Indexed OCR Text

Pages 461-480

١٠٨٤
فقه البيوع
الثّمن، يُسمّى "مغطِىِّ جزئيًا" (With partial Margin) وإن كان المشترى موثوقاً به لدى
البنك من خلال تعاملاته السّابقة معه، فإنّه لا يُعطى البنك شيئاً عند فتح الاعتماد، لأنّ البنك واثقٌ
بأنّه يدفعُ مبلغَ الاعتماد عند تسلّمه لمستندات الشّحن. فالاعتمادُ فى هذه الحالة يُسمّى "غيرَ
مغطّى " أو "بدون غطاء" (Without Margin) وفى هذه الحالة تبقى البضائعُ مرهونةً لدى
البنك، لأنّ مستنداتِ الشّحن إنّما تُصدَر باسم البنك، ويحقّ له قانوناً أن يتسلّم البضائعَ من
الميناء إن لم يدفع المشترى الثّمنَ إليه، وأن يبيعها فى السّوق، ويحصُلَ على المبلغ الذى أرسله
بناءً على الاعتماد.
ثمّ إن كان العقدُ بين البائع والمشترى حالاً، بأن يجبَ على المشترى دفعُ الثّمن فورَ
تسلّمه لمستندات الشّحن، فإنّ الاعتمادَ المفتوحَ فى هذه الحالة يُسمّى "خطاب
اعتماد بالاطلاع" (Sight L/c) وفى هذه الحالة، يجب على البنك أن يدفعَ مبلغَ
الاعتماد فورَ وصول المستندات، إن وجدها موافقةً لشروط الاعتماد. أمّا إن كان
البيع مؤجّلاً، فيحدّد خطابُ الاعتماد تاريخَ الدّفع، وإنّ المشتريَ بعد ما يتسلّم
المستنداتِ يوقّعُ على الفاتورة المرسلة من قِبل البائع، إشعاراً بقبول تلك الفاتورة،
والتزاماً منه بدفع الثّمن المذكور فى الفاتورة فى التّاريخ المحدّد فى الاعتماد.
وإنّ الفاتورةَ الموقّعة من قبل المشترى تُسمّى كمبيالة (Bill Of Exchange)
وحينئذٍ لا يدفعُ البنكُ مبلغَ الاعتماد للبائع فورَ تسلّمه للمستندات، ولكنّه يدفعُ إلى
المشترى مستنداتِ الشّحن بعد أخذ توقيعِه على الكمبيالة، ليتمكّن المشترى من
الحصول على البضائع من الميناء. ويلتزمُ البنك بدفع مبلغها إلى المستفيد فى
تاريخ لاحق محدّد فى الاعتماد. وحلولُ هذا التّاريخ يُسمّى "نُضج
الكمبيالة "(Maturity of the Bill) وعند نُضج الكمبيالة يُلزَم البنكُ بإرسال مبلغ

١٠٨٥
المبحث الحادى عشر
الاعتماد إلى البائع، ويرجع على المشترى بذلك المبلغ. وفى هذه الحالة يُسمّى
الاعتماد "الاعتمادَ المؤجّل" (Usance L/C) وإنّ البائعَ فى هذه الحالة قد يُريد
أن لا ينتظرَ نُضج الكمبيالة، بل يُريد أن يحصل على مبلغ الثّمن فوراً، ليتمكّن من
الاستمرار فى عمليّاته الأخرى، فيُقدِّم هذه الكمبيالة إلى بنك، سواءٌ أكان البنكَ
المصدر، أو البنكَ المراسل، أو بنكاً آخر، ويوقّع على ظَهر الكمبيالة، ليتمكّن ذلك
البنكُ من تسلُّم مبلغ الكمبيالة عند نُضجها من البنك المصدر أو من المشترى (إن
كان العقدُ بدون فتح اعتماد) ويُسمّى هذا التّوقيع "تظهيراً" (Endorsement)
للكمبيالة. وبعد قبول الكمبيالة المظهَّرة، يدفع البنكُ القابلُ للكمبيالة إلى البائع
مبلغَ الكمبيالة بحَسْم نسبة منه. فإن كانت الكمبيالةُ لمائة مثلاً، فإنّه يدفعُ إليه تسعاً
وتسعين. وإنّه يُسمّى "حَسْم الكمبيالة" أو "خَصْم الكمبيالة" فى لغةٍ عاميّة،
ويُسمّى باللّغة الانكليزيّة (Discounting of the Bill) وقدّمنا فى مبحث بيع
الدَّين أنّ هذه العمليّةَ عمليّةٌ ربويّة لاتجوز شرعاً.
وفى جانب آخر، قد يُريد المشترى أن يدفع الثّمن بالاقتراض، فيتعاملُ مع البنك
المصدر أن يُقدّم له قرضاً بأن لايُطالبَه بالثّمن الّذى دفع إلى البائع حسب شروط
الاعتماد إلاّ بعد تاريخ محدّد، فيقبَله البنك، ويتقاضى منه نسبةً زائدةً على مبلغ
القرض وهو الرِّبوا، والعياذ بالله من ذلك.
هذه خلاصةُ ما يجرى عليه العمل فى التّجارة عن طريق البنك. ولكنّه لا يعنى أنّ
جميعَ العمليّات التّجاريّة تتمّ بهذا الشّكل. والواقعُ ما قدّمنا من أنّ المتبايعَين إن كان
بينهما ثقةٌ، فإنّهما لا يحتاجان إلى وساطة البنك، بل يتمّ البيع بينهما بالمراسلات، أو
المكالمات الهاتفيّة، ويقع التّسليمُ والتّسلّم حسب ما يتفقان علیه.

