Indexed OCR Text
Pages 361-380
O فقه البيوع العادةَ أنّها كانت تُقام فى محلّ واحد، أوفى وقت واحد، وإن كانت فى مواضعَ مختلفة. وقد شاع فى البلاد اليوم أنّها تُقام فى مواضع مختلفة فى أوقات مختلفة. فهل يُكره البيع عند الأذان الأول أينما كان فى البلد، أو عند الأذان فى أقرب مسجد للمتبايعين؟ قد اختلفت فيه فتاوى مشايخنا. فأفتى الإمام أشرف على التّهانويّ رحمه الله تعالى بأنّه يُكره بأوّل أذان يؤذّن فى البلد، وقاسه على وجوب الإجابة باللّسان، حيثُ يجب إجابةُ أوّل أذانٍ يسمعه الإنسان فى البلد، وإن لم يكن فى مسجد حيّه.(١) وأفتى شيخنا العلامة المفتى رشيد أحمد رحمه الله تعالى بأنّ البيع يُكره عند أذان مسجد الحيّ، لأنّ الإجابةَ بالقدم إنّما تجب به. (٢) والظاهر أنّه هو الرّاجح، لأنّ الفقهاءَ إنّما علّلوا منعَ البيع بكونه مؤدّياً لترك السّعي الواجب. ولايتّجه أن يُقال إنّ السّعيَ واجبٌ بالأذان فى أقصى البلد، وإن كان الرّجل يُصلّى فى مسجده القريب ولم يؤذّن فيه، لأنّ الله سبحانه وتعالى أضاف وجوبَ السّعي إلى النّداء الّذى خوطب به المكلّف، وهذا النّداءُ نداءُ المسجد الذى يُصلّى فيه الجمعة، والله سبحانه أعلم. وكذلك استثنى بعضُ الحنفيّة ما إذا تبايع إثنان وهما يمشيان إلى الجمعة، لأنّه لايُخلّ بالسّعى، ولكن اختلفت فيه الفتاوى أيضاً،(٣) فينبغى التّنزه عنه إلاّ لحاجة ملحة. وقد تعوّد بعض التّجّار أنّهم لا يُغلقون محلاّتهم التّجاريّة بعد أذان الجمعة، ويبرّرون عمَلهم بأنّ أصحاب دكّان واحد يتناوبون فى أداء صلوة الجمعة فى مساجد مختلفة (١) إمداد الفتاوى ١٠٨:١ سؤال ١٦٥ (٢) أحسن الفتاوى، باب الجمعة ١٢٨:٤ (٣) راجع الدر المختار مع رد المحتار، باب الجمعة ٥: ٨١ وباب البيع الفاسد ٧١٦:١٤ المبحث الثامن فى أوقات مختلفة، فلا تفوتُ الجمعة على أحدٍ منهم. والظّاهر أنّ هذا لايجوز، وذلك لأنه يُمكّن جميعَ المشترين من عقد الشّراء بعد الأذان، حتّى الّذين لا يجوز لهم ذلك لإخلالهم بالسّعى الواجب فى حقّهم. وقد ذكر الفقهاءُ أنّ كلّ واحد من العاقدين يأثم فى هذه الصّورة. قال الشّيرازيّ رحمه الله تعالى فى المهذّب: "فإن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة، والآخرُ ليس من أهل فرضها أثِما جميعاً، لأنّ أحدَهما توجّه عليه الفرضُ فاشتغل عنه، والآخرُ شغله عنه."(١) والّذى يظهر لى أنّ قول الله سبحانه وتعالى: "وَذَرُوا الْبَيْعَ "ليس نهياً عن عمل فرديّ فقط، بل هو سدٌّ لباب البيع والشّراء فى هذا الوقت على مستوى المجتمع، لأنّ الجمعةَ من شعائر الإسلام، وينبغى أن يكون لها مظهرٌعامّ. وأمّا من أجاز البيعَ والشّراءَ لمن لاتجب عليه الجمعة، فهو من المستثنيات على مستوى الأفراد، لا أن يُجعل أصلاً، وأن تُفتح له الأسواق، ولو بالتّناوب. والله سبحانه أعلم. ٤٦٧- السّوم على سوم غيره ومن البيوع المكروهة ما وقع فيه السَّمُ على سوم غيره. وقد وقع عنه النّهيُ فى الحديث الصّحيح عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: "أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يسُمِ المسلمُ على سَوم أخيه."