Indexed OCR Text
Pages 541-560
١١٦٤ ٠٥٠ فقه البيوع عادةً مع مراعاة تعدّد المستصنعين، والمقصود بضرب ذلك الأجل الزّائد الحصولُ على نقدٍ حالاً، لينتفع به فى حاجاته إلى الأجل المضروب. فإن ضُرب الأجلُ فى الاستصناع لعين هذا المقصودِ صار سلماً، فيجب أن تتوافر فيه شروط السّلم، ومنها تعجيل رأس المال. أمّا إذا ضُرب الأجلُ للتّمكن من إعداد المصنوع حسب المواصفات، فهذا التأجيلُ من طبيعة العقد، وهو للاستعجال، لا للاستمهال. ٨٥- يجبُ أن يكون المصنوعُ فى الاستصناع موافقاً للمواصفات التى اتّفق عليها الطّرفان، ولا يجوز أن يُعقد الاستصناعُ على شيئ معيّنِ مصنوعٍ من قبلُ. ٨٦- إذا وقع العقد على أساس المواصفات، لاعلى شيئ معيّن، ولكن أتى الصّانع عند التّسليم بشيئ مصنوعٍ من قبلُ، جاز إن كان موافقاً للمواصفات المعقود عليها. ٨٧- والمصنوعُ قبلَ التّسليم مِلكٌ للصّانع، ولهذا يجوز له أن يبيعَه من غيره قبل أن يقبله المستصنع، بشرط أن يتمكّن الصانعُ من تسليم مثله إلى المستصنع فى موعده، فإن لم يتمكّنْ لا يجوزُله بيعُه إلى غير المستصنع، لأنّه يؤدّى إلى عدم التّسليم إلى المستصنع فى موعده المعقود عليه. وقد مرّ ترجيحُ أنّ الاستصناع عقدلازم، ٨٨- إنّ المصنوعَ قبل التّسليم مضمونٌ عليه، فيتحمّل الصّانعُ جميعَ تبعاتٍ الملك من صيانته وحفظه، فإن هلك قبل التّسليم هلك من مال الصّانع. ٨٩- وبما أنّ المصنوعَ ملكٌ للصّانع، وليس مِلكاً للمستصنع قبلَ التّسليم، فلا يجوز للمُستصنع أن یبیعه قبل أن يُسلّم إليه. ٩٠- تبرأ ذمّةُ الصّانع بتسليم المصنوع إلى المستصنع، أو تمكينِه منه بالتّخلية، أو ٨١٦٥ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ تسليمِه إلى من يُحدّده المستصنع وكيلاً عنه فى القبض، وبهذا ينتقل ضمانُ المصنوع من الصّانع إلى المستصنع. ٩١- إذا كان المصنوعُ وقتَ التّسليم غير مطابق للمواصفات، فإنّه يحقُّ للمستصنع أن يرفُضَه أو أن يقبله بحاله، فيكون من قبيل حسن الاقتضاء، ويجوز للطّفين أن يتصالحا على القبول، ولو مع الحطّ من الثّمن. وإن كان موافقاً للمواصفات المشروطة فى العقد، فلا خيار للمستصنع بعد رؤيته، بل لزمه قبولُه. ٩٢- يجوز التّسليمُ قبل الأجل، لأنّ الأجلَ فيه للاستعجال لا للاستمهال. ٩٣- إذا امتنع المستصنِعُ عن قبض المصنوع بدون حقٍّ بعد التّخلية من الصّانع وتمكينه من القبض، يكونُ المصنوع أمانةً فى يد الصّانع، لا يضْمَنه إلاَّ بالتعدّى أو التّقصير، ويتحمّل المستصنع تكلفةَ حفظه. ٩٤- يجوز أن يُنصّ فى عقد الاستصناع أنّ المستصنع إن تأخّر فى قبض المصنوع مدّةً معيّنةً بعد وقوع التّخلية والتّمكين من الصّانع، فإنّ المستصنع يوكُلُه ببيعه على حسابه، ويستوفى منه ثمن الاستصناع، وإن وجدت زيادةٌ، يردّ إليه، وإن وُجد نقصٌ رجع على المستصنع بالفرق. يجبُ أن يكونَ ثمنُ الاستصناعِ معلوماً عند إبرامِ العقد. ٩٥- ٩٦- لا يجبُ أن يكون الثّمنُ معجّلاً كما فى السّلم، بل يجوزُ أن يكونَ معجّلاً أو مؤجّلاً أو مقسّطاً، ويجوز أيضاً أن تكون أقساطُ الثّمن مرتبطةً بالمراحلِ المختلفة لإنجاز المشروع، إذا كانت تلك المراحلُ منضبطةً فى العُرف، بحيثُ لا ينشأ فيها نزاع. ٩٧- الثّمنُ المدفوعُ مقدّماً عند إبرام العقدِ مملوكٌ للصّانع يجوزُ له الانتفاع والاسترباحُ به، وتجب عليه الزّكاة فيه، ولكنّه مضمونٌ عليه بمعنى أنّه إذا ٥١١٦٦ فقه البيوع انفسخ العقدُ لسببٍ من الأسباب، يجبُ عليه ردُّ الثّمن على المستصنع، ويكون ربحُه للصّانع بحُكم الضّمان. ٩٨- يجوز أن يكون ثمنُ الاستصناع منفعةً، ولا يجبُ أن يكونَ عيناً. لأنّ المنفعة تصلُح أن تكون ثمناً فى كُلِّ من البيع والإجارة. وعلى هذا الأساس، يمكن تخريجُ العقود الّتى تُسمّى "عقود البناء والتشغيل" (Build, Operate and Transfer) وحقيقةُ هذه العقود أنّ الحكومةَ تُفوّض بناءَ مشاريعِ الشّوارع العامّة أو الجسور أو غيرها إلى جهةٍ مختصّةٍ تلتزم إنجازَ المشروع فى