١٠٨٦
فقه البيوع
وإنّ هناك عدة مسائل فقهيّة فى التّجارة فيما بين البلدان، تحتاج إلى تنقيح وتكييف:
١- متى يتمّ عقد البيع بين البائع والمشترى؟
٢- متى ينتقل ضمانُ هلاك المبيع أو نقصانه من البائع إلى المشترى؟
٣- ماهو تكييف خطاب الاعتماد؟
٤- ماهو حكم تقاضى العمولة على إصدار حطاب الاعتماد؟
٥- ما هو تكييف الغطاء المقدّم من فاتح الاعتماد إلى البنك المصدر؟
٦- ماهو تكييف دور البنك المراسل؟
٧- هل يجوز البيع أو الشّراء عن طريق فتح الاعتماد؟
٨- ماهو تكييف تظهير الكمبيالة؟ هل هو بيعُ دين، أو هو حوالة؟
٩- هل هناك طريقٌ لإصلاح ماهو عملٌ ربويٌّ فى هذه التّعاملات ليُصبح موافقاً
لأحكام الشّريعة الغرّاء؟
وإنّ هذه المسائلَ لم تزل موضعَ دراسة وإمعان من قبل العلماء المعاصرين. فنريد
أن نتكلّم على هذه الأسئلة بشيئ من التّفصيل، والله سبحانه وتعالى نسأل أن يوفقنا
للسّداد والصّواب.
٥٣٦- متى يتمّ البيع؟
أمّا السّؤال الأول، وهو وقتُ إنجاز البيع، فإن كان التّعاملُ بدون واسطة البنك، وكان
المبيعُ مملوكاً للبائع وفى حيازته، فإنّالبيعَ يتمّ بالإيجاب والقبول العاديّين، وينطبق عليه

المبحث الحادى عشر
ما ذكرنا من أحكام عقد البيع بالكتابة وبالآلات الحديثة.
وإن لم يكن المبيعُ مملوكاً للبائع، أو لم يكن فى حيازته، فإنّ مَا يُقدِّم المشترى
من طلب المبيع طلبٌ محض، ورُبّما هو فى معنى الوعد بالشّراء، ولا يُعدّ إيجاباً.
فإن رضيَ البائعُ بتوفير المبيع، فإنّه يُقدّم إليه وعداً بأنّه سيَبيعه إليه بعد امتلاكه
إيّاه. وينطبق على الوعدين ما قدّمنا من أحكام الوعد والمواعدة فى البيع العاديّ
وفى عقود التّورید.
أمّا إن كان التّعاملُ بواسطة البنك، وبفَتْح الاعتماد، فإنّ تحديدَ النّقطة الّتى يتمّ فيها
العقدُ شرعاً يختلف من حالٍ إلى حال. وقد ذكرنا فى مبحث الوعد والمواعدة أنّ
الشّائعَ فى القوانين الدّوليّة الفرق بين "اتفاقيّة البيع" (Agreement to Sell) وبين
"البيع" (Sale). فأمّا اتّفاقيّةُ البيع، فهو مواعدةٌ أو التزامٌ من الطّرفين بإنجاز البيع فى
تاريخ لاحق، أو بعد تحقّق بعض الشّروط، ولا ينتقل بها مِلكُ المبيع إلى المشترى.
وأمّا "البيع" فهو عقدُ إنجاز البيع، وبه ينتقل مِلكُ المبيع إلى المشترى. ويُطلق على
مجموعهما مصطلح "عقد البيع" (Contract of sale)
وقد ذكرنا فيما سبق أنّ الوعد والمواعدة لاتكون ملزمةً فى القضاء عادةً، واتّفاقيَّةُ البيع
تجعلها ملزمة. ولكنّنا بسطنا الكلامَ على الوعد والمواعدة فى مبحث الإيجاب والقبول،
وانتهينا إلى أنّ المواعدة، وإن كانت فى أصلها غير مُلزمة قضاءً، ولكن يجوز أن تكون
مُلزمةً للطّرفين إذا دعت إلى ذلك حاجةٌ تجاريّة حقيقيّة.
ولاشكّ أنّ الحاجةَ إلى ذلك داعيةٌ فى التّجارات المعاصرة الّتى تُشترى فيها كمّيّاتٌ
كبيرةٌ، وخاصّةً فى التّجارة الدّوليّة، لأنّ المبيعَ فى أكثر الأحوال لا يكون متوافراً لدى

١٠٨٨ ٥٠
فقه البيوع
البائع بالكمّيّة المطلوبة للمشترى، بل يحتاج البائعُ إلى أن يحصل عليها بعد طلبٍ
من المشترى. وفى هذه الحالة، لا يُمكن أن يتمّ البيع فورَ وصول الطَّلب من
المشترى، لأنّ المبيعَ غير مملوك للبائع فى ذلك الوقت، فضلاً أن يكون فى حوزته.
وفى جانبٍ آخر، لابدّ للبائع من أن يكون عنده التزامّ من المشترى بأنّه سوف
يشترى هذه الكمّيّة الكبيرة بعد ما يكون متوافراً لدى البائع، لأنّه إنّما يشتريها بناءً
على طلب المشترى، فإن لم يكن الوعد من المشترى مُلزماً له، فإنّ ضررَ البائع
ظاهر، لأنّه قد لا يجد من يشترى منه هذه الكمّة الكبيرة، ويزيده ضرراً إن كان المبيعُ
شیئاً خاصاً لمصلحة المشترى، وليس له سوقٌ فى بلد البائع.
وكذلك يحتاجُ المشترى إلى أن يكون عنده التزامٌ من البائع أنّه سوف يوفّر له المبيع
بهذه الكمّيّة، لأَنّه لا يشتريها من جهةٍ أخرى اعتماداً على وعد البائع. فإن نكَل البائع
عن وعده، ولم يعقد معه البيع فى وقت محدد، فإنّ ضررً المشترى ظاهر.
والحاجةُ الدّاعيةُ إلى جعل المواعدة مُلزمةً للطّرفين تتأكّد أضعافاً إن وقع البيع
والشّراء بين بلدين عن طريق الاعتماد المصرفيّ، فإنّ الاعتمادَ المصرفيَّ لا يُفتح
عادةً إلاّ على أساس اتّفاقيّةٍ ملزمة للطّرفين. فلو لم تكن مواعدةُ الاتّفاقيّة مُلزمةً،
لا يُمكن التّجارة الدّوليّة.
وعلى هذا، فإنّ المواعدة فى هذه العمليّات لابدّ أن تكون ملزمة.
والّذى يتحصّل من هذه الدّراسة أنّ المبيعَ إن لم يكن فى حَوزة البائع فى التّجارة
بين بلدين، ووقع البيعُ على أساس "اتّفاقيّة البيع"، فإنّ البيعَ لايتمّ عند التّوقيع على
الاتّفاقيّة. وتتحدّد النّقطةُ الّتى يتمّ فيها البيعُ بأحدٍ من الطّريقين. الأوّل: أن يُخبر البائعُ

