Indexed OCR Text
Pages 481-500
فقه البيوع وعلّل الآخرون المنعَ بأنّه فى معنى الرّبا. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ولو قال اقترِضْ لى من فلانٍ مائة، ولك عشرةٌ، فلا بأس، ولو قال: أكفُل عَنّى ولك ألف، لم يجُز. وذلك لأنّ قوله: اقترضْ لى ولك عشرةٌ، جعالةٌ على فعلٍ مباح، فجازت، كما لو قال: إبن لى هذا الحائط ولك عشرة. وأمّا الكفالة، فإنّ الکفیل یلزمه الدین، فإذا أدّاه وجب له علی المکفول عنه، فصار كالقرض. فإذا أخذ عوضاً، صار القرضُ جاراً للمنفعة، فلم يجز." (١) وقدشر حتُ هذا التّعليل فى بحثى على البيع بالتقسيط بما يأتى: "ويتّضح هذا بمثال: هب أن زيداً استدان من عمرو مئةَ دولار، وطالبه عمرو بكفيل. فجاء خالدٌ يقول لزيدٍ: إنّي أؤدِّى عنك دينك الآن، على أن تُعطِيَنى بعد ذلك مئةً وعشرةً، والعشرةُ أجرةٌ على ما قدّمتُه من خدمة الأداء. وجاء بكرٌ يقول لزيدٍ: أنا أكفُل عنك دينَك على أن تُعطِيَنى عشرةَ دولاراتٍ أجرةً على الكفالة، وتكون المئةُ قرضاً عليك إذا اضطررتُ على الأداء فعلاً. ويلزم القائلين بجواز أجرة الكفالة أن تكون الأجرةُ الّتى يتقاضاها بكرٌ جائزةً، والأجرةُ الّتى يتقاضاها خالدٌ حراماً، مع أنّ خالداً قد بذل مالَه فعلاً، وإنّ بكراً لم يفعل شيئاً إلّا الالتزامَ بالبذل عند الأداء، فلو كانت الأجرةُ المطلوبةُ من قِبَل الباذل حراماً، فالأجرةُ المطلوبةُ من قبل الملتزِمِ أُولَى بالتّحريم. وبعبارةٍ أُخرى، فإنّ الكفيلَ نفسَه، لو اضطُرّ إلى أداء الدّين من قِبَل الأصيل، فإنّه لا يجوزُ له أن يطالبَ الأصيلَ إلّا ما دفع فعلاً، ولا يجوز له الزّيادةُ على ذلك لكونها رباً (١) المغنى لابن قدامة ٤: ٣٦٥ باب القرض، قبيل كتاب الرّهن ١١٠٥ المبحث الحادى عشر محرّماً. فكيف يجوز له أن يطالبَ الأصيلَ بشيءٍ فيما إذا لم يدفع شيئاً، وإنّما التزم بالدفع فقط؟" (١) ولكنّ واقع ما يُعمل به فى البنوك أنّ عمولةَ الضّمان تكون منفردةً مستقلّةً عمّا تتقاضاه البنوكُ الرّبويّة من الفائدة إذا سدّدت البنوك دَينَ المكفول عنه، بمعنى أنّها لو أدّت الدّين بموجب الكفالة، فإنّ العمولةَ الّتى أخذتها عند الكفالة لا تدخُل فى الفوائد الّتى تتقاضاها من المكفول عنه، بل تُوجب الفائدةَ حينئذٍ كما تتقاضاها على أيّ قرض، ولاتُعتبر العمولةُ جزءً من الفائدة على القرض، بل هيَ عمولةٌ مستقلّةٌ على تقديم الضمان. وبعبارةٍ أخرى، إنّ العُرف فى عمولة الضّمان أنّها لاتُعتبر عوضاً عمّا سيد فع الضّامنُ عن المكفول عنه، فإنّ الضّامن يتقاضاها فى كلّ حال، ولو سدّد المديون المكفول عنه دينَه بنفسه، ولم يحتج الدائنُ إلى دفع شيئ عنه، بمعنى أنّه لم يُقرضه شيئاً. وإن احتاج إلى الدّفع عنه والرّجوعِ إليه بما أدّى، فالضّامنُ المرابى يتقاضى عليه فائدةً مستقلّة، دون النّظر إلى العمولة الّتى تقاضاها لقاءَ الكفالة. ومن هنا يظهر أنّ العمولةَ ليست بدلاً عن الإقراض، حتّى تكون داخلةً فى الرّبًا. ولعلّ السّرخسيّ رحمه الله تعالى لم يُعلّل منعَها بكونها رباً، بل جعلها رشوةً. وذلك لأنّ الكفالةَ عقدُ تبرّع فى الشّريعة، وليست عقد معاوضة. ولعلّ هذا النّظر أدّى بعض المعاصرين إلى الإفتاء بجواز الأجرة على الضّمان فى زماننا على أساس الحاجة العامّة. فقال أخونا الفاضل العلامة الدكتور وهبه الزّحيليّ (١) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة، أحكام البيع بالتقسيط: ٢٢:١ و٢٣ ٤١١٠٦ فقه البيوع حفظه الله تعالى فى كتابه القيّم: "الفقه الإسلاميّ وأدلته": " الكفالةُ عقدُ تبرّع، وطاعةٌ يُثاب عليها الكفيلُ، لأنّها تعاونٌ على الخير، وللكفيل الرّجوعُ على المكفول عنه بما تحمّله من مسؤوليّة الضّمان، إذا دفعه لصالح الجهة المكفول لها. والأولى أن تتمّ تبرّعاً بدون مُقابل، فذلك أبعدُ عن الشُّبهة. ولو قام المكفولُ له بتقديم شيءٍ من المال للكفيل هبةً أو هديّةً، جاز، جزاءَ المعروفِ الّذى أسداه له الكفيلُ. لكن إن شَرَط الكفيلُ تقديمَ مقابلٍ أو أجرٍ على كفالته، وتعذّر على المكفول عنه تحقيقُ مصلحته من طريق المحسنين المتبرّعين، جاز دفعُ الأجر للضّرورة أو الحاجة