Indexed OCR Text

Pages 201-220

٨٢٤
فقه البيوع
الطّيب، أو إلى الذّوق كما فى المطعومات، فقد يحتاجُ إلى مثل هذه الأعمال مع
الرّؤية لحصول العلم الكافى، وقد تنوب هذه الأعمالُ عن الرّؤية، كالشّمّ فى الطَّيب
إذا اشتراه ليلاً، أو إذا كان المشترى أعمى. فتكفى هذه الأعمالُ لسقوط خيار الرؤية
إن حصل بها العلم المقصود. قال صاحب الهداية فى شراء الأعمى: "يسقط خياره
بجَسّه المبيعَ إذا كان يُعرَف بالجسّ، وبشَمّه إذا كان يُعرف بالشّمّ، وبذوقِه إذا كان
يُعرفُ بالذّوق، كما فى البصير. " وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى تحته: "وقوله كما
فى البصير ظاهرٌ فى أنّ البصيرَ إذا لم يرَ المبيع، ولكن شمّه فقط (كما فى ظُلمة اللّيل)
وهو ممّا ◌ُعرفُ بالشّمّ، کالمسك ونحوه فرضي به، ثمّ رأی فلا خيارَ له."(١)
٣٦٥- خيار الرّؤية فى التّجارات الدوليّة
قد مرّ من مذهب الحنفيّة أنّ خيارَ الرّؤية للمشترى لا يعتمد إلاّ على مجرّد رؤية المبيع،
بمعنى أنّه يحقّ له فسخُ البيع بعد الرّؤية، ولا يجب عليه أن يبيّن سببَ الفسخ، ولا أن
يكونَ الفسخُ لعيب فى المبيع، أو لفقدان وصفٍ مطلوب. وليست هناك مشكلةٌ عمليّةٌ
فى إثبات مثل هذا الخيار فى المبادلات المحلّيّة. ولكن هناك إشكالٌ عمليٍّ كبيرٌ فى
إثباتِ خيار الفسخ بمجرّد الرّؤية فى التّجارات الدّوليّة، وذلك لأنّ البضاعاتِ تُرسَل
إلى المشترى عن طريق البواخر غالباً، فلو وصلت إلى المشترى عن طريق الباخرة،
وكانت حسب المواصفات المتّفق عليها، ثمّ ردّها المشترى بمجرّد خيار الرّؤية، فإنّ
فيه ضرراً كبيراً على البائع. فلو أخذنا بمذهب الحنفيّة، فإنّه يحِقّ للمشترى أن يُرُدّها،
وقد اختلفت أقوالُ فقهاء الحنفيّة فى تعيين مَن يتحمّل نفقاتِ الحمل والنّقل فيما إذا
(١) فتح القدير ٥٤١:٥

٨٢٥
المبحث الثامن
كان البيعُ لشيئ غائب، ثمّ جاء البائعُ بالمبيع إلى المشترى وردّه المشترى. والّذى تقرّر
فى الأخير أنّه إن جاء به البائعُ بغير طلبٍ من المشترى، فإنّ البائعَ يتحمّل نفقاتِ الحمل
إلى المشترى، وللمشترى أن يُرُدّه بخيار الرؤية، ونقل ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّه
يلزم المشتريَ تحميلُه إلى محلّ العقد.(١) (ولا يظهر له وجه إن كان البائعُ جاء به بدون
طلبٍ من المشترى). أمّا إذا جاء به بطلبٍ من المشترى، فالظّاهرُ أنّه يتحمّل نفقاتٍ
الحمل جائياً وراجعاً.
وظاهرٌ أنّ إرسالَ البضاعات فى التّجارات الدّوليّة يكون بطلبٍ من المشترى. فلو ردّه
بخيار الرّؤية، فإنّه يتحمّل نفقاتِ الشّحن إلى بلده، ثمّ نفقاتِ ردّه إلى بلد البائع، وإنّ
هذه النّفقاتِ باهضةٌ من غير نفع يرجع إليه، فليس فى صالحه أن يرُدّ المبيع بخيار رؤية
إن كان موافقاً للمواصفات. ولكن لو فرضنا أنّه استعدّ لتحمّل هذه النّفقات لسبب من
الأسباب، فالظّاهر من مذهب الحنفيّة أنّ له ذلك. ولكنّه يُسبّب ضرراً كبيراً على البائع،
ولاسيّما فى التّجارة فيما بين البلدان النّائية، حيثُ إنّ وصولَ البضاعة من ميناءٍ إلى ميناءٍ
آخر يتطلّب وقتاً كبيراً قد تختلف فيه الأسعار، ولا يزالُ البائع طوال هذا الوقت متردّداً
فی مآل البيع.
ولأجل هذه الأسباب ينبغى أن يؤخذ فى التّجارات الدّوليّة بمذهب من يُقيّد خيارَ
الرّؤية بكون المبيع مخالفاً للمواصفات المتّفق عليها. أمّا إذا كان المبيعُ حسب
المواصفات، فلا خيارَ للمشترى بمجرّد الرؤية. وهو قولٌ للإمام أحمد وإسحق،
وروايةٌ عن الإمامين مالك والشّافعيّ رحمهم الله تعالى، كما ذكرنا فى بيان المذاهب.
(١) راجع لتفصيله الدر المختار مع ردالمحتار ٣٤٧:١٤ و٣٤٨ باب خيار الرؤية، فقره ٢٢٨٣١

