Indexed OCR Text

Pages 521-540

١١٤٤ ٥٠
فقه البيوع
ذلك، فتنطبق عليه أحكامُ خیار فوات الوصف. وسیأتی تفصيله فى
مباحث الخيار إن شاء الله تعالى.
(ج) التّغريرُ فى بيان قيمة المبيع السّوقيّة، مثل أن يقول البائع: قيمتُه
فى السّوق ألف، فيتبيّن أنّه خمسمائة مثلاً، أو يقول المشترى للبائع:
قيمتُه فى السّوق خمسنُمائة، فيشتريه من البائع بخمسمائة، ثمّ
يتبيّن للبائع أنّه يُباعُ فى السُّوق بألف. وفى هذه الصّورة تنطبق
أحكامُ خيار المغبون. وستأتى تفاصيل ذلك فى مبحث الخيارات
إن شاء الله تعالى.
٣٨- التّدليس: أن يفعلَ البائعُ فعلاً فى المبيع يُظنّ به كمال ليس فيه حقيقةً، مثل
صَبْغِ الثّوب القديم ليُظَنّ أنّه جديد. وحكمُه حكمُ التّغرير فى أنّه إن كان
مقروناً بالغبْن الفاحش، أو فواتِ الوصف المرغوب فيه، يثبتُ للمشترى
خيارُ الفسخ، وفى بعض الحالات يحقّ له مطالبةُ الأرش، أو الرّجوعُ
بالنّقصان، بأن يُطالب البائعَ بالفرق بين قيمة المبيع النّاقص والكامل.
وسيأتى التّفصيل فى مبحث الخيارات إن شاء الله تعالى.
٣٩- الخطأ فى العقد أن يعقِد المتعاقدان البيعَ على ظنِّ خاطئ منهما أو من
أحدهما. ومن صوره ما يأتى:
(ألف) الخطأ فى وجود المبيع: وذلك أن يُعقد البيع على اعتقاد أنّه
موجود، فيتبيّن أنّه غير موجود، مثل أن يبيع زيد الخضراواتِ المعيّنة فى
مخزَنه، وقد رآها المشترى قبل البيع، فلمّا فُتِح المخزن، تبيّن أنّها تِلِفت

٠١١٤٥
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
أو سُرقت قبل البيع، فالبيع باطلٌ.
(ب) الخطأ فى اعتقاد المبيع أنّه غير مملوك للمشترى. وذلك مثل
أن يشتريَ زيدٌ عقاراً من عمرو باعتقاد أنّ عمرواً مالكٌ له، ثمّ يتبيّن
أنّه کان مملو کاً للمشتری نفسه،مثل أن یکون قد ورثه من أحد، ولم
يعلم بذلك عند الشّراء والبيع فى مثل هذا باطل لعدم الملك.
(ج) الاستحقاق: وهو أن يشتريَ زيدٌ من عمرو على اعتقاد أنّه هو
المالك، ثمّ يتبيّن بالبيّنة أنّ المالك الحقيقيّ هو خالد، وليس عمرواً،
والبيعَ لاينفسخ بمجرّد ثبوت الاستحقاق، بل يبقى موقوفاً على
إجازة المستحِقّ إلى أن يقبض المستحِقّ (المالك الحقيقيّ)
المبيع، ويرُدَّ البائعُ الثّمن إلى المشترى. فإن أجاز المالك الحقيقيُّ
البيعَ، استمرّ المشترى على مِلكه، ورجع المالكُ الحقيقيّ بالثّمن
على البائع. وإن لم يُجِزْه، فالبيع مفسوخ، ويستحقّ أن يقبضَ المبيع
١
من المشترى، ويرجعَ المشترى بالثّمن على البائع.
(د) الخطأ فى معرفة المبيع. وهو أن يقع الخطأ فى معرفة جنس
المبيع، أو وصفه الجوهريّ الّذى يُبنى عليه العقد، أو فى قدره. بأن
يُعقد البيعُ على اعتقاد أنّ المعقود عليه من جنسٍ، فتبيّن أنّه من
جنس آخر، مثل أن يشترىَ بظنِّ أنّ ما اشتراه ذهب، فتبيّن أنّه فضّة.
وكذا إذا اتّحد الجنسُ، ولكنّ التّفاوتَ بين المعقود عليه وما أراده
العاقدُ تفاوتٌ فاحش، فهذا الخطأ إن كان من كلا العاقدين، واتّفقا

١١٤٦ 30%
فقه البيوع
على أنّهما دخلا فى العقد خطأً، بطل العقد.
وإن كان الخطأُ من أحدهما بدون تغرير أو تدليس من الآخر، فالحكم يختلف
باختلاف نوعيّة العقود. وإنّ الأصل المتّبَع فيه هو معرفةُ مستوى الضّرر الّذى
حصل بسبب الخطأ، وتعيينُ من يتحمّل تبعةَ ذلك الخطأ. وهذا يُمكن أن
يختلف من عقدٍ إلى عقد، ومن حالٍ إلى حال. والفصلُ فى مثل هذه الأشياء
موكولٌ إلى القضاء، ويحكُم القاضى حسب ما يراه أوفقَ بالعدل والأصول الثّابتة
فى كلّ قضيّةٍ تعرض أمامه.
٤٠- بيع التّلجئة أو الهزل: أن يعقِدا العاقدان البيعَ بتفاهُم سابق أنّهما لايُريدان
بذلك بيعاً حقيقيّاً، وإنّما يُظْهران عقدَ البيع أمامَ غيرهما لسببٍ من الأسباب.
وحكمُ التّلجئة أنّهما إن تواضعا قبلَ البيع أنّ ما سيعقِدانه من البيع، فإنّه هزلٌ
غيرُ مقصود، ثمّ عقدا البيع، فالبيعَ باطلٌ غيرُ منعقد. ومَن يدّعى التّلجئةَ فإنّ
عليه البيّنةَ لإثبات المواضعة السّابقة.
أمّا إن كان التّلجئةُ أو الهزْل فى جنسِ الثّمن أو فى قدرِهِ، بعد اتّفاقِ العاقدين
على جدّيّة أصل البيع، فلا عبرةَ للمُواضعة السّابقة، ويُعتبر البيعُ منعقداً فى
القضاء بالثّمن الّذى سمّياه عند العقد.
٤١- العقود الصُّوريّة: أن يُشترى المبيعُ باسم غير المشترى الحقيقيّ، ليُسجَّل
البيعُ فى الجهات الرّسميّة باسم ذلك الغير لمصلحةٍ مّا، ويكونَ المشترى
الحقيقيّ مَن دفع الثّمن. والمالكُ الحقيقيّ المعتبرُ فى هذه الحالة مَن دفعَ
الثّمن، إذا أثبت أنّه هو المشترى الحقيقيّ، وكان التّسجيلُ صُوريّاً.

١١٤٧
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
٤٢- يُستثنى من اشتراط رضا العاقدين حالات آتية:
(ألف) أن تحتاج الحكومةُ لشراء أرض على أساس حاجةٍ عامّةٍ حقيقيّةٍ
لا تندفع إلاّ بتلك الأرض، فيجوز لها أن تشتريها من المالك بسعر السّوق
يومَ الأداء. ولا تؤخذ الأرض منه إلاّ بعد أداء الثّمن إليه.
(ب) إن احتكَر التّجّار ما يحتاج إليه أهلُ البلد، جاز للحكومةِ بيعُ ما
احتگروه وإن لم يرضوا بذلك.
(ج) إن كان هُناك تسعيرٌ من الحكومة على أساس عادل بشروطٍ شرعيّة،
فالتّجّار يُجبّرون على أن لايزيدوا على السّعر المحدّد، وإن كانوا لا يرضَونه.
(د) أن يأخذ الشّفيعُ مبيعاً غيرَ منقول بالشّفعة. وإنّ حقّ الشّفعة يثبت أولاً
للشّريك فى نفس المبيع، ثمّ للشّريك فى حقّ المبيع، ثمّ للجار الملاصق.
أحكام المبيع والثّمن وما يُشترط فيهما لصحّة البيع
يُشترط لانعقاد البيع أن يكون كلٌّ من العوضين مالاً. فلاينعقد بيعُ ما ليس
٤٣-
بمال، بل هو بيعٌ باطل. والمال: كلُّ عينٍ أو منفعةٍ مؤبّدةٍ مشروعةٍ ذات قيمةٍ
مادّيّةٍ بين النّاس.
٤٤- أمّا الحقوق، ففى حكم بيعها وشراءها تفصيل حسب الآتى:
(الف) إنّ الحقوقَ الّتي شُرعت لدفع الضرر، لا على وجه الأَصالة،
لا يجوز الاعتياضُ عنها بصورة من الصُّوَرَ، لا عن طريقِ البيع، ولا
عن طريق الصُّلح والتّنازل، مثلُ حقِّ الشُّفعة، وحقّ القَسْم للمرأة،

١١٤٨ ٥٧
فقه البيوع
وخيار المخيّرة.
(ب) إنّ الحقوقَ الّتي ليست ثابتةً الآن، وإنّما هي متوقَّعةٌ فى
المستقبل، لا يجوز الاعتياضُ عنها بصورةٍ من الصُّوَرَ، كحقّ
الوراثة فى حياة المورث، وحقّ الولاء فى حياة المولَى، وحقّ
الحصول على راتب التّقاعد.
(ج) إنّ الحقوقَ الشّرعيةَ الّتى ثبتت لأصحابها أصالةً، ولكنّها لا تَقْبَل
الانتقالَ من واحدٍ إلى آخرَ شرعاً، لا يجوز الاعتياضُ عنها عن
طريق البيع، ولكن يجوز عن طريق الصُّلْحِ والتّنازل بمالٍ، مثل حقّ
القصاص، وحقّ الزّوج فى بقاء نكاحه مع زوجته، (يجوز الصُّلُحُ
عنه بالخُلْعِ والطّلاق على مالٍ).
(د) وإنّ الحقوقَ العُرفيّة الّتى هي عبارةٌ عن منافعَ دائمةٍ من مرافق
الأعيان، مثل حقّ المرور فى الطّريق، وحقّ الشِّرب والتّسييل
والتّعلّى، يجوز بيعُها، بشرط أن لا يكون هناك مانعٌ آخرُ من جواز
البيع، كالغَرَرِ والجهالة. ويدخل فيه بيع الاسم التّجاريّ، والعلامة
التّجاريّة، وحقّ الامتياز، بشرط أن لا يتضمّن غشّاً أو تدليساً على
المستهلكين، وذلك بالإفصاح عن البيع إلى العامّة، وبأن ينقُل البائعُ
تقنيتَه وكفاءته المهنيّة إلى المشترى. ويدخل فيه أيضاً بيع حقّ
الابتكار، وحقوق نشر الكتب، وبيع التّرخيص التّجاريّ، بشرط أن
يكون ذلك مسموحاً به قانوناً، ولا يستلزم الكذب والخداع.