العامّة، لما يترتّب على عدم الدّفع من تعطيل المصالح، كالسّفر للخارج للدراسة أو للارتزاق، أو لتأجيل الجنديّة ونحوها، وأساسُ القول بالجواز فيه: أنّ الفقهاء أجازوا دفعَ الأجر للحاجة لأداء القُرُبات والطّاعة من تعليم قرآن وممارسة الشّعائر الدّينية، كما أنّهم أجازوا دفعَ شيءٍ من المال على سبيل الرّشوة للوَصْل إلى الحقّ، أو دفع الظّلم، أو الدَّفع لعدوٍّ لدَرْءْ خَطَرِه وضَررَه عن البلاد. والمكفولُ عنه يحقّق بالكفالة منفعةً له تتعيّن الكفالةُ المأجورةُ سبيلاً إليها، لكن يجب عدمُ الاستغلال أو المغالاةِ في اشتراط المقابل، مراعاةً لأصل مشروعيّة الكفالة وهو التّبرُّع."(١) وقد طُرحت المسألةُ فى عدّة مجامعَ وندوات، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلاميّ، ففرّق بين حالتين: (١) الفقه الإسلامي وأدلته ٥: ١٦١ آخر فصل "الكفالة" ١١٠٧ المبحث الحادى عشر الأولى: أن يُقدِّم المكفولُ عنه مبلغَ الكفالة إلى الكفيل (وهو البنك فى مسئلتنا) عند إصدار خطاب الضّمان، وهو الذى يُسمّى "غطاء". وفى هذه الحالة، جعل القرارُ البنكَ وكيلاً لإبلاغ المبلغ إلى المكفول له، وأجاز أخذَ الأجرة على ذلك على أنّه أجرةُ الوكالة. والحالةُ الثانية: أن لا يُقدّم المكفول عنه مبلغَ الكفالة إلى البنك، ففى هذه الحالة هو ضمانٌ محضٌ لا يجوزُ أخذ الأجرة عليه، إلاّ التكاليف الفعليّة لإصدار خطاب الضّمان. ونصُّ القرار ما يأتى: "١ - أنّ خطاب الضّمان بأنواعه الابتدائيّ والانتهائيّ، لا يخلو إمّا أن يكون بغطاءٍ أو بدونه، فان كان بدون غطاءٍ، فهو: ضمُّ ذمّة الضّامن إلى ذمّة غيره فيما يلزمُ حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقةُ ما يُعنَى فى الفقه الإسلاميّ باسم: (الضّمان) أو (الكفالة). وإن كان خطابُ الضّمان بغطاءٍ، فالعَلاقةُ بين طالبٍ خطاب الضّمان وبين مُصدِرِه هي (الوكالةُ) والوكالةُ تَصِحُّ بأجرِ أو بدونه مع بقاء عَلاقةِ الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له). ٢- أنّ الكفالةَ هيَ عقدُ تبرُّع يُقصَد للإرفاق والإحسان، وقد قرّر الفقهاءُ عدمَ جوازِ أخْذِ العوض على الكفالة، لأنّه فى حالة أداء الكفيل مبلغَ الضّمان يُشبهُ القرضَ الّذي جرّ نفعاً على المقرِض، وذلك ممنوعٌ شرعاً. ولذلك فإنّ المجمع قرّر ما يلى: أولاً: أنّ خطابَ الضّمان لا يجوز أخذُ الأجر عليه لقاءَ عمليّةِ الضّمان (والّتى ١١٠٨ فقه البيوع يُراعَى فيها عادةً مبلغُ الضّمان ومدّتُه)، سواءٌ أكان بغطاءٍ أم بدونه. ثانياً: أمّا المصاريفُ الإداريّةُ لإصدار خطاب الضّمان بنوعيه فجائزةٌ شرعاً، مع مراعاة عدم الزّيادة على أجر المثل، وفى حالة تقديم غطاءٍ كّيٍّ أو جُزئِيٌّ يجوز أن يُراعَى فى تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلّبُه المهمّةُ الفعليّةُ لأداء ذلك الغِطاء. والله أعلم."(١) وحاصلُ هذا القرار أنّ خطابَ الضّمان بدون غطاء لا يجوز أخذ العمولة عليه، ويجوز تقاضى المصاريف الفعليّة. ٥٤٩- حكم الضّمان المغطّى أمّا إذا قدّم العميلُ (المكفول عنه) غطاءً، ( يعنى قدّم إلى البنك مبلغَ الدَّين الّذی كفل به البنك)، ويُسمّى الضّمان حينئذٍ "الضّمان المغطى"، فإنّ العقد بينه وبين البنك، على ما أخذت به عدةُ ندواتٍ عُقدت فى هذا الموضوع، عقدُ وكالةٍ يجوز للبنك أخذ الأجرة عليها. ولكنّ إطلاقَ القول بأنّ الضّمان المغطّى عقد وكالة، يحتاج إلى دقّةٍ أكثر من النّاحية الفقهية، فإنّ فیه تفصيلاً نذكره فیما یأتی. قد ذكر الفقهاءُ حكمَ ما إذا دفع المكفولُ عنه مبلغَ الكفالة إلى الكفيل قبل أن يدفع الكفيلُ إلى الدائنِ الدّينَ المكفولَ به. وفرقوا بين حالتين: ٥٥٠- حكم أخذ الغطاء على وجه الاقتضاء الحالةُ الأولى: أن يكون أخذُ الكفيل من المكفول عنه على وجه الاقتضاء، (بمعنى أنّ (١) قرار رقم ٥ بشأن خطاب الضمان، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثانى، الجزء الثّانی ص ١٢٠٩ و ١٢١٠ المبحث الحادى عشر الكفيلَ قبضَ ما يحقّ له المطالبةُ به من المكفول عنه عند قضاء الكفيلِ الدّينَ إلى الدّائن)، والثّانية: ما إذا أخذه على وجه الرّسالة، (بمعنى