مدّةٍ معلومة، وتمنحها الحكومةُ حقَّ تشغيل هذه الشّوارع أو الجسور إلى مدّة معيّنة، والحصول على ما يُدِرّ من دخل. وبعد انقضاء تلك المدّة يُسلَّم المشروعُ إلى الحكومة. وهو استصناعٌ من قِبل الحكومة، وثمنُه منفعةُ المشروعِ نفسِه إلى مدّةٍ متّفق عليها بين الطّرفين. ٩٩- لا يجوز تحديدُ ثمن الاستصناع على أساس المرابحة، بأن يحدّد الثّمنُ بالتّكلفة وزيادةٍ معلومة، لأنّ محلّ المرابحة يجبُ أن يكون شيئاً موجوداً مملوكاً معلومَ الثّمن عند العقد. وعقدُ الاستصناع يُبرَم قبل التّملّك، لأنّه بيعٌ موصوفٌ فى الذّمّة غيرُ معيّن، ولأنّ التّكلفةَ لاتُعرَف إلاّ بعد الإنجاز، والثّمنُ يجب أن يكونَ معلوماً عند العقد. ١٠٠- إن طرأت ظروفٌ تستدعى تعديلَ ثمن الاستصناع زيادةً أو نقصاً، فإنّه يجوز باتّفاق الطرفين. وينبغى أن يجوز اتّفاقُ الطّرفين على معيارٍ للتّعديل فى بداية العقد، مثل أن يتّفقا على أنّه إن زاد سعر الاسمنت أو الحديد فى استصناع بناء بنسبةٍ معلومة، فإنّ الثّمن يزيد أو ينقص بتلك النّسبة. وهذا ١١٩٧٠ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ ممّا لامحيصَ عنه فى الظّروف الّتى تتذبذب فيها الأسعارُ خلالَ مدّةٍ قصيرة. والله سبحانه أعلم. ١٠١- يجوز الاتّفاق فى العقد على شرطٍ جزائيٌّ بأنّ الصّانعَ إن تأخّر فى تسليم المصنوع، فإنّه يُنقَص من ثمنه جزءٌ مقابلٌ للتّأخير. التّقسيم الثّاني: من حيث ربحيّة البيع المرابحة ١٠٢- المرابحة: بيعٌ يتّفق فيه الطّرفان على أنّ البائع يبيعُ المبيعَ بتَكْلفته وزيادةِ ربحٍ معلوم، مثل أن يقول: "بعتُك هذا الشّيئَ بما قام عليّ وزيادةِ عشرة دراهم، أو بزيادة نسبة عشرةٍ فى مائة على ما قام عليّ" والتّكلفة تُسمّى فى الاصطلاح "رأسَ المال " والزّيادةُ عليه "ربحا". ١٠٣- التّولية: بيعٌ يتّفق فيه الطّرفان على أنّ البائعَ يبيعُ المبيعَ بتكلفته، بدون أيّ ربح. ومن أقسامه الإشراك.(١) وهو أن يكون أحدُ الطّرفين اشترى شيئاً لنفسه، ثمّ أشركَ الآخرَ فى حصّةٍ منه بنسبته من الثّمن. مثل أن يشتريَ أرضاً بمائة ألف، ثمّ يُشْرِك غيرَه فى نصفها بخمسين ألفاً. ١٠٤- الوضيعة: وهى البيعُ الَّذى يتّفق فيه الطَّرفان أنّ البائع يبيعُ المبيعَ بأقلّ من تكلفته. وإنّ هذه الأقسامَ الثّلاثة تُسمّى "بيوع الأمانة"، لأنّ معظمَ أحكامِها تدورُ على صدق القول فى بيان التّكلفة، وما سيأتى من أحكام المرابحة فى (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٦١ ١١٦٨ :٠٥ فقه البيوع الإفصاح عن التّكلفة ينطبق على التّولية والوضيعة أيضاً. ١٠٥- وأمّا شروطُ جوازِ المرابحة فهيَ ما يأتى: (ألف) إن كان رأسُ المال نقداً، فجواز المرابحة واضح، مثل أن يكون البائعُ اشترى شيئاً بمائة درهم، فيجوز له أن يبيعَه مرابحةً بربح عشرة. أمّا إن كان رأسُ المال عرضاً، فيُشترطُ أن يكون رأسُ المال من ذواتِ الأمثال، من المكيلات مثل البنزين، والموزونات، مثل المنتجات الزّراعيّة والعدديّاتِ المتقاربة، مثل الأوانى فى زماننا، فيجوزُ لمن اشترى شيئاً بهذا النّوع من رأس المال أن يبيعَ ذلك الشّيئ مرابحةً، مثل أنّه اشترى ثوباً بكيلو من الحنطة، جاز له أن يقول للمشترى: بعتُك هذا الثوب بالثّمن الأوّل (يعنى بكيلو من الحنطة) وزيادة درهم، أو بزيادة رُبع كيلو من الحنطة. ولاتجوز المرابحة إن كان رأس المال من غير ذوات الأمثال، مثل أن يكون اشترى ثوباً بشاةٍ، فلا يجوزُ له أن يبيعه مرابحةً. وحينئذٍ يجب أن يكون البيعُ مساومةً، يعنى بدون ذكر التكلفة والرّبح. (ب) الشّرطُ الثّانى لجواز المرابحةِ: أن يكونَ مقدارُ رأس المال معلوماً للمشترى الثّانى، فإن لم يعلم، فالبيعُ فاسدٌ إلى أن يعلمَ فى المجلس، وله الخيارُ بعد العلم، إن شاء دخل فى البيع، وإن شاء ترك. (ج) الشّرط الثّالث لجواز المرابحة: أن يكون الرّبحُ معلوماً. ١١٦٩ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ ويمكن أن يكون مبلغاً مقطوعاً من النّقود