١١٤٩
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
(هـ) إنّ حقَّ الأسبقيّة، مثلَ حقّ الإحياء بعد التّحجير، لا يجوز بيعُه
ولكنّه يجوز النّزولُ عنه بمال على أساس الصّلح. والفرق بين البيع
والتّنازل بعوض، أنّ البيع ينقُل الحقّ إلى المشترى، ومجرّد التّنازل
لا ينقُله إلى المنزول له، وإنّما تزول عنه مزاحمةُ النّازل، فيستطيع أن
يُمارس حقّه بالإحياء، إن لم تكن هناك مزاحمةٌ من غير النّازل.
(و) إنّ حقَّ الوظيفة، وإن كان لا يجوز بيعُه، ولكن يجوزُ النّزولُ عنه
بمال، وكذلك حقُّ استئجار الدّار أو الحانوت، لا يجوز بيعُه، ولكن
يجوز التّنازل عنه بعوض ماليٍّ، بشرط أن تكون الإجارةُ لمدّة معلومة،
ء
ويتنازل المستأجر عن حقّه فى البقاء على الإجارة. فيحقّ للمنزول له
أن يعقد الإجارة مع المؤجر.
(ز) لا يجوز ما يُسمّى فى البورصات العالميّة "بيع الاختيارات"
(options) والاختيار عبارةٌ عن التزام أحد الطّفين ببيع شيئ أو
شراءه بسعر متّفق عليه خلالَ مدّة معلومة، وبمجرّد هذا الالتزام
يُطالب بائعُ الاختيار عوضاً عن هذا الالتزام.
٤٥- ويُشترط لانعقاد البيع أن يكون العوضان مالاً متقوّماً فى العُرف والشّريعة.
فأمّا التقوّم فى العُرف، فيتبَعُ إمكانَ الانتفاع، فما لايُنتفعُ به ليس متقوَماً. وأمّا
الْتّقوّم فى الشّرع، فأن تُبيح الشّريعةُ الانتفاعَ بها فى شكل أو آخر. فما
لا يجوز الانتفاع به فى صُورة من الصُّورليس متقوّماً شرعاً. وعلى هذا،
فالخمر والخنزير ليسا متقوّمين للمسلمين، وإن كانا متقوِّمين فى تعاملات

١١٥٠ 0%
فقه البيوع
أهل الكتاب فيما بينهم. والأصل فيه أنّ ما أمكن استعمالُه فى مُباح جاز بيعُه،
ومالم يُمكن استعمالُه بطريقٍ مُباحٍ، لا يجوز بيعه، لكونه غيرَ متقوِّم شرعاً.
٤٦- ويُشترط لانعقاد البيع أن يكون المبيعُ موجوداً عند العقد، فلايصحّ بيعُ
المعدوم المحض، إلاّ فى السّلم والاستصناع بشروطهما. وما وُجد بعضُه ولم
يوجد بعضُه، مثلُ ثمار الشّجرة، يجوز بيعه عند الحاجة. أمّا بيعُ المسلَم فيه
وبيعُ محلّ الاستصناع قبل التّسليم، فلا يجوز.
٤٧- ويُشترط لانعقاد البيع أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع. فبيعُ ما لا يملكه البائع
باطل. وكذلك بيعُ ما هو مباحُ الأصل شرعاً، مثلُ ماء البحار والأنهار، والكلأ،
والنّار. ولا يُشترط لصحّة البيع أن يكون المشترى مالكاً للنّقود عند العقد.
فيصحّ البيع وتجب عليه النّقود فی ذمّته.
٤٨- ويُشترط لانعقاد البيع أن يكونَ البائعُ قادراً على تسليم المبيع. فما لايقدرُ
البائعُ على تسليمه عند العقد، بيعُه باطل، مثلَ أن يبيعَ ضالّته الّتى لايُعرفُ
مكانُها، أو يبيعَ الطّير فى الهواء، أويبيع السّمك فى البحر أو النّهر. ويدخل
فيه بيعُ الدّين من غير المدين. أمّا بيعُه من المدين، فجائزٌ بثمن حالٌ
لا يستلزم الرّبوا. ولا يجوز بيعُ الكمبيالات والسّندات، ولا حسمُها بثمن أقلّ
من قيمتها الاسميّة. ولكن يجوز نقلُها إلى آخر بالحوالة على أساس قيمتها
الاسميّة. لكن يجوز بيعُ متجرٍ بجميع ماله وما عليه، بما فيها ديونُه القابلة
للتّحصيل، لأنّ المقصودَ بيعُ أعيانَ المَتجر، ودخلت الدّيونُ فى البيع تبعاً.
٤٩- ويُشترط لصحّة البيع أن يكون كلّ واحدٍ من المبيع والثّمن معلوماً. فإن كان
هُناك جهالةٌ فى المبيع، سواءٌ كان فى جنسه أو فى قدره، فالبيعُ فاسد، إن