٨٢٦
فقه البيوع
وهذا كما سبق فى مبحث الاستصناع أنّ أصلَ مذهب الحنفيّة فى ظاهر الرواية ثبوتُ
خيار الرّؤية للمستصنع، سواء أ وُجد المصنوع موافقاً للمواصفات أم لا، ولكن ذهب
أبو يوسف رحمه الله تعالى إلى أنّه لاخيارَ بالرؤية إن وُجد المصنوعُ حسبَ
المواصفات المتّفق عليها فى العقد. وقد أفتى المتأخّرون من فقهاء الحنفيّة بقول أبى
يوسف رحمه الله تعالى، وهو الذى اختارته مجلّةُ الأحكام العدليّة، فينبغى أن يكون
الحكمُ كذلك فى التّجارات الدّوليّة، والله سبحانه أعلم.
خيار العيب
٣٦٦- ثبوت خيار العيب
خيارُ العيب: حقٌّ يثبت للمشترى لردّ المبيع بسببٍ عيبٍ كان فى المبيع وقتَ الشّراء
ولم يطّلع عليه(١)، وأصله دلالةُ قوله تعالى:
"(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
تَرَاضٍ مِنْكُم)) [النساء: ٢٩]
فدلّت الآيةُ على أنّ عدمَ الرّضا يمنعُ صحّةَ البيع، فإن فُقِد الرّضا من أصله، لا يتحقّق
البيعُ شرعاً، وإن اختلّ رضا المشترى بسبب العيب، فإنّه يوجبُ الخيارَ فيه، إثباتاً
للحكم على قدر الدليل. (٢) وقد وردت السنّة بهذا الخيار أيضاً، فأخرج أبوداود عن
عائشة رضي الله عنها قالت:
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٣٨ والفتاوى الهندية ٦٦:٣
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٤٤

٨٢٧
المبحث الثامن
"إنّ رجلاً ابتاع غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله أن يُقيم، ثمّ وجدَ به عيباً،
فخاصمه إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فردّه عليه، فقال الرّجل: يا رسول
الله! قد استغلّ غلامى، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: "الخراجُ
بالضّمان"(١)
٣٦٧- مخالفة القوانين الوضعية للشريعة الإسلامية فى موضوع خيار العيب
وفى هذا يتميّز الفقهُ الإسلاميّ عن بعض القوانين الوضعيّة الّتى تُخالف الشّريعة
الإسلاميّة من جهتين:
٣٦٨- الجهة الأولى
الجهة الأولى: أنّ بعض القوانين الوضعيّة لاتُسلّم مسئوليّةَ البائع فى الإفصاح عن
العيوب الخفيّة فى المبيع، (٢) بل تعتقد أنّ مِن مسئوليّة المشترى أن يتأكّد من
سلامة المبيع بنفسه، إن لم يكن البائعُ صرّح بضمان السّلامة (warranty). فإن
اطّلع المشترى على عيب فى المبيع بعد الشّراء فلا يحقّ له الردّ. وإنّ هذا الأصلَ
معروفٌ عندهم بالمثل القائل: "!Caveat Emptor" (حذر المشترى) ولذلك قد
(١) سنن أبى داود، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثمّ وجد به عيباً، حديث ٣٥١٠ وأخرجه أيضا
الحاكم فى المستدرك (٢: ١٨) ولفظه: "الغلّة بالضمان"، وقال "هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه،" وأقرَه الذهبيّ فى التلخيص بقوله: "صحيح"
(٢) الأصل فى القانون الإنكليزيّ أن عدم الإفصاح لايُعتبر تغريرا، إلاّ فى حالات استثنائية. راجع
لتفاصيل ذلك:
Chitty: On Contracts, Paragraph 358 and Neil Andrews: Contract Law, p 270
Cambridge University Press 2011

٨٢٨
فقه البيوع
ذكر فى المادة ١٧ من قانون المعاهدة الهنديّ المبنيّ على القانون الإنكليزيّ العامّ
أنّ سكوتَ البائع عن بيان عيبٍ لا يُعتبر خداعاً من قِبل البائع، إلاّ أن يكونَ
السّكوتُ مع من يجب أمامَه الإفصاح، ومثّلوا ذلك بمن باع حصاناً مَعيباً، ولم
يُفصح عن عيبه، فإنّ عدمَ إفصاحه لايُعتبر خداعاً، ولذا فإنّ البيع يكون تامًاً، إلاّ إذا
كان البيعُ مع بنته، حيثُ كان يجب عليه الإفصاح معها. ولكنّ هذا الأصل مخالفٌ
تماماً لمبادئ الشريعة الإسلاميّة، فإنّها لاتُفرّق بين أولاد الانسان وبين غيرهم فى
صحّة التّعاملات التجاريّة.
وقد وردت السنّة بالنّهي والوعيد الشّديد على بيع المعيب بدون بيان العيب
للمشترى، فقد رُوي عن عقبة بن عامر الجهنيّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال: سمعتُ
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
"المسلم أخو المسلم، ولا يحلّ لمسلمٍ إن باع من أخيه بيعاً فيه
عيبٌ أن لا يُبيّنه له".(١)
والظّاهِرُ أنّ كونَ البيع من المسلِم ليس بقيد، وإنّما وقع لبيان الواقع الغالب، ويشهد لذلك
حديث واثلة بن الأسقع رضى الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من باع عيباً لم يُنبّه عليه لم يزل فى مقْت الله" أوقال: "لم تزل
الملائكة تلعنُه."(٢)
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك (كتاب البيوع ٢: ١٠) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه " وفى تعليق الذهبي رحمه الله تعالى تحته: "على شرط البخاري
و مسلم. "
(٢) أخرجه ابن ماجه، باب من باع عيباً فليُبيّنه، حديث ٢٢٤٧ وقال البوصيريّ فى الزّوائد: "هذا
إسناد ضعيف لتدليس بقية بن الوليد وضعف شیخه."