المبحث الحادى عشر
المشتريَ بطرق المواصلات الحديثة (بالهاتف أو التّلكس أو الفاكس أو إى ميل) أنّ
البضائعَ جاهزةٌ لديه للبيع. فيقعَ بينهما إيجاب وقبول شفاهاً أو كتابة. والطّريق الثّانى:
أن يقع البيعُ بينهما عند تسليم البضائع بالتّعاطى. وقدّمنا فى مبحث التّعاطى أنّه يصحّ
بالتّسليم والتّسلّم من جانب واحد، فالتّعاطى فى صورة فتح الاعتماد يحصل بتسليم
البائع البضاعة إلى شركة الشّحن.
٥٣٧- متى ينتقل الضّمان من البائع إلى المشترى؟
أمّا السّؤال الثّانى المتعلّق بانتقال ضمان المبيع من البائع إلى المشترى، فإنّ المعروفَ
فى الأعراف التّجاريّة الدّوليّة، أنّ المشتريَ أو وكيله إن كان موجوداً عند البائع ليتسلّم
المبيعَ منه، فإنّ ضمان المبيع ينتقل من البائع إلى المشترى فورَ ما يُخلّى البائع بين
البضاعة وبين المشترى. وهذا موافقٌ لمذهب الحنفيّة الّذين يعتبرون التّخليةَ من البائع
قبضاً ناقلاً للضّمان إلى المشترى، ولا يشترطون القبض بالبراجم أو الكيل أو العدّ كما
مرّ فى مبحث القبض.
أمّا إذا لم يكن المشترى أو وكيلُه حاضراً فى بلد البائع، فإنّالأعرافَ الدّوليّة تُصرّح بأنّ
ضمانَ المبيع ينتقلُ إلى المشترى فورَ ما يُسلّمها البائعُ إلى شركة الشّحن. وهذا محصّلُ
المادّة ٢٣ (٢) من قانون بيع المال من أنّ الشّاحنات تُعتبر وكيلةً للمشترى فى قبض
المبيع. وبه قضت المحاكم فى قضايا كثيرة منها:
"In view of ss 23 and 39, the goods are to be treated as
delivered to the buyer and property and possession of the

١٠٩٠
فقه البيوع
goods passes on to the buyer when the goods are handed over
to the transporter." (1)
فالسّؤال هنا: هل يُعتبر هذا العُرف شرعاً؟ والجوابُ أنّه إن عيّن المشترى الشّركة النّاقلة،
وأمر البائعَ باستئجارها لنقل المبيع إلى بلد المشترى، فإنّ الشّركةَ النّاقلة أصبحت وكيلةً
للمشترى، فقَبْضُ الشّركة ينبغى أن يكون قبضاً لوكيل المشترى، والقبضُ عن طريق
الوكيل يُعتبر قبضاً فى الشّرع، وبه ينتقل الضّمان.
أمّا إذا كان المشترى لم يُعيّن الشّركة النّاقلة، وترك تعيينَها على البائع. ثمّ استأجر
شركةً مّا لنقل المبيع، وسلّم المبيعَ إليها، فهل يُعتبر ذلك قبضاً من قبل المشترى،
وينتقلُ به الضّمان إليه؟ وظاهرُ هذه الحالة أن تكون الشّركةُ وكيلةً للبائع فى هذه
الصّورة، لأنّ البائعَ هو الذى استأجرها، كما أسلفنا فى مسئلة إرسال البضاعة عن
طريق البريد (VP). ولكن بما أنّ المشتريَ هو الّذى خوّل البائعَ باختيار شركة النّقل،
واختارها بناءً على أمره، والعُرفُ فى التّجارة عن طريق الشّحن أنّ مسئوليّةَ البائع
تنتهى حينَ يُسلّمُ المبيعَ إلى شركة النّقل، فإنّه لابأسَ شرعاً باعتبار هذا العُرف. وقد
ذكر بعضُ الفقهاء الحنفيّة ما يُجوّزه. جاء فى الفتاوى الهنديّة نقلاً عن التّتار خانيّة:
"إذا قال المشترى للبائع: ابعَثْ إلى ابنى، واستأجر البائعُ رجلاً يحمله إلى
ابنه، فهذا ليس بقبض، والأجرُ على البائع، إلاّ أن يقول: استأجر عليّ مَن
يحمله، فقَبْضُ الأجير يكونُ قبضَ المشترى إن صدّقه أنّه استأجَرَ ودفع
إليه. وإن أنكر استئجارَه والدّفعَ إليه، فالقولُ قولُه." (٢)
(1) Pollock & Mulla: On the Sale of Goods Act, 1930, Section 23, p203
(٢) الفتاوى الهندية، ٣: ١٩ كتاب البيوع، الباب الرابع