١١٥١
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
كانت مُفضيةً إلى النّزاع، إلاّ إذا اشترط أحد العاقدين خيار التعيين، فيثبت
فيه أحكام خيار التّعيين.
والجهالةُ فى تعيين المبيع مفسدةٌ إن كان المبيع ممّا تتفاوت آحادُه. مثلُ بيع
شاةٍ واحدةٍ غيرِ معيَّنة من القطيع. أمّا إن كان المبيع ممّا لاتتفاوتُ آحاده،
فعدمُ التّعيين لا يُفسد البيع، مثل بيع عشرة كيلو من صبرة حنطة، وللمشترى
الخيارُ فى تعيين العشرة من الصُّبرة.
٥٠- بيعُ البضائع وهى معبأةٌ فى غُلَب أو فى كراتين، بحيثُ لا يُشاهَد عينُها، جائزٌ
بشرط أن يكون جنسُها ووصفُها معلوماً، إمّا بالإفصاح عنها بالكتابة على
العُلبة أو الكرتون، وإمّا بكون اسمها أو علامتها التّجاريّة تُنبئ عن هذه
الأوصاف. فإن وُجدت البضاعةُ بخلاف الأوصاف، ثبت للمشترى خيارُ
فوات الوصف.
٥١- كونُ المبيع مُشاعاً لايُنافى معلوميّته، فيجوز بيع حصّة مُشاعة من بناءٍ أو
أرضٍ أو عروض، بشرط أن لايستلزم ضرراً على الشّريك الّذى لم يِعْ
حصته.
٥٢- يجوز بيعُ أسهم الشّركات المساهمة وشراءها، بشرط أن تكون الشّركةُ قد
ملكت أموالاً غير النّقود، وأن يكون نشاطُها حلالاً. فإن عُلِم أنّ فى مواردها
جزءٌ محرّم، مثل الفوائد الحاصلة من الودائع فى البنوك، وجب على
صاحب السّهم التّصدَقُ بما يُساوى حصّتَه من الإيراد المحظور الذى دخل
فى الشّركة. أمّا إذا لم تكن الشّركةُ بدأت فى نشاطها، وإنّ مملوكاتِه

١١٥٢ ٥٠
فقه البيوع
تتمحّض فى النّقود، فلا يجوز بيعُ أسهمها بأقلّ أو أكثر من قيمتها الاسميّة.
٥٣- ويُشترَط لصحّة البيع أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع، وأن يكون البائعُ قد قبضَ
المبيعَ حقيقةً أو حكماً. فمن اشترى شيئاً، وباعه إلى أحدٍ قبل أن يقبضه،
فالبيعُ فاسد. والقبض الحقيقيّ: أن يكون المبيعُ فى حيازته حسّاً، والقبض
الحكميّ: التّخلية، وهى أن يُمكّنه البائعُ من القبض الحسّ متى شاء بدون
مانع. والتّخليةُ تقوم مقامَ القبض فى جميع المبيعات، سواءٌ كانت مكيلةً أو
موزونةً أو عدديّةً أو عقاراً، إلاّ فى الصَّرف، فإنّه لاتقوم فيه التّخليةُ مقامَ
القبض، بل يجب القبضُ الحسّيّ.
٥٤- الحصولُ على وثيقةٍ من المخزن تُمثّلُ سلعةً معيّنةً بالأرقام، بحيثُ يستطيع
حاملُ الوثيقة فى أيّ وقت أن يتسلّم السّلعة من المخزن يُعتبر تخليةً وقبضاً
حكميّاً. وكذلك لو كانت الوثيقةُ تُمثّل حصّةً مُشاعةً فى السِّلع المخزونة، فإنّ
القبضَ على تلك الوثيقة قبضٌّ حكماً.
٥٥- إن كان الثّمنُ نقداً، فلايُشترطُ لصحّة البيع أن يكونَ الثّمنُ فى مِلك
المشترى عند العقد، فإنّه یجب فى ذمة المشتری، فیجوز له أن يتملكه عند
الأداء، سواءٌ أكان البيعُ حالاً، أم مؤجّلاً.
٥٦- الجهالةُ فى الثّمن مفسدةٌ للبيع. أمّا إن اتّفق المتبايعان على معيار منضبط
لتحديد الثّمن، مثل سعر السّوق، وآلت الجهالة إلى العلم عند الأداء، فهى
غيرُ مفسدةٍ للعقد.
٥٧- جهالةُ الأجل المضروب لأداء الثّمن مفسدةٌ للبيع.
٥٨- إيداعُ النّقود فى رصيد أحدٍ فى البنك، سواءٌ أكان إيداعاً مباشراً، أم عن

١١٥٣
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
طريق التّحويل المصرفيّ يُعتبر قبضاً لتلك النّقود من صاحب الرّصيد،
ويُعتبر البنك وكيلاً له فى القبض. وكذلك تسليم الشّيك المصرفيّ يُعتبر
تسليماً لمحتواه. أمّا الشّيك الشّخصيّ، فلا يُعتبر تسليماً لمحتواه حتّى
يقبضه المدفوعُ إلیه أو یودعه فی رصيده.
٥٩- الدّفعُ عن طريق بطاقة الحسم الفوريّ أو بطاقة الحسم المتأخّر، أو بطاقة
الإئتمان حوالةٌ تبرأ بها ذمّةُ المشترى. وتنطبق عليها أحكامٌ الحوالة.
٦٠- النّقود المعدنيّة أو الورقيّة لاتتعيّن بالتّعيين فى العقود الصّحيحة، فإن أشار
المشترى إلى نقودٍ عند العقد، جاز له أن يدفع غيرها. وكذلك لاتتعيّن فى
العقود الفاسدة، ولكنّها تتعيّن فى الأمانات والعقود الباطلة.
الشُّروط التى ترجع إلى صُلب العقد
٦١- يُشترط لجواز البيع وصحّته أن يكون منجزاً فى الحال، فلايصحّ البيعُ
المعلّقُ على شرط، ولابيعٌ مُضافٌ إلى تاريخ لاحق فى المستقبل.
٦٢- إن كان البيعُ مشروطاً بشرطٍ فاسد، فالبيعُ فاسد. والشّروط المشروطة فى
البيع كلّها فاسدة إلاّ ما دخل فى أحد الأنواع الثّلاثة:
(ألف) أن يكون الشّرطُ داخلاً فى مقتضى العقد، مثل أن يُسلّم
البائعُ المبيعَ إلى المشترى، أو أن ينقُد المشترى الثّمن.
(ب) أن يكون ملائماً للعقد، مثل أن يُشترط فى البيع المؤجّل
تقدیم کفیل أو رهن من قبل المشترى.
(ج) أن يكون الشّرطُ ممّا تعارف عليه التّجّار من غير نكير، مثل أن