٨٢٩
المبحث الثامن
وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم مرّ
على صُبرة طعام فأدخل يدَه فيها، فنالت أصابعُه بللاً فقال: "ما هذا يا صاحب
الطعام؟" قال أصابتْه السّماء يا رسولَ الله! قال: "أفلا جعلتَه فوقَ الطعام كى يراه
النّاس!من غشّفليس منّی "(١)
وروى حكيمُ بنُ حزام رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
"البيّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، أو قال: حتىّ يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا، بورك
لهما فى بيعهما، وإن کتَما وكذبا مُحِقت بركةُ بيعِهما. "(٢)
٣٦٩- الجهة الثانية
الجهة الثانية لمخالفة القوانين الوضعيّة أحكام الشّريعة الإسلاميّة أنّ هذه القوانين لا
تُعطى للمشترى خيارَ العيب بالصّفة الّتى تُعطيها الشّريعةُ الإسلاميّة، فإنّ الأصلَ عندهم
هو ما ذكرنا من مبدأ "!Caveat Emptor" (حذر المشترى) وأنّ مسؤوليّة سلامة
المبيع تقع على عاتق المشترى، وليس على البائع بصفةٍ عامّة. فإنّهم لا يُعطون خيارَ
الفسخ للمشترى إلاّ إذا خالفَ البائعُ الشّروط (conditions) أو ضمان
السلامة (warranties) المنصوصة فى العقد أو الضمانات الّتى ثبتت اقتضاءً
(Implied warranties). وإنّ مبدأ "!Caveat Emptor" (حذر المشترى) قد عملت
به المادّة ١٤ من القانون الإنكليزيّ (1893 The English Act) وقد أقرته وحكمت
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حدیث ٢٩٦
(٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع حديث ٢٠٧٩

٨٣٠
فقه البيوع
به المحاكم الإنكليزيّة ومَن حذا حذوها. وقد فُسّر هذا المبدأ فى قضايا كثيرةٍ فى
المحاكم الإنكليزيّة، وقد جاء فى قرارٍ مشهور من قرارات هذه القضايا ما يأتى: (١)
"إن كان المبيعُ قابلاً للمشاهدة، وليس هناك تغريرٌ من البائع، فإنّ أصل
"!Caveat Emptor" (حذر المشترى) هو الذى يُطبّق، ولوكان المبيع فيه
عيبٌ خفيّ لا يظهر بالمشاهدة، على الأقلّ فيما إذا لم يكن البائعُ زارعاً أو
صانعاً. وفى مثل هذه الحالات هناك فرصةٌ للمشترى أن يبُتَّ فى أمر الشّراء
بالمشاهدة. ولئن لم يكن مطمئناً بالمشاهدة، يُمكن له أن يشترط بعض
المواصفات فى عقد البيع. ولذا، فلا يوجد فى عقد البيع ضمانٌ تلقائيّ لكون
المبيع متّصفاً بصفةٍ، أو لكونه قابلاً للبيع والشّراء."
وعلى هذا، قد صرّحتِ المادةُ ١٦ من قانون "بيع المال" فى شبه القارة الهنديّة الّذى
هو مبنيٌّ على القانون الإنكليزيّ بأنّه لا تثبت فى عقد البيع صفةُ كونه صالحاً تلقائيّاً
(١) ونصه:
"which are in esse and may be inspected by the buyer, and there is no fraud on
the part of the seller, the maxim caveat emptor applies, even though the defect
which exists in them is latent, and not discoverable on examination, at least
where the seller is neither the grower nor the manufacturer. The buyer in such
a case has the opportunity of exercising his judgment upon the matter, and if
the result of the inspection be unsatisfactory, or if he distrusts his own
judgment, he may if he chooses require a warranty. In such a case it is not an
implied term of the contract of sale that the goods are of any particular quality
or are merchantable." (Jones v Just (1868) LR 3 QB 197, p 202 as cited in
Pollock and Mulla On the Sale of Goods Act 1930, Section 16, p 156)

٨٣١
المبحث الثامن
بطريق الاقتضاء، حتّى يكون منصوصاً فى العقد. وإنّه قد ظهر بعد ذلك عدّة قوانين
للحفاظ على حقوق المستهلكين باسم "قانون حماية المستهلكين" (Consumers
Protection Act) مثل ما صدر فى المملكة المتّحدة، وفى الهند سنة ١٩٨٦ وفى
ولاية بنجاب فى باكستان سنة ٢٠٠٥، ولكنّ معظم أحكام هذه القوانين تتعلّق بضرر
يحصُل للمستهلك أو غيره باستخدام مصنوعات أو مبيعات مَعيبة، فيحقّ له أن يُطالب
بتعويض ذلك الضّرر، أو يرفع الدّعوى على الصّانع أو البائع، فتكون هناك جمعيّةٌ
تحكم بما تراه مناسباً. ولم أجد فى هذه القوانين ما يُسمّى "خيار العيب" فى الفقه
الإسلاميّ، إلاّ أن يكون بتغرير أو تدليس منه، وتحكم بذلك تلك الجمعيّة.
وحاصلُ هذه القوانين أنّ البائعَ ليس مسئولاً بالإفصاح عن العيوب، ولا خيارَ للمشترى
عند وجود عيبٍ خفيّ، إلاّ إذا اشترط ذلك بنصَّ فى العقد، أو كان ذلك معهوداً بطريق
الاقتضاء حسب ما ورد فى المادة ١٦ من القانون الهنديّ، والمادّة ١٤ من القانون
الإنكليزيّ. فكأنّ الخيارَ عندهم مقتصرٌ على ما يُسمّى فى الفقه الإسلاميّ "خيار فوات
الوصف " أو "خيار الخُلف " الذى سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى بعد خيار العيب.
أمّا الشّريعةُ الإسلاميّة، فتضمنُ حقوق الطّرفين، وأن يكون العقدُ شفّافاً لكلّ من
المتعاقدين، وأن لا يستغلّ أحدهما الآخر، ولو بسكوته. ولهذا أوجب رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلّم على البائع أن يُفصح عن عيوب المبيع، وأعطى الخيارَ
للمشترى إذا لم يُفصحه البائعُ عند العقد. وبناءً على ذلك، أجمع فقهاءُ الشّريعة
الإسلاميّة على ثبوت أصل هذا الخيار. قال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى:
"متى علم بالبيع عيباً لم يكن عالماً به، فله الخيارُ بين الإمساك والفسخ، سواءٌ كان