أو عرضاً معلوماً، أو نسبةً من رأس المال. (د) الشّرط الرّابع لجواز المرابحة أن لايكونَ رأسُ المال اشْتُرِيَ به جنسُه من الأموالِ الرّبويّة، بأن اشترى حنطةً بحنطةٍ مساويةٍ فى القدر، فلا يجوزُله أن يبيعه مرابحةً، لأنّ الرِّبح فى هذا العقد يكون رباً، وكذلك لا يجوزُ له أن يبيعَه مواضعةً، لفقدان التّماثل. ولكن يجوز له أن يبيعه توليةً، لأنّ التّوليةَ بيعٌ بالثّمن الأوّل بدون زيادةٍ أو نَقْصٍ، فلم يفُت التماثل الّذى هو شرطٌ فى جواز بيع الرّبويّات بعضها ببعض. (٥) الشّرط الخامس: أن يكون العقدُ الأوّلُ صحيحاً، فإن كان فاسداً، لم يجُزْ بيعُ المرابحة، لأنّ المرابحةَ بيعٌ بالثّمن الأوّل مع زيادة رِبْح، والبيعُ الفاسد، وإن كان يُفيد الملكَ عند الحنفيّة فى الجملة، لكن بقيمةِ المبيع أو بمثله، لا بالثّمن لفساد التّسمية. ١٠٦- الأصلُ فى رأس المال أنّه ماوجب بالعقد أو التحق به، لاما دفعَه المشترى الأوّل على سبيل الاستبدال. فلو وقع العقدُ الأوّل على عُملةٍ، مثلٍ عشرة دراهم، ولكن أعطاهُ ديناراً، وقبِله البائعُ الأوّل، فالمرابحةُ تجرى على عشرة دراهم، لا على الدّينار، لأنّ ثمنَ البيعِ هو عشرةُ دراهم، ثمّ وقعَ بينهُما عقدٌ آخر استُبدلِت فيها الدّراهمُ بالدّينار، والمرابحةُ إنّما تنبنى على أصل العقد الأول، لا على الاستبدالِ الذى وقع بعد ذلك. ١١٧٠ فقه البيوع ١٠٧- إن وقع العقدُ على عُملةِ بلدٍ آخر، مثل مائة دولار، فإن كان تحديدُ الرّبح على أساس مبلغٍ مقطوعٍ، مثلَ أن يقول: بعتُك بالثّمن الأوّل وبربحِ مائةٍ ربّيّةٍ باكستانيّة، فثمنُ المرابحة مائةُ دولارٍ ومائةُ رُبّية باكستانيّة. وأمّا إن كان تحديدُ الرّبْحِ بنسبةٍ مئويّة، مثل أن يقول: بربح عشرةٍ فى المائة، فثمنُ المرابحة مائةٌ وعشرُ دُولارات. فإن أراد المستوردُ بالدُّولارات أن يبيعَ البضاعةَ المستورَدة فى بلده، فلا يجوز له أن يبيعَها مرابحةً إلّ بهذا الطّريق، ولا يجوزُ أن يكون ثمنُ المرابحةِ كُلُّه بعُملةٍ غيرِ الدّولار. ولكن إذا حُدّد ثمنُ المرابحة بالدولار، مثل مائةٍ وعشر دولارات فى المثال المذكور، ثمّ اتّفق الطّرفان عند أداء الثّمن باستبداله برُبَياتٍ باكستانيّة مثلاً، فإنّما يجوز ذلك بثلاثة شروط: الشّرط الأوّل: أن لا يكون الاستبدالُ شرطاً فى عقد المرابحة. والشّرط الثّانى: أن يكون ذلك الاستبدالُ بسعر يوم الأداء، لا بسعر يومٍ الوجوب. والثّالث: أن يُصفَى كلُّ الثّمن، أو المقدارُ الَّذى أريد استبدالُه، ولا يبقى فى الذّمّة شيئٌ ممّا أريد استبدالُه. فإن كان الثّمنُ مائةً وعشرَ دولارات، وأريد استبدالُ كُلِّ الثّمن بربّات باكستانيّة، وسعرُ الاستبدال فى يومٍ الأداء: خمسُون ربّيةً بدولارٍ واحد، فيجوزُ الاستبدالُ بخمسة آلافٍ وخمسمائة، ولكن يجب أن تؤدّى جميع هذه الربّيات فى ذلك المجلس، ولا يؤجَّل شيئٌ منه إلى ما بعد المجلس. أمّا إذا أراد الطّرفان أن يقعَ الاستبدالُ فى نصفِ الثّمن فقط، مثلَ أن ١١٧١ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ يتّفقا على أن يُعطىّ المشترى نصفَ الثمن، وهو خمسةٌ وخمسون دولاراً بالدُّولارات نفسِها، ويستبدل الباقىَ بالربّيات الباكستانيّة، فيعطى ألفين وسبعمائة وخمسين ربّيةً، فهذا جائزٌ أيضاً، بشرط أن يؤدّى ألفين وسبعمائة وخمسين ربّيةً فى نفس المجلس، ولا يؤخّرَ شيئاً منها إلى مابعده. ١٠٨- وتلحقُ برأس المالِ النّفقاتُ الّتى تكبّدها البائعُ فى شراءِ المبيع والحصول علیه، مثلُ نفقات الشَّحْن والحمل والنّقل من موضع البيع إلى موضعه، ونفقاتُ تخزينِه إن كان التّخزينُ بأجرة، وأجرةُ السّمسار، ونفقاتُ تطوير المبيع، مثل صَبْغه أو خياطة الثّوب، أو تخصيص الدّار أو نفقات غرس الأشجار ، ونفقاتُ حفظِهِ وصيانِتِه إن كان المبيعُ يحتاج إلى ذلك، بشرط أن تكون نفقاتٍ ماليّةً مباشرةً مدفوعةً إلى الغير. فلا يجوز فى المرابحة إضافةُ مقابل لما عمِله بنفسه، أوعن طريق أجيره الشّخصيّ الّذى لم يُستأجَر لهذا العمل خاصّة. وكذلك تلحق برأس المال الضّرائبُ الّتى دفعها إلى الحكومة، أو الرّسومُ الّى دفعها إلى الجمارك، أو على الشّوارع. وبعد إضافة هذه النّفقات، لا يقول: إنّى اشتريتُه بكذا، بل يقول: قام عليّ بكذا، أو تَكْلفتى كذا. ١٠٩- إن كان البائعُ مَلكَ المبيع بهبةٍ أو إرثٍ أو وصيّةٍ، وقوّمه قيمته، ثمّ باعه مرابحةً على تلك القيمة يجوز، وصورتُه أن يقول: قيمتُه كذا، فأُرابحك على القيمة. ١١٠- ويجب على البائع مرابحةً أن يبيّن للمشترى كلَّ ما يؤثّر على رغبة المشترى، فمثلاً إن كان البائعُ اشترى المبيع من البائع الأوّل نسيئةً، وجب عليه أن يُبيّن لمشتريه أتّه اشتراه نسيئةً. ١١٧٢ طand فقه البيوع ١١١- إن كان البائعُ فى المرابحة كاذباً، أولم يُبيّن للمشترى ما وجب بيانُه، فهو خيانة. وإن ظهرت الخيانةُ بعد البيع، فإن ظهرت فى صفة الثّمن، مثلَ أن يكونَ البائعُ اشترى شيئاً بنسيئة، ثمّ باعه مرابحةً أو توليةً دونَ بيان ذلك، فللمشترى الخيار، إن شاء أخذه بالثّمن المتّفق عليه، وإن شاء ردّه على البائع. ١١٢- وإن ظهرت الخيانةُ فى مقدار الثّمن، بأن قال فى المرابحة أو التّولية: اشتريتُه بعشرة، ثمّ تبيّن أنّه اشتراه بتسعة، فإنّه يحُطّ قدرَ الخيانة فى المرابحة والتّولية جميعاً، وذلك درهمٌ فى التّولية، ودرهمٌ فى المرابحة مع حصّته من الرّبح. ١١٣- المرابحة تجوزُ حالةً ومؤجّلة. ويجوز أن يكون الرّحُ مرتبطاً بزمن سداد الثّمن، ولكن يجب أن يتعيّن الثّمن والأجل فى عقد المرابحة بدون تردّد، كما هو حكم البيع المؤجل. فالرّبحُ المقابلُ للأجل، وإن كان ملحوظاً عند تعيين الثّمن، فإنّ الثّمن بعد تعيينه كلُّه مقابلٌ للمبيع، لا للأجل، ولذلك لا يجوز الزّيادةُ فى الثّمن مقابلَ تمديد الأجل، وكذا النّقصُ فيه بنقص الأجل. التقسيم الثالث: من حيث نوعية البدلين ١١٤- البيع ينقسم من حيث نوعيّة البدلين إلى ثلاثة أقسام: (ألف) "البيع المطلق " بيعُ العين بالأثمان الرّائجة، مثلِ الدّراهم والدنانير أو الفلوس، سواءٌ أكانت حالةً أم مؤجّلة. وكلّما أطلق لفظُ البيع، فالمراد به فى عامّة الأحوال هذا النّوع. وكلّ ما ذكرنا من أحكام البيع، فهو منصبٌ على هذا القسم. (ب) بيعُ العروض بالعروض، ويُسمّى فى الاصطلاح "مُقايَضة" ١١٧٣ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ (ج) بيعُ النّقود بالنّقود، ويسمّى فى الاصطلاحِ "صَرْفًا" ١١٥- المقايضةُ: بيعُ العين بالعين أى مبادلةُ مالٍ بمالٍ غير النّقدين. وهذا مثلُ أن يُباعَ ثوبٌ بثوب، أو أرضٌ بأرض، أو حيوانٌ بحيوان. ١١٦- كلُّ واحدٍ من البدلين فى المقايضة يصلُح أن يُعتبرَ مبيعاً أو ثمناً. وبما أنّ كلَّ واحدٍ منهما يصلُح كونُه مبيعاً، فإنّه يجبُ أن يكون كلُّ واحدٍ منهما متعيّناً عند عقد البيع. فإن كان أحدهما دَيناً، مثلَ أن يبيع شخصٌ فرساً معيّناً بطَنّ من الحنطة ديناً، لا يُعدّ مقايضةً، بل يكون سَلَماً يُشترط فيه شروط السّلم. (١) ١١٧- الأصلُ فى بيع العروض بالنّقود أنّه إن هلك المبيعُ بعد قبض المشترى، فلا يمكنُ الإقالة. أمّا فى المقايضة، إن هلك أحدُ البدلين، فإنّه لا يمنعُ الإقالةَ فى الباقى منهما، فيجوز الإقالةُ فيه بأن يدفع المشترى قيمةَ الهالك إن كان قيميّاً، أو مثلَه إذا كان مثليّاً، ويُسلّمَه إلى صاحبه، ويستردَّ العينَ الّذى لم يهلِك. ١١٨- إن كانت المقايضةُ فى غير الأموال الرّبويّة، فلا يُشترطُ التّساوى فى البدلين فى القدر أو القيمة، ولا أن يكون البيعُ حالاً، بل بِمُراعاة الفُروق المذكورة، تنطبق عليها جميعُ أحكام البيع. أمّا إن كانت المقايضةُ فى الأموالِ الرّبويّة، فإنّها تجرى فيها أحكام ربا البيع. الربوا فى البيع ١١٩- إن كان البدلان فى المقايضة من الأموال الربويّة بأن كانا متّحدين فى القدر والجنس، (بمعنى أنّ كلّ واحد منهما مكيل، أو كلّ واحد منهما موزون وبيع (١) البحر الرائق، كتاب البيوع، قبيل باب خيار الشرط ٥١٧:٥ ١١٧٤ فقه البيوع بجنسه)، وجب أن يكون البدلان مماثلين فى القدر، أى الكيل أو الوزن، وأن يكون العقد حالاً. فإن وقع العقد بتفاضل، بأن بيع كيلو من اللّحم بكيلو ونصف من لحم آخر من جنسه، أو بيع لتر من البنزين بلتر ونصف من البنزين الآخر، فإنّه ممنوعٌ لكونه ربا الفضل. وكذلك إن بيع كيلو من اللحم بكيلو من لحم آخر من جنسه، وأحدهما حالّ والآخر مؤجّل، أو بيع لتر من البنزين بلتر من البنزين الآخر، وأحدهما حالّ والآخر مؤجّل، فإنّه ممنوعٌ لكونه ربا النّسيئة. ١٢٠- فإن بيعت المكيلات أو الموزونات المتّحدة فى القدر بغير جنسها، مثل الحنطة بالشّعير، فإنّ التّفاضل فى القدر جائز، ولكن لاتجوز النّسيئة، بل يجب أن يكون العقد حالاً. ١٢١- إن بيعت العدديّاتُ أو المزروعات بجنسها، فالتّفاضل جائز، مثل أن يُباع كتاب بكتابين، أو ثوبٌ بثوبين، ولكن لايجوز النّسيئة. ١٢٢- المراد من اتّحاد الجنس فى الأحكام المذكورة أن يتّفق شيئان فى ماهيتهما، وتسميتهما، وأصلهما، ومقاصدهما، دون أن يكون فى أحدهما زيادةُ صنعة. فإن اختلفت ماهيتهما، مثل الحنطة والشّعير، أو أصلُهما، مثل خلّ العنب وخلّ التّمر، أو اختلفت مقاصدهما، مثل شعر المعز وصوف الضّأن، أو كان فى أحدهما زيادةُ صنعة، مثل الخبز والدقيق، أو كان فيهما اختلافُ صنعة، مثل الثّوب اليابانيّ والثّوب الانكليزيّ، فإنّه يُعتبر جنسهما مختلفاً. ١٢٣- والاعتبارُفی الکیل والوزن لعُرف کلّ زمان ومكان. فالحنطة مثلاً كانت مکیلةً فى عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصار وزنياًفى عرف اليوم، فيُعتبر وزنيّاً. ١٢٤- إن كان الشّيئان موزونين، ولكن تختلف آلةُ وزنهما، مثل الحديد، فإنّه یوزن بغیر الآلة الّتى يوزن بها الذّهب، فإنّهما لا يُعتبران متّحدين فى القدر. ١٢٥- لاتجوز المجازفة فى الأموال الربويّة (يعنى فى بيع شيئين متّحدين فى القدر ١١٧٥ والجنس) لاحتمال التّفاضل بينهما. ١٢٦- إن كان المبيعُ مخلوطاً بربويّ وغير ربويّ، والثّمن ربويِّ غير مخلوط بشيئ آخر، مثل أن يكون المبيعُ حُليّاً من الذّهب فيه تطريزٌ من غير الذّهب، (مثل القلادة الذّهبيّة فيها خرز)، وبيعت بالذّهب المفرد، فيُشترط لجواز بيعه أن يكون الذّهبُ المفردُ أكثرَ فى الوزن من الذّهب المركّب، فيكون مازاد من الذّهب المفرد مقابلاً لغير الذّهب، فلا يتحقّق التّفاضل فى مبادلة الذّهب بالذّهب. ولا يجوز البيعُ إن كان الذّهب المفرد مساوياً للذّهب المركب، أو أقلّ منه. الصّرف ١٢٧ - "الصَّرف" اسمٌ لبيع الأثمان المطلقة بعضها ببعض، وهو بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، وأحد الجنسين بالآخر" وحكمُه أنّه يجب فيه التّماثل بين البدلين إن كانا من جنس واحد، ولاتجوز فيه النّسيئة، سواءٌ أكانا من جنس واحد، أم من جنسين، كما لا يجوز فيه المجازفة، ويجب فيه التّقابضُ فى مجلس العقد. والمصوغُ وغيرُ المصوغ حكمُهما واحد، فيجب التّساوى فى الوزن إن بيع أحدهما بالآخر، كما يجب التّقابض فى المجلس. ١٢٨- إن كان الذّهب أو الفضّة فيهما غِشّ، والغشّ مغلوب، فإنّهما فى حكم الخالص، فلا يصحّ بيعُ الخالص بها، ولابيعُ بعضِها ببعض متجانس إلاّ متساوياً وزناً، وإن تفاوت قدرُ غِشّهما. ويجب التّقابض فى المجلس، لكونه صَرفاً. ١٢٩- يجب أن يكون التّقابض فى الصَّرف بالقبض الحسّيّ، ولا تنوب عنه التّخلية، كما تنوب عنه فى غير الصرف. ١٣٠- لا يجوز خيارُ الشّرط فى الصَّرف. ١٣١- النقود الورقيّة لايجوز مبادلتها بالتّفاضل أو النّسيئة فی جنس واحد، فلا يجوز بيعُ ١١١٧٦ 0 فقه البيوع ربية واحدة بربيتين، أو بيع ربية بربية مؤجّلة، فإنّه رباً. أمّا إذا اختلف جنسهما، مثل أن تُباع الربّيات الباكستانيّة بالزّيالات السعوديّة، فيجوز فيها التّفاضل، ويجوز فيه النّسيئةُ بشرط أن يقبض أحدُ العاقدين ما اشتراه، وإن كان الآخر مؤجلاً، وبشرط أن يكون التّبادلُ بسعر يوم العقد.