المبحث الحادى عشر
والفرقُ بين المسئلتين أنّ فى الصّورة الأولى أمَره المشترى بإيصال المبيع إلى ابنه،
ولم يأمُّره باستئجار من يحمله إليه، فكان إيصالُ المبيع من مسئوليّات البائع، فإن
استأجر أحداً، فإنّما استأجره على ذمته، فلا يكونُ قبضاً من المشترى. أمّا فى الصّورة
الثّانية، فإنّ المشتريَ أمره باستئجار مَن يحمله على نفقته، فصار الأجيرُ وكيلاً
للمشترى فى قبض المبيع، فكأنّه قَبضه بنفسه. وهذه الصّورة هى الواقعة فى التّجارة
الدّوليّة، لأنّ المشتريَ هو الّذى يأمرُ البائعَ بالشّحن على النّقلة على نَفقته فى كثير
من الأحوال. وقد يتّفقان أنّ البائع هو الذى يدفع أجرة شركة النّقل، ولكنّه يُضمّنه فى
مجموعٍ ثمن المبيع، فلا يتغيّر به حكمُ القبض وانتقال الضّمان.
فالعرف المتعامل به فى التّجارة الدّوليّة لايتعارض مع حكم الشّرع فى هذه المسئلة.
أمّا الإرسال عن طريق البريد، فالعُرف فيه أنّ مكتب البريد يُعتبر وكيلاً للبائع، فيظلُّ
المبيع فى ضمان البائع إلى أن يتسلّمه المشترى. فافترق الحكمُ من هذه الجهة.
وإنّ غرفة التجارة الدّوليّة (International Chamber of Commerce) قد وضعت
قواعدَ مفصّلةً تُسمّى Incoterms لبيان مَن يتحمّل مصاريفَ مختلفةً لعمليّة التّصدير،
وكذلك لبيان النُّقطة الّتى ينتقل بها ضمانُ البائع إلى المشترى. أمّا تحمُّل المصاريف،
فإنّ العَقْد بين البائع والمشترى هو الذى يُعيّنها بالمصطلحات المتعارفة دولياً، وحسب
هذه المصطلحات تُعيّن الأعراف الدّوليّة نقطةَ انتقال الضّمان من البائع إلى المشترى.
ونذكر الآن هذه المصطلحات والعرف الدّوليّ فى تطبيقها من حيثُ تحمّل
المصاريف وانتقال الضّمان، والحكمُ الشّرعيّ فيما يتعلّق بها.

فقه البيوع
(Ex Works) EXW -٥٣٨
هذا الاصطلاح يُشير إلى أنّ البائعَ يُخلّى بين المبيع وبين المشترى فى محلّ البائع،
وهذا إنّما يُمكن إذا كان البائعُ أو وكيلُه موجوداً فى محلّ البائع، فيتسلّم المبيع،
ويتحمّلُ البائع مصاريفَ التّعبئة فقط. وباقى المصاريف من تكلفة الحمل والنّقل
والتّخليص من الجُمرك فى بلد البائع، وفى بلد المشترى، كلُّها على المشترى. وفى
هذه الحالة ينتهى ضمانُ البائع حين يُخلّى البائع بين المبيع وبين المشترى فى محلّه.
وهذا موافقٌ لمذهب الحنفيّة، حيثُ إنّ التّخليةَ من البائع يكفى عندهم لتحقّق القبض
وانتقال الضّمان.
(Free Carrier) FCA -٥٣٩
والمراد من هذا الاصطلاح أنّ المشتريَ يُعيّن مكاناً أو شركةَ نقلٍ يوصل إليها البائعُ
المبيع. وفى هذه الحالة، يتحمّل البائعُ مصاريفَ النّقل إلى ذلك المكان، ومصاريفَ
فحص المبيع. وبالتّخلية فى ذلك المكان أو لشركة النّقل ينتهى ضمانُ البائع. ويتحمّل
المشترى المصاريفَ كلّها من ذلك المكان. وهذا أيضاً موافقٌ لمذهب الحنفيّةِ، لأنّ
المشتريَ هو الّذى يُعيّن المكان أو شركة النّقل، ففى حالة المكان يُعيّن الشّخصَ الّذى
يتسلّم المبيع نيابةً عنه، فهو وكيلٌ له. وفى حالة تعيين شركة النّقل هى وكيلةٌ له، وفى كلتا
الحالتين يتمّ القبض وبه ينتقل الضمان.
(Free Alongside Ship)FAS -٥٤٠
والمراد من هذالاصطلاح أنّ المشتريَ يُعيّن الباخرةَ الّتى تحمِل المبيع والميناء
الذى يُشحن منه المبيع على الباخرة. وفى هذه الحالة، لا يتعامل البائع مع شركة

المبحث الحادى عشر
الشّحن، بل يتعامل معها المشترى على نفقته. ويتحمّل البائعُ مصاريف النّقل إلى
الميناء. وينتقل ضمان المبيع من البائع حينما يوصل المبيعَ بجانب الباخرة. وتحميلُه
على الباخرة ليس من مسئوليّته. فضمانُ المبيع بعد وصوله بجانب الباخرة على
المشترى. فإن حصل شيئٌ من النّقص عند التّحميل، فليس هو على البائع.
وبما أنّ المشتريَ فى هذه الحالة هو الّذى يُعيّن الباخرة وشركةَ النّقل، فإنّ حكمه
الشّرعيّ لا يختلف من الحالة السّابقة، لأنّ شركةَ الشّحن و کیلةٌ له.
(Free On Board) FOB -٥٤١
المراد من هذا الاصطلاح أنّ البائعَ مكلّفٌ بتحميل المبيع على الباخرة. وفى هذه
الحالة، يُعيّن المشترى شركةَ الشّحن، ويتعامل معها على نفقته. ويُمكن أن يأمرَ
البائعَ بأن يتعامل مع الشّركة على نفقة المشترى، إمّا بأمرٍ صريح منه، أو بحكم
العُرف السّائد لتجارة ذلك النّوع، أو بحكم تعاملٍ سابقٍ بينهما. والبائعُ مكلّف
بإيصاله وتحميله على الباخرة. ولا ينتقل ضمانُ المبيع من البائع إلى المشترى إلاّ
بعد تحمیلہ علی الباخرة. ومنذ ذلك الحین یکون المبيعُ فى ضمان المشترى.
وفى هذه الحالة أيضاً شركةُ الشّحن وكيلةٌ للمشترى. وكونُها وكيلةً له فيما إذا
استأجرها المشترى ظاهر. أمّا إذا استأجرها البائعُ بأمر منه، فينطبق عليه ما نقلنا
عن الفتاوى الهنديّة أنّ تسليمَ البائع المبيعَ إلى من يحمل المبيعَ بأمر من
المشتری یُعتبر قبضاً للمبيع منه.