٨٣٢
فقه البيوع
البائعُ علمَ العيبَ أو كَتَمه، أولم يعلم، لا نعلمُ بين أهل العلم فى هذا خلافاً"(١)
وبعد التّنبيه على هذا الفرق بين الفقه الإسلاميّ والقوانين الوضعيّة، نذكر أحكام
خيارَ العيب حسبَ الفقه الإسلاميّ بشيئ من التّفصيل بما يدلّ على دقّته فى مراعاة
الطّرفين فى هذا الصدد.
٣٧٠- أحكام خيار العيب
وإنّ تطبيقَ خيار العيب له تفاصيل كثيرةٌ نلخّصها فيما يلى، ابتداءً ببيان شروط ثبوته،
والله سبحانه وتعالى هو الموفّق للسّداد والصّواب.
٣٧١- شروط ثبوت خيار العيب
قد ذكرَ الفقهاءُ شروطاً متعدّدة لثبوت خيار العيب، ويظهر بعد تتبّع كلامهم أنّ هذه
الشّروط ترجع إلى ثلاثة أمور:
١) ظهورُ عيبٍ معتبر فى إثبات الخيار
٢) جهلُ المشترى بالعيب وقتَ العقد
٣) عدم رضا المشترى بالعيب
ولندرُسْ كُلاًّ من هذه الشّروط بشيءٍ من التّفصيل، وبالله التّوفيق.
(١) المغني لابن قدامة ٢٣٨:٤

المبحث الثامن
٣٧٢- الشرط الأوّل: ظهورُ عيبٍ معتبر
ومعنى هذا الشّرط أن ينكشف للمشترى عيبٌ اعتبره الفقهاء عيباً مثبتاً للخيار، فإنّ ثبوتَ
الخيار للمشترى لا يكون بأيّ عيب. فالعيبُ الّذى يُثبت الخيار قد عرفوه لغةً بقولهم: "ما
يخلو عنه أصلُ الفطرة السليمة ممّا يُعدّ به ناقصاً. "(١) ولذلك رداءةُ الحنطة لاتُعتبر عيباً،
لأنّ الحنطةَ تُخلق جيّدةً ورديئةً ووسطاً. أمّا العيب، فما كان خلافاً لأصل الفطرة السليمة،
مثل العفْن، والبلل، والسّوس. ولهذا عرّف بعضُ الحنفيّة العيبَ بقولهم: "ما ينقّص الثّمنَ
عند التّجّار"(٢) وزاد الشّافعيّة: "أو ما يفوتُ به غرضٌ صحيح، بشرط أن يكون الغالبُ فى
أمثال المبيع عدمُه. " ورجحه ابن عابدين رحمه الله تعالى، ومثله بحيوان الأضحيّة إن قُطِع
من أذنه ما يمنعُ الأضحيّة، لأَنّه قد لا يُنقّص القيمة، ولكن يفوتُ به غرض الأضحيّة.
والذى يظهر للعبد الضعيف عفا الله عنه أنّ القطعَ فى أذن الحيوان إن لم يكن يُنقِّص
القيمةَ فى عرف التّجّار، فإنّه لايُعدّ عيباً، وجوازُ الرّدّ إذا اشتراه المشترى للأضحيّة ليس
لكونه عيباً، بل لفوات وصفٍ مقصودٍ للمشترى، وذلك بابٌ آخر، ويجب فى مثله أن
يشترط العاقدان هذا الوصفَ إمّا صراحةً، أو يكونَ ذلك مشروطاً بدلالة الحال، مثل أن
يقع البيعُ فى أيّام الأضحيّة الّتى ثبت بحكم العرف فيها أنّ المشترين إنّما يشترون
الحيوان للأضاحي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فى خيار فوات الوصف.
أمّا إذا كان هناك نقصٌ فى العين ولا تنتقص به القيمة، فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء،
فمنهم من اعتبره عيباً، مثل الخِصى فى العبد، فإنّه عيبٌ فى قول الشّافعيّة والمالكيّة
(١) فتح القدير٦: ٢
(٢) تنوير الأبصار مع ردالمحتار ٣٨٧:١٤