أنّ المكفولَ عنه جعل الكفيلَ رسولاً ليُبلّغ دينه إلى الدائن) فأمّا إذا قَبضه الكفيلُ على وجه الاقتضاء، فإنّه يملكُ هذا المبلغَ عند الحنفيّة، وفى الظّاهر من مذهب المالكيّة، وهو مضمونٌ عليه، بحيثُ إن هلك فى يده، ضَمِنه، بمعنى أنّه يجب عليه أن يدفعَه إلى الدّائن، وإلى المكفول عنه إن أبرأه الدائن. وإن كان ما دفعه المكفولُ عنه نقداً، واستثمرَه الكفيلُ لصالحه قبل أن يؤدّيَ الدّينَ إلى الدّائن، كما صرّح به الحنفيّة، وهو قياسُ قول المالكيّة أيضاً. وهو وجة عند الشّافعيّة. أمّا مذهب الحنفيّة، فنذكره عن صاحبٍ الهداية بشيئ من تفسيره بين القوسين من عندنا، وهو مأخوذٌ من شروحه: "ومن كفل عن رجل بألفٍ عليه بأمره، فقضاه (يعنى قضى المديونُ الكفيل) قبل أن يُعطيَه (يعنى قبل أن يُعطيَ الكفيلُ المالَ) صاحبَ المال (يعنى الدائنَ المكفولَ له)، فليس له أن يرجع فيها (يعنى: ليس للمديون أن يسترد ما دفعه إلى الكفيل) لأنّه تعلّق به حقُّ القابض (يعنى الكفيل) على احتمال قضاءه الدّين (يعنى أنّ الكفيلَ إذا أدّى الدّينَ إلى الدّائن بحكم الكفالة، فإنّه يحقّ له أن يُمسِك هذا المبلغ الذى قبضه من المكفول عنه، فتعلّق به حقّه لهذا الاحتمال) فلاتجوز المطالبةُ (يعنى لايجوز للمديون أن يُطالب فقه البيوع باسترداد هذا المبلغ من الكفيل) ما بقيَ هذا الاحتمال،(١) كمن عجّل زكاتَه ودفعها إلى السّاعى (فلا يجوز له الاستردادُ قبلَ تمام الحول، لأنّه تعلّق به حقُّ السّاعى لاحتمال أن يتمّ الحول) ولأنّه مَلكه بالقبض على ما نذكر (وهو أنّه حصل للكفيل حقُّ مطالبةِ المديونِ بمجرّد الكفالة، (٢) وإن كانت المطالبةُ أُجّلت إلى أن يدفع الكفيلُ الدَّينَ إلى الدائن، فصار كدينه المؤجّل على المديون. ولو أدّى المديونُ الدّينَ المؤجّل قبل حلوله، مَلكه الدائن، فكذا إذا عجّل المديونُ إلى الكفيل.) وأمّا مذهب المالكيّة، فقد جاء فى المدوّنة الكبرى: "قلتُ: أرأيتَ لو أنّ رجلاً تكفّل بمالٍ عليّ، فدفعتُه إلى الكفيل، فضاع من الكفيل، أيكونُ الكفيلُ فيه مؤْتَمَناً، أم يكونُ ذلك اقتضاءً؟ قال: لم أسمع من مالكٍ فيه شيئاً. قال: وأرى إذا كان ذلك من الكفيل على وجه الاقتضاء منه له، فأراه من الكفيل. قلتُ: عروضاً كانت الكفالةُ أو ذهباً، أو ورِقاً، أو غيرَ ذلك، فكلُّ ذلك سواء؟ قال: نعم."(٣) وأمّا مذهبُ الشّافعيّة، فقد ذكره النّويّ رحمه الله تعالى بقوله: (١) وذكرابن الهمام رحمه الله تعالى فى الفتح ٦: ٣٢٠ أنّه يجوز للمديون مطالبة الاسترداد (قبل أن يكون الكفيل دفع إلى الدائن) عند مالك وأحمد وفى وجه للشّافعيّ رحمهم الله تعالى جميعا. (٢) وبه قال الحنابلة فى وجه يظهر رجحانه عند ابن قدامة رحمه الله تعالى (راجع المغنى ٥: ٩٠ و ٩١) (٣) المدوّنة الكبرى، كتاب الكفالة والحمالة، ١٢١:٤ و١٢٢ المبحث الحادى عشر "ولو دفعه الأصيلُ ابتداءً بلا مطالبة، فإن قلنا يملكه، فله التّصرّفُ فيه، کالفقیر إذا أخذ الزكاة المعجلة، لکن لا یستقرّ ملگه علیه، بل علیہ ردُّه، ولو هلك عنده، ضمنه کالمقبوض بشراء فاسد."(١) وعلى هذا، لو دفع العميلُ الغطاءَ إلى البنك على وجه الاقتضاء، وهو الظّاهرُ من التّعاملات المصرفيّة، فلا ينقلبُ العقد بسبب الغطاء إلى الوكالة، بل هو قضاءً لما سيجب على العميل بعد ما يدفعُ البنكُ الدَّينَ إلى الدَّائن، فلا يصحَ تكييفُه على أساس الوكالة، بل هو ضمانٌ محض، ويطيبُ للبنك ما يربحُ باستثمار هذا المبلغ. ولكنّ العمولةَ الّتى يتقاضاها البنكُ فى هذه الحالة ليس فيها شُبهةُ الرّبوا، لأنّ البنكَ الكفيلَ لايُقدِّم قرضاً إلى المكفول عنه فى هذه الصّورة، فلا يُمكن أن يُقال: إنّه زيادةٌ على القرض. فيُمكن تخريجُه على أساس أجرة الأعمال الإداريّة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ٥٥١- أخذ الغطاء على وجه الرسالة والحالةُ الثّانية: أن يقبضَ الكفيلُ مبلغَ الغطاء على وجه الرّسالة، وفى هذه الحالة يجوز أن يُسمّى العقدُ وكالةً، بأنّ العميلَ وكّل البنكَ لدفع هذا المبلغ إلى دائنه، وقد أجازه الفقهاءُ بشرط أن يكون ما دفعه المكفولُ عنه أمانةً بيد الكفيل. قال النوويّ رحمه الله تعالى: "ولو دفعه إليه وقال: اقض ما ضمِنْتَ عنّى، فهو وكيلُ الأصيل، والمالُ أمانةٌ فى يده. " (٢) (١) روضة الطّالبين، كتاب الضمان ٤: ٢٦٥ (٢) روضة الطالبين، كتاب الضمان ٤: ٢٦٥ ٠١١١٢ فقه البيوع وقال صاحبُ الهداية بعد ذكر حكم القبض على وجه الاقتضاء: "بخلاف ما إذا كان الدّفعُ على وجه الرّسالة، لأنّه تمحّض أمانةً فى يده."(١) وقال البابرتيّ رحمه الله تعالى تحت الفقرة الأخيرة: "وإذا قَبضه على وجه الرّسالة، فالرّبحُ لايطيبُ له فى قول أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، لأنّه ربحٌ من أصل خبيث. وفى قول أبى يوسف يَطيب، لأنّ الخراجَ بالضّمان. أصله المودع إذا تصرّف فى الوديعة وربح، فإنّه على الاختلاف." فإن قلنا: إنّ البنك قبضَ المبلغَ على وجه الرّسالة، بأنّ المديونَ وكّله بإبلاغ هذا المبلغ إلى الدّائن، فالمبلغُ المقبوض أمانةٌ لديه. ولكنّ البنكَ يخلِطه بأمواله الأخرى، ويتصرّف فيه بالاستثمار، وقد ذكرنا عن البابرتيّ رحمه الله تعالى أنّ الرّبحَ لا يطيبُ له فى هذه الحالة عند الإمام أبى حنيفة ومحمّد إن كان الخلطُ بغير إذن من المالك، (٢) ويطيب عند الإمام أبى يوسف.(٣) ولكنّ ما قالَه البابرتيّ رحمه الله متعلّقٌ بما إذا تصرّف فيه الكفيلُ بغير إذنٍ من المديون، لأنّ تصرّفَه فيه حينئذ غصب. أمّا إذا خلَطه بأمواله بإذنه، فإنّه ينقلبُ إلى شركة ملكٍ مع الكفيل، (٤) فينبغى أن يتقاسما ربحَه بالنّسبة والتّناسب، ولا يكونُ مبلغُ (١) الهداية مع فتح القدير والعناية ٦: ٣١٩ إلى ٣٢١ ومثله فى بدائع الصنائع، كتاب الكفالة ٥:٥ و ٦ (٢) وهو قياس قول الحنابلة والقول القديم للشّافعيّ. (٣) وهو قياسُ قول المالكيّة والقول الجديد للشّافعيّ رحمهم الله تعالى جميعا، وذلك حسبما فصّلنا فى القسم الرابع من المال المكتسب بالحرام. (٤) ردالمحتار، كتاب الإيداع ٦٦٩:٥ ١١١٣ المبحث الحادى عشر الغطاء مضموناً على الكفيل. فالغطاءُ المدفوعُ إلى البنكِ الكفيلِ إن كانَ على وجه الرّسالة، ومع إذنٍ من العميل بالخلط، فإنّه يُمكن تخريجُه على أساس أنّه أمانةٌ ابتداءً، وشركةٌ انتهاءً، وذلك بسبب خلطِ البنك إيّاه مع سائر أمواله بإذن المكفول له. أمّا إذا اعتبرنا أنّ العميلَ لم يأذن له بالخلط، فإنّه أمانةٌ ابتداءً، ومضمونٌ انتهاءً. ورُبّما يُظَنّ أنّ من المعلوم عند الجميع أنّ البنكَ يخلطُ الغطاء المدفوعَ إليه بأمواله ويتصرّف فيه، فإنّ تقديمَ الغطاء مع هذا العلم ينبغى أن يُعتبر إذناً من العميل بالخلط. ولكنّ الظَّاهرَ هُنا أنّ مجرّدَ العلم بذلك لا يُفيد الإذن، لأنّ مَن يُقدِّم غطاءً إلى البنك، فإنّه لا يرضى بأن يصيرَ البنكُ شريكاً له، وبأن لايكون ضامناً لهذا المبلغ. ولو علم ذلك، لم يأذن له. فالواقعُ أنّ الخلطَ من البنك وتصرّفَه فيه ليس بإذنٍ من العميل المكفول عنه، فيصيرُ كأنّه أقرض البنكَ هذا المبلغ. والعمولةُ فى هذه الحالة مشابهةٌ لما ذكرناه فى مسئلة عمولة الحوالة البريديّة، من أنّه مقابلٌ للأعمال الإداريّة الّتى يقوم بها البنك. وظهر من هذه الدّراسة أنّ العمولةَ الّتى يتقاضاها البنكُ لإصدار خطاب الضّمان تخريجُه فى كلتا الحالتين أنّها مُقابلةٌ للأعمال الإداريّة الّتى يقوم بها البنك، فينبغى أن تكونَ أجرةَ مثل لمثل هذه الأعمال، وسيأتى الكلامُ فيه عند الكلام على الضّمان غير المغطّى إن شاء الله تعالى. ثمّ إنّ البنوكَ الرّبويّة، فإنّها تستفيدُ بالغطاء المقدَّم من طالب خطاب الضّمان بطريق غير مشروع، وهو الإقراضُ بالفائدة، ولكنّ ذلك على ذمّتها. وأمّا البنوكُ الإسلاميّة، فينبغى ١١١٤ ٥ فقه البيوع لها أن تُعطيَ الخيارَ للعميل: إمّا أن يجعلَها قرضاً، فيستفيدَ بها البنكُ باستثمارٍ شرعيّ، ويكونَ مضموناً عليه، ويطيبَ له ربحُه. وإمّا أن يُدخِلها فى حساب المضاربة، فيكونُ الرّبحُ للعميل المكفول عنه بالنّسبة والتّناسب، والخُسرانُ عليه بقدر ما دفع. ٥٥٢- خطاب الضمان غير المغطّى أمّا إذا كان خطابُ الضّمان غيرَ مغطّىَّ، فإنّه كفالةٌ فقط، وقرّر المجمعُ على مذهب الجمهور أنّه لا يجوز أخذُ العمولة عليه، ولكنّ الّذى لا يجوز أخذُ العمولة عليه هو الضّمانُ نفسُه، وهو الذى يجب أن يكون تبرّعاً. أمّا إصدارُ خطاب الضّمان، فليس من واجبات الكفيل، ولا أن يقومَ بكتابته وإصداره تبرّعاً، فيجوز أن يتقاضى على ذلك أجرة. والأصلُ أن لايتجاوزَ أجرَ مثل الكتابة، فلا ينبغى أن تكون العمولةُ مرتبطةً بمبلغ الضّمان. ولقائل أن يقول: إنّه ينطبق عليه ما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى أجرة كتابة الصّك حيث قال: "للقاضى أن يأخذَ ما يجوزُ لغيره، وما قيل: فى كلّ ألفٍ خمسةُ دراهم لانقول به، ولا يليق ذلك بالفقه. وأيُّ مشقّة للكاتب فى كثرة الثّمن، وإنّما أجرُ مثله بقدر مشقّته، أو بقدر عَمَله فى صنعته أيضاً، كحكّاكٍ وثقّاب يُستأجر بأجر كثير فى مشقّة قليلة. انتهى. قال بعض الفضلاء: أفهم ذلك جوازَ أخذِ الأجرة الزّائدة، وإن كان العملُ مشقّتُه قليلة، ونظرُهم لمنفعة المكتوب له. انتهى. قلت: ولا يخرُج ذلك عن أجرة مثله، فإنّ من تفرّغ لهذا العمل، كثقّاب الّآلئ مثلاً لا يأخذ الأجرَ على قدر مشقّته، فإنّه لايقومُ بمؤنته، ولو ألزمناه ذلك، لزم ضياع هذه الصّنعة. فكان ذلك أجرَ مثله." (١) كما قدّمناه فى مسئلة الحوالة البريديّة. (١) الدر المختار مع رد المحتار، كتاب الإجارة، مطلب فى أجرة صكّ القاضى والمفتى ٩٢:٦ ١١١٥ المبحث الحادى عشر ولكنّ الّذى يظهر أنّ هذه الفكرةَ إنّما يؤخذ بها إذا لم يؤدّ إلى الرّبوا، وإلاّ فللمُقرض أن يقول: ليس عليّ إلاّ الإقراض. أمّا كتابةُ وثيقة القرض، والأعمالِ الإداريّة لإجراء القرض، فليس ممّا أتبرّع به، فآخُذ أجرةَ الكتابةِ والأعمال الإداريّة مرتبطةً بمبلغ القرض. وفساد هذا القول ظاهر، فلا يجوز ربطُ أجرةٍ كتابةٍ وثيقة القرض قياساً على أجرة الحكّاك والثّقّاب، لأنّه يستلزم ربواً. فالنّظرُ فى مسئلة إصدار خطاب الضّمان يدورُ على علّةِ منع الأجرة على الضّمان، فإن كانت العلّةُ أنّه يستلزم الرّبوا، فلا يجوزُ ربَطُ عمولة إصدار الخطاب بمبلغ الضمان. وإن كانت العلّةُ الرّشوة، وأنّه عقدُ تبرّع، كما ذكره السّرخسيّ رحمه الله تعالى، فيُمكن أن يُقاس على أجرةِ الصّكّ الّذى يكتبه القاضى. وذكرنا فيما سبق أنّ الظّاهَرَ من عُرف اليوم أنّ العلّة الثانيةَ راجحة، وذلك لأنه ليس هناك قرض للكفيل على المكفول عنه حينما يدفعُ عمولةَ إصدار خطاب الضّمان، وقد أسلفنا أنّ العُرف فى عمولة الضّمان أنّها لاتُعتبر عوضاً عمّا سيد فع الضّامنُ عن المكفول عنه، فإنّ الضّامنَ يتقاضاها فى كلّ حال، ولو سدّد المديونُ المكفولُ عنه دينَه بنفسه، ولم يحتج الدّائن إلى دفع شيئ عنه، بمعنى أنّه لم يُقرضه شيئاً. وإن احتاج إلى الدّفع عنه والرّجوع إليه، فالضّامن المرابى يتقاضى عليه فائدةً مستقلّة، دون النّظر إلى العمولة التى تقاضاها لقاءَ الكفالة. ومن هنا يظهر أنّ العمولةَ ليست بدلاً عن الإقراض، حتّى تكون داخلةً فى الرّبا. ولعلّ السّرخسيّ رحمه الله تعالى لم يُعلّل منعَها بكونها رباً، بل جعلها رشوةً من أجل هذا المعنى، وذلك لأنّ الكفالة عقدُ تبرّع فى الشّريعة، وليست عقد معاوضة. ١١١٦ فقه البيوع وعلى هذا التّعليل ينطبقُ مسئلة الضّمان على أجرة القاضى والمفتى، لأنّ القضاءَ والإفتاءَ أصلُهما أن يكونا حسبة، ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، ولكن يجوز أخذُ الأجرة على كتابة صكّ القضاء والفتوى بقدر أجر المثل. وقد أجيز ربطُ أجرة صكِّ القضاء بالمبلغ قياساً على أجرة الثقّاب فى العبارة المذكورة لابن عابدين رحمه الله تعالى. هذا ما ظهر لى وإنّما عرضتُه هنا لينظر فيه العلماء المعاصرون، فإنّ المسئلة خطيرةٌ من جانب، لأنّ منعَ أجرة الضّمان محلُّ الإجماع أو شبهه، وفى جانب آخر، هناك حاجةٌ حقيقيّةٌ للتّجارة المعاصرة لاتكاد تُسدّ بالكفالة المجّانيّة، فتحتاج المسئلةُ إلى نظر دقيق ورعايةٍ للجانبين، والله سبحانه وتعالى أعلم وهو الموفق للصواب. ٥٥٣- الخدمات الأخرى فى فتح الاعتماد هذا كلُّه بالنّسبة لخطاب الضّمان. وإنّ فتحَ الاعتماد، وإن كان العنصرُ الغالب فيه نوعاً من الضّمان، ولكنّه يشتمل على بعض الخدمات الأخرى أيضاً، منها إعدادُ خطاب الضّمان، وبيانُ الشّروط الّتى يطلُبها فاتحُ الاعتماد، وإرسالُ الخطاب إلى المستفيد أو إلى بنكه، والمراسلةُ مع البنك المراسل، وتسلّمُ مستندات الشّحن، وفحصُها حسب المواصفات والشّروط الّتى فُتح بها الاعتماد، وإشعارُ فاتح الاعتماد بوصول المستندات، والحصولُ على قبول منه، وإرسالُ الثّمن إلى المستفيد أو بنكه، وإشعارُ البائع أو بنكه إن لم تكن المستنداتُ موافقةً للشّروط والمواصفات، والحفاظُ عليها إلى أن تأتيَ تعليماتٌ من المشترى أو البائع. فالكفالة فى عقد الاعتماد مصحوبةٌ بعدّة خدماتٍ يؤدّيها البنك لصالح فاتح الاعتماد. وإنّ فی تقدیم بعض هذه الخدمات يعملُ البنك بصفته و کیلاً للمشترى، ١١١٧ المبحث الحادى عشر مثل تسلّم المستندات وفحصها، وبعضُها خدماتٌ عامّةٌ، مثلُ المراسلة مع المستفيد أو بنكه. وإنّها خدماتٌ يجوزُ أخذ الأجرة عليها. فأجرة فتح الاعتماد تُمثّل أجرةَ جميع هذه الخدمات، وإنّها جائزةٌ شرعاً. ٥٥٤- تكييف الغطاء فى خطاب الاعتماد وهذا إذا كان فتحُ الاعتماد بدون غطاء، أو بغطاء جزئى. أمّا إذا فُتح الاعتماد بغطاء كلّيّ (With Full Margin) بمعنى أنّ فاتحَ الاعتماد دفع إلى البنك مبلغَ الاعتماد بكامله، فهناك يأتى السّؤال الخامس من الأسئلة التى ذكرناها فى موضوع التّجارة عن طريق البنك. وهو: ماهو تكييفُ الغطاء المقدّم من فاتح الاعتماد إلى البنك المصدر؟ والجوابُ عن هذا السؤال أنّه ينطبق عليه وعلى المبلغ الّذى دُفِع من قبل العميل ما ذكرناه فى غطاء خطاب الضّمان، بمعنى أنّه إمّا اقتضاءٌ من قِبَل البنك المبلغَ المكفول به قبل أداءه إلى الدائن، وإمّا مبلغٌ دُفع إلى البنك ليُرسله إلى البائع. وقد تكلّمنا على كلتا الحالتين بتفصيل فيما سبق. وكذلك العمولة الّتى يتقاضاها البنك ينطبق عليه ماذكرنا هناك. ٥٥٥- البنك المراسل وعمولته والسّؤال السّادس: ماهو تكييف دور البنك المراسل؟ والبنكُ المراسل إنّما يُحتاج إليه لأنّ المستفيدَ من الاعتماد يكون غالباً فى دولةٍ غير دولة البنك المصدر للاعتماد. وإنّ البنكَ المُصدر، وإن كان يمكن له أن يتواصل مع المستفيد مباشرةً، ١١١٨ فقه البيوع فإنّه يسهل له أن يتواصل معه عن طريق بنك معروف فى دولة المستفيد. وإنّ هذا البنك يُسمّى "البنك المراسل". وإنّ البنك المُصدر يُشعِرِه بأنّه قد فتح عنده الاعتماد على طلبٍ من المشترى لصالح البائع المستفيد بشروط مذكورة فى الإشعار. ثمّ هذا البنكُ يُشعر البائع المستفيد بأنّ البنك الفلانيّ فى البلد الفلانيّ قد فتح الاعتماد لصالحه، ويُخبره بشروطه. ثمّ لمّا يشحنُ البائعُ البضائع، فإنّ البنك المراسِل هو الّذى يتسلّم منه مستنداتِ الشّحن، ويُرسلها إلى البنك المُصدر. وإنّ دَور "البنك المراسل" فى هذه العمليّة حسبَ القانون هو دور وكيل البنك المُصدر. (١) فالعمولةُ الّتى يتقاضاها البنك المراسل أجرةُ الوكالة، وهى جائزةٌ شرعاً. هذا إذا كان البنكُ المراسل مراسِلاً فقط. وقد يُطلب منه البنك المصدر أن يُعزّز الاعتماد الذى أصدره المُصدر. فإن قَبل ذلك البنكُ المراسل، فإنّه يُسمّى "البنك المعزِّز" (Confirming Bank) وحينئذ، هو الذى يدفعُ مبلغَ الاعتماد إلى المستفيد حينما يتقدّم إليه بمستندات الشّحن. وفى هذه الحالة تُضاف إليه مسئوليّاتُ فحص المستندات، ودفعُ مبلغ الاعتماد. أمّا فحصُ المستندات، فإنّها مضافةٌ إلى الخدمات المنوطة به بصفته وكيلاً. وأمّا مسئوليّةُ دفع مبلغ الاعتماد، فإنّها بصفة كونه كفيلاً عن البنك المصدر. فتجتمعُ فيه صفتان: صفةُ الوكيل، وصفةُ الكفيل، كما اجتمعت فى البنك المصدر، ويجرى فيه كلُّ ما ذكرنا فى تكييف صفة البنكِ المصدر، والعمولةِ التى يتقاضاها. (1) Raymond Jack: "Documentary Credits" chapter 6, Para 6.4 .. M المبحث الحادى عشر ٥٥٦- حكم البيع والشراء عن طريق فتح الاعتماد والسّؤال السّابع: هل يجوزُ البيعُ أو الشِّراؤُ عن طريقٍ فتح الاعتماد؟ وجوابُه يختلفُ بالنّسبة للبائع والمشترى. أمّا حكمُه فى حقّ البائع، ففى ضوء ما ذكرناه من تكييف فتح الاعتماد، فإنّ دورَ البائع فى فتح الاعتماد لايتجاوز من أنّه يطلُب كفيلاً من المشترى بأداء الثّمن، وهو الذى يُطالِب الكفيلَ بأداءه عند ما يتسلّم مستندات الشّحن. ولا علاقة له بما يجرى بين المشترى وكفيله (وهو البنك المُصدر). فليس هناك محظور شرعيّ فى أن يُطالِب المشتريَ بفتح الاعتماد قبل أن يشحن البضاعة إليه. غايةُ ما فى الباب أنّه إن طالَب الكفالة قبل إنجاز البيع الفعلي، فإنّه يكونُ مثلَ الكفالة بالدّرك، وهى جائزةٌ شرعاً. وكذلك ليس هناك محظورٌ شرعيٌّ فى تسلّم الثّمن من البنك المُصدر أو من بنكه المراسل. أمّا بالنّسبة للمشترى، فإنّه إن طلب فتح الاعتماد بدون غطاء، بمعنى أنّه لم يُقدّم مبلغَ الاعتماد إلى البنك عند فتح الاعتماد، فالعادةُ فى البنوك الربويّة أنّها تؤدّى الثّمنَ للبائع عند وصول المستندات، ثمّ تُطالِبُ المشتريَ بذلك المبلغ، وتتقاضى الفائدةَ الرّبويّة من المشترى للفاصل الزّمنيٌ بين أداءها للثّمن وبين تسلُّمه من المشترى. فمثلاً، لو وصلت المستندات وتمّ فحصها من قبل البنك، ووجدها موافقةً للشّروط، فأرسل الثّمنَ إلى البائع مباشرةً أو بواسطة البنك المراسل ليوم الجمعة. ثمّ سدّد المشترى هذا الثّمن للبنك يوم الإثنين، فإنّ البنك يتقاضاه فائدةَ ثلاثة أيّام. وبهذا يدخل فاتحُ الاعتماد فى تعامل ربويّ محظور. فلايجوز له فتح الاعتماد فى هذه الحالة. أمّا إذا فتحَ الاعتماد بغطاءٍ كامل، بمعنى أنّه دفع كامل مبلغ الاعتماد إلى البنك قبل أن يقع ١١٢٠ فقه البيوع أداءُ الثّمن منه، فليس هناك تعاملٌ ربويّ. بقيَ الآن ما يدفعه إلى البنك عمولةً لفتح الاعتماد، وينطبق عليه ما ذكرناه فى حكم عمولة فتح الاعتماد. والظّاهرُ أنّه أجرةٌ لخدماتٍ يُقدّمها البنك لصالح المشترى، ولا تتمحّض هذه الأجرةُ للكفالة الّتى يُقدّمها إلى البائع، فهو جائز إن شاء الله تعالى. ٥٥٧- حكم تظهير الكمبيالة كلُّ ما ذكرنا فيما سبق متعلّقٌ بما إذا كان البيعُ عن طريق فتح الاعتماد حالًا، بمعنى أنّه يجب دفعُ الثّمن فورَ تسلّم المستندات. أمّا إن كان البيع مؤجّلاً، فقد ذكرنا عند شرح عمليّة التّجارة فيما بين البلدان أنّ المشتريَ بعد ما يتسلّم المستنداتِ يوقّع على الفاتورة المرسلة من قبل البائع إشعاراً بقبول تلك الفاتورة، والتزاماً منه بدفع الثّمن المذكور فى الفاتورة فى التّاريخ المحدّد فى الاعتماد. وإنّ الفاتورةَ الموقّعة من قبل المشترى تُسمّى كمبيالة (Bill Of Exchange) وحينئذٍ لا يدفعُ البنكُ مبلغَ الاعتماد للبائع فورَ تسلّمه للمستندات، ولكنّه يدفعُ إلى المشترى مستنداتِ الشّحن بعد أخذ توقيعه على الكمبيالة، ليتمكّن المشترى من الحصول على البضائع من الميناء. ويلتزم البنك بدفع مبلغِها إلى المستفيد فى تاريخ لاحق محدّد فى الاعتماد. وحلول هذا التّاريخ يُسمّى "تُضج الكمبيالة "(Maturity of the Bill) وعند نُضج الكمبيالة يُلزَم البنكُ بدفع مبلغ الاعتماد، ويرجعُ على المشترى بذلك المبلغ. وفى هذه الحالة يُسمّى الاعتمادُ "الاعتماد المؤجل" (Usance L/C) وإنّ البائعَ فى هذه الحالة قد يُريد أن لا ينتظرَ نُضج الكمبيالة، بل يُريد أن يحصل على الثّمن فوراً، ليتمكّن من الاستمرار فى عمليّاته الأخرى، فيُقدّم هذه الكمبيالةَ إلى بنك، سواءٌ أكان المبحث الحادى عشر البنكَ المصدر أم بنكاً آخر، ويوقّع على ظَهر الكمبيالة، ليتمكّن ذلك البنكُ من تسلُّم مبلغ الكمبيالة عند نُضجها من البنك المصدر أو من المشترى (إن كان العقدُ بدون فتح اعتماد) ويُسمّى هذا التّوقيعُ "تظهيرا" (Endorsement) للكمبيالة، والذى يوقّع عليه يُسمّى "مظهراً" (Endorser) وبعد قبول الكمبيالة المظهَّرة، يدفع البنكُ إلى البائع مبلغَ الكمبيالة بحسم نسبةٍ منه. فإن كانت الكمبيالةُ لمائة مثلاً، فإنّه يدفع إليه خمساً وتسعين. وإنّه يُسمّى "حسمَ الكمبيالة" أو "خصم الكمبيالة" فى لغة عامية، ويُسمّى باللّغة الانكليزيّة (Discounting of the Bill) وإنّ الكمبيالةَ على قسمين: الأوّل: ما صرّح فيه المظهَّرُ أنّ ذمّتَه تفرغ بهذا التّظهير، بمعنى أنّه لو تخلّف الدائنُ عن أداء مبلغ الكمبيالة، فإنّه لا يحقّ لحامل الكمبيالة أن يرجعَ على المظهِّر. وفى هذه الحالة يتضمّن التّظهيرُ كلمة "بدون رجوع" (Without Recourse). وإنّ حسمَ الكمبيالة فى هذه الحالة بيعٌ للدّين بمبلغٍ أقلّ من الدّين. وبيع الدّين، وإن كان بمبلغ مساوٍ للدّين، فإنّه لايجوز عند جمهور العلماء كما قدّمنا فى مبحث بيع الدّين، فضلاً أن يقع البيعُ بمبلغٍ أقلّ، فإنّ الحسْمَ يجعل هذه العمليّة عمليّةً ربويّةً لا تجوز شرعاً. والقسم الثّانى: ما يحقّ فيه لحامل الكمبيالة أن يرجع على المظهر، إن تعذّر الحصولُ على مبلغ الدَّين من المديون.