(١) ١٣٢- دار الإسلام ودار الحرب سواءٌ فى حرمة الربوا. تقسيم البيع من حيث ترتب آثاره أحكام البيع الصحيح بدون خيار ١٣٣- البيع الصّحيح ما وقع جائزاً مستجمعاً لشروط الانعقاد دون أن يلزمَ بذلك محظور. وحكمُه أنّه ينقل الملك إلى المشترى بمجرّد تبادل الإيجاب والقبول، إن لم يكن سَلَماً. ويجب على البائع تسليمُ المبيع، وعلى المشترى أداءُ الثّمن إن كان البيع حالاً، ويحقّ للبائع فيه أن يحبسَ المبيع لاستيفاء الثّمن. ١٣٤- ينتقل ضمان المبيع من البائع إلى المشترى بقبض المشترى المبيعَ، أو بالتّخلية من البائع وتمكين المشترى من قبضه متى شاء. فإن هلك المبيعُ بآفةٍ سماويّة، أو بفعل من البائع، قبل قبض المشترى وقبل أن يُخلّيَ البائعُ بينه وبين المبيع، انفسخ البيع، ووجب على البائع ردُّ الثّمن إن كان قبضه. أمّا (١) هذا على رأي جماعة من علماء الهند وباكستان، وهو مبنيّ على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى الفلوس، وهو الّذى رجّحه المؤلف تحت عنوان الموقف الثّالث. أمّا رأيُ جمهور علماء البلاد العربيّة، فمبادلةُ النّقود الورقيّة سواءٌ أكان فى عملة واحدة أم فى عملات مختلفة الجنس يجب فيه التقابض فى المجلس، ولا تجوز النّسيئة، ولكنّالقبض يتحقّق بقبض الشّيك، ويُغتفر فيه ما لابدّمنه من وقت للتّقييد المصرفيّ. ١١٧٧١ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ إذا هلك المبيعُ بفعل من المشترى، لا ينفسخ البيع، وعليه الثّمن. وإن هلك المبيعُ بفعل أجنبيّ، فعليه الضّمان بالمثل إن كان مثليّاً، أو بالقيمة إن كان قيميّاً، والمشترى بالخيار، إن شاء فسخ العقد، وحينئذ يتّبع البائعُ الجانيَ بالضّمان، وإن شاء اختار المشترى البيعَ، واتّبع الجانيَ بالضّمان. ١٣٥- إن هلك بعضُ المبيع قبل قبض المشترى، فإن كان النّقصانُ فى مقداره، بأن انتقص فى الكيل أو الوزن أو العدد، انفسخ العقد بقدر الهالك، وسقط ما يُقابلُه من الثّمن، والمشترى بالخيار، إن شاء أخذ الباقيَ بحصّته من الثّمن، وإن شاء فسخ البيع. وإن كان النّقصانُ فى الوصف، لا يسقط شيئٌّ من الثّمن، ولكنّ المشتريَ بالخيار، إن شاء أخذه بكلّ الثّمن، وإن شاء فسخ البيع. ١٣٦- كلّ ماهو متناول اسم المبيع بأن يُعتبر من أجزاءه عُرفاً، يدخل فى البيع وإن لم يُذكر صراحةً، مثل أن يبيع بيتاً أو شُقّةً، فإنّه يدخل فيه جميعُ غُرفه ومطبخُه وبهوُه ودورةُ مياهه ومواسيره وخطوط الكهرباء، ولكن لا يدخل فيه المراوح والمكيّفات والهواتف وأثاث البيت إلاّ بالتّصريح أو العرف. ١٣٧- كلّ ما كان متّصلاً بالمبيع اتّصال قرار، كان تابعاً للمبيع، وداخلاً فى البيع بدون تصريح بذلك، أو عُرف معروف بين النّاس. وما وُضع لأن يفصِله البشر من المبيع فى الأخیر لیس باتّصال قرار، وما لم يوضع للفصل، فهو اتصال قرار. فلو باع أرضاً فيها أشجار، فإنّ الأشجار داخلةٌ فى البيع، لأنّها متّصلةٌ بالأرض اتّصال قرار، بخلاف الزّرع، فإنّه لا يدخل فى بيع الأرض إلاّ بالتّصريح، لأنّ الزّرِع وُضع لرفعه من الأرض. ١٣٨- كلّ ما كان من مرافق المبيع ومنافعه فهو داخلٌ فى البيع، مثل حقّ المرور ١١٧٨ ٥ فقه البيوع وحقّ الشِّرب. ١٣٩- ما حدث فى المبيع من زيادات متّصلة أو منفصلة متولّدة منها أو غير متولّدة بعد العقد وقبل قبض المشترى، مثل أن يُباع شجرٌ لم تظهر ثمرتُه وتظهر بعد البيع وقبل قبض المشترى، أو يُباعَ حيوانٌ غيرُ حامل، فيظهر حملُه فإنّها ملكٌ للمشترى، لكونها جزءً من المبيع تبعاً، فيحقّ للبائع حبسُ الزّوائد لاستيفاء الثّمن، كما أنّ له حقّ حبس الأصل. ولو أتلف البائعُ الزّيادةَ سقطت حصتها من الثّمين، ولو هلكت الزّيادةُ بآفة سماويّة، لايسقط شيئٌ من الثّمن، ولا خيارَ للمشتری فی فسخ البيع. ١٤٠= يجوز للمتبايعين أن يتّفقا على الزّيادة أو الحطّ فى الثّمن بعد إنجاز العقد، كما يجوز أن يتّفقا على الزّيادة فى المبيع. وإنّ الزّيادةَ والحطّ يلتحقان بأصل العقد، كأنّ البيع وقع على القدر الحاصل بعد الزّيادة أو الحطّ. البيع الصحيح مع الخيار ١٤١- قد يكون البيعُ صحيحاً مع خيار لأحد المتبايعين فى فسخه. والخياراتُ على أقسام: خيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار المغبون، وهذه الخيارات تثبت بحكم الشّرع. وخيارُ الشّرط، وخيارُ فوات الوصف، وخيارُ النّقد، وخيارُ التّعيين. وهذه الخياراتُ تثبت بالشّرط فى العقد. خيار الرّؤية ١٤٢- أمّا خيارُ الرّؤية، فإنّما يثبت إذا وقع العقدُ على شيئ غائب. وهو حقٌّ يتخيّر به المتملّك بين فسخ العقد أو إمضاءه عند رؤية المعقود عليه. ولاخيارَ للمشترى ١١٧٩ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ فى الفسخ قبل الرّؤية. أمّا بعد الرّؤية، فللمشترى الخيارُ مطلقاً فى البيوع المحلّيّة.(١) أمّا إذا كان البيعُ بين بلدين عن طريق الشّحن البرّيّ أو البحريّ أو الجوّيّ، فخيارُ المشترى مشروطٌ بأن يجدَ المبيعَ مخالفاً لتلك المواصفات، ولاخيارَ له إن وجدها مطابقةً لها.(٢) ١٤٣- والرّؤية التى يسقط بها الخيارُ رؤيةُ ما يدلّ على العلم بمقصود الشّراء. خيار العيب ١٤٤- خيار العيب خيارٌ يثبت للمشترى لردّ المبيع بسبب عيبٍ كان فى المبيع وقت الشّراء ولم يطّلع عليه المشترى. ١٤٥- العيب المعتبر فى إثبات الخيار ما يُعتبر عيباً فى عرف التّجّار، ويُشترط لثبوت الخيار ما يأتى: (ألف) أن يكون العيبُ فى المبيع منذ كان المبيعُ فى ضمان البائع، فإن حدث عیب بعد انتقال ضمانہ إلیه، ولو بالتّخلية، فلا خيارَ له. (ب) أن يبقى العيبُ إلى وقت الردّ. فإن زال العيب قبل الردّ، مثل أن تکون الدابة مریضة، فتبر أ قبل الرد، فلا خيار. (ج) أن لا يكون المشترى عالماً بالعيب قبل دخوله فى ضمانه. (د) أن لا يصدُر من المشترى ما يدلّ على رضاه بالعيب صراحةً أو دلالةً، مثل أن يتصرّف فيه تصرفاً يدلّ على رضاه به. (١) أخذا بمذهب الحنفية (٢) أخذا بمذهب الحنابلة وبعض المالكية والشافعية. ١١٨٠ فقه البيوع (٥) أن لا يتأخّر المشترى فى مطالبة الفسخ بدون عذر إلى مدّةٍ يسقط بها الخيار فى عرف التّجّار. (و) أن لا يكون البائع اشترط لنفسه البراءة من العيب. فإن اشترط البراءةَ برضا المشترى، سقط خيارُ العيب، ويدخل فيه البراءة من العيب الحادث بعد البيع وقبل القبض. ١٤٦- مقتضى خيار العيب أنّ المشتري له أن يردّ المبيع إلى البائع، ويُطالبه بردّ الثّمن، إلاّ أن يصطلح المتبايعان على أن يُمسك المشترى المبيع، ويحطّ البائع من الثّمن بقدر ما نقص العيب من قيمة المبيع، أو بما يتراضيان عليه، بشرط أن يكون تابعاً لشروط الصّلح الشّرعيّة. ١٤٧- إن أزال البائعُ العيب قبل أن يُخاصمه المشترى، سقط حقّ الرّدّ. ١٤٨- إن عرض البائعُ على المشترى أن يأتيَه بعين أخرى سالمةٍ من العيب، فللمشترى أن يقبل هذا العرض أو يرفضه. ١٤٩- إنّ حقّ المشترى فى الرّدّ بخيار العيب يسقُط عند وجود مانع من موانع الرّدّ، وهيَ ما يأتى: (ألف) هلاك المبيع بيد البائع قبل التّسليم. وفى هذه الحالة ينفسخ العقد ويجب على البائع أن يردّ الثّمن. (ب) هلاك المبيع بعد قبض المشترى بسبب سماويّ. وفى هذه الحالة يحقّ للمشترى أن يُطالب البائع بالأرش، يعنى بفرق القيمة بين المعيب وغير المعيب. ١١٨١ 0 صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ (ج) هلاك المبيع باستعمال المشترى المبيعَ استعمالاً عاديّاً، مثل ما إذا كان طعاماً فأكله. وفى هذه الحالة له أن يرجع على البائع بالأرش. (د) هلاك المبيع بيد المشترى بغير استعماله العاديّ، مثل ما إذا كان إناءً فكسره. وفى هذه الحالة، له المطالبةُ بالأرش.