١١٥٤
فقه البيوع
يُشترط فى بيع الثلاجة أن ينصِبها البائعُ فى بيت المشترى، وأن
يلتزم بصيانته إلى مدّةٍ معلومة.
٦٣- لا يجوز اشتراطُ صفقةٍ فى صفقة، مثل أن يبيعَ البائعُ سيّارةً بشرط أن يؤجره
المشترى دارَه، إلاّ إذا اقتضت طبيعةُ عمليّةٍ تجاريّةٍ تنظيمَ عقودٍ فى صفقةٍ
واحدة، وجرى بذلك العُرف من غير نكير، مثل قيام وكلاء السّفر بتنظيم
رحلات الحجّ والعمرة، أو الرّحلات السّياحيّة الّتى تحتاج إلى الحصول على
التأشيرة، وتذاكر السّفر، والإقامة فى فنادق، أو الخيام، وتوفير الوجبات، وكلّ
ذلك بصفقةٍ واحدةٍ و عوضٍ معلوم.
٦٤- لا يجوز البيعُ بالوفاء، وهو أن يببعَ البائعُ شيئاً بثمن معلوم، على أنّ المشتريَ
إذا ردّ عليه الثّمن، ردّ عليه البائعُ ذلك الشّيئ. والصّحيحُ أنّه من قبيل الزّهن،
فلا يجوز للمشترى أن ينتفعَ بالشّيئ الذى اشتراه بهذ الشّرط، لأنّه فى الحقيقة
انتفاعٌ بالمرهون، وداخلٌ فى الرّبا. أمّا إذا وقع البيعُ بدون هذا الشّرط، ثمّ وعده
المشترى بعد البيع بأنّه كلّما جاء البائعُ بالثّمن، فإنّه يبيعُ إليه المبيع، فهذا وعدٌ
جائز، وملزمٌّ قضاءً، وإن كان هذا الوعدُ قبل البيع، ثمّ وقع البيعُ بدون اشتراط
ذلك فى العقد، فإن صرّحا بأنّ البيعَ مبنيٌّ على الوعد السّابق، فهو كالمشروط
فى البيع، فلايجوز. أمّا إذا لم يُصرّحوا ببناء البيع على الوعد السّابق، فإنّه جائز.
٦٥- بيع الاستغلال أن يبيعَ البائعُ بالوفاء، ثمّ يستأجر المبيعَ من المشترى. فإن
كان إعادةُ البيع أو الاستئجار مشروطاً فى البيع، فإنّه غيرُ جائز. أمّا إن وقع
البيعُ بدون شرط الوفاء، ولكن وعد المشترى بالوفاء منفصلاً عن عقد البيع،
ولم يشترط الإجارةَ فى البيع، ثمّ استأجر البائعُ المبيع بدون شرطٍ سابق، فهو

١١٥٥
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
جائز، بشرط أن يقبض المشترى المبيعَ أولاً، ثمّ يُؤجره إلى البائع.
٦٦- البيعُ الإيجاريّ (Hire-Purchase) حقيقتُه أنّ مالكَ العين يؤجرها إلى آخر
بشرط أنّ المستأجر إذا وفّى بجميع أقساط الأجرة فى مدّةٍ معلومة، فإنّه
يستحقّ تملّكها دون دفع أيّ ثمنٍ يُعتدّبه. وهو غيرُ جائز شرعاً، لكون العقد
متردداً بين البيع والإجارة.
٦٧- الإجارةُ التّمويليّةُ الَّتى لا يتحمّل فيها المؤجرُ ضمانَ العين المؤجرة، ولا
بصيانتها الأساسيّة الّتى لا تحصل المنفعةُ إلاّ بها، أو يُطالب الأجرة بالرّغم من
هلاك العين بدون تعدّ من المستأجر، محظورةٌ شرعاً.
٦٨- الإجارة المنتهية بالتمليك، أن يؤجز المؤجرُ عيناً بدون أيّ شرط لا يقتضيه
العقد. ثمّ يعِدُ المؤجرُ أنّ المستأجر لو وفّى الأجرةَ بكاملها فى أحيانها، فإنّ
المؤجِرَ سوف يبيعُه منه بثمن متفق عليه. وإنّه جائز بشروط آتية:
(أ) وجود عقدين منفصلين يستقلُّ كلٌّ منهما عن الآخر، زماناً بحيث يكون
إبرامُ عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجودُ وعدٍ بالتّمليك في نهاية مدة
الإجارة، والخيارُ يوازى الوعدَ فى الأحكام.
(ب)- أن تكون الإجارةُ فعليّةً، وليست ساترةً للبيع.
(ج)- أن يكون ضمانُ العين المؤجرة على المالك، لا على
المستأجر، وبذلك يتحمّل المؤجرُ ما يلحق العينَ من ضرر غير
ناشئ من تعدّى المستأجر أو تفريطه، ولا يُلزِم المستأجرَ بشيء إذا
فاتت المنفعة.

