Indexed OCR Text
Pages 141-160
٧٦٤ فقه البيوع بنفسها، وإنّ الشّريعة الإسلاميّة لا تستحسن أن تكون هيَ محلّ التّجارة بنفسها، إلاّ لحاجة حقيقيّة لتبادل بعض العملات ببعض. ولذلك فرضت على بيع النّقود شروطاً وقيوداً فصّلناها أعلاه فى مباحث الصّرف. ولكنّ هذه السّوق جعلت العملات محلّ التّجارة بنفسها بما أحدث فساداً كبيراً فى النّظام الماليّ المعاصر. وقد شرحتُ ذلك فى بحثى "أسباب الأزمة المالية وعلاجها فى ضوء الشريعة الإسلاميّة". وإنّما حدث ذلك بعدم التّقيّد بأحكام الشّريعة فى بيع العملات. ٢- شرحنا فيما قبل أنّ العملات الورقيّة عند كثير من العلماء المعاصرين والمجامع الفقهيّة فى حكم الذّهب والفضّة، فيُشترط فى مبادلتها التّقابض فى المجلس. وإنّ هذا الشّرط مفقود فى معظم عمليّات هذه السّوق، فإنّها تنقسم إلى بيع عاجل وآجل. وإنّ التّقابض مفقود فيهما، لأنّ ما يُسمّى "البيع العاجل" (Spot sale) لا يقع فيه التّقابض إلاّ بعد يومين من يوم العقد. وأمّا على الموقف الثّالث الّذى شرحناه ورجّحناه، فإنّه يجب فى تبادل العملات المختلفة الجنس أن يقع القبض على إحدى العُملتين فى مجلس العقد. وهذا الشّرط مفقود أيضاً فى هذه السّوق. فإنّما يقع البيع والشّراء عموماً عن طريق الكمبيوتر أو الإنترنيت. ٣- وكثيراً مّا يبيع الإنسانُ ما لا يملكه، ولا يقع التّسليم والتّسلّم فى كثير من عمليّات السّوق، وإنّما يُصفّى الباعةُ والمشترون عمليّاتهم بفروق الأسعار. ٤- وقد تُعطى بورصةُ العُملات فرصةً للإنسان أن يودع فيها مبلغاً أقلّ، ويتّجر بمبلغ أكثر، وتُقدّم البورصة ضماناً للمبلغ الباقى بعمولة تُطالبها من المتعامل بالأكثر، ويُسمّى "البيع بالهامش" (Sale on Margin) وهذا فى الحقيقة قرضٌ يُتقاضى ٧٦٥ المبحث السابع عليه فوائد ربويّة. ٥- ما يشتريه الإنسان عن طريق هذه السّوق عُملاتٌ غير متعيّنة، لأنّ التّعيين فى العملات إنّما يتحقق بالقبض، وهو مفقود فى معظم العمليّات. ومن هذه الجهات، فإنّه لا يجوز التّعامل شرعاً عن طريق سوق الفوريكس. أمّا الحاجة الحقيقيّة لتبادل العملات للسّفر أو للتّجارة الدّوليّة، فإنّها تُوفّى عن طريق البيع والشّراء العاديّ من الصّرّافين، بشرط أن يتقيّد المتعامل بالشّروط الشّرعيّة الّتى سبقت. ٣٣٨- الغلاء والرّخص فى قيمة النّقود والفلوس ثمّ إنّ التّماثلَ المطلوب فى مبادلة الأموال الرّبويّة أو فى استقراضِها هو التّماثل فى القَدْر، يعنى الكيل أو الوزن. وهذا ظاهرٌ من الأحاديث الّتى أوجبت التّماثلَ فى هذه الأموال، حيث صرّحت: "الذهب بالذهب وزناً بوزن، مثلاً بمثل، فمن زاد أواستزاد فهورباً."