(١) (٥) حدوثُ عيبٍ جديد عند المشترى. وفى هذه الحالة ليس من حقّه أن يردّ المبيع، ويحقّ له مطالبة أرش العيب القديم، إلّا أن يرضى البائعُ برد المبيع مع عیب جدید. (و) أن لا يكون المشترى نَقَل ملكَ المبيع إلى آخر بالبيع أو الهبة أو الصّلح. وفى هذه الحالة، ليس له الرّدّ ولا مطالبةُ الأرش. ١٥٠- إن حدثت فى المبيع زيادةٌ متّصلة متولّدة منه قبل قبض المشترى، مثل سِمن الحيوان، ثمّ اطلع على عيب قديم، فإنّ له أن يردّ المبيع بخيار العيب، وليس له أن يُطالب عوضاً مقابلَ هذه الزّيادة. أمّا إذا حدثت الزّيادةُ بعد قبض المشترى، فإنّ له الخيار، إمّا أن يردّه مع الزّيادة بدون مقابل، وإمّا أن يُمسكه ويُطالب البائع بأرش العيب. ١٥١- إن حدثت فى المبيع زيادةٌ منفصلةٌ غير متولّدة، مثل أن يكون اشترى سيّارةً وآجرها وكسب أجرة، واطّلع على العيب بعد ذلك، فإنّ هذا الكسب لا يمنع الرّدّ، بل له أن يردّ المبيع ويستردّ الثّمن. وما كسبه قبل الرّدّ، فهو طيّب له. ١٥٢- إن كانت الزّيادةُ الحادثة عند المشترى متّصلةً بالمبيع، غيرَ متولّدة منه، مثل أن يكون اشترى ثوباً فخاطه أو صَبغه، أو أرضاً فبنى فيها، أو غرس، ثمّ اطّلع على (١) أخذا بمذهب الحنابلة ١١٨٢ فقه البيوع عيب فى المبيع، سقط حقّ الرّدّ، وجاز له أن يُطالب البائعَ بالأرش. وإن أمكن إزالةُ الزّيادة بدون تعييب المبيع، فللمشترى أن يردّ المبيع ويُمسك الزّيادة. ولا يجوز للمشترى أن يردّ إليه المبيع بالزّيادة ويتطوّع بها له، لكونها زيادةً بغير عوض مستحقًّا فى العقد، وهيّ ملحقةٌ بالرّبا، إلاّ أن يتراضيا على الرّدّ بأن يدفع البائعُ قيمة الزّيادة للمشترى. ١٥٣- إن كانت الزّيادةُ منفصلةً عن المبيع مولّدةً منه، مثل أن تكون شاةً فدرّت لبناً، أو ولدت ولداً، فإن حدثت قبل قبض المشترى، فإنّها لا تمنع الرّدّ، فيحقّ للمشترى أن يفسخ البيع ويستردّ جميع الثّمن، والزّيادةُ للبائع، لأَنّها حدثت فى ضمانه. أمّا إذا حدثت الزّيادةُ بعد قبض المشترى، فإنّها مانعةٌ للرّدّ، ويرجع المشترى على البائع بالأرش. ١٥٤- إن كان البائع مدلّساً للعيب، واختار المشترى الرّدّ، فمؤونة الرّدّ وتكلفتُه على البائع إذا كان المبيع فى البلد الذى وقع فيه العقد، أو علم البائع أنّ المشتريَ ينقله إلى بلد آخر. أمّا إذا أخرجه المشترى إلى بلدٍ آخرَ غيرِ البلد الّذی وقع فيه العقد بدون علم من البائع، أو لم يكن البائع مدلّساً، فللمشترى الخيارُ: إن شاء ردّه على نفقة نفسه، وإن شاء طالب البائعَ بالأرش. ١٥٥- إن وجد بعض المبيع معيباً، فإن كان المبيعُ شيئاً واحداً، أو بمنزلة شيئ واحد، مثل النّعلين، أو صُبرة واحدة، أو علبة واحدة، أو كرتون واحد، فللمشترى أن يردّ الكلّ أو يُمسك الكلّ، وليس له أن يرد الحصّة المبيعة فقط. أمّا إذا كانا شيئين حقيقةً وحكماً، مثل الثوبين، أو الهاتفين، فله أن يردّ المعیب ويُمسك الآخر بحصته من الثّمن. ١٥٦- إن مات المشترى قبل الرد بخيار العيب، فإنّ الخيار ينتقل إلى ورثته، سواءٌ ١١٨٣ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ كان المشترى مطّلعاً على العيب فى حياته، أو لم يكن مطّلعاً عليه، واطّلع ورثته على العيب بعد موته. ١٥٧- إن اختلف المتبايعان، فادّعى المشترى العيبَ من عند البائع، وأنكره البائع، فالبيّنة على المشترى، واليمين على البائع. خيار فوات الوصف ١٥٨- إن اشترط المشترى وصفاً فى المبيع، ثمّ تبيّن أنّه مفقودٌ، مثل أن يكون اشترط فى الشّاة أنّها حلوب، فتبيّن أنّه غيرُ حلوب، فله خيارٌ فسخ البيع، وإن لم يكن فوات ذلك الوصف عيباً فى عُرف التّجار. ويُسمّى هذا الخيارُ "خيار فوات الوصف" أو "خيار الخُلف". ١٥٩- الفرق بين خيار العيب وخيار فوات الوصف أنّ الأوّل يختص بعيب يُعتبر نقصاً فى المبيع فى عُرف التّجّار، والثّانى يحصل للمشترى، وإن لم يكن فى المبيع عيبٌ فى عُرف التّجّار، ولكن يُفقد فيه وصفٌ مرغوبٌ فيه. وإنّ خيار العيب يثبت بحكم الشّرع، وخيار فوات الوصف يحصل بحكم الشّرط فى العقد. ١٦٠- اشتراط الوصف يُمكن أن يكون صراحةً فى عقد البيع، ويُمكن أن يكون مشروطاً بحكم العُرف أو دلالة الحال، مثل شراء الحيوان فى زمن الأضاحي من السّوق المختصّة ببيع الحيوانات للأضحيّة. فكون الحيوان صالحاً للأضحيّة مشروط بحكم دلالة الحال. ١٦١- ثبوت خيار فوات الوصف مشروط بشروط آتية: (ألف) أن يكون الوصف المرغوب فيه مشروطاً فى العقد.