(٢) وفسره ابنُ الهمام رحمه الله تعالى (١) المهذّب مع المجموع، باب صلاة الجمعة ٤: ٥٠٠ (٢) أخرجه مسلم فى باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه علی سومه. حديث ٣٧٨٨ فقه البيوع بقوله: "هو أن يتراضيا بثمن، ويقع الركون به، فيجيئ آخرُ فيدفع للمالك أكثر، أو مثلَه غير أنّه رجلٌ وجیه، فیبیعُه منه لوجاهته."(١) وقد وقع فى حديث عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يبيع بعضكم على بيع أخيه" (٢) وفسّره ابن الهمام رحمه الله تعالى بقوله: "أن يتراضيا على ثمن سلعة، فيجيئ آخر فيقول: أنا أبيعُك مثلَ هذه السّلعة بأنقصَ من هذا الثّمن، فيضُرّ بصاحب السّلعة. " وفسّره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأن يشتريَ رجلٌ سِلعةً على خيار، فيقول له رجل: افسُخْ شراءك هذا، أنا أبيعُك نظيرَها بأرخص. ويدخل فى هذا الحكم الشّراءُ على شراء بعض، وهو أن يكون الخيارُ للبائع، فيقول له رجل آخر: افسُخْ بيعك هذا، وأنا أشتريه منك بأكثر. (٣) والحاصل: أنّه إذا تبيّن تراضى العاقدين الأولين وركونُ أحدهما إلى الآخر، فلاخلاف فى عدم جواز المساومة من قِبل غيرهما. أمّا إذا لم يوجد ما يدلّ على الرّضا ولا على عدمه، فهو جائز، كما يجوز الخطبة على خطبة الآخر إن لم يظهر التّراضى، (٤) وذلك لحديث فاطمة بنت قيس رضى الله تعالى عنها أنّها ذكرت (١) فتح القدير٦: ١٠٧ (٢) أخرجه البخاري، باب لا يبيع على بيع أخيه، حديث ٢١٣٩ ومثله عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه حدیث ٢١٤٠ (٣) فتح البارى، باب لا یبیع على بيع أخيه ٤: ٣٥٣ (٤) فتح القدير٦: ١٠٧ وبداية المجتهد ٢: ١٦٥ ٥ المبحث الثامن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ أباجهم ومعاوية بن أبى سفيان خطباها، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: "أمّا أبوجهم، فلا يضعُ عصاه عن عاتقِه، وأمّا مُعاوية، فصعلوك لامال له؛ انکحی أسامة بن زيد."(١) وظهر بهذا أنّ العُروض الّتى يُقدّمها التّجَارُ إلى مَن يُريد الشّراء ليس داخلاً فى النّهي، لأَنّه لا يظهرُ تراضى الطَّرفين عند العرض، فلا بأس أن يتقدّم تاجرٌ على عَرْض تاجرٍ آخر، مالم يكن ظهر تراضيهما واستقرارُهما على ثمن. ثمّ السّومُ على سوم الغير منهيٌّ عنه عند الجميع، وقد عبّر بعضُهم عنه بالكراهة، وآخرون بالحرمة، بعد اتّفاقهم على كونه إثماً. ولكن لو عقد المساوِمُ الثّنى البيعَ، فالبيع صحيحٌ عند الجمهور، وخالفهم داود الظّاهريّ، فقال: لاينعقد البيع أصلاً. وبه قال المالكيّة والحنابلة فى رواية.(٢) ومذهب الجمهور هو الرّاجح. ٤٦٨- النّجْش النّجش (بسكون الجيم، وقيل: بفتحها) فى اللّغة بمعنى إثارة الصّيد وتنفيره من مكان إلى مكان. وقيل: معناه الخداع، وقيل: المدح والإطراء. أمّا معناه فى الاصطلاح (١) أخرجه مسلم والترمذيّ وأبوداود، وهذا لفظ مسلم فى كتاب الطلاق، باب المطلقة البائنة لانفقة لها، حدیث ٣٦٩٧ (٢) فتح البارى ٤: ٣٥٤ وقال ابن رشد: "وفقهاء الأمصار على أنّ هذا البيع يُكره، وإن وقع مضى، لأنّه سوم على بيع لم يتمّ، وقال داود وأصحابه: إن وقع فُسخ فى أيّ حالة وقع تمسكاً بالعموم. وروى عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفُت. وأنكر