١٠١
فقه البيوع
(Cost and Freight) CFR -٥٤٢
المراد من هذا الاصطلاح أنّ البائعَ هو الذى يتعاملُ مع شركة الشّحن على نفقته،
بمعنى أنّ البائعَ مكلّفٌ بإيصال المبيع إلى ميناءٍ يُعيّنه المشترى، وتحمُّل نفقات
الشّحن على الباخرة. وفى هذه الحالة أيضاً، ينتقل ضمانُ المبيع إلى المشترى
حسبَ الأعراف الدّوليّة بتحميل المبيع على الباخرة. وربّما يُستشكل بأنّ البائع فى
هذه الحالة هو الذى يستأجر شركةَ الشّحن على نفقته، فينبغى أن تكون شركةُ
الشّحن وكيلةً له، لا للمشترى. فقبضُها على المبيع لاينبغى أن يُعتبر قبضاً من
المشترى، لكونه فى حيازة وكيل البائع. ولكن يُمكن أن يُخرّج على أنّ المشتري
باستعمال اصطلاح CFR (Cost and Freight) فى اتفاقيّة البيع خوّل البائعَ أن
يستأجرَ شركةَ الشّحن باختياره، فكأنّه قال: "أيّما شركةٍ تختارها للشّحن، فهى
وكيلةٌ لى فى قبض المبيع. " وإنّ الفقهاء أجازوا مثل هذا التّوكيل فيما مرّ عن الفتاوى
الهنديّة أنّ المشتريَ قال للبائع: " استأجِرْ عليّ مَن يحمله، فقبضُ الأجير يكونُ
قبضَ المشترى."(١) فإنّ المشتريَ لم يُعيّن مَن يحمله، بل تركه على اختيار البائع.
ومع ذلك، يُعتبر الحاملُ و کیلاً له فى القبض.
أمّا نفقاتُ الشّحن، فإنّها، ولو كان البائعُ يتحمّلها فى الظّاهر، ولكنّه يُضمّنها عادةً فى ثمن
المبيع، فلا تأثيرَ له فى كون الشّركة وكيلةً للمشترى. فينطبق عليه ما نقلنا عن الهنديّة من
أنّ تسليمَ المبيع فى هذه الحالة قبضٌ من المشترى حكماً.
(١) الفتاوى الهنديّة، ٣: ١٩ كتاب البيوع، الباب الرابع

المبحث الحادى عشر
(Carriage Paid to) CPT -٥٤٣
هذالاصطلاحُ مثلُ الاصطلاح السّابق فى أنّ البائع يتحمّل نفقاتِ التّحميل على
النّاقلة، وبه ينتقل الضّمان، ولكنّ الفرقَ أنّ اصطلاح CER يُستعمل إن كانت النّاقلةُ
باخرة، واصطلاحُ CPT يُستخدم فى أيّ طريق من طُرق النّقل، سواءٌ كانت طائرة، أو
شاحنة برّيّة، بل قد يتحقق النّقلُ بعدة وسائلَ، واحدةٍ تِلوَ الأخرى، مثل أن تُحمل
البضائع من اليابان على باخرة إلى سنغافورة، ثمّ من سنغافورة إلى بنكاك، ومنها إلى
كراتشى. وحينئذٍ يُعيّن العقدُ موضعَ انتقال الضمان. فإن لم يُعيّن العقد ذلك، فالبائع
مكلّفٌ بتحميل البضائع على نفقته إلى أوّل ميناء، وبه ينتقل الضّمان.
والكلامُ فيه من النّاحية الشّرعيّة مثل الكلام فى الاصطلاح السّابق.
(Cost, Insurance and Freight)CIF -٥٤٤
والمرادُ من هذا الاصطلاح أنّ البائعَ يتحمّل نفقاتِ تأمين المبيع ضدَّ أخطار الطّريق
زيادةً على نفقاتِ التّحميل والشّحن. وفى هذه الحالة، ينتقل ضمانُ المبيع إلى
المشترى حسبَ الأعراف الدّوليّة عند تحميله على الباخرة. أمّا من النّاحية الشّرعيّة،
فيجب التنبّه لأمرين:
الأوّل: أنّ هذا الاصطلاح لا يُلزمِ البائعَ بشحن المبيعِ على ميناء معيّن، إلاّ إذا كان
هناك تصريحٌ بتعيينه فى العقد، كما ذكر فى Incoterms. ولذلك ينبغى للمشترى أن
يُعيّنَه فى اتّفاقيّة البيع، فإنّ انتقالَ الضّمان فى ميناءٍ مجهول لا يخلو من شكّ.
الثّانى: أنّ تأمينَ البضائع المبيعة ضدَّ خطر الطّريق يكون عادةً بعقدٍ تقليديّ محظور،

فقه البيوع
فإنّه يتضمّن غرراً فاحشاً. وقد حدث هناك شبه إجماع بين العلماء المعاصرين
والمجامع الفقهيّة أنّ عقدَ التّأمين ممنوعٌ شرعاً، فلا يجوز لمسلم أن يدخل فيه.
٥٤٥- السّوكرة والتّأمين البحريّ
وقد كان مثلُ هذا العقد شائعاً فى عهد ابن عابدين رحمه الله تعالى باسم "السّوكرة"
· وقد ذکر صورته و حكمه، فقال:
"جرت العادةُ أنّ التّجّار إذا استأجروا مركباً من حربيٍّ يدفعون له أُجرتَه،
ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجلٍ حربيّ مقيمٍ فى بلاده، يُسمّى ذلك المالُ
"سوكرة"، على أنّه مهما هلك من المال الذی فی المرکب بحرق، أو غرق، أو
نهب، أو غيره، فذلك الرّجل ضامنٌ له بمقابلة ما يأخذُه منهم. وله وكيلٌ عنهم
مستأمنٌ فى دارنا، يُقيم فى بلاد السّواحل الإسلاميّة بإذن السّلطان، يقبض من
التّجّار مالَ السّوكرة، وإذا هلك من مالهم فى البحر شيئٌ، يؤدّى ذلك المستأمنُ
للتّجّار بدله تماماً. والذى يظهر لى أنّه لا يحلّ للتّاجر أخذُ بدل الهالك من ماله."
وأطال رحمه الله تعالى فى الاستدلال على منعه، ولكنّه قال فى الأخير:
"نعم! قد يكون للتّاجر شريكٌ حربيٌّ فى بلاد الحرب، فيعقِد شريكُه هذا العقدَ
مع صاحب السّوكرة فى بلادهم، ويأخذُ منه بدلَ الهالك، ويُرسِله إلى التّاجر.
فالظاهر أنّ هذا يحلّ للتّاجر أخذُه، لأنّ العقدالفاسد جری بین حربیین فی بلاد
الحرب، وقد وصل إليه مالُهم برضاهم، فلا مانعَ من أخذه." (١)
(١) ردالمحتار ١٢: ٦٤٣ فقره ١٩٩٠٣ كتاب الجهاد، فصل فى استئمان الكافر

٥
المبحث الحادى عشر
وحاصلُه أنّه إذا نشأ هذا العقدُ بين حربيّين فى دار الحرب، ووصل التّعويضُ إلى
مسلمٍ فى دار الإسلام، فإنّه يحلّ أخذُه لذلك المسلم. وذكر فيما بعدُ أنّ التّاجرَ
المسلم لو كان فى دار الحرب، وعقد هذا العقدَ هناك مع حربيّ، ثمّ حصل له البدل
(يعنى تعويضَ التّأمين) فى دار الإسلام من قِبَل مستأمن (كافرفى دار الإسلام) بدون
خصام ومرافعةٍ إلى القضاء، فإنّه يحلّ له أخذه.
ولكنّ هذه الفتوى من ابن عابدين رحمه الله تعالى مبنيّةٌ على جواز أخذ مال الحربيّ
برضاه، ولو بعقدٍ فاسد. وقد بسطنا الكلامَ على ذلك فى آخر مبحث الصَّرف، وأنّ
مذهبَ الجمهور من حُرمة الرّبوا فى دار الحرب هو الرّاجحُ المفتى به عند
المتأخّرين من الحنفيّة.
وبناءً على ما ذكرنا، فإنّه لايجوز لمسلم أن يعقد التّأمين بنفسه، ولا أن يأمرَ البائع
بذلك. فلو فرضنا أنّ البائعَ حربيّ، وهو الّذى يعقِد التّأمينَ على نفقته، فإنّ اتّفاقيّةَ
البيع إن صرّحت باصطلاح CIF فإنّه أمرٌ من قِبَل المشترى أن يعقِدَ البائعُ عقدَ
التّأمين قبل أن يُرسل إليه البضائعَ المبيعة. ولا يجوز له شرعاً أن يأمر البائعَ بذلك.
وقد اقْتُرح بديلٌ للتّأمين باسم التّكافل، وقد جرى العملُ به فى عدّة بلاد إسلاميّة،
وأجازه بعضُ العلماء المعاصرين وكثيرٌ من الهيئات الشّرعيّة، وبجوازه أفتى مجمع
الفقه الإسلاميّ فى قراره الصّادر فى دورتها العشرين بالرّياض. وليس هذا موضعَ
بسط المسئلة. وجملةُ الكلام أنّه لو وُجد بديلٌ للتّأمين بطريقةٍ مقبولةٍ شرعاً، فلا
بأسَ بالاستفادة منه.
وهناك مصطلحات أخرى لإرسال البضائع المبيعة إلى المشترى، غير المصطلحات

١٠٩٨
0
فقه البيوع
الّتى ذكرناها، ولكنّ معظمها ترجعُ إلى ماذكرنا من المصطلحات السّبعة فى موضوع
تحمّل النّفقات وانتقال الضّمان.
٥٤٦- شراء البضاعة من بلد وبيعُها إلى بلد آخرمباشرة من بلد البائع
ويتفرّغُ على حصول القبض وانتقالِ الضّمان أنّ المشتريّ يجوزُ له بعد ما حصل له
القبضُ، وانتقل إليه الضّمان، أن يبيعَ تلك البضاعةَ إلى ثالث. فقد يحصُل أنّ تاجراً
فى باكستان مثلاً عنده طلبٌ من السّعوديّة لبضائعَ يستوردها التّاجر الباكستانيّ من
يابان. فللوفاءِ بهذا الطّلب، يحتاجُ إلى أن يطلُب البضائعَ من يابان. وفى هذه الحالة
يطلبُ من المصدّر اليابانيّ أن يُرسل تلك البضائعَ إلى السّعوديّة مباشرةً، بدلاً من أن
يُرسلها إلى باكستان أولاً، ثمّ يُرسلَها التّاجرُ الباكستانيّ إلى السّعوديّة، لأنّ فى ذلك
تطويلاً للعمليّة، وزيادةً فى تكاليف النقل والشّحن. فهل يجوز ذلك؟
والجواب، على ما يظهر لهذا العبد الضّعيف عفا الله عنه، أنّنا إن اعتبرنا الأعرافَ الدّوليّة
المذكورة، فإنّ ضمانَ المبيع ينتقلُ إلى المشترى حينما يُسلّم المصدِّرُ البضائعَ إلى
الباخرة، وتُعتبر شركةُ الشّحن وكيلةً للمشترى فى قبض البضائع، فلو باع التّاجر
الباكستانيّ تلك البضائعَ من تاجر سعوديّ، ينبغى أن يجوزَ ذلك، لأَنّه بيعٌ بعد القبض
ئ
الحُكميّ وانتقال الضّمان إليه، فلا يكونُ ربحَ ما لم يضمن. ولكنّ الَّذى يظهر أنّ البضائعَ
فى هذه الحالة فى ضمان التّاجر الباكستانيّ إلى أن تصل إلى التّاجر السّعوديّ، ولا ينتقل
إليه الضّمانُ حتّى يقبضها التّاجر السّعوديّ أو وكيلُه، فلا يجوزُ للتّاجر السّعوديّ أن يبيعَ
تلك البضائعَ إلى آخر قبل ذلك، لأنّه يؤدى إلى البيع قبل القبض.
أمّا إذا كان العقدُ يُصرّح بأنّ الضّمانَ ينتقل إلى التّاجر السّعوديّ فورَ ما يُسلّم التّاجر