١١٥٦ ٥٠
فقه البيوع
(د) - إذا اشتمل العقدُ على تأمين العين المؤجرة، فيجب أن يكون
التأمين تعاونيّاً إسلامياً، لا تجاريّاً، ويتحمّله المالك المؤجر، وليس
المستأجر.
(٥)- يجب أن تُطَبّق على عقد الإجارة المنتهية بالتّمليك أحكامٌ
الإجارة طوالَ مدّة الإجارة، وأحكامُ البيع عند تملّك العين.
(و)- تكون نفقاتُ الصّيانة غيرِ التّشغيليّة على المؤجر، لا على
المستأجر، طوالَ مدّة الإجارة.
٦٩- يجوز استثناءُ شيئ أو قدرٍ معلوم من المبيع، والأصلُ فيه أنّ ماجاز بيعُه انفراداً،
جاز استثناؤه من البيع، ومالم يجز بيعه انفراداً، لايجوز استثناؤه.
تقسيمات البيع
التّقسيم الأول: من حيثُ طريق وفاء العوضين
٧٠- إن كان مقتضى عقد البيع أنّ البائع يحِقّ له مطالبةُ الثّمن، ويحقّ للمشترى مطالبةُ
تسليم المبيع فوراً، فإنّ البيع يُسمّى "البيع الحالّ". ويجوز فى هذا البيع أن يحبس
البائعُ المبيعَ حتّى يستوفيَ الثّمن. وإن لم يكن هناك صراحةٌ فى عقد البيع بأنّ
الثّمن يجب على المشترى فى المستقبل، فإنّ البيع يُعتبر حالاً، ويجوز للبائع أن
يُطالب به فى أيّ وقتٍ شاء.
٧١- لا يجوز بيعُ الكالئ بالكالئ، وهو أن يكون كلُّ واحدٍ من البدلين مؤجّلاً.
٧٢- إن اشتُرط فى عقد البيع أنّ الثّمن يجب على المشترى فى تاريخ لاحق، فإنّه
يُسمّى "البيع المؤجّل. " ويُشترط لجوازه أن يكون الأجل، أى موعدُ دفع

١١٥٧
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
الثّمن معلوماً لدى العاقدين. ويجوز أن يتّفق العاقدان على أنّ الثّمن يُدفع
بأقساط، بشرط أن يكون قدرُ كلّ قسطٍ وموعدُ تسليمه معلوماً. فإن كان فيه
جهالةٌ مفضيةٌ إلى النّزاع، فسد العقد.
٧٣- الأجلُ فى البيع المؤجل حقٍّ للمشترى، فلا يجوز للبائع مطالبةُ الثّمن قبل
حلول الأجل. ولا يجوز له حبسُ المبيع لاستيفاء الثّمن، ولكن يجوز أن
يُطالب البائعُ المشتريَ بتقديم كفالةٍ أو رهن. ويجوز أن يرهن المشترى
نفسَ المبيع بعد قبضه، ولا يجوز أن يرهنه قبل قبضه.
٧٤- يجوز أن يكون الثّمنُ فى البيع المؤجّل أكثرَ من الثّمن فى البيع الحالّ،
بشرط أن يتّفقا على أنّه بيعٌ مؤجّل، وعلى الثّمن وعلى موعد تسليم الثّمن.
ولا يجوز أن يُترك العقدُ متردداً بين كونه حالاً أو مؤجلاً، مثل أن يقول البائع:
ثمنُه الحالّ عشرة، وثمنه المؤجّل خمسة عشر، ويذهب المشترى بالمبيع
بدون تعيين أحد الخيارين، كما لا يجوز أن يتّفقا على أنّ البيع مؤجّل، ولكن
يقول البائعُ: "إن أتيتُ بالثّمن بعد شهر، فهو خمسة عشر، وإن أتيتُ بعد
شهرين، فإنّه عشرون" ويفترقان دونَ تعيين أحد الأجلين. ويجوز ذكرُ
أثمانٍ مختلفة لآجال مختلفة عند المساومة فقط، ولكن لابدّ لجواز البيع من
أن يُبُتّ العاقدان بأحد تلك الآجال وثمنه قبل الافتراق، فإن لم يتعيّن الأجل
والثّمن، فسد العقد.
٧٥- لا يجوز للبائع أن يزيدَ فى الثّمن إن لم يقدر المشترى المديونُ على وفاء
الثّمن عند حلول الأجل، ولا يجوز إمهالُه بعوض. فإن كان مُعسراً، وجب
على البائع أن يُمهلَه بدون زيادةٍ فى الثّمن. وإن كان موسراً، يُطالبه بالقضاء،

١١٥٨
فقه البيوع
وحينئذ، يجوز له أن يُطالب المديونُ بالنّفقات الفعليّة الّتى تكبّدها بالرّجوع
إلى القضاء، ولا يجوز المطالبةُ بما زاد على النّفقات الفعليّة الحقيقيّة.
السلم والاستصناع
٧٦- السّلم بيع آجل بعاجل، بمعنى أنّ المشتريَ يدفع الثّمن عند العقد، ويكون
المبيعُ فى ذمّة البائع ليُوفيّه فى أجل متّفق عليه. والمشترى فى السّلم يُسمّى
"ربّ السّلم" أو: "المُسلِمِ" والبائعُ "المسلَم إليه" والثّمنُ "رأسَ المال"
والمبيعُ "المسلَم فيه". وإنّ هذا البيعَ لا يجوز إلاّ بشروطٍ آتية بعضُها ترجع
إلى نفس العقد، وبعضُها إلى الثّمن، وبعضُها إلى المسلَم فيه، وبعضُها إلى
تسلیم المسلم فيه.
٧٧- أمّا الشّروط الّتى ترجع إلى نفس العقد، فهى نفسُ الشّروط العامّة لجواز
البيع، من أهليّة العاقدين وغيرها.
٧٨- وأمّا الشّروط الّتى ترجع إلى رأس المال (أى الثّمن المقدّم). فهيَ ما يأتى:
(ألف) إن كان رأسُ المال من النّقود، وجب تعيينُ العُملة، مثلُ
الدّراهم أو الدّنانير، أو الزيالات أو الرّبّيات وغيرها. وإن كان من
الأعيان، وجب بيانُ جنسه ونوعه، مثلُ الحنطة، أو التّمر، أو الثّوب.
(ب) بيانُ صفته إن كان رأس المال يتفاوتُ فى صفاته.
(ج) بيانُ قدره إن كان العقدُ يتعلق بقدره من المكيلات
والموزونات والعدديّات المتقاربة.
(د) أن يكون رأس المال مقبوضاً فى مجلس عقد السّلم. وإن كان