(١) وعلى هذا الأساس اتّفق الفقهاء على أنّ القيمةَ لااعتبار لها فى التّماثل المطلوب، لأنّ الشّريعةَ قد أهدرت اعتبارَ الجودة والرّداءة فى الأموال الربويّة. ولذلك أجمع الفقهاءُ على أنّ من اقترض دراهم، فإنّه يرُدّ إلى المقرض مثل تلك الدّراهم بحسب وزنها، وإن كانت قيمتُها انتقصت عند الأداء أوزادت. أمّا الفلوسُ، فالجمهور على أنّها فى حكم الدّراهم فى ذلك، فالتّماثلُ المطلوب فى (١) وهذا لفظ مسلم فى صحيحه، كما فى جامع الأصول لابن الأثير ٢٥٢:١ ٧٦٦ فقه البيوع القرض هو التّماثل فى عدد تلك الفلوس، فإن غَلَتْ أو رخُصت عند الأداء، لا يُرُدّ المستقرض إلّ نفسَ العدد الّتى اقترضها، وإن كانت قيمتُها بالنّسبة إلى الدّراهم انتقصت يومَ الأداء. فمثلاً: لو اقترض أحدٌ مائةَ فلس، وهى تُساوى درهماً واحداً عند الاقتراض، فإنّه يُرُدّ إلى المستقرض مائةَ فلس بالعدد، وإن صارت مائةُ فلس تُساوى عند الأداء ثُمُنَ درهم. فلا يجوز للمقرض أن يُطالبَه بأكثر من مائة فلس، بحجّة أنّ قيمةَ الفلوس قد انتقصت بالنّسبة إلى الدّراهم. وهذا مذهب أبى حنيفة ومحمّد وهو المشهورُ من مذهب الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة.(١) أمّا الإمام أبو يوسف رحمه الله تعالى، فذهب فى قوله الأخير إلى أنّ الفلوسَ ليست مثلَ الدّراهم فى هذا الحكم، فلو انتقصت قيمتُها أو زادت، وجب على المديون أن يُرُدّ قيمةَ تلك الفلوس من الدّراهم يوم وقع البيع. مثاله: لواشترى شيئاً بمائة فلس، وقيمةُ المائة فلس يومئذ عشرةُ دراهم، ثمّ انتقصت قيمةُ الفلوس، فصارت مائةُ فلس تُساوى تسعةَ دراهم، فعليه أن يؤدّيَ إلى البائع مائةً وأحد عشر من الفلوس، کی تُساويَ المائةَ فلس الّتى وقع عليها البيعُ بقيمتها يومَ البيع. وذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى أنّ جمعاً من المتأخرين أفتَوا بقول أبى يوسف رحمه الله تعالى. (٢) أمّا إذا كسدت الفلوس بعد البيع قبل أداء الثّمن، فالحكمُ عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّه يفسُد البيع، ويجب على المشترى أن يُرُدّ المبيع إن كان قبضه. وإن خرج من ملكه بوجهٍ من الوجوه، أو اتّصل بزيادةٍ مانعة من الرّدّ بصُنعه، فعليه مثلُه إن كان (١) راجع تنبيه الرقود لابن عابدين، رسائل ابن عابدين ٢: ٦٠ والزرقاني على مختصر خليل ٥: ٦٠ والحاوى للفتاوى للسيوطي ١: ٩٧ والشرح الكبير على المقنع ٣٥٨:٤ (٢) تنبيه الرقود على مسائل النقود، رسائل ابن عابدين ٢: ٦٠ ٧٦٧ المبحث السابع من ذوات الأمثال. وإن لم يكن من ذوات الأمثال، يجب عليه قيمته يومَ القبض من نقدٍ لم یکسد. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى: إنّ البيعَ لا يفسُد، والبائعُ بالخيار، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس المعقود عليها من الدّراهم. ثمّ اختلف أبويوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى فيما بينهما فى وقت اعتبار القيمة، فاعتبر أبو يوسف قيمتَها وقت العقد، لأَنّه وقتُ وجوب الثّمن، واعتبر محمّد وقتَ الكساد، وهو آخرُ يوم ترك النّاسُ التّعاملَ بها، لأَنّه وقتُ العَجز عن التّسليم. هذا كلُّه فى البيع. أمّا إذا اقترض فلوساً فكسدت، فقال فيه السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "إن استقرض عشرة أفلس، ثمّ كسدت تلك الفلوسُ، لم يكن عليه إلاّ مثلُها فى قول أبى حنيفة قياسا، وقال أبويوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى: قيمتُها من الفضّة استحساناً، لأنّ الواجبَ عليه بالاستقراض مثلُ المقبوض، والمقبوضُ فلوسٌ هى ثمن، وبعد الكساد يفوتُ صفةُ الثّمنيّة بدليل مسئلة البيع، فيتحقّق عجزُه عن ردّ مثل ما التزم، فيلزمُه قيمتُه، كما لو استقرض شيئاً من ذوات الأمثال، فانقطع المثلُ عن أيدى النّاس."(١) وإن غلت الفلوس أو رخصت بعد الإقراض، فالخلافُ فيه كمامرّ فى البيع. فكان أصلُ مذهب الأئمّة الحنفيّة الثّلاثة أنّ المستقرضَ لايردّ إلاّ مثل ما استقرض، سواء انتقصت قيمتُها أو زادت. ثمّ رجع الإمام أبويوسف رحمه الله تعالى فقال: "عليه قيمتُها من ؟!(٢) الدّراهم يومَ القبض. (١) المبسوط السرخسي ٢٩:١٤ و٣٠ باب البيع بالفلوس (٢) رسائل ابن عابدين ٢: ٦٠ ٧٦٨ فقه البيوع ٣٣٩- تغيّر قيمة العملة الورقية وأثره فى المداينات وقد نفدت النّقود المعدنيّة اليومَ تماماً، كمامرّ تفصيله، وحلّت العملةُ الورقيّة محلّها فى معظم المبادلات. وإنّ هذه العُملةَ الورقيّة تختلف من بلدٍ إلى آخر، وتختلف قيمةُ عملةٍ واحدةٍ بالنّسبة إلى عُملةٍ أخرى، وكذلك بالنّسبة إلى الذّهب والفضّة. ويقعُ كثيراً فى المبادلات المؤجّلة، وخاصّةً فى القروض، أنّ قيمةَ العُملة تنخفض عند الأداء ممّا كانت عليه عند الإقراض، فإذا وقع أداءُ العُملة بنفس العدد المُقترَض، ربّما يتضرّر به المُقرض، بأنّه لايمكن له الانتفاع بذلك العدد كما كان يمكن له الانتفاع به عند الإقراض. ولحل هذه المشكلة، اقترح بعض الاقتصاديّين ربطَ هذه العُملة بقائمة أسعار ذلك البلد بطريق مخصوص شرحتُه بتفصيل فى بحثى "أحكام الأوراق النّقديّة" (١) وقداستدلّ بعضهم على جواز ذلك بمذهب أبى يوسف رحمه الله تعالى فى تغيّر قيمة الفلوس المقترضة، حيث يقول: إنّ الواجب فى تلك الحالة ردُّ قيمة الفلوس، دون ذلك العدد. والواقعُ أنّ مذهب أبى يوسف رحمه الله تعالى لاعلاقة له بفكرة الدّون بقائمة الأسعار، لأنّ من المعلوم بالبداهة أنّ التّضخّم والانكماش ووضع قائمة الأسعار وتقويمَ النقود على أساس تلك القائمة، كلّ هذه الأمور أمورٌ حادثةٌ لم تكن متصوّرةً فى زمن الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى، فحينما يقول أبو يوسف رحمه الله تعالى بأداء قيمةِ الفلوس، فإنّه لا يمكن أن يُريد به قيمتها المقدّرة على أساس قائمة الأسعار. والواقعُ أنّ قول الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى إنّما يتأتّى فى فلوسٍ مرتبطةٍ بثمنٍ (١) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة، للمؤلف طبع مكتبة دار العلوم كراتشى ١: ١٨٠ فما بعد ٧٦٩ آخر ارتباطاً دائماً يجعلُها كالأجزاء والفكّة لذلك الثّمن. والفلوسُ فى الأزمنة المتقدّمة كانت مرتبطةً بنقود الذّهب والفضّة تُقوَّم على أساسهما، وتعتبر كالفكّة للنّقود الذّهبيّة والفضّيّة، فكانت عشرةُ فلوس مثلاً تُعادل درهماً واحداً من الفضّة، فكان الفلسُ الواحد يُعتبر عُشرَ الدَّرهم الفضّيّ. أمّا النّقود الورقيّة اليوم، فليست مرتبطةً بثمن آخر، ولا معتبرةً كالأجزاء والفَكّةِ له، وإنما هي أثمانٌ اصطلاحيّة مستقلّة. وبالتّالى، فإنّ الوقوف على قيمة الفلوس حسبما يراه الإمام أبويوسف ممكنٌ تحقيقاً، لأنّها مرتبطةٌ بعيار مضبوط من الثّمن، وهو الدّرهم، بخلاف النّقود الورقيّة، فإنّ الوقوفَ على قيمتها الحقيقيّة حسبَ الاصطلاح الاقتصاديّ المعاصر لا يمكن تحقيقاً، وإنّما تكون هذه القيمة مقدّرةً على أساس الخرص والمجازفة، كما أوضحتُه فى البحث المذكور، فلا يُقاس هذا على ذاك. وقد سردتُ فى ذلك البحثِ الأدلّة النّقليّة والعقليّة على فساد هذه الفكرة، فليُراجَعْ عند الحاجة. ولكن لاشكّ أنّ هناك حاجةً ماسّةً لمعالجة وضع بعض العُملات الّتى وقع فيها انهيارٌ غيرُ عاديّ، مثل اللّيرة اللبنانيّة، والتّركيّة، والرّوبيل الرّوسيّ، فإنّها انخفضت أكثرَ من مائة فى مائة فى فتراتٍ قصيرة. ولكن لا تنحلّ مشكلتُها بربطها بقائمة الأسعار، بل ينبغى لفقهاء العصر أن ينظروا: هل يمكن أن يُعتبرَ مثلُ هذا الانهيار فى حكم الكساد، والحكم بأداء قيمتها من الذّهب أو الفضّة؟ لأنّ البلادَ الّتى وقع فيها مثلُ هذا الانهيار، ترك النّاسُ التّعاملَ فيها بالعُملة المحلّيّة، خاصّةً فى المعاملات المؤجّلة. ولا يمكن أن ينضبط هذا الحكم بقاعدةٍ عامّة، بل يُنظر فى وضع كلِّ عُملة حسب ظروفها، والله سبحانه أعلم. فقه البيوع ٣٤٠- الرّبا فى دار الحرب جمهور الفقهاء على أنّ دار الإسلام ودار الحرب سواءٌ فى حرمة الرّبًا، ولا يجوز لمسلمٍ أن يُرابيَ كافراً حربيًا كما لا يجوز له أن يُرابيَ مُسلماً. وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد وأبى يوسف وجماهير فقهاء الأمة.(١) وقال أبو حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى: لاربا بين المسلم والحربيّ، فإن دخل مسلمٌ دارالحرب يجوزله أن يعقد الرّبا مع حربيّ، وذلك لأنّ أموالَ أهل الحرب تُباحُ لمسلم برضاهم مالم يكن فيه غَدْرِ. وقد استُدلّ على قولهم بما أخرجه البيهقيّ عن مكحول مرسلاً أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لاربا بين أهل الحرب، وأظنّه قال: وأهل الإسلام." (٢) ولكنّ هذا الجوازَ عندهما مشروطٌ بأن يكونَ المسلمُ من دارِ الإسلام ودخل دارَهم بأمان، أو مسلمٌ أسلم فى دار الحرب، ولم يهاجر، فيجوز له أخذُ الرّبا من كافر أومن مسلمٍ أسلم فى دار الحرب ولم يُهاجر إلى دار الإسلام. أمّا المسلمُ الأصليّ الّذى كان مُسلماً قبل أن يأتيَ إلى دارالحرب، أو مَن أسلم هناك ثمّ هاجرَ إلينا، ثمّ عاد إليهم، فإنّه لا يجوزُ للمسلم أن يأخذَ الرّبا منه، (٣) ثمّ إنّ بعضَ العُلماء الحنفيّة تأوّلوا فى قول أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، وفرّقوا بين جواز العقد وحلّة المال، فقالوا: لا يجوز لمسلم أن يعقِدَ عقداً فيه رباً، ولو فى دار الحرب بالشّروط المذكورة، فلو عقد أحدٌ مثلَ هذا العقد أثِمَ، لكونه عقداً (١) راجع المغنى لابن قدامة ٤: ١٦٢ والمجموع شرح المهذب ٩: ٣٩١ و٣٩٢ (٢) معرفة السنن والآثار للبيهقيّ، بيع الدّرهم بالدرهمين فى أرض الحرب ٢٧٦:١٣ (٣) هذا ملخص ما فى ردالمحتار، باب الربا، ١٥: ٢٧٩ فقره ٢٤٤٨٣ وإمداد الفتاوى ٣: ١٥٧ رسالة "رافع الضنك عن منافع البنك" ٧٧١ المبحث السابع محظوراً، ولكنّ المالَ الّذى يحصُّل له بهذا العقد حلالٌ له، لكونه مالَ حربيٍّ حصل برضاه بدون غدر. وهذا مثلُ المالِ الذى حصل عليه الإنسان بشهادة الزُّور فى العقود والفسوخ، فإنّه يأثم إثماً شديداً، ولكنّه يملكُ المالَ بقضاء القاضى على أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ القضاءَ ينفذ ظاهراً وباطناً، ومثلُ مَن باع حُرّاً إلى مديونه الجاحد بمثلٍ قيمةِ دينه، فإنّ العقدَ باطلٌ يأثم به، ولكن يملك به المال. وهذا ما تأوّل به الإمام محمّد قاسم النّانوتويّ فى قول أبى حنيفة رحمهما الله تعالى، واستحسَنه الشّيخ أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالى أيضاً.(١) ثمّ إنّ الشّيخ أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالى راجعَ المسئلةَ فى رسالةٍ أخرى، ورجّح مذهب الجمهور على أساس قوّة الدّليل، وذهب إلى أنّ مذهبَ الجمهور هو الرّاجحُ والمتعيّنُ للإفتاء فى زماننا، ورجع فى هذه الرّسالة عن كلّ ما كتبه فى الموضوع قبل ذلك.(٢) وقد وقع اليومَ شِبهُ الاتّفاق بينَ العُلماء الحنفيّة على الإفتاء بمذهب أبى يوسُف والجمهور، وعلى أنّه يحرُمُ الرّبا فى كلّ حال، سواءٌ أكان العقدُ مع مسلم أم مع حربيّ، فلا ينبغى أن يُتمسّك الآن بقول أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى فى هذا الباب. (١) راجع رسالته "تحذير الإخوان عن الربا فى الهندوستان" ص ٧ (٢) وذلك فى رسالته "رافع الضنك عن منافع البنك" وهى مشمولة فى إمداد الفتاوى ٣: ١٥٥ إلى ١٦٠ المبحث الثامن تقسيم البيع من حیث ترتب آثاره مر ٣٤١- التّقسيم الرابع من حيث ترتب الآثار والتّقسيم الرابع للبيع من حيث ترتّبُ آثاره فى