المبحث الحادى عشر
اليابانيُّ البضائعَ إلى الباخرة، فإنّه لا يجوز، لأنّ الضّمانَ لاينتقل إلى التّاجر الباكستانيّ
فى مرحلة من المراحل، فلا يجوزُ له أن يبيعَها إلى آخر، فإنّه يؤدّى إلى البيع قبل
القبض وربحٍ مالم یضمن.
وبهذا ظهر أنّ ما قد يقع على بضاعة واحدة عدّةُ بيوع متتالية وهى فى
الطّريق، فإنّ ذلك لايجوز شرعاً. وبهذا ينسدّ باب عقود المضاربات
(speculative transactions) الّتى تجرى فى السّوق الرأسماليّة والّتى
تُحدث مفاسد لاتُحصى، والله سبحانه أعلم.
٥٤٧- تكييف فتح الاعتماد فى البنك
أمّا البيعُ عن طريق فتح الاعتماد فى البنك، فيحتاج إلى تكييف خطاب الاعتماد. وإنّ
البنكَ بعقد فتح الاعتماد يلتزم أموراً آتية:
١- إصدارُ خطاب الاعتماد، ومنها إدراج شروط الاعتماد حسب تعليمات فاتح
الاعتماد، والمراد من شروط الاعتماد الشّروطُ الّتى يتوقّف عليها أداءُ مبلغ
الاعتماد إلى المستفيد. وتكون عادةً قد تقرّرت بين البائع والمشترى.
إرسال خطاب الاعتماد إلی البائع أو إلی بنکه.
٢-
تسلُّم المستندات المرسلة من قبل البائع، وإنّ هذه المستندات تتكوّن من
٣-
بوليصة الشّحن، والفاتورة، وبوليصة التأمين إن كان إرسالها فى جملة
شروط الاعتماد.
فَحْصُ تلك المستندات من حيثُ كونُها موافقةً للشّروط والمواصفات
٤-
المبيّنة فى خطاب الاعتماد.

فقه البيوع
إشعارُ المشترى فاتح الاعتماد إن وُجدت هناك مخالفاتٌ فى المستندات،
٥۔
وسؤالُه هل هو يقبلُ المستندات بالرّغم من مخالفتها للشّروط؟ وهذا ممّا
لا يجبُ عليه، ولكنّه مخيّرٌ فى أن يُشْعِر المشتريَ، أو يرفُض المستندات
بدون إشعار المشترى بالمخالفات. والعملُ على أنّ المخالفاتِ إن كانت
يسيرةً يرجعُ البنكُ إلى المشترى، وإن كانت جوهريّةً، فإنّه يرفُضها مباشرةً.
فإن وقع إشعارٌ للمشترى بالمخالفات، ولم يقبل المشترى المستنداتِ
المخالفة للشّروط، فعلى البنك إشعارُ البائع أو بنكِهِ أنّ المستنداتِ غيرُ
موافقة للشّروط أو المواصفات، مع تعيين تلك المخالفات. ومن حقّه أن
يحتفظ بتلك المستندات إلى أن يحصّلَ على تعليماتٍ من البائع، أو يحصّل
على موافقةٍ من المشترى بقبولها، كما يحقّ له أن يُرُدّ تلك المستنداتِ إلى
البائع، ويرفض إرسالَ مبلغ الاعتماد (يعنى الثّمن)(١)
٦-
إرسالُ مبلغ الاعتماد إلى البائع إذا وُجدت المستنداتُ موافقةً للشّروط
٧-
والمواصفات.
ويتبيّنُ ممّا ذكرنا أنّ العنصرَ الغالب فى التزام البنك مُصدر الاعتماد هو الالتزامُ بدفعِ
مبلغِ الثّمن إلى البائع المستفيد عند وفاءه بالتزاماته بإرسال المستندات. وعلى هذا،
فإنّ إصدارَ الاعتماد كفالةٌ بأداء الثّمن، ولكنّ طبيعتَه تختلفُ عن طبيعة الكفالة
العاديّة، من حيثُ إنّ الكفالةَ العاديّة تبتنى على دين واجب فى ذمّة المكفول عنه،
بحيثُ يقول الكفيل: "أنا ضامنٌ للدَّين الواجب فى ذمّة فلان. " وإنّما يضمن الكفيل
عادةً إذا تخلّف المكفولُ عنه عن أداء الدّين. أمّا الاعتمادُ الصّادر من قبل البنك، فهو
(1) UCP (Uniform Customs & Practices) 600 Article 16