١١٥٩
صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
تسليمُ رأس المال عن طريق البنك، فإن كان عن طريق الشّيك
المصرفيّ، أو عن طريق الشّيك المصدَّق، فهو فى حُكم القبض،
لأنّ البنك وكيلٌ عن المسلَم إليه فى قبضه. وإن كان عن طريق
الشّيك الشّخصيّ غير المصدق، أو عن طريق التّحويل المصرفيّ،
فليس بقبضٍ حتّى يسحبه المسلم إليه، أو يتمّ التّقييد فى حساب
المسلَم إليه. ويُغتفر التّأخير العاديّ اللّزم فى إجراات التّقييد
والتّحويل المصرفيّ.(١)
أمّا إذا عجّل رتُّ السّلم بعضَ رأس المال وأخّر بعضه، بطل السّلم فيما لم
يقبض، ويسقطُ بحصّته من المسلَم فيه، ويصحُّ فى الباقى بقسطه، إن كان
المسلم فيه يتحمّل التّبعيض.
٧٩- لا يجوز أن يكون الدَّينُ رأس مال السّلم، سواءٌ كان فى ذمّة المسلم إليه أو
فی ذمّة غیره حتّی یُنقد فى مجلس العقد.
٨٠- إن كان المتعاقدان فى بلدين، ويُريدان أن يعقدا السّلم، فطريقُه عند الجمهور
أن يُرسِلِ رُّ السّلم مبلغَ رأس المال إلى المسلم إليه مقدّماً، ويكونُ هذا المبلغُ
أمانةً عند المسلَم إليه، فلمّا تسلّمه، عقدا السّلمَ بطريق الهاتف أو آلات الاتّصال
الأخرى، وبالإيجاب والقبول الشّفهيّ ينتقل المبلغ الموجود عند المسلم إليه
من قبض الأمانة إلى رأس مال السّلم. ويُمكن أيضاً أن يُرسِل البائعُ رأس مال
(١) وذلك إمّا لكونه قبضاً حكميّاً فى غير الصّرف، وإمّا على مذهب المالكيّة فى جواز تأخير تسليم
رأس المال إلى ثلاثة أيّام.

١١٦٠
فقه البيوع
السّلم عن طريق التّحويل المصرفيّ، ويعقد السّلم هاتفيّاً.
٨١- أمّا المسلم فيه، فتجب فيه شروط آتية:
(ألف) أن يكونَ المسلم فيه معلوماً بجنسه، ونوعه إن كانت له
أنواع، وصفتُه، مثل كونه جيّداً، أو وسطاً، أو رديئاً، وقد تعورف فى
زمننا أنّ الأنواعَ تُقسّم إلى الدرجة الأولى والثّانية وغيرها، مثل
القُطن، والحنطة. فإن كان كذلك، يُشترط بيانُ الدّرجة المطلوبة.
وكذلك يجب أن يكون قدره معلوماً، وأن يكون معيار القدر ممّا
يؤمّن فقدُه عن أيدى النّاس. فإن اشترط الكيلَ بمكيال لايُعرف
عيارُه بأن قال: " بهذا الإناء "ولم يُعرف كم يسع فيه، أو بحجر
لايُعرف عيارُه، ولا يُعلم كم وزنُه، أو بخشبةٍ لايُعرف قدرُها،
أوبذراع يده، لايجوزالسّلم. وحاصلُ هذه الشّروط أن ينضبط
المسلَمُ فيه، بحيث لا يبقى فى ضبطه احتمالُ النّزاع.
(ب) أن يكون المسلمُ فيه من المثليّات، فيجوز السّلمُ فى
المكيلات، أو الموزونات، أو المزروعات، أو العدديّات المتقاربة
الّتي لاتتفاوت آحادُها إلاّ تفاوتاً يسيرا يُتسامَح فى مثله عرفاً،
كالجوز والبيض. وعلى هذا، فإنّه يجوزُ السّلم فى السيّارات
والدّرّاجات والطّائرات والثلاجات والمكتّفات والأدوات المنزلية
والكهربائيّة الّتى ينضبط نوعُها ووصفُها وموديلُها ولونُها،
ونحوذلك من الأوصاف الّتى لها دخلٌ فى رغبة المشترين، ولا

صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
بأس بتعيين المصنع أو العلامة التّجاريّة، بشرط أن يكون المسلَمُ
فيه عامَّ الوجود فى محلّه بحكم الغالب عند حلول أجله.(١)
ولا يجوز السّلمُ فى العدديّات المتفاوتة من الجواهر واللآلئ
والجلود والأُدم والرؤوس والأكارع والبطّيخ والقّاء والرّمّان
والسّفرجل، ونحوها من العدديّات الّتى تتفاوت آحادها، لأنّه
لا يمكن ضبطُها بالوصف، إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها
وقدرها جهالةٌ فاحشةٌ مفضيةٌ إلى المنازعة.
(ج) أن لا يكون المسلَمُ فيه معيّناً بمحلٌّ يمكن أن ينقطع فيه، مثل أن
يُسلم فى ثمرة شجرةٍ بعينها، أو بُستانٍ بعينه. أو منتَج شركةٍ معيّنة
يحتمل انقطاعه فى مدّة السّلم. وكذلك لايجوز السّلم فى أسهم
الشّركات، لأنّ الشّركاتِ ممّا يمكن انقطاعُها أو تصفيتُها، فصار مثلَ
السّلم فى ثمرة بستان معيّن، ولأنّ السهم عبارةٌ عن حصّةٍ مُشاعة من
موجودات الشّركة، وهيَ تشتمل على ما لا يجوز فيه السّلم، مثل الأبنية
والمفروشات المتعيّنة، والعدديّات المتفاوتة. والله سبحانه أعلم.
٨٢- أمّا الشّروط الّتى ترجعُ إلى تسليم المسلَم فيه، فهى مايأتى:
(ألف) أن يكون تسليمُ المسلَم فيه مؤجّلاً بأجل معلوم. ولامانع من
تحديد آجال متعدّدة لتسليم المُسلَم فيه على دفعاتٍ بشرط تعجيل
(١) المعيار الشّرعيّ رقم ١٠ بشأن السّلم والسّلم الموازى الصادر من المجلس الشّرعيّ بند ٨/٢/٣

١١٦٢
فقه البيوع
رأس مال السّلم كلّه.
(ب) أن يكون محلُّ تسليم المسلم فيه معلوماً. ولو لم يُذكر محلّ
التّسليم فى العقد، وجب التّسليم فى محلّ العقد.
(ج) أن يُسلّم نفس المسلم فيه الذى اشترط فى العقد. فلا يجوز
استبدالُه بشيئ آخر، ولو برضا ربّ السّلم. لأنّ استبدالَه بشيئ آخر
يؤدى إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه، وهو لايجوز.
(د) أن يقع التّسليمُ حسبَ المواصفات الّتى اتّفق عليها العاقدان فى
العقد. فإن سلّم بغير هذه المواصفات، لم يصحّ التّسليم، إلاّ أن
يرضى به ربُّ السّلم، إلاّ إذاكان ما سلّمه أجود ممّا اتّفقا عليه، ولا
يفوتُ به غرضُ ربّ السّلم.
٨٣- "السّلم الموازى" هو أنّ المسلَم إليه بعد التزامه بتسليم المسلّم فيه إلى ربّ
السّلم فى موعدٍ محدّد، قد يعقِد السّلمَ مع جهةٍ أخرى، يكون هو فيه ربّ
السّلم. مثالُه: أنّ شركة ألف أسلمت مائة وعشرة آلاف فى كمّيّة محدّدة من
القُطن تُسلّم إليها شركةُ ب فى أوّل شهر يناير. وشركة ب فى هذا العقد مُسلَمٌ
إليها. ثمّ تُسلِمُ شركة ب مائة ألفٍ إلى أحد زارعى القُطن فى نفس كمّيّة القطن
بالتزام التّسليم فى أوّل شهر يناير. وشركة ب فى هذا العقد الثّانى ربّةُ السّلم،
وزارعُ القُطن هو المسلَمُ إليه. ومقصودُ شركة ب أن تحصُّل على الكمّيّة
المطلوبة من القُطن فى أول شهر يناير، لتتمكّن من تسليمها إلى شركة ألف
حسبَ العقد الأوّل، وتنتفعَ بالفرق بين رأس مال السَّلَمين. وإنّ هذا العقد الثّاني

صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ
الذى عقدته شركة ب مع زارع القطن يُسمّى "السّلم الموازى".
وإنّ السَّلَم الموازيَ بهذا الشّكل إنّما يجوز إن لم يكن هناك ربطٌ بين
العقدين، وأن تكونَ الحقوقُ والالتزاماتُ النّاشئةُ عن السّلم الموازى مستقلّةً
عن السّلم الأوّل، بمعنى أنّه إن أخلّ زارع القُطن فى المثال المذكور
بالتزاماته فى السّلم الموازى، فإنّ المسلَم إليه فى السّلم الأوّل لا يتحلّل من
التزاماته، بل يجب عليه أن يُسلّم الكمّيّةَ المطلوبةَ من القُطن إلى ربّ السّلم
الأوّل، (الّذى هو شركة ألف فى المثال المذكور) ولو اضطرّ لذلك إلى
شراءها من السّوق.
٨٤- "الاستصناع" أن يطلُب المشترى من البائع أن يأتيَ له بشيئٍ مصنوعٍ
بموادَّ من عنده موصوفٍ فى الذّمّة، ويلتزمُ البائعُ بذلك لقاءَ ثمنِ متّفق
عليه. وهو بيعٌ مستثنىً من منع بيع المعدوم. ويجب لصحّة الاستصناع
أن تتوافر فيه شروطٌ آتية:
(ألف) أن يكونَ المعقودُ عليه ممّا يحتاج إلى صَنعة، فلا يُمكن
الاستصناعُ فيما لاصنعةَ فيه، مثل الحنطة أو الشّعير أو المنتجات
الزّراعيّة الأخرى.
(ب) أن يحدّد المعقودُ عليه بمواصفاتٍ منضبطة، فلا يجوز أن
يكون محلُّ الاستصناع شيئاً معيّناً بذاته، مثل سيّارةٍ معيّنة.
(ج) أن لايُضرب لتسليم المعقود عليه أجلٌ للاستمهال، ومعنى
الاستمهال أن يضربَ الصّانعُ أجلاً زائداً على مدّةٍ تحتاج إليه الصّناعةُ