ابن الماجشون ذلك فى البيع، فقال: وإنما قال بذلك مالك فى النّكاح. " (بداية المجتهد ٢: ١٦٥) وذكر ابن قدامة القولين ثمّ ذكر الصحّة فى الأخير والظاهر أنّه رجحه. (المغنى ٢٧٨:٤ و٢٧٩) فقه البيوع الفقهيّ، فهو أن يزيدَ الرّجل فى ثمن السّلعة، لا لرغبة نفسِه فى شراء ها، بل ليخدعَ غيره ليرغب فيها ويشتريّه بثمنٍ زائد. وقد ورد عنه النّهيُ فى الحديث الصّحيح الصّريح عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "ولا تناجشوا"(١) ولذلك أجمع الفقهاءُ على حرمته. فإن كان النّاجشُ فعل ذلك من عند نفسه، ولم يعلمْ به البائع أو لم يأمره، فالإثمُ على النّاجش وحده. وإن وقع ذلك بمواطأة من قبل البائع، فالإثم عليهما. وذكر ابنُ العربيّ من المالكيّة أنّه إن رأى بائعاً يُغبَن فى بيعه، ويأخذُ منه بعضُ المشترين السّلعة بأقلّ من قيمة مثلها، جاز النّجْش حتّى تبلغ السّلعةُ قيمتَها، بل يكون مأجوراً على رفع الغبن عن أخيه المسلم. وبه يقول الحنفيّة. قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "فأمّا إذا لم تكن (السّلعة) بلغت قيمتها، فزاد القيمةَ لايُريد الشّراء، فجائز، لأَنّه نفعُ مسلم من غير إضرار بغيره إذ كان شراؤ الغير بالقيمة.(٢) وأمّا حكمُ البيع الّذى عُقد بطريق النّجش، فالبيع صحيحٌ مع الإثم عند الحنفيّة والشّافعيّة، وفى الرّاجح من مذهب الحنابلة. وقال أهل الظاهر: البيع باطل رأساً. وبه (١) أخرجه البخاري، باب لا يبيع على بيع أخيه، حديث ٢١٤٠ (٢) شرح الأبي على صحيح مسلم ٤: ١٨١ و فتح القدير٦: ١٠٦ ومثله فى الدّرّالمختار ورد المحتار ٧١٩:١٤ O المبحث الثامن قال مالك وأحمد فى رواية. وإن كان فى البيع غبنٌ فاحش، فللمشترى خيارُ الفسخ عند المالكيّة(١) والحنابلة، سواءٌ أكان النّجش بمواطأة من البائع أم لم يكن. أمّا عند الحنفيّة، فلاخيارَ للمشترى مطلقاً، وهو قولُ الشّافعيّة فى رواية. وعنهم روايةٌ أخرى أنّ للمشترى الخيارَ إن كان النّجش بمواطأة من البائع. (٢) وقد مرّ تفصيل أحكامه فى مبحث بيع المزايدة والحمد لله تعالى. (١) الشرح الكبير على مختصر خليل مع حاشية الدسوقي ٦٨:٣ (٢) هذا ملخص ما فى المغنى لابن قدامة ٢٧٨:٤ فقه البيوع ٤٦٩- المبحث التاسع فی تدخّل السّلطات فى التجارة الحرّة فكيره المبحث التاسع ثمّ إنّ من حكمة شريعة الله سبحانه وتعالى أن تكون التّجارةُ فى السُّوق حرّةً يتعامل فيها الباعة والمشترون بتراضيهما الحرّ بدون أن يتدخّل فيه أحدٌ من الخارج. ولكنّ الشّريعةَ فى الوقت نفسه اعتبرت أن لا يكون تراضى الطّرفين يُفوّت حقَّ العامّة. ومن هذه الجهة، فقد نُهيَ عن عدّة بيوع، وإن كانت تجمع شروطَ صحّة البيع، لكونها تضُرّ بعامّة النّاس فى الحصول على حاجاتهم، أو تُفسد السِّير الطّبيعيّ للسوق. ونذكر فيما يأتى أنواعاً من هذه التّعاملات. ٤٧٠- بيع الحاضر للبادى فمنها ومن البيوع المكروهة بيعُ الحاضر للبادى، لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: "نهى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن يُتلقّى الُّكبانُ وأن یبیعَ حاضرٌ لباد." وقد فسّره العلماء بتفسيرين: أحدهما ما ذكره صاحبُ الهداية والكاسانيّ رحمهما الله تعالى، وهو أن يلتزمَ البائعُ البلديّ أن لا يبيعَ سلعتَه إلاّ من أهل البدو طمعاً فى الثّمن الغالى. وسبب المنع فيه أنّه يترك أهلَ البلد فى عَوز. ولذلك قيّدوه بحالة القحط والعوز فى البلد.