٨٣٤
فقه البيوع
والحنابلة،(١) وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبويوسف رحمه الله تعالى:
إنّه ليس بعيب، لأنّه تزيد قيمته لرغبة النّاس فيه لجواز دخوله على النّساء. (٢)
والحاصل على ما يظهر من كلام الفقهاء أنّ المدارَ فى كون العيب معتبراً لخيار الرّدّ
هو العُرف، فإن اعتبر العرفُ المبيعَ معيباً، ثبت فيه خيارُ الردّ بسبب العيب، وإن ثبت
كونُ وصفٍ من أوصافه مشروطاً فى العقد بحكم العرف، ثبت فيه خيار الردّ لفوات
الوصف. وفيه يتأتّى غرضُ المشترى من الشّراء. فإن تبيّن غرضُه بتصريح أو دلالة،
ففواتُ ذلك الغرض يُثبت الردّ. وعلى هذا ينبغى أن يُخرّج مسئلة الخصى أيضاً. فلو
تبيّن غرض المشترى أنّه يقصد خصيّاً واشترطه فى العقد صراحةً أو دلالةً، ثمّ بان أنّه
غير خصيّ، فله الرّدّ، لاللعيب، بل لفوات وصف، وكذلك العكس، إن كان يقصد
فحْلاً واشترطه فى العقد ببيان غرضه، ثمّ تبيّن أنّه خصيّ، فالظّاهر أنّه يُخيّر عند أبى
يوسف أيضاً. وإنّما الخلافُ يجرى فيما إذا لم يُعرف غرضُ المشترى عند العقد
صراحةً أو دلالةً. والله سبحانه أعلم.
٣٧٣- الرجوع إلى العرف فى تحقّق ضابط العيب
ثمّ المراد من العُرف عرفُ أهل الخِبْرة فى كلّ شيء، وإنّ ذكرَ الفقهاء التجّارَ فى قولهم
"عرف التّجّار" ليس تخصيصاً لهم، كما يظهرُ من قول ابن الهمام رحمه الله تعالى:
"والمرجعُ فى كونه عيبًا أولا لأهل الخِبْرة بذلك، وهم التّجار، أو أربابُ الصّنائع إن كان
(١) ليراجع تكملة المجموع ١٢: ٣٠٩ و٣١٠ وشرح مختصر خليل للخرشي (١٢٦:٥) وكشّاف
القناع أوّل بحث خيار العيب ٢٠٣:٣
(٢) رد المحتار، قبيل باب خيار الرؤية، ١٤: ٣٣٧ فقره ٢٢٨٠٩

٨٣٥
المبحث الثامن
المبيعُ من المصنوعات، وبهذا قالت الأئمةُ الثّلاثةُ. "(١) قال الشّيرازي رحمه الله تعالى:
"والعيبُ الّذِى يُرَدّ به المبيع ما يعدّه النّاس عيباً، فإن خَفِيَ منه شيءٌ رجع فيه إلى أهل
!! (٢)
الخبرة بذلك الجنس.
ثمّ إذا اختلف أهلُ الخِبْرة فى كون الشّيء عيبًا، لا يُعدّ ذلك عيبًا عند الحنفيّة، قال الإمام
قاضى خان رحمه الله تعالى: "رجلٌ اشترى جاريةً لا تُحسِن التّركيَّةَ، والمشترى لم يعلم
بذلك ثمّ علم، أو كان المشترى يعلَم بذلك، لكن لا يعلم أنّه يُعدّ عيًا، كان له أن يردّ،
وإن اختلف التّجّار فيما بينهم، قال بعضهم هو عيبٌ، وبعضهم قال ليس بعيبٍ، لم يكن
له أن يُرُدّ إذا لم يكن عيبًا بيّنًا عند الكُلّ."(٣)
أمّا الشافعيّةُ، فلديهم تفصيلٌ فى المسألة ذكره العلامة السبكيّ رحمه الله تعالى بقوله:
"قال صاحبُ التّهذيب: إن قال واحدٌ من أهل العلم به إنّه عيبٌ ثبت الرّدُّبه، وكذلك
يقتضيه كلامُ صاحب العُدّة، واعتبر صاحب التّتمّة شهادةَ اثنين، ولو اختلفا فى بعض
الصّفات هل هو عيبٌ؟ وليس هناك من يُرجَع إليه، فالقول قولُ البائع مع يمينه. "(٤)
٣٧٤- عناصر العيب المعتبر
قد ذكر الفقهاءُ رحمهم الله تعالى عناصرَ وقيوداً للعيب المؤثّر فى إثبات الخيار، وهي
كالتّفسير لما مرّ فى بحث ضابط العيب من كونه منقّصًا للعين أو القيمة مع كون الغالب فى
(١) فتح القدير ٦: ٤
(٢) المهذب مع تكملة المجموع ٣٠٩:١٢
(٣) الخانيّة على هامش الهندية ٢: ٢٠١
(٤) تكملة المجموع ٣١٣:١٢

٨٣٦
فقه البيوع
أمثال المبيع السّلامةُ منه؛ فالبحثُ التّالى يتعرّض للعناصر الّتى لا بدّ من وجودها فى
العيب، لكونه منقِّصا للعين أو القيمة مع كون الغالب فى أمثال المبيع السّلامةُ منه، فإن
وُجدت هذه العناصر في عيبٍ، يُعدّعيبًا معتبراً، وإلا فلا.
٣٧٥- الأوّل: أن يكون العيبُ فى نفس المبيع. فالعيوبُ فى غير المبيع لا
أثرَ لها فى إثبات الخيار. وهذا أمرٌ ظاهر. ولكن إن تفاوتتْ قيمةُ المبيع
لأسبابٍ خارجيّة، فيظهرُ من كلام بعض المتأخّرين أنّه يثبتُ به خيارُ العيب.
قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى:
"إعلم أنّه لا بدّ أن يكون العيبُ فى نفسِ المبيع، لما فى الخانيّة وغيرها: رجلٌ
باع سُكنى له فى حانوتٍ لغيره، فأخبر المشتريَ أنّ أجرةَ الحانوتِ كذا، فظهرَ
أنّها أكثرُ، قالوا: ليس له الرّدُّ بهذا السّبب؛ لأنّ هذا ليس بعيبٍ في المبيع. اهـ
قلت: المراد بالسُّكنى ما يبنيه المستأجرُ فى الحانوت، ويُسمّى فى زماننا
بالكدك(١) ..... لكنّه اليوم تختلفُ قيمتُه بكثرة أجرة الحانوت وقلّتها، فينبغى أن
يكون ذلك عيبًا تأمّل. "(٢)
فالمبيعُ فى هذه الصّورة السُّكنى، وإنّ المشتريَ يحصُل بذلك على حقِّ القرارِ فى
الأرض أو البناء، بدفع أجرةٍ إلى مالك الأرض أو البناء. وقد تزيدُ قيمةُ السّكنى إن
(١) الكَدِك كلمة تركيّة والمراد منها الأعيان التى أحدثها مستأجر عقار الوقف وحصل له بذلك حقّ
القرار فى ذلك العقار وقد يُسمّى بالسكنى والجدك. وإنما يجوز بيع الكدك لكونه بيعا للأعيان
المملوكة والمستعمرة من المستأجر، ويلحق بها حقّ القرار، فليس هو خلوّا محضا، كما
أوضحته فى بحثى "بيع الحقوق " (راجع بحوث فقهية معاصرة ١: ١٠٣ وما بعده).
(٢) ردالمحتار، باب خیارالعيب ٣٨٧:١٤ فقره ٢٢٩٠٩

