Indexed OCR Text
Pages 501-520
١١٢٤ فقه البيوع ضمان المشترى. فلو هلكت البضائع فى الطّريق، هلكت من مال البنك. الرّابع: أن تتوافر فيه جميعُ شروط المرابحة المؤجّلة على اختلاف الفقهاء فيه، وقد فصّلنا الكلام فى ذلك فى مبحث المرابحة للآمر بالشّراء والحمد لله تعالى. ٥٦٠- بديل حسم الكمبيالة أمّا المحظور الثّالث فى التّعاملات المذكورة، فإنّه حسمُ الكمبيالة بالطّريق الرّبويّ. وإنّما يحتاج إليه التّجّار الّذين يبيعون بضائعَهم بيعاً مؤجلاً. وإن كان البيعُ عن طريق فتح الاعتماد، فإنّ الاعتمادَ فى هذه الحالة يُسمّى "الاعتماد المؤجل" (Usance L/C) فلا يُمكن لهم الحصولُ على الثّمن إلّ بعد زمن. لأنّ البنك الّذى فتح المشترى فيه الاعتماد لا يبعث بمبلغ الاعتماد فورَ ما تصل إليه المستندات، بل يحصل على كمبيالةٍ من المشترى، يلتزم فيه بأداء الثّمن فى تاريخ لاحق. فهناك فاصلٌ زمنيٌّ بین شَحْن البضائع، وبين وصول ثمنها إلى البائع المصدّر. وفى جانبٍ آخر، يريد التّاجر أن يدخُل فى شراء بضائع أخرى، أو فى صناعتها ليتمكّن من بيعها إلى المشترين الآخرين، ولذلك يحتاج إلى أن يحصُّل على مالٍ للشّراء أو الصّناعة. ومن أجل هذا يذهب إلى بنك ويحصل على ذلك المال بطريق حسم الكمبيالة. وإنّ حصولَ هذا المقصود يمكن بأن يستأجرَ حاملُ الكمبيالة البنكَ لتسلّم الثّمن من المشترى عند حلولِ الأجل، وتوصيله إلى حامل الكمبيالة، ويمكن للبنك أن يتقاضى منه أجرةً على هذه الخدمة. ثمّ يستقرضُ منه مبلغاً قرضاً بدون فائدة. وهذا إنّما يجوز إذالم يكن القرضُ مشروطاً فى عقد الاستئجار، وأن لاتكون أجرةُ تحصيل الثّمن مرتبطةً بمبلغ القرض. المبحث الحادى عشر والطريق الثانى: أنّه إن كان حاملُ الكمبيالة يحتاج إلى نقدٍ لشراءِ بضائع أخرى، فإنّ البنك يشتريها ويبيعُها إليه مرابحةً مؤجّلة. ويجب أن تُراعيَ فيه جميعَ الشّروط الّتى ذكرناها فى مسئلة المرابحة المؤجّلة، وتكون الكمبيالةُ عند البنك لتوثيق دين المرابحة. والطّريق الأمثل من النّاحية الشّرعيّة والأقرب لمقاصد الشّريعة أن يدخُل البائع مع البنك فى شركةٍ قبل بيعه للبضائع، بأن يُعطيَه البنك مبلغاً يكون حصته فى رأس المال، ثمّ تُشترى أو تُصنع البضائع وتُباع، ويُقاسمُ البنك الرّبح مع البائع المصدّر بنسبةٍ متفق عليها. فلا يُحتاج إلى حسم الكمبيالة. المبحث الثانى ٥٦١- عشر فى الإقالة المبحث الثانى عشر الإقالةُ فى اللّغة بمعنى الرّفع والإزالة. وفى الفقه: رفعُ العقد وإلغاءُ حُكمه بتراضی الطّرفين بأن يرُدّ البائع المبيع، ويردّ المشترى الثّمن. والأصل فى جواز ذلك واستحبابِه إذا طلب أحد المتعاقدين ذلك ما رُوى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: أنّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ أَقَالَ مُسلِمًا، أقالَهُ الله عَثْرَتَهُ)).