(١) والتّفسير الثّانى قد اختاره جمهور الفقهاء والمحدثين، وذكره ابن الهمام رحمه تعالى عن الحلوانيّ: "هو أن يمنع السّمسارُ الحاضرُ القرويَّ من البيع، ويقولَ له: لا تبع أنت، أنا أعلم بذلك. فیتوگّل له، ویبیع ويُغالى. ولو تركه يبيع بنفسه، لرخُص (١) الهداية مع فتح القدير٦: ١٠٧ وبدائع الصنائع ٤: ٤٨٠ ورد المحتار ١٤: ٧٢٤ فقرة ٢٣٧٢١ ١٤ ٠""" " " . .٥ جد عبيه ه فقه البيوع على النّاس."(١) وهذا التفسير أصحّ بالنّظر إلى لفظ الحديث، ولما أتبعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قوله: دعُوا النّاسَ يرزُقِ الله بعضهم من بعض. "(٢) ولأنّ ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فسّره بقوله: "لا يكُن له سِمساراً."(٣) وبما أنّ علّةَ النّهيِ الإضرارُ بأهل البلد، فقيّده جميعُ الفقهاء بشروطٍ كُلُّها ترجع إلى الضّرر بأهل البلد، بأن يُحدِث الغلاءَ فى السُّوق. وقد بسطتُ الكلام على ذلك فى تكملة فتح الملهم. (٤) ثمّ إنّ البيعَ، وإن كان منهيّاً عنه، ولكنّه نافذٌ مع الإثم عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة فى قولهم المختار، وبه قال أحمد في رواية. وعنه روايةٌ أخرى: أنّ البيعَ لا ينعقد أصلاً، ويظهر من كلام ابن قدامة أنّه رجّحها.(٥) ولمّا ثبت أنّ النّهى مختصٌّ بما إذا أدّى ذلك إلى الضّرر بأهل البلد، فإن لم يكن فيه ضررٌ بأهل البلد، وإنّما أراد الحضريُّ أن يُعين قرويّاً فى بيع ما عنده بدون التأثير فى السّعر، فهو جائز. وإلى هذا أشار البخاريّ رحمه الله تعالى حيثُ قال فى ترجمته على هذا الحديث: "هل يبيعُ حاضرٌ لبادٍ بغير أجر؟ وهل يُعينه أو ينصحه؟" ثمّ بدأ بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا استنصح أحدكم أخاه، فلینصحْ له." وعلى هذا، ما راجَ فى زماننا من أنّ أصحابَ الزّروع والثّمار يجعلون بعضَ التّجّار (١) فتح القدير٦: ١٠٧ (٢) أخرجه مسلم، باب تحريم بيع الحاضر للبادى، حديث ٣٨٠١ (٣) أخرجه البخاريّ، حدیث ٢١٥٨ (٤) تكملة فتح الملهم ١: ٢١٨ إلى ٢٢١ (٥) المغني لابن قدامة ٤: ٢٨٠ المبحث التاسع وكلاءَ لهم بوكالة عامّة، ويشْحَنون إليهم المنتجات الزّراعيّة ليبيعوها بالنّيابة عنهم، فإنّ جوازَه مشروطٌ بأن لا يضُرَّ بأهل البلد، وذلك أن يحتكر هؤلاء التّجّارُ ما يصل إليهم من المنتجات الزّراعيّة، وأن ينتظروا الغلاءَ فى السّوق. أمّا إن لم يستلزم ذلك الاحتكار، ولا التحكّم فى الأسواق، فلابأس بذلك، والله سبحانه وأعلم. ٤٧١- تلقّى الجلب ومنها النّهيُ عن تلقّى الجلب. والمراد من الجَلَب الرّكبُ الّذين يجلبون السّلع إلى البلد. والمرادُ من تلقّيهم أن يخرجَ رجل من أهل البلد ويتلقّاهم قبل أن يصلوا إلى البلد، ويشتريَ منهم السّلع، وهو ممنوعٌ فى حالتين: الأولى: أن يكونَ لأهل البلد حاجةٌ إلى تلك السّلع، ويتلقّاهم الرّجل ليشتريَ منهم ويبيع إلى أهل البلد بثمنٍ غال. والثّانية: أن يشتريَ منهم بأرخصَ من سعر البلد، وهم لا يعلمون بالسّعر. وهو ممنوعٌ بنفس الحديث الذى ذكرناه فى بيع الحاضر للبادى. والنّهيُ معلولٌ بالضّرر إمّا بأهل البلد فى الصّورة الأولى، وإمّا بأهل الرّكب فى الصّورة الثانية. وبذلك قال الحنفيّة، كما فى الدّرّ المختار ورد المحتار. فما نقل ابنُ قدامة عن أبى حنيفة أتّه لم يرَ بذلك بأساً، ليس صحيحاً على إطلاقه.