(١) وتظهيرُ الكمبيالة فى هذه الحالة ليس بيعاً للدّين، وإنّما هو حوالةٌ على مذهب الحنفيّة الّذين يُثبتون حقَّ الرّجوع للمحتال على المحيل إذا تَويَت الحوالة. والحوالةُ وإن كانت جائزة، ولكن بما أنّ حسم الكمبيالة (١) ذكر هذان القسمان فى "الأعراف التجارية الموحدة" ,Uniform Commercial Code) Article 3- 415) ١١٢٢ فقه البيوع إنّما يقعُ بمبلغ أقلّ من مبلغ الكمبيالة، فإنّه يتضمّن رباً، فلايجوز من هذه الجهة. ٥٥٨- الطرق البديلة للتّعاملات المحظورة فى التجارة عن طريق البنك السّؤال التّاسع: هل هناك طريقٌ لإصلاح ماهو عملٌ ربويٌّ فى هذه التّعاملات ليُصبح موافقاً لأحكام الشّريعة الغرّاء؟ وجواباً عن هذا السّؤال، فإنّ الأمورَ المحظورة فى هذه التّعاملات تتلخّص فى ثلاثة: الأوّل: أخذُ الأجرة على الضّمان، والثّانى: تقاضى الفائدة فى خطاب الاعتماد غير المغطّى. والثّالث: حسمُ الكمبيالة. أمّا أخذ الأجرة على الضّمان، فقد بسطنا الكلام عليه والحمد لله تعالى، والّذى يظهر أنّ فتح الاعتماد لايتمحّض فى كونه عقداً للكفالة، بل تصحَبه خدماتٌ أخرى يقدّمها البنك، ولا بأسَ أن يتقاضى الأجرةَ عليها. وقد ذكرنا مسئلة ربط هذه الأجرة بمبلغ الاعتماد، فلا نعیده هنا. ٥٥٩- بديل العمليّة الرّبويّة فى خطاب الاعتماد غير المغطّى وأمّا تقاضى الفائدة على خطاب الاعتماد غير المغطّى، فهو محظورٌ من أجل كونه رباً صُراحاً. وبديلُه الشّرعيّ الأمثلُ أن يعقِدَ البنك مع العميل عقدَ المضاربة أو الشّركة فى استيراد البضائع. وإنّ المستوردين إنّما يستوردون البضائع عادةً عندما تكون عندهم طلباتٌ من المشترين لتلك البضائع. فلوكان المقصودُ فتحَ الاعتماد بغطاءٍ جزئيّ، فيمكنُ للبنك أن يدخُل مع العميل فى شركة، فالغطاءُ الجزئيُّ حصّةُ العميل فى رأس المال، والباقى حصّة البنك، ويجب أن يتّفقا على نسبةِ تقاسُمهما للرّبح بعد وصول البضائع وبيعها فى السّوق. وفى هذه الحالة تكون عمولةُ فتح الاعتماد من جملة تكلفة الشّركة. المبحث الحادى عشر أمّا إذا كان المقصودُ فتحَ الاعتماد بدون غطاءٍ أصلاً، فيمكن أن يدخلا فى المضاربة، فيكون البنكُ ربَّ المال بما دفعه من المال عند وصول المستندات، ويكون العميلُ مضارباً، من حيثُ إنّه يعقد الاتّفاقيّة مع البائع المصدّر، ويتسلّمُ البضائع من الميناء، ويبيعُها فى السّوق. وما يحصل عليه من الرّبح، فإنّه يُقسم بينه وبين البنك بالنّسبة المتّفق عليها فى المضاربة. أمّا البنوك الإسلاميّة اليوم، فإنّها تفتحُ الاعتماد بدون غطاءٍ على أساس المرابحة، وطريقُها أنّ العميلَ (الطالبَ للشراء) حينما يتقدّم إليها لفتح الاعتماد، فإنّ البنك يُريد أن يشتريَ البضاعةَ من البائع بنفسها، ثمّ تبيعها إلى الطالب للشّراء مرابحةً مؤجلة. ولهذا الغرض يجعل البنكُ الطّالبَ للشّراء وكيلاً له لاستيراد البضاعة. ولمّا تصل إليه مستنداتُ الشّحن، تبيعُ تلك البضاعةَ إلى الطّالب للشّراء مرابحةً مؤجّلة. وينطبق عليه ما قدّمنا من حُكم المرابحة للآمر بالشّراء فى مباحث المرابحة. ويجب لصحّة هذه العمليّة شرعاً عند القائلين بجوازه أن تتوفّر فيه الشّروط الآتية: الأوّل: أن لا يكون المشترى أنجز البيع مع البائع قبل فتح الاعتماد، لأنّه لو كان أنجز عقدَ البيع مع البائع، لا يُمكن للبنك أن يدخُل بينهما بصفته مشترياً. وإنّما يُمكن ذلك إن لم تكن المفاوضةُ بين الطّالب للشراء وبين البائع تجاوزت حدَّالمساومة أوالوعد. الثّانى: أن لايتقاضى البنكُ من المشترى عمولةَ فتح الاعتماد، لأنّه فى هذه الحالة يفتحُ الاعتماد لنفسه. وإن دفع عمولةَ فتح الاعتماد إلى جهةٍ أخرى، فإنّه يُدخلها فى تكلفة المرابحة. الثالث: أن تكونَ البضاعةُ قبلَ وصول المستندات وتسلّم البضائع فى ضمان البنك، لافى