٨٣٧
المبحث الثامن
كانت الأجرةُ قليلةً، وتنقُص إن كانت كثيرة، فهذا سببٌ خارجيّ يؤثّرُ فى تقويم
المبيع. فإن اشتراه المشترى على أنّ الأجرةَ الّتى تجبُ عليه أقلّ، وظهرَ أنّها أكثر،
وتنتقص قيمةُ السّكنى فى عرف التّجّار لذلك، فإنّ ابن عابدين رحمه الله تعالى
استظهرَ جوازَ الرّدّ. والظّاهرُ أنّ هذا يندرج فى خيار الخُلف، وليس فى خيار العيب،
فينبغى أن يُشترط لجواز الرّدّ أن يكون البيعُ بشرط نقصانِ الأجرة فى السُّكنى أو
الكدك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا ينبغى أن يُقاسَ على هذا بيتٌ أو دكّانٌ اشتراه المشترى للاستغلال على ظنّ أنّه
يُدِرُّ غلّةً أكثر، فتبيّن له أنّ غّتَه أقلّ، لأنّ هذا ليس بعيب فى المبيع، وإنّما أجرةُ مثله
تنبنى على ظروف السّوق الّتى هِي معرّضةٌ للتّغيّر حيناً بعد حين. وينبغى أن لا يجوز
فى شراء عقار أو دكان أو متجر أن تُشترط غلّةٌ معيّنةٌ يُدرّ ذلك العقار، لأنّ فيه غرراً
ظاهراً. فلو اشترط ذلك فسد البيع. ولا يدخل فى خيار العيب ولا فى خيار الخُلف.
ثمّ إنّ المالكيّة فرقوا بين العيب الذى يمكن تدليسُه، والّذى لا يُمكن تدليسُه. فخیارٌ
العيب عندهم يثبتُ فى الأوّل، دون الثّانى. والمرادُ منه ما لا يعلمُ به البائعُ
ولا المشترى، ولا يظهرُ العيبُ إلاّ بعد تغيير فى المبيع، مثل سُوس الخشب، وفساد
بطن الجوز ونحوه، ومُرّ قَثّاء، فإنّه لايثبت فيه خيارُ العيب إلاّ بالشّرط، والعادةُ
كالشّرط بمعنى أنّه إن جرت العادةُ بالرّدّ بذلك العيب بعد الاطلاع عليه، عُمل بها.(١)
فكأنّه يدخل فى خيار الخُلف عندهم، لوجوب الاشتراط صراحةً أو عُرفاً.
(١) المقدمات الممهدات ٢: ١٠٠ والدسوقى ١١٣:٣

٨٣٨
فقه البيوع
٣٧٦- العنصر الثّانى: أن يحصل العيبُ حينما يكون المبيع فى ضمان البائع:
اتّفقت المذاهبُ الأربعةُ على أنّه يُشترط لثبوت خيار العيب أن يكون العيبُ منذُ كان
المبيعُ فى ضمان البائع(١)،
وإنّ انتقالَ الضمان إلى المشترى إنّما يتحقّق فى عامّة الأحوال بقبض المشترى أو
بتخلية البائع، ولكن هناك أحوالٌ أخرى فى مذهبَي المالكيّة والحنابلة ينتقل فيها
الضّمان بمجرّد العقد، أويبقى بعد التّخلية أو القبض إلى مدّة معلومة، وقدّمنا هذه
الأحوال فى أحكام البيع الصّحيح تحت عنوان: "متى ينتقل ضمان المبيع إلى
المشترى"، فلتراجع.
٣٧٧- العنصر الثّالث: أن يظهر نفسُ العيب الّذى كان عند البائع ويكون
ظاهراً وقت الفسخ.
والمراد أنّه لا يُكتفى بثبوت العيب عند البائع، فلا بدّ من ظُهوره عند المشترى أيضًاً، فإنّ
العيوبَ تحتملُ أن تزول، وسببُ قيام هذا الخيار هو العيب. فإذا زال السّببُ لم يثبت
الخيار، كما يُشترط أن يكون العيبُ موجوداً عند ممارسة الخيار. فإن ظهر العيبُ القديمُ
عند المشترى، لكن زال قبل أن يمارسَ خيارَه للفسخ، لم يثبت له الخيار. فمثلًا إن اشترى
دابّةً بها مرضٌ يُعدّ عيباً، ثمّ زال المرضُ قبل أن يُرُدّه المشترى إلى البائع بذلك العيب، لم
(١) المغني لابن قدامة ٢٤٢:٤ والذخيرة للقرافيّ ٥: ٥٧ والشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوى
رحمهم الله تعالى ٣: ١٩٥