(١) وقد اتّفق الفقهاءُ على أنّ مَن اشترى السّلعَ بتلقّى الجلب، فالبيع نافذ. ولكن ذهب الشّافعيّة إلى أنّ البائعَ إِن ورد فى السُّوق، وعلم أنّه قد غُبن من قِبل المشترى، فهو بالخيار، إن شاء (١) قارن رد المحتار ١٤: ٧٢٤ بالمغنى لابن قدامة ٤: ٢٨١ فقه البيوع فسخَ البيع وإن شاء أجازه. وأمّا المالكيّة، فقالوا تُعرَض السّلعةُ على أهل السّوق، فيشتركون فيها. وقال اللّيث بن سعد: تُباع فى السّوق.(١) ومشهورُ مذهب الحنفيّة فى هذا أنّه لاخيارَ للبائع بعد نفاذ البيع ووروده إلى السّوق، وإن كان مغبوناً. وحجّةُ الشّافعيّة والحنابلة قولُ الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم: "لاتلقَّووا الجلب. فمَن تلقّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيّدُه السوق، فهو بالخيار."(٢) وقد أسلفنا فى مبحث خيار المغبون أنّ متأخّرى الحنفيّة أفتَوا بخيار المغبون. والحديثُ يدلّ على ذلك بدون معارض. والله سبحانه أعلم. ٤٧٢- الاحتكار ومنها النّهيُ عن الاحتكار. والاحتكارُ: أن يدّخر الإنسان أشياءَ الحاجة فى انتظار غلاءها، ويُمسكَها عن البيع. وقد رُويَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "من احتكر فهو خاطئ. "(٣) ورُوي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "من احتكر على المسلمين طعامَهم، ضربه الله بالجذام والإفلاس. "(٤) ورُوي عنه صلّى الله عليه وسلّم (١) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٨١ و٢٨٢ وتكملة فتح الملهم ١: ٢١٥ إلى ٢١٨ (٢) أخرجه مسلم، حديث ٣٧٩٨ (٣) أخرجه مسلم، باب فى النّهى عن الحُكرة عن معمر بن عبدالله رضى الله تعالى عنه. حديث ٤٠٩٢ (٤) أخرجه ابن ماجه، باب الحكرة والجلب، حديث ٢١٥٥ وقال البوصيريّ رحمه الله تعالى: "هذا إسناد صحيح رجاله موثقون." المبحث التاسع أنّه قال: " الجالبُ مرزوقٌ، والمحتكِر ملعون." (١) ورُوي عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "من احتكَر طعاماً أربعين يوماً، فقد برئ من الله تبارك وتعالى، وبرئ الله تبارك وتعالى منه."(٢) وأخرج أحمد فى مسنده عن فرّوخ مولى عثمان رضى الله تعالى عنه: "أنّ عمر رضى الله عنه، وهو يومئذٍ أميرُ المؤمنين، خرج إلى المسجد، فرأى طعاماً منثُوراً، فقال: ماهذا الطّعام؟ فقالوا: طعامٌ جُلب إلينا. قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين، فإنّه قد احتُكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فرّوخ مولى عثمان، وفلانٌ مولى عمر. فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال: ما حَمَلكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين! نشترى بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من احتكر على المسلمين طعامَهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام. فقال فرّوخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين! أُعاهِد الله وأعاهدك أن لاأعود فى طعام أبدا. وأمّا مولى (١) أخرجه ابن ماجه عن عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه، باب الحكرة والجلب، حديث ٢١٥٣ وفى إسناده عليّ بن زيد بن جدعان، ضعفه غير واحد كما فى مصباح الزجاجة للبوصيري ٣: ١٠ (٢) أخرجه أحمد وابن أبى شيبة والبزار وأبويعلى فى مسانيدهم، والحاكم فى المستدرك، والدارقطنيّ فى غرائب مالك، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم فى الحلية. وقال الذّهبيّ فى تلخيص المستدرك: "عمروبن الحصين تركوه، وأصبغ بن يزيد فيه لين. " (نصب الراية ٤: ٢٦٢) وقال العراقيّ فى تخريج الإحياء: "رواه أحمد والحاكم بسند جيد. وقال ابن عديّ: ليس بمحفوظ من حديث ابن عمر. "(تخريج إحياء العلوم فى حاشيته ٧٢:٢) فقه البيوع عمر، فقال: إنّما نشترى بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً."(١) وخصّ معظمُ الفقهاء النّھي بالأقوات وعلف الدواب إن أضرّ ذلك بأهل البلد. ورُوي عن محمّد رحمه الله تعالى أنّه ممنوعٌ فى الّياب أيضاً. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنّه ممنوعٌ فى كلّ ما أضرّ بالعامّة. (٢) وهو مذهب المالكيّة. فنقل الحطّب عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّه قال: "والخُكرة فى كلّ شيئ، من طعام، أو إدام، أو كّان، أو صُوف، أو عُصفر، أو غيره. فما كان احتكارُه يضُرّ بالنّاس مُنِع محتكرُه من الخُكرة. وإن لم يضُرّ بالنّاس ولا بالأسواق، فلابأس به."(٣) ثمّ قصر بعضُ الفقهاء النّهيَ على ما إذا اشترى الرّجل السّلعةَ من السّوق ثمّ احتكرها. أمّا مَن احتكر زرع نفسه، أو اشترى من سوق غيرِ السّوق الذى اعتادت المدينةُ أن تجلِبَ طعامَها منه، فالاحتكار جائزٌ عندهم، وهو الذى اختاره الحنابلة والشّافعيّة وبعضُ الحنفيّة.(٤) ونقل الرّهونيّ عن الباجيّ أنّ ابن رشد قال: "إذا وقعت الشّدَة، أُمر أهل الطّعام بإخراجه مطلقاً، ولو كان جالباً له أو كان من زراعته. "(٥) وذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى عن أبى يوسف مثلَه.(٦) (١) مسند أحمد ١: ٢٨٣ وأورده ابن الجوزيّ فى العلل المتناهية ٢: ٦٠٦ وقال: أبو يحيى مجهول، کما ذكره محقق مسند أحمد (٢) ردالمحتار، كتاب الحظر والإباحة، ٣٩٨:٦ (٣) مواهب الجليل للحطاب، أوائل كتاب البيوع ٤: ٢٢٧ (٤) المغني لابن قدامة ٤: ٢٨٣ وبدائع الصنائع ٤: ٣٠٨ و٣٠٩ والبيان فى مذهب الإمام الشّافعيّ للعمراني ٣٥٧:٥ (٥) الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٩٣:٢ (٦) بدائع الصنائع ٣٠٨:٤ المبحث التاسع وهذا القول يبدو راجحاً لعموم النّهي، ولأنّ عّتَه الإضرارُ بأهل البلد، فيشمُل كلَّ ما يحتاجون إليه. ومن احتكر ما نُهى عن احتكاره، فإنه يُجبر من السُّلطات المعنيّة بجَلبه إلى السّوق. قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى فى الدّرّ المختار: "ويجب أن يأمره القاضى ببيع ما فضُل عن قُوته وقوت أهله. فإن لم يبع، بل خالف أمرَ القاضى، عزّره بما يراه رادعاً له، وباع القاضى عليه طعامَه وفاقاً على الصّحيح. " وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحته: "أى إذا امتنع، باعه جبراً عليه. قال فى الهداية: وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامَه من غير رضاه؟ قيل: هو على اختلافٍ عُرف فى بيع مال المديون. وقيل: یبیع بالاتفاق، لأنّ أبا حنيفة یری الحَجْر لدفع ضررعام. وهذا كذلك." (١) وقال النّويّ رحمه الله تعالى: "والحكمةُ فى تحريم الاحتكار رفعُ الضّرر عن عامّة النّاس، كما أجمع العلماء على أنّه لو كان عند إنسان، واضطرّ النّاس إليه، ولم يجدوا غيرَه، أجبر على بيعه، دفعاً للضّرر عن النّاس."(٢) ٤٧٣- تكوين جمعيّة من التّجار للتحكّم فى الأسعار وينبغى أن يكون فى حكم الاحتكار ما شاع فى أسواقنا اليومَ من أنّ أصحاب صنعة واحدة، أو تجّار سلعة واحدة يكوّنون جمعيّةً (Cartel) تتحكّم فى أسعار تلك السّلع. وبما أنّهم ليس بينهم منافسةٌ فى الأسعار، فإنّ النّاس لا يبقى لهم خيارٌ إلاّ بأن يشتروا (١) ردالمحتار، كتاب الحظر والإباحة، ٦: ٣٩٩ (٢) شرح النووي على صحيح مسلم، باب تحريم الاحتكار فى الأقوات ٤٣:١١ ونقله الحطاب فى مواهب الجليل (٢٢٨:٤) وأقرّه. فقه البيوع تلك السّلعَ بتلك الأسعار المرتفعة الّتى اتّفقت جمعيّةُ التّجّار عليها. فيحصُل بذلك ضررٌ مثلُ ضرر الاحتكار، فينبغى أن لاتتركهم السُّلطاتُ المعنيّة بتكوين مثل هذه الجمعيّة. وقد نصّ على ذلك بعضُ الفقهاء فى بعض المسائل. فقد جاء فى الهداية: "ولا يَتْرُكِ القُسّامَ يشتركون، كى لا تصير الأجرةُ غاليةً بتواكلهم، وعند عدم الشّركة يتبادرُ كلٌّ منهم إليه خيفةَ الفوت، فيرخص الأجر."(١) والمراد من القُسّام الّذين يقسمون الأراضيَ المشتركة بين الشُّركاء بأجرة. فينبغى للسّلطات أن تمنعهم من إحداث جمعيّة مشتركة بينهم ليتحكّموا فى تحديد أجرة القسمة. وظاهرٌ أنّ ضررَ غلاء الأثمان فى الأطعمة والأقوات وغيرها أشدُّ بالنّسبة إلى الغلاء فى أجور القسمة، فينبغى أن يكون الحكمُ كذلك فى اشتراك التّجّار فى تحديد أسعار ما يحتاجُ إليه النّاس. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٧٤- التّسعير التّسعير: أن يُقيّد الحاكمُ التّجّار بأن يبيعوا سِلَعهم بسعر معيّن. والأصل فى حكمة الشّريعة الإلهيّة أن لا يتدخّل أحدٌ فى تجارة عن تراضى الطَّرفين، وأن تتعيّن الأسعارُ بمنافسة حُرّة فى السّوق. وإليه أشار النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم فى قوله المذکور فی بیع الحاضر للبادی: "دعوا النّاس یرزق الله بعضهم من بعض." ولذلك ورد هناك نهيٌ صريح عن التّسعير فى حديث أنس رضى الله تعالى عنه قال: "غلا إلسّعرُ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا رسولَ الله! سَعّر (١) الهداية مع تكملة فتح القدير، كتاب القسمة ٣٥١٠٨ المبحث التاسع لنا. فقال صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الله هو المسعر القابضُ الباسط الرّزَاق، وإنّى لأرجو أن ألقى ربّى وليس أحدٌ منكم يطلبُنى بمظلِمةٍ فى دمٍ ولامال." (١) وعلى أساس هذا الحديث، منع جمهور الفقهاء من تسعير الحاكم. (٢) ولكن قال صاحب الهداية رحمه الله تعالى: "ولا ينبغى للسّلطان أن يسعّر على النّاس لقوله عليه