(١) وكذلك جاء فى حديث خيار المجلس عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقًّا، إلاّ أن تكون صفْقَةَ خيارٍ ، ولا يَحِلُّ أن يُفَارِقَ صاحبَهُ خشيةَ أن يَسْتَقِيلَه)) (٢) والإقالةُ تنعقد بالإيجاب والقبول، ولوكان القبول اقتضاءً. فلو طلب البائعُ الإقالة، فقال المشترى: هاتِ الثّمن، فهو إقالة. وكذلك تنعقد بالتّعاطى عند من يقول بجوازه فى البيع، ولو كان من جانب واحد، وهو الصّحيح من مذهب الحنفيّة، كما فصّلناه فى مبحث التّعاطى. وجاء فى الفتاوى البزّازيّة: "قبض الطّعامَ المشترَى، وسلّم بعضَ الثّمن، ثمّ قال بعد أيّام: إنّ الثّمنَ غالٍ، فردّ البائعُ بعضَ الثّمن المقبوض، فمن قال: البيعُ ينعقد بالتّعاطى من أحد الجانبين جعله إقالةً، وهو الصّحيح، ومن شَرط القبض من الجانبين، لا يكون إقالة."(٣) (١) أخرجه أبو داود، حديث ٣٤٦٠ (٢) أخرجه النّسائى، رقم ٤٤٨٨ والترمذيّ، رقم ١٢٤٧ وأبوداود٣٤٥٦ (٣) نقله ابن عابدين رحمه الله تعالى فى ردالمحتار ٥٦:١٥ فقره ٢٣٨٨٣ ١١٣٠ ٤ فقه البيوع ٥٦٢- اختلاف الفقهاء فى حقيقة الإقالة ثمّ اختلف الفقهاء فى حقيقة الإقالة: هل هو فسخٌ للبيع السّابق أو بيعٌ جديد؟ وفيه أقوال آتية: ١- إنّ الإقالةَ فسخٌ للبيع السّابق فى جميع الأحوال، وفى حقّ جميع النّاس. وهو مذهب الشّافعيّ وأحمد وزفر رحمهم الله تعالى.(١) ٢ - الإقالةُ بيعٌ جديد. وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فيُشترطُ فيها ما يُشترط فى البيع، إلاّ إذا كان المبيعُ طعاماً، ولم يكن المشترى قَبَضه، ثمّ تقايلا، فليس بيعاً، بل هو فسخٌ للبيع السّابق إن وقعت بمثل الثّمن الأوّل. فإن كانت بثمن أكثر أو أقلّ، لم تجُز، لأنّه بيعٌ للطّعام قبل القبض. (٢) وكذلك لا تُعتبر الإقالةُ فى حقّ الشّفعة، بل المختارُ عند المالكيّة أنّه يبقى حقُّ الشّفيع الذى حصل له بالبيع الأوّل تجاهَ المشترى الأوّل، فلا يزالُ يُطالبُه بالشّفعة، ولو كان المشترى استقالَ البيع الأوّل. فالإقالةُ فى الشُّفعة مُلغاةٌ عندهم، ولا يُحكَمُ عليها بأنّها فسخُ بيع، ولا بأنّها ابتداءُ بيع، بل هيَ كالمعدوم فى حقّ الشُّفعة، وذلك لأنّ عاقدَى البيع والإقالة يُتّهَمان بأنّهما تقايلا لأجل قطع شُفعة الشّفيع.(٣) ٣- الإقالةُ فسخ، إلاّ إذا تعذّر جعلُه فسخاً، اعتُبر بيعاً. وهو قولُ الإمام محمّد رحمه الله تعالى. (٤) ويتعذّر جعله فسخاً بأن يتقايلَ المتبايعان بأكثرَ من الثّمن الأوّل، أو بجنس (١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٢٥ وبدائع الصنائع ٤: ٥٩٣ (٢) الشرح الكبير للدردير مع حاشيته للدّسوقي ٣: ١٥٤ و ١٥٥ (٣) مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٤٨٥ و٤٨٦ (٤) بدائع الصنائع ٤: ٥٩٤ و ٥٩٥ المبحث الثانى عشر آخر غير جنس الثّمن، فلم يمكن جعلُه فسخاً، لأنّ مِن شأن الفسخ أن يكون بالثّمن الأوّل. أمّا إذا تقايلا بأنقصَ من الثّمن الأوّل، أمكن جعلُه فسخاً، وذِكرُ الثّمن النّاقص سكوتٌ عن الباقى، فتقعُ الإقالة على الثّمن الأوّل. ٤- الإقالة بيعٌ جديد، إلاّ إذا تعذّر جعلُه بيعاً، اعتُبر فسخاً. وهو قول الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى.(١) ويتعذّر جعلُه بيعاً بأن تقع الإقالةُ قبل أن يكون المشترى قَبضَ المبيعَ المنقول، لأنّه إن اعتُبر بيعاً، صار بيعاً للمنقول قبل القبض، وهو لايجوز. فلاسبيل إلى القول بجوازه إلاّ أن نجعلَه فسخاً للبيع السّابق، فيُعتبرُ فسخاً فى هذه الحالة. ٥- الإقالةُ فسخٌ فى حقّ المتعاقدين، وبيعٌ جديد فى حقّ غيرهما. وهو قولُ الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وبما أنّه فسخٌ فى حقّ المتعاقدين، فإنّه يجوز، وإن لم يكن المشترى قَبَضه، ويجب أن يكون بالثّمن الأوّل. ولو سمّيا زيادةً على الثّمن الأوّل، أو أنقصَ منه، أو سمّيا جنساً آخر سوى الجنس الأوّل، قلّ أو كثُر، أو أجّلا الثّمنَ الأوّل، بطلت هذه التّسمية، وتقع الإقالةُ على الثّمن الأوّل. وبما أنّه بيعٌ جديد فى حقّ ثالث، فإنّه يحَقّ الثّالث أن يُطالِبَ بالشّفعة. وهذا الخلافُ إنّما يتأتّى إذا وقعت الإقالةُ بلفظ الإقالة. أمّا إذا وقعت بلفظ الفسخ، أو ما فى معناه من المتاركة أو التّراد، فلا خلافَ فى أنّه فسخٌ للبيع السّابق، فيأخذُ حكمَ الفسخ للجميع. وكذلك إن عقدا بيعاً جديداً بلفظ البيع، فلا خلافَ فى أنّه يقع بيعاً فى حقّ الجميع، ويُشترطُ لصحّته ما يُشترط لصحّة البيع. (٢) (١) بدائع الصنائع ٤: ٥٩٣ (٢) قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "فلو بلفظ مفاسخة أو متاركة أو تراد، لم تُجعل بيعاً اتفاقاً، ولو بلفظ بيع، فبيعٌ إجماعاً."(ردالمحتار ١٥: ٥٤ فقره ٢٣٨٨٢) ١١٣٢ فقه البيوع وقَلّ ما يستخدم التّجّار فى زماننا كلمة الإقالة. والمعروف فيهم التّراد، حيث يقولُ المشترى: "أريدُ أن أرد إليك المبيع. " وكذلك ربّما يعِدُ التجّارُ لزبائنهم أنّهم يرُدّون إليهم الثّمن إن أراد المشترى ردًّ المبيع. فلو وقع ذلك، كان فسخاً فى جميع الأحكام، فلابدّ أن يكون بالثّمن الأوّل، إلاّ أن يكونَ المبيعُ حدث فيه عيبٌ عند المشترى، ورضيَ البائعُ بالفسخ، فيجوز بثمن أقلّ، وصار المحطوطُ بإزاء نقصان العيب، بشرط أن يُنقص الثّمن بقدر العيب. فإن سمّيا أزيد أو أنقص من ذلك، تلغُو الزّيادةُ والنقصان، ويرجع البائع بما بقي.(١) (١) راجع الدّرّ المختار مع ردالمحتار ١٥: ٧٧ و ٧٨ فقر٢٣٩٢٦٥ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ فيره تعريف البيع وأركانه ١- البيع فى الشرع مبادلة مال بمال على الوجه الذى ينتقل به ملك البدلين شرعا. ٢- المال شيئ متقوّم يُنتفع به، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. والماليّة تثبت بتموّل الناس كافّةٌ أو بعضهم، والتّقوّم يثبت بها، وبإباحة الإنتفاع به شرعاً .. ٣- البيع ركنه الإيجاب والقبول، وهما عبارةٌ عن كل لفظين مستعملين لإنشاء البيع فى عرف البلد والقوم. ٤- يجوز أن يقع الإيجاب والقبول مشافهةً، أو كتابة، أو إشارةً ممّن لا يقدر على التّكلّم. ٥- يجب لصحّة البيع أن يكون القبولُ موافقاً للإيجاب فى المبيع، وقدره، وصفته، وفى قدر الثّمن، وجنسه، وفى شرط الخيار. ٦- إذا