المبحث الحادى عشر
التزامٌ مستقلٌّ لاعلاقة له بالعقد بين فاتح الاعتماد وبين المستفيد، وإنّ البنكَ ملزَمٌ
بدفع مبلغ الاعتماد إن وصلت إليه المستنداتُ موافقةً لشروط الاعتماد، وإن كان
المشترى يدّعى أنّه غيرُ ملزَم بدفع الثّمن لأمرِ جرى بينه وبين البائع.(١)
ولكنّ هذا الأمرَ لا يُخرجه عن الكفالة والضّمان، وذلك لأنّ كونَه عقداً مستقلاً عن
عقد البيع إنّما الغرضُ منه أن لايقع البنك فى تدقيق العقد والمفاوضات التى تمّت
بين البائع والمشترى، وإنّما المقصودُ من فتح الاعتماد أن يطمئنّ البائعُ بأنّه سيحصُل
على ثمن، ويطمئنَّ المشترى بأنّه لا يدفعُ الثّمنَ حتّى يتسلّم المستندات الموثّقة، وإنّ
كون عقد الاعتماد مستقلاً عن عقد البيع أمرٌ نظريٌّ فقط، ولا يحقّ للبائع فى حالٍ من
الأحوال أن يُطالِب بالثّمن مرّتين: مرّةً من البنك بفضل الاعتماد، ومرّةً من المشترى
بفضل عقد بيع، لأنّ البيعَ إن كان بفتح الاعتماد، فإنّ من البيّن أنّ المتعاقدين قد
اشترطا أنّ الثّمن إنّما يُسلَّم إلى البائع عن طريق البنك الضّامن له. ولهذا، فإنّ جميعَ
خصائص الكفالة موجودةٌ فیه.
ولكنّ عقدَ فتح الاعتماد يتضمّن بعض الخدمات الأخرى سوى الكفالة والضّمان،
منها إعدادُ خطاب الضّمان، وبيان الشّروط الّتى يطلُبها فاتح الاعتماد، وإرسالُ.
الخطاب إلى المستفيد، أو إلى بنكه، والمراسلةُ مع البنك المراسل، وتسلّمُ مستندات
الشّحن، وفحصُها حسب المواصفات والشّروط الّتى فُتح بها الاعتماد، وإشعارُ فاتح
الاعتماد بوصول المستندات، والحصولُ على قبولٍ منه، وإرسالُ الثّمن إلى المستفيد
أو بنكه، وإشعارُ البائع أو بنكه إن لم تكن المستنداتُ موافقةً للشّروط والمواصفات،
(1) UCP 600 Article 4

فقه البيوع
والحفاظُ عليها إلى أن تأتىَ تعليماتٌ من المشترى أو البائع. فالكفالةُ فى عقد
الاعتماد مصحوبةٌ بعدّة خدماتٍ يؤدّيها البنك لصالح فاتح الاعتماد. وإنّ فى تقديم
بعض هذه الخدمات يعمل البنك بصفته وكيلاً للمشترى، مثل تسلّم المستندات
وفحصها، وفى بعضها خدماتٌ عامّةٌ.
وبما أنّ فتحَ الاعتماد يتضمّن كفالةً، ووكالةً، وتقديمَ بعض الخدمات الأخرى،
فلنبحث حكمَ كلّ واحدٍ منها بصفةٍ مستقلّة، حتّى نصل إلى حقيقة العمولة الّتى
يتقاضاها البنكُ من فاتح الاعتماد.
وبما أنّ العنصر الغالب فى إصدار خطاب الاعتماد هو الضّمان أو الكفالة، فلنبدأ
بتحقيق حكم العمولة المأخوذة على إصدار خطاب الضّمان، فإنّ خطابَ الضّمان
قد یصدر بدون فتح الاعتماد.
٥٤٨- حكم عمولة إصدار خطاب الضمان
أمّا الكفالة والضّمان، فإنّ المقرّرَ فى الفقه الإسلاميّ أنّه لا يجوز أخذُ أجرةٍ على
الكفالة، فإنّه عقد تبرّع، وليس عقد معاوضة، كالقرض. وقد نقل ابن المنذر رحمه
الله تعالى الإجماع على ذلك. فقال فى كتاب الإشراف أولاً:
"أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنّ الحمالة (وهى الكفالة) بجُعل
یأخذه الحمیل (أی الکفیل) لا تحلّ ولاتجوز."
"واختلفوا فى ثبوت الضّمان على هذا الشّرط، فكان الثّوريّ يقول: إذا قال
ولكن قال بعد ذلك:

المبحث الحادى عشر
الرّجل للرّجل: أكفُل عنّى ولك ألف درهم، فإنّ الكفالةَ جائزة، وتُردّ إليه
الألف درهم ... وقال أحمد فى مسئلة الكفالة: ما أرى هذا يأخذ شيئاً بحقّ.
وقال إسحق: ما أعطاه من شيئ فهو حسن." (١)
وما نقله عن إسحق بن راهويه رحمه الله تعالى يحتمل أنّه يجوز للكفيل أن يأخذ شيئاً من
المكفول عنه إذا كان بغير شرط، وإن كان السّياق فى أجرة مشروطة، وهو قوله: " إذا قال
الرّجل للرّجل: أكفل عنّى ولك ألف درهم" وهذا السّياقُ أوضح فيما نقله الكوسج
المروزيّ رحمه الله تعالى (المتوفى ٢٥١هـ) قال:
"قال سفيان: إذا قال رجل لرجل: أكفل عنّى ولك ألف درهم، الكفالة
جائزةٌ، ويُردّ عليه ألف درهم. قال أحمد: ما أرى هذا يأخذ شيئاً بحقّ. قال
إسحق: ما أعطاه من شيئ فهو حسن."(٢)
ولكنّ هذه العبارةَ المحتملة من قول إسحاق رحمه الله تعالى لا تقومُ أمامَ حكاية
الإجماع. وعلّل بعضُ الفقهاء المنعَ بأنّه رشوة. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى:
"ولو كفل رجلٌ عن رجل بمال على أن يجعل له جُعلاً، فالجُعل باطل: هكذا رُوى
عن إبراهيم رحمه الله تعالى، وهذا لأنّه رشوةٌ، والرّشوةُ حرام، فإنّ الطّالبَ ليس
يستوجب بهذه الكفالة زيادةَ مال، فلا يجوز أن يجب عليه عوض بمقابلته."(٣)
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر ١: ١٢٠ كتاب الحوالة والكفالة
(٢) مسائل الإمام أحمد وإسحق بن راهويه ٦: ٣٠٥٥ فقره ٢٢٩٩ عمادة البحث العلميّ، الجامعة
الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة
(٣) المبسوط للسّرخسيّ ٢٠: ٣٢ كتاب الكفالة، باب الكفالة بالمال