٨٣٩
المبحث الثامن
يبقَ له الخيار. هذا هو مذهب الحنفيّة(١) والحنابلة(٢) والصّحيح من مذهب الشّافعيّة(٣).
أمّا المالكيّة، فمذهبهم مثلُ المذاهب الثّلاثة فى اشتراط قيام العيب إلى وقت الرّد، إلّا أنّهم
قالوا باستمرار الخيار فى العبيد إذا قال أهلُ المعرفة إنّ العيبَ الزّائلَ يحتمل أن يعود. (٤)
وكذلك إنّهم اعتبروا بعضَ الأمور عيوبًا فى العبيد، وإن لم تظهر فى نفس المبيع، لا عند
البائع ولا عند المشترى، وذلك لمخافة أن تظهر فى المستقبل، وذلك مثل كون أحد
أصول الرقيق جُذاميًّا، أو مجنونًا جنونًا طبيعيًّا، فإنّ مثلَ هذه الأمراضَ ربّما تسرى إلى
الولد، فنفسُ كون الرّقيق فى فروع جذاميّ أو مجنونٍ يُعَدّعيبًا عندهم، وإن لم يظهر على
الرَقيق آثارُ الجذامِ والجنونِ. (٥)
٣٧٨- الشّرط الثانى: جهلُ المشترى بالعيب قبل دخول المبيع فى ضمانه
والشّرط الثّانى لثبوت خيار العيب أن لا يعلمَ المشترى بالعيب قبلَ دخول المبيع فى
ضمانه، فإن علم بالعيب عند العقد، أوبعد ذلك قبل أن يدخُل المبيعُ فى ضمانه، ثمّ
قَبضه، أو أَقْدم على أمرٍ يُدخل المبيعَ فى ضمانه مع علمه بالعيب، فهذا يُسقِط خيارَه،
لأنّ الإقدامَ على العقد فيما إذا علمه عند العقد أو على القبض مع علمه بالعيب يدلّ
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٤٦
(٢) كشاف القناع، فصل: خيار التدليس ٢٠٣:٣
(٣) نهاية المطلب فى دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى ١٢: ٤٧٧ باب الأمة
تعتق وزو جها عبد
(٤) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣: ١١٩ و١٢٠ وقد ذكرنا تفصيله تحت عنوان "بقاء المبيع فى
ضمان البائع بعد قبض المشترى (العهدة) " وذلك فى أحكام البيع الصحيح.
(٥) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣: ١٠٩

٨٤٠
فقه البيوع
على رضاه بالعيب، ذلك يُسقِط خيارَه فى الردّ والأرش جميعاً.(١)
ثمّ إذا اطّلع المشترى على نقصٍ فى المبيع، لكن لم يعلم بأنّ ذلك النّقصَ عيبٌ فى
عُرف التّجَار موجبٌ لخيار الفسخ، ثمّ ظهر له ذلك، فهل يثبت له الرّدّ حينئذٍ؟ فيه
تفصيلٌ ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى. أمّا الحنفيّة، فقد ذكر مذهبهم فى جامع
الفصولین بما نصّه:
"لو علم المشترى، إلّا أنّه لم يعلم أنّه عيبٌ ثمّ علم، ينظر: إن كان عيباً بيّناً لا
يخفى على النّاس كالغُدّة ونحوه، لم يكن له الرّدّ، وإن كان خفيّاً فله الرَدّ."(٢)
والظّاهر أنّ المرادَ من الخفاء خفاءُ كونه عيباً، لا خفاءُ العيب نفسه. وهذا يتحقّق فى
زماننا فى الأجهزة والماكينات المتطوّرة الدقيقة الّتى ربّما يخفى على غير
المتخصص كونُ بعضِ حالاتها عيباً.
أمّا الماورديّ رحمه الله تعالى من الشّافعيّة، فقد ذكر الحكمَ بخلاف ذلك، كما
حكى عنه السُّبكيُ رحمه الله تعالى، حيث قال:
" فلو كان المشترى قد علِم به، ولكن لم يعلم أنّه عيبٌ يُوكِس الثّمنَ ويوجب
الفسخَ، قال الماورديّ؛ لا ردَّله، لأَنّه قد كان يمكنُه عند رُؤْيته أن يسألَ عنه، ولأنّ
استحقاقَ الرّدِّحكمٌ، والجهلُ بالأحكام لا يُسقطها. "(٣)
(١) فتح القدير ٦: ٣٨ وراجع أيضا المغنى ٢٣٨:٤ وتكملة المجموع ١٢١:١٢ وحاشية الدسوقي ٣: ١٢٤
(٢) جامع الفصولين، الفصل ١٢٥: ٣٤٣ وذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى ردالمحتار ١٤: ٣٨٩
باب خیار العیب
(٣) تكملة المجموع ١٢: ١٢١

٨٤١
المبحث الثامن
٣٧٩- الشّرط الثالث: عدم رضا المشترى بالعيب
والشّرط الثّالث لثبوت الخيار أن لا يصدرُ من المشترى ما يدلّ على رضاه بالعيب، سواءٌ
ثبت رضاه صراحةً، مثل أن يقول: رضيتُ، أو ثبت ذلك دلالةً، وذلك بأن يتصرّف فى
المبيع بعد علمه بالعيب تصرّفاً يدلّ على رضاه بذلك، مثل أن يكون ثوباً، فصبغه أو قطعه،
أو سويقاً فلتّه بسمْن، أو أرضاً فبنى عليها، أو حنطةً فطحنها، أو لحماً فشواه، ونحو ذلك،
لأنّ الإقدامَ على هذه التّصرَفات مع العلم بالعَيب دليلُ الرّضا بالعيب، وكلُّ ذلك
يُبطِل حقَّ الرّدّ.(١) وكذلك الحكم إن أخرجه المشترى عن ملكه بالبيع أو الهبة
وغيره، فإنّه مانعٌ للرّدّ. وسيأتى تفصيل حُكمه تحت عنوان "إخراج المشترى
المبيع عن ملكه" إن شاء الله تعالى.
٣٨٠- هل يثبت خيارُ العيب على الفور أو التّراخى؟
ثمّ اختلف الفقهاءُ فيما إذا اطّلع المشترى على العيب، فهل يجب عليه أن يستعمل
خيارَه لردّ المبيع بالعيب على فوره ذلك، حتّى يسقطَ خيارُه بالتّأخير؟ فأمّا الحنفيّة
فقالوا: إنّ خيارَ العيب يثبت على التّراخى، لا على الفور، فيبقى له الخيار ما لم يفعل
شيئًا يدلّ على الرّضا بالعيب (٢) حتىّ ذكر ابن الهمام عن القنية: " لو وجده مَعيبًا،
فخاصم بائعَه فيه، ثمّ ترك الخصومة أيّامًا، ثمّ عاد إليها، فقال له بائعُه لِمَ سَكَتَّ عن
الخصومة مدّةً؟، فقال: لأنظرَ أنَّه يزولُ أو لا؟ فله ردُّه. "(٣).
(١) بدائع الصنائع ٥٥٦:٤ وراجعه لتفصيل بعض جزئياته
(٢) قال العلّامة الحصكفيّ رحمه الله تعالى: "خيارُ العيب بعد رؤية العيب على التّراخى على
المعتمد. "الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٤٨١ باب خيار العيب
(٣) فتح القدير ٦: ٢٩