كان العقد بين حاضرين، وأوجب أحدُهما باللّسان أو بالإشارة أو بالكتابة، فللآخر أن يقبله فى مجلس الإيجاب، وليس له خيارُ القبول ١١٣٦ فقه البيوع بعد انقضاء المجلس. ٧- يجوز للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل تمام القبول من الآخر، وليس له ذلك بعد تمام القبول. ٨- إذا كان العقدُ بِين غائبين بالهاتف أو الآلات اللاسلكيّة، فحكمه حكم التّعاقد بين حاضرين، ويستمرّ المجلس إلى استمرار الاتّصال الهاتفيّ أو اللاسلكيّ. وينقطع المجلس بانقطاع الخطّ. ٩- إذا كان العقد بين غائبين، وأوجب أحدُهما بالمكاتبة، سواءٌ أكان عن طريق البريد، أو عن طريق التّلكس، أو البرقيّة، أو الفاكس، أو بأيّ طريق ليس فيها مشافهة، فالإيجاب يستمرّ إلى إحدى الحالات الآتية: (ألف) أن يرفُض المكتوب إليه قبولَ الإيجاب صراحةً، إمّا شفاهاً، وإمّا كتابةً. (ب) أن تنقضيَ المدّة المحدّدة فى الإيجاب، إذا كان الإيجاب حدّد للقبول مدّةً معيّنة، ويسمىّ إيجاباً موقّتاً. (ج) أن يرجع الموجبُ عن إيجابه قبل تمام القبول. (د) أن يسكُت المكتوب إليه عن الجواب مدّةً تدُلّ بحكم العرف على إعراضه عن الإيجاب. ١٠- إن كان العقد بين حاضرين، قالعقد يتمّ بقبول الطّرف الثانى بشرط أن يتلفّظ به بحيث يسمعه الفريق الأوّل. وينطبق ذلك على المكالمة الهاتفية واللّاسلكيّة. ١١٣٧ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ ١١- إن كان العقد بين غائبين بطريق المكاتبة، فالعقد يلزم فى حقّ الطّرف القابل ديانةً بقبوله شفاهاً أو كتابة. أمّا فى حقّ الموجب، فلا يلزم العقد حتىّ يتسلّم رسالةَ القبول. ١٢- يجوز أن يكون الإيجاب موجّهاً إلى عامّة النّاس دون تعيين شخص معيّن، بشرط أن لا يكون دعوةً محضةً للشّراء، بل يتبيّنُ بحكم العرف أو القرائن أنّ المقصود إنشاءُ العقد بهذا الإيجاب مع كلّ من يقبله، مثل الإيجاب الموجّه إلى عامّة النّاس بطريق الكمبيوتر. ١٣- وينعقد البيع بالتّعاطى، بأن يدفع المشترى الثّمن ويُسلّم البائع المبيع دون أن يجريَ بينهما الإيجاب والقبول لفظاً. وكذلك إن كان من أحدهما لفظ، ومن الآخر عطاء. ١٤- ويجوز البيع بالاستجرار، وهو أن يشتريَ المشترى من البائع أشياءً مختلفة، ويُحاسبه بعد مدّة معلومة، سواءً كان قد دفع إليه مبلغاً مقدّما، أو لم يدفع شيئاً إلاّ عند المحاسبة عند نهاية الفترة. فإن كان الثّمن معلوماً للمشترى عند كلّ أخذ، انعقد البيع عند كلّ أخذ، وإن كان الثّمن غير معلوم، فالبيع ينعقد عند المحاسبة مستنداً إلى وقت الأخذ. ١٥- يجوز البيع عن طريق الأجهزة التّلقائيّة، حيثُ لا يحضُر البائع عند الشّراء، ولكنّ المشتريّ يُدخل الثّمن فى الجهاز، والجهاز يُخرج الشّيئ المطلوب. وينعقد البيع فى هذه الحالة عن طريق التّعاطى. الوعد والمواعدة بالبيع ١٦- الوعد أو المواعدة بالبيع ليس بيعاً، ولا يترتّب عليه آثار البيع من نقل ١١٣٨ فقه البيوع ملكيّة المبيع ولا وجوب الثّمن. وإذا وقع الوعد أو المواعدة على شراء شيئ أو بيعه بصيغةٍ جازمةٍ وجب على الواعد ديانةً أن يفى به، ويعقد البيع حسب وعده، ولكنّه لايُجبر على ذلك قضاءً إلاّ فى حالاتٍ آتية: (ألف) أن يقع الموعودُ له فى كُلفةٍ تختصّ بالعقد الموعودبه اعتماداً على وَعْد الواعد، وكان للموعود له حرجٌ بيّنٌ فى إخلاف الوعد، واتّفق الفريقان عند الوعد أنّ هذا الوعدَ يلزم الواعدَ قضاءً، ولم يكن للواعد عذرٌ مقبولٌ فى الإخلاف. ويُمكن تخريج اتّفاقيّات التّوريد على هذا الأساس. (ب) أن يصدُر قانونٌ من وليّ الأمر بإلزام الوعد قضاءً. ١٧- إن أخلف الواعدُ بالوعد فيما إذا كان الوعد لازماً فى القضاء، فيُحكم عليه بإنجاز البيع حسب الوعد، أو بالتّعويض عن الخسارة الماليّة الفعليّة الّذى أصاب الموعود له بسبب الإخلاف. وذلك بأنّ البائع الموعودله اضطُرّ ببيع المبيع فى السّوق بأقلّ من تكلفته، فمبلغ التّعويض هو الفرق بين التكلفة الّتى اشترى بها البائعُ البضاعةَ والثّمن الفعليّ الذى باع به البائع فى السّوق، فيعوّضه الواعد بدفع هذا الفرق. العربون وهامش الجدّيّة ١٨- بيعُ العربون أن يشترط المشترى الخيار لنفسه إلى مدّة معلومة ويدفع إلى البائع مبلغاً (يُسمّى العربون) بشرط أنّه إن نفّذ البيع فالعربون يكون جزءً من الثّمن، وإن فسخ البيع فالعربون يستحقّ العربون ولا يردّه إلى المشترى. والبيع بهذا الشّرط غير جائز عند جمهور الفقهاء. فلا يجوز ١١٣٩ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ للبائع عند فسخ العقد أن يُمسك بالعربون، بل يجب عليه أن يردّه إلى المشترى، إلاّ إذا حكم به حاكم، أو ظهر التّقنين على جوازه، لأنّ المسئلة مجتهد فيها، وقد جوّزه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ١٩- "هامش الجدّيّة" مبلغٌ يدفعه المشترى إلى البائع عند وعده بشراء شيئ قبل إنجاز البيع، ليُثبت به جدّيّته فى ذلك الوعد. وإنّ هذا المبلغ لا يأخذ حکم العربون، بل هو أمانةٌ بید البائع یجب علیه أن یردّہ إلی مالکه إن لم يتمّ البيع لسبب من الأسباب. المزايدة والمناقصة ٢٠- البيع بالمزايدة جائزٌ إذا كان محلّ المزايدة مشروعا. ومجرّد إعلان المزايدة ليس إيجاباً من قبل البائع، وإنّما هو دعوةٌ للدّخول فى المزايدة. والتقدّم بالعطاء من قِبل المشاركين إيجابٌ من قِبلهم يحتاج إلى قبول البائع. فله أن يرفض جميع العطاآت، كما يجوز له أن يحتفظ بثمن معلن من قبل. ويجوز لكلّ من تقدّم بعطاء أن يرجع عن عطاءه قبل أن يقبله البائع. أمّا إذا قبله البائع ورسا العطاء عليه، فلا يحقّ له الرّجوع عنه. والتّقدّم بالعطاء زيادةً على عطاء الآخر قبل رسوّ عطاء أحدٍ ليس من السّوم على سوم أخيه لعدم ركون البائع إليه. وليس على البائع بالمزايدة أن يقبل العطاء الأعلى، بل يحقّ له أن يقبل العطاء الأدنى، إلّ فى عمليّاتٍ ألزمه القانون بقبول العطاء الأعلى بشرط أن يكون الثّمن حالاً. ٢١- لا يجوز النّجش. وهو أن يتقدّم أحدٌ بعطاء لا يُريد به الشّراء، وإنّما يُقدّم العطاء ليرغب الآخرون فى الزّيادة عليه. وكذلك لايجوز تواطؤ ١١٤٠ ٥ فقه البيوع المشاركين فى المزايدة على أن لا يزيد أحدهم على الآخر إذا كان فيه إضرارٌ بالبائع أو المشاركين الآخرين. ٢٢- المناقصة عكس المزايدة، وإنّها طلب الوصول إلى أرخص عطاءٍ لشراء سلعةٍ أو خدمةٍ تقوم فيها الجهة الطّالبة لها بدعوة الراغبين إلى تقديم عطاآتهم وفق شروط ومواصفات محدّدة. وإنّها جائزةٌ تنطبق عليها الأحكام المذكورة فى المزايدة. ٢٣- يجوز أن يُباع دفتر الشّروط المعدّ من قبل طالب المزايدة أو المناقصة بقيمةٍ عادلة، بشرط أن يكون مشتملاً على دراسات وتفاصيل يحتاج إليها المشاركون لكونهم على بصيرة قبل الدّخول فى المناقصة أو المزايدة. ٢٤- يجوز طلب مبلغ من المشاركين لإثبات جدّيّتهم. وتنطبق عليه أحكام "هامش الجدّيّة" المذكورة فى المادّة ١٩ الأحكام المتعلقة بالمتعاقدين ٢٥- يُشترط لصحّة البيع أن يكونَ العاقدان عاقلين مميِّزين. ٢٦- لا ينعقد بيع المجنون أو الصّبيّ غير المميّز أصلا. بيع الصبيّ الميّز موقوفٌ على إذن وليّه، سواءٌ أكان إذناً سابقاً على العقد ٢٧- أم لاحقاً، خاصّاً كان أم عامّاً، ويقتصر الإذنُ على النّوعِ الَّذى أذن فيه الوليّ، ولا يتعدّى إلى النّوع الّذى لم يأذن فيه الوليّ. ٢٨- لا يُشترط لصحّة البيع إسلامُ المتعاقدين ولا حرَّيَتهما، ولاسلامةُ أعضاءهما. ولكن لايجوز لمسلم أن يبيع من غير مسلم المصاحف القرآنيّة إذا لم يؤمن منه إهانته. ١١٤١ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ ٢٩- يجب لصحّة البيع أن يكون البيع بين إثنين بإيجاب من واحد وقبول من الآخر، ولا يجوز أن يكونَ الواحدُ يتولّى طرفي العقد، فإن وكّله أحدٌ ببيع متاعه، لا يجوز له أن يشتريّه لنفسه؛ وإن وكّله بشراء شيئ، لا يجوز له أن يشتريَ من نفسه. ولو باع من نفسه فى الصّورة الأولى، أواشترى فى الصّورة الثّانية، فإنّ البيعَ موقوفٌ على إجازة الموكّل. فإن أجاز الموگّل، كان قبولاً منه. ٣٠- ويُستثنى من الأصل المذكور فى الفقرة ٢٩ أن يبيعَ الأبُ مالَ ابنه الصّغير من نفسه أو يشتريَ مالَه لنفسه، بشرط ان يكونَ بثمن المثل، أو بما يتغابنُ فيه النّاسُ عادةً. أمّا وصيّ اليتيم، فلا يجوز له بيعُ مال اليتيم من نفسه، أوشراؤه لنفسه، إلاّ إذا كان فيه نفعٌ ظاهرٌ له. ٣١- إن كان المشترى يُريد ارتكابَ معصيةٍ بما يشتريه، فحكمه على وجوهٍ آتية: (ألف) إن قصَد البائعُ إعانةَ المشترى على المعصية، بأن كان فى نيّته إعانتُه على تلك المعصية، أو كان هناك تصريحٌ فى العقد بأنّ البائع يبيعُه ليستعمله البائع فى المعصية، مثلُ بيع العنب أو عصيره لاتّخاذ الخمر، بهذه الصّراحة، أو كان المبيعُ ممّا لايُستعمل إلاّ فى المعصية، مثلُ بيع الصّنم الذى يُعبَد، فإنّ العقد حرامٌ لا ينعقد، والبائع آثم. (ب) أمّا إذالم يقصد البائع الإعانةَ على المعصية، ولكن كان البيعُ سبباً للمعصية، فلايحرُم العقد، ولكن إذا كان سبباً محركاً، فالبيعُ حرام، وإن لم يكن محرّكاً، وكان سببباً قريباً، بحيثُ يُستخدم فى ١١٤٢ فقه البيوع المعصية فى حالتها