((البناية شرح الهداية)) (٤٦٠/٣)، ((البحر الرائق)) (١٢٨/٥)،
((حاشية درر الحكام)) (١/ ٣٠٠).
(٢) في المخطوط: ((المقاتلة))، والصواب ما أثبته من الأصل.
(٣) ((فتاوى قاضي خان على هامش الفتاوى الهندية)) (١/ ٢٧٤).
١٧

الحرب على ترك القتال قبل نزول العسكر بساحتهم، كل ذلك يُصرفَ
لمصالح المسلمين.
تنبيه :
قال المحقق الكمال ابن الهمام(١) في ((فتح القدير)): (المأخوذ
الآن من أراضي مصر إنما هو بدلُ إجارةٍ لا خراج؛ ألا ترى أن
الأراضي ليست مملوكة للمُزارع! وهذا بعد ما قلنا أن أرض مصر
خراجية، والله أعلم كأنه لموت المالكين شيئًا فشيئًا، من [اختلاف](٢)
ورثة، فصارت لبيت المال)، انتهى(٣).
• والثاني: الزكاة والعشر.
ومصارفهما ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].
• والثالث: خمس الغنائم والمعادن والركاز.
ومصرفه ما ذكره الله تعالى أيضًا في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
[الأنفال: ٤١].
(١) محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي كمال الدِّين المعروف
بابن الهمام الحنفي الإمام، وُلد سنة ٧٩٠هـ. وله مؤلفات منها: ((فتح
القدير شرح الهداية))، توفي سنة ٧٦١هـ.
ينظر: ((الضوء اللامع)) (١٢٧/٨)، ((الإعلام)) (٢٥٤/٦).
(٢) في النسخة و((فتح القدير)): ((من غير خلاف ورثة))، وفي ((البحر الرائق)
(١١٤/٥) نقلا عن ((فتح القدير)): ((من غير اختلاف ورثة))، وهو ما أثبته.
(٣) ((فتح القدير)) (٣٧/٦).
١٨

• والرابع: اللُّقَطات والتَرِكات التي لا وارث لها، وديات مقتول
لا ولێّ له.
ومصرفها اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم، يعطون
نفقتهم وأدويتهم، وتكفن بها موتاهم، ويعقل بها جنايتهم.
* وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتًا يخُصُّهُ
ولا یخْلِط بعضه ببعض؛ لأن لكل نوع حكمًا يختصُّ به.
فإن لم يكن في بعضها شيءٌ فللإمام أن يستقرض عليه من النوع
الآخر ويصرفه إلى أهل ذلك.
ثم إذا حصل من ذلك النوع شيءٌ يَرُدَّهُ في المستقرض منه، إلَّا أن
يكون المصروف من الصدقات أو من خمس الغنيمة على أهل الخراج
وهم فقراءُ فإنَّه لا يَرُدُّ فيه شيئًا مَّا؛ [فإنهم](١) مستحقون للصدقات
بالفقر، وكذا في غيره إذا صَرَفَهُ إلى المُستَحقِّ(٢).
(١) في (تبيين الحقائق)) (٢٨٣/٣)، و((البحر الرائق)) (١٢٨/٥)، وغيرهما:
((لأنهم مستحقون للصدقات ... )).
(٢) في ((تبيين الحقائق)) زيادة مهمة وهي: ((ويجب على الإمام أن يتقي الله
تعالى ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة، فإنَّ قصَّر في
ذلك کان الله علیه حسیًا».
وأيضًا في ((البناية شرح الهداية)) (٤٦٠/٣) قوله: ((فيجب على الأئمة
والسلاطين والولاة إيصال الحقوق إلى أربابها، وأن لا يحبسوها عنهم
على ما يرون من تفضيل وتسوية من غير ميل في ذلك إلى هوى، ولا يحل
لهم منها إلَّا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم بالمعروف، وإن قصروا في
ذلك صاروا ظلمة مفسدین)).
١٩

فقد علم من كلام الإمام قاضي خان أن بناء المساجد والنفقة
عليها من جملة ما يصرف من النوع الأول كما قدمناه.
ولا شك أن الكعبة الشريفة هي قبلة المساجد ومتَوَجَّهُ كلِّ راكعِ
وساجد؛ وحيث استفيد الحكم من العموم فخصوصيته(١) المتبوع
ومزيته على التابع أمر معلوم.
* ثم رأيت في شرح العلامة المقدسي(٢) التصريح بخصوص
الكعبة وجواز الإنفاق عليها من الخراج، حيث قال:
((ويبدأ من الخراج بأرزاق المقاتلة وأرزاق عيالهم، فإذا فضل
شيءٌ يجوز أن يُصرف إلى الفقراء، [فإن لم يكن في بيت مال الخراج
شيء جاز أن يصرف من مال بيت مال الصدقة إلى أصحاب الخراج
تقضى إذا خرج الخراج](٣). ويجوز صرف الخراج إلى نفقة الكعبة)).
وعزاه إلى ((الفتاوى الظهيرية)) انتهى.
(١) كذا في الأصل، ولعلها: ((فخصوصيّة)).
(٢) علي بن محمد بن علي الشهير بابن غانم الخزرجي المقدسي الحنفي، وُلد
بالقاهرة سنة ٩٢٠هـ، وله مؤلفات منها: ((شرح كنز الدقائق)) ولم يتمه،
و(شرح نظم الكنز لابن الفصيح))، أو ((نور الشمعة))، وغيرها. توفي سنة
١٠٠٤ هـ.
ينظر: ((كشف الظنون)) (١٥١٦/٢)، ((الإعلام)) (١٢/٥).
(٣) زيادة من ((الفتاوى الظهيرية)) ص (٦٧ب)، مخطوط بمكتبة الملك
عبد العزيز العامة بالرياض رقم (٤١٣٥)، وصاحب الفتاوى هو ظهير الدِّين
أبو بكر محمد بن أحمد القاضي البخاري الحنفي، توفي سنة ٦١٩هـ . =
٢٠