٨٤٢
فقه البيوع
ولم أجد عند الحنفيّة أيَّ تحديدٍ لمدّة التّراخى، ولكنّ الظّاهر أنّهم لم يُريدوا التّأخير
إلى مدّةٍ طويلةٍ بدون عذر، وإلاّ لزم أن يكون للمشترى الخيار إلى سنين، وفيه ضررٌ
ظاهر. ولعلّ المرادَ التّأخيرُ إلى مدّة محتمَلة فى عرف التّجّار. وينبغى أن يكون
التّأخيرُ بعد ذلك بدون عذرٍ ممّا يدلّ على رضاه. ويمكن أن تختلف هذه المدّةُ
باختلاف المبيعات.
وأمّا الشّافعيّة، فقالوا: إنّ خيارَ العيب يثبتُ على الفَور، فلو أمسك المشترى المبيعَ
عنده من غير عذرٍ بعد اطلاعه على العيب، ولم يُقْدِم على ردّه سقط خيارُه. قال
الشّيرازيّ رحمه الله تعالى: "إذا وجد المشترى بالمبيع عيباً، لم يخلُ أن يكون المبيعُ
باقيًا على جهته، أو زاد، أو نقص؛ فإن كان باقياً على جهته، وأراد الردّلم يؤخّره، فإن
أخّره من غير عذرٍ سقط الخيارُ؛ لأنّه خيارٌ ثبت بالشّرِع لدفع الضّرر عن المال، فكان
على الفور كخيار الشّفعة. "(١) وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى:
"الرّدُّ بالعيب على الفور، فيبطلُ بالتّأخير بلا عذرٍ. ولا يتوقّف على حضورِ
الخصم وقضاءِ القاضى. والمبادرةُ إلى الرّدّ معتبرةٌ بالعادة، فلا يُؤْمر بالعَدْوِ
والرّكض ليرُدّ. ولو كان مشغولا بصلاةٍ، أو أكل، أو قضاءٍ حاجةٍ، فله التّأخيرُ
إلى فراغه، وكذا لو اطّلع حين دخل وقتُ هذه الأمورِ فاشتغل بها، فلا بأس.
وكذا لولَبس ثوبًا أو أَغْلَق بابًا. ولو اطّلع ليلًا، فله التّأخيرُ إلى الصّباحِ. "(٢)
وأمّا الحنابلةُ، فمذهبُهم مثلُ مذهب الحنفيّة؛ وفى قولٍ لديهم: لهم روايتان مثلُ
(١) المهذب مع تكملة المجموع ١٣٨:١٢
(٢) روضة الطّالبين باب خيار النّقيصة ٣: ٤٧٩

٨٤٣
المبحث الثامن
مذهبي الحنفيّة والشّافعيّة. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"خيارُ الرّدّ بالعيب على التّراخي، فمتى علم العيب، فأخّر الرّدّ، لم يبطل
خيارُه، حتّى يوجدَ منه ما يدلّ على الرّضا. ذكره أبو الخطّاب. وذكر القاضى
شيئًا يدلّ على أنّ فيه روايتين؛ إحداهما، هو على التّراخى. والثّانيةُ، هو على
الفَور. وهو مذهب الشّافعيّ، فمتى علم العيب، فأخّر ردّه مع إمكانه، بطل
خيارُه؛ لأنّه يدلّ على الرّضا به، فأسقط خياره، كالتّصرّف فيه. ولنا، أنّه خيارٌ
لدفع ضرر متحقّق، فكان على التّراخى، كالقصاص، ولا نسلّم دلالةَ الإمساك
على الرّضا به."(١)
وأمّا المالكيّة، فلديهم تفصيلٌ لخّصه الدسوقيُّ رحمه الله تعالى بقوله:
"حاصلُه أنّه إذا اطّلع على العيب وسكت ثم طلب الرّدّ، فإن كان سكوتُه
لعُذر ردّ مطلقاً، طال أم لا، بلا يمين، وإن كان سكوتُه بلا عذر، فإن ردّ بعد
يومٍ ونحوه، أجيب لذلك مع اليمين، وإن طلب الرّدّ قبل مضيّ يومٍ، أجيب
لذلك من غير يمين، وإن طلب الرّدّ بعد أكثرَ من يومين فلا يُجاب، ولو مع
!! (٢)
اليمين.
وهذا التّفصيل حسن، إلّ أنّ التّقييدَ بيومين فيه صعوبةٌ بالنّظر إلى بعض المبيعات،
فينبغى أن يُترك ذلك على العُرف والتّعامل. والله سبحانه أعلم.
(١) المغنی ٢٣٨:٤ و ٢٣٩
(٢) حاشية الدسوقيّ على الشرح الكبير ٣: ١٢١