السلام: لاتُسعّروا، فإنّ الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق. فإن كان أربابُ الطّعام يتحكّمون ويتعدَّون عن القيمة تعدّياً فاحشاً، وعجز القاضى عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتّسعير، فحينئذٍ لابأس به بمشورةٍ من أهل الرّأي والبصيرة. فإذا فعل ذلك وتعدّى رجل عن ذلك وباع بأكثر منه، أجازه القاضى، وهذا ظاهرٌ عند أبى حنيفة، لأنّه لايرى الحَجْر على الحُرّ. وكذا عندهما، إلاّ أن يكون الحجْرُ على قومٍ بأعيانهم. ومن باع منهم بما قدَّره الإمام، صحّ، لأَنّه غيرُ مُكرَهٍ على البيع." (٣) وقدّر الزّيلعيّ رحمه الله تعالى التّعدّيَ الفاحش بضعف القيمة.(٤) وقال ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى: "إنّ لوليّ الأمر أن يُكره النّاس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة النّاس إليه. " (٥) واستدلّ ابنُ القيّم رحمه الله تعالى على ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: "مَن أعتق شِركاً له فى عبد، فكان له من المال يبلُغ ثمنَ العبد، قُوَمُ. عليه بقيمة العدل ... الحديث. ووجهُ الاستدلال به أنّ هذا الّذى أمر به النّبيّ صلّى الله عليه (١) أخرجه الترمذيّ، باب ما جاء فى التّسعير، حديث ١٣١٤ وقال: حديث حسن صحيح. (٢) المغني لابن قدامة ٤: ٢٨٠ و٢٨١ وبدائع الصنائع ٤: ٣١٠ (٣) الهداية مع تكملة فتح القدير، كتاب الكراهية ٤٩٢٠٨ (٤) تبيين الحقائق للزّيلعيّ ٢٨:٦ (٥) الحسبة فى الإسلام ص ١٧ و ٤١ كما نقل عنه فى الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٠٥:١١ ١٠٠٢ فقه البيوع وسلّم من تقويم الجميع (أى جميع العبد) قيمةَ المثل هو حقيقةُ التّسعير. فإذا كان الشّارِعُ يوجب إخراجَ الشيئ عن مِلك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق، ولم يُمكّن المالكَ من المطالبة بالزّيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجةُ بالنّاس إلى التّملّك أعظم، مثل حاجة المضطرّ إلى الطّعام والشّراب والّباس وغيره. أمّا الحديث المذكور فى منع التّسعير، فقال فيه ابنُ القيّم رحمه الله تعالى: "هذه قضيّةٌ معيّنةٌ، وليست لفظاً عاماً، وليس فيها أنّ أحداً امتنع من بيع ما النّاسُ يحتاجون إليه. ومعلومٌ أنّ الشّيئ إذا قلّ، رغب النّاسُ فى المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه كما جرت به العادة، ولكنّالنّاسَ تزايدوا فيه، فهُنا لا يُسعَر عليهم. (١) وحاصلُ هذه الأقوال أنّ التّسعير لا يُعملُ به إلاّ فى أحوال غير عاديّة إذا تضرّر النّاس ء بأسعار مرتفعة جداً فيما يحتاجون إليه من الطّعام والشّراب واللّباس. وإلاّ فالأصل أن يُترك التّجّار والمشترون بما يتراضَون فيما بينهم. والظّاهر أنّه إن لم يكن هناك احتكار، ولا تحكّم التّجّار بإحداث جمعيّة، فإنّ ذلك يفتح بابَ المنافسة الحرّة فى السّوق، ولا يُمكن أن يُغاليَ أحدٌ فوق سعر المثل، وإلاّ فإنّه يفقِد الزبائن، فلا يُحتاج إلى التّسعير، وإنّما يُحتاج إليه فى أحوال غير عاديّة خالف فيها التّجّار أحكامَ الشّريعة الإسلاميّة. والله سبحانه أعلم. (١) الطرق الحكمية ص ٢١٧ المبحث العاشر فی ٤٧٥- أحكام المال الحرام