الرّاهنة، ولا يحتاج إلى صَنعةٍ جديدةٍ من الفاعل، كُره تحريماً، وإلّا فتنزيهاً. ٣٢- يُشترط لجواز البيع أن يكون برضا المتعاقدين. ٣٣- بيعُ المُكرَه فاسدٌ موقوفٌ على إجازته بعد زوال الإكراه. فإن أجازه بعد زوال الإكراه نفذ البيع، وإن لم يُجزِّه بطَّل، وبطلت تصرّفاتُ المكره فى ذلك المبيع. ٣٤- الإكراه فى حقّ البيع: كونُ الشَّيئ المكرَه به مُتلِفاً نفساً، أو عضواً، أو موجباً غمّاً يُعْدِمِ الرّضا. فيدخل فيه التّهديد بإيذاء نفس المكرَه، أو بولده، أو بوالده، أو زوجه، أو بأحد من ذى رحم محرم منه، سواءٌ كان الإيذاءُ بدنيّاً، أو ماليّاً، أو برفع المُكرَه إلى ظالم. ٣٥- "النّفوذ غير المشروع" (Undue Influence) نوعٌ أخف من الإكراه. والمقصود منه استغلالُ الجاه فى الوصول إلى هدف. ومجالُهُ فى العقود أن يستغِلّ الإنسانُ جاهَه ورتبته أو مهابتَه المعنويّة للدّخول فى عقدٍ مع من هو أدنى رتبةً، مثلُ الولد أمام الوالد، أو التلميذ أمام الأستاذ، أو المريد أمام الشّيخ، أو المرؤوس أمام الرّئيس. فإذا ثبت أنّ من هو أدنى رتبةً دخل فى عقدٍ تحت ضغْطِ من هو أعلى منه رتبةً، بحيثُ لم يتمكّن من رَفْض ما اقترحه، فدخل فى العقد بالرّغم من كونه لا يرضى به رضاً حقيقياً. والبيع مع النّفوذ غير المشروع ممنوعٌ ديانةً، إن علم المتعاقد معه أنّ الآخَر لا يطيبُ نفسُه بالبيع، وإنّما يدخل فى البيع بسبب النّفوذ. ولكن لو عقَدَ البيع بدون إكراه أو اضطرار أو تغرير، نفذ البيع. ٣٦- بيعُ المضطرّ يختلف حكمُه باختلاف نوع الاضطرار حسبما يأتى: ١١٤٣ صيغة مقترحة لقانون البيع الإسلاميّ (ألف) أن يكون الاضطرار بسبب إكراهٍ من غيره، فهو داخل فى بيع المُكره حسبما ذُكرفى الفقرة ٣٣ (ب) أن يضطرّ الرّجل إلى شراء شيئ أو بيعه فى حالة مخمصةٍ يخافُ فيها على نفسه أو عياله إن لم يعقد البيع، مثل أن يكون جائعاً، ولاسبيل له إلى الطّعام إلاّ بأن يشتريَه بثمنٍ أكثر، أو بأن يبيعَ بعضَ ماله بثمن أقلٌ بكثير من ثمن مثله، وإنّما يفعله لدفْعِ جُوعه أو جوعٍ عياله. وفى هذه الحالة إن باع أو اشترى بثمن المثل، فالبيع صحيح، وإن كان بغبن فاحش، فالبيع فاسد. ولكن فى صورة الشّراء فى هذه الحالة، يحلّ له تناولُ ما اشتراه لدفع حاجته، ولكن لا يجب عليه إلاّ ثمنُ المثل. (ج) أن يحتاج المرأ إلى البيع بسبب إفلاسه أو مطالبة دائنيه. وليس داخلاً فى الاضطرار بالمعنى المصطلح، فالبیع الذى عقده صحیح، ولو كان بغبن، ولكن يُكره لمن يتعامل معه أن يغبُنه فى مثل هذه الحالة. ٣٧- التّغريرُ بيانٌ من أحد العاقدين يبنى عليه الطّرفُ الآخر رضاه بالدّخول فى العقد، ثمّ يتبيّن كونُه خلاف الواقع. وله صور آتية: (الف) التّغريرُ فى بيان جنس المبيع، وذلك مثل أن يقول بائعُ الحِلية أنّها حِليةُ ذهب، فيتبيّن أنّها من فضّةٍ مطليّةٍ بالذهب. فالبيعُ فى مثل هذا باطل. (ب) أن يكون التّغريرُ فى بيان وصف المبيع، مثل أن يقول بائعُ السّيّارة أنّها جديدة، أو مصنوعةٌ من بلد مخصوص، فتبيّن خلافُ