الدّنيا والآخرة. ومن هذه الجهة ينقسم البيع إلى خمسة أقسام: الأوّل: البيع الصّحيح: والمرادُ منه ما وقع جائزاً مستجمعاً لشرائط الانعقاد، دون أن يلزم بذلك ثم أومحظور. الثّانى: البيع الباطل: وهو الّذى فُقد فيه أحد أركان البيع، فلم يترتّب عليه أيُّ أثر. الثّالث: البيعُ الفاسد: وهو الَّذى استجمع أركانَ البيع، ولكن فسد بسبب خارج. الرّابع: البيع الموقوف: وهو الذى تأخّر ترتّب آثاره على إجازة أحد. الخامس: البيع المكروه: وهو البيعُ الَّذى نُهيَ عنه شرعاً لأمرٍ خارج عن صُلب العقد، فيأثَم به المتعاقدان، ولكنّه منعقدٌ بمعنى ترتّب آثاره. ولنتكلّم على هذه الأقسام بشيئ من التّفصيل، والله سبحانه هو الموفق للصواب والسداد. ٣٤٢- الباب الأول فی أحكام البيع الصحیح بدون خیار القسم الأول هو البيع الصحيح، وهو ينقسم إلى قسمين: الأوّل: البيع الصّحيح النّافذ بدون خيار لأحد المتبايعين. والثّانى: البيع الّذى فيه خيارٌ لأحد المتبايعين لفسخ البيع. ٣٤٣- البيع بدون خيار فأمّا البيع الصحيح الّذى لاخيارَ فيه لأحد المتعاقدين، فحكمُه أنّه ينقُل ملكَ المبيع إلى المشترى إن لم يكن سَلماً، فيجبُ على المشترى تسليمُ الثّمن، ويجب على البائع تسليمُ المبيع. فإن كان بيعَ سلعة بنقد، وجب على المشترى عند الحنفيّة تسليمُ الثمن أولاً، وإن كان مقايضةً وجب تسليمُهما معاً.(١) وقد ذكرنا مذاهب الفقهاء فى هذا الموضوع فى مبحث البيع الحال. ومن أحكامه أنّ البيعَ الصّحيحَ إن كان حالاً، فللبائع حقُّ حبس المبيع حتّى يقبض (١) البحر الرائق، تحت قول الكنز: "ومن باع سلعة بثمن سلّمه أولا، وإلاّ معاً" ٥١٢:٥ ٧٧٧ المبحث الثامن الثّمن، وليس للمشترى أن يمتنع من تسليمِ الثّمن إلى البائع حتّى يقبضَ المبيع إذا كان المبيعُ حاضراً، لأنّ البيع عقد معاوضة، والمساواةُ فى المعاوضات مطلوبة المتعاوضين عادةً، وحقّ المشترى فى المبيع قد تعيّن بالتّعيين فى العقد، وحقّ البائع فى الثّمن لم يتعيّن بالعقد، لأنّ الثّمن فى الذّمَة، فلا يتعيّن بالتّعيين إلّ بالقبض، فيسلّم الثّمن أولاً ليتعيّن، فتتحقّق المساواة. أمّا إذا كان المبيعُ غائباً عن حضرتهما، فللمشترى أن يمتنعَ عن التّسليم حتّى يُحضَر المبيع، لأنّ تقديمَ تسليم الثّمن لتتحقّق المساواة، وإذا كان المبيعُ غائباً، لا تتحقّق المساواةُ بالتّقديم، بل يتقدّم حقُّ البائع ويتأخّر حقُّ المشترى، حيث يكونُ الثّمن بالقبض عيناً مشاراً إليه، والمبيعُ لا، ولأنّ من الجائز أنّ المبيع قد هلك وسقط الثّمنُ عن المشترى، فلايؤمر بالتّسليم إلاّ بعد حضور المبيع، سواءً أكان المبيع فى ذلك المصر أم فى موضع آخر، بحيث تلحقه المؤنة بالإحضار. (١) وراجع أيضاً ما كتبناه فى مبحث البيع الحالّ والمؤجّل. ٣٤٤- متى ينتقل ضمان المبيع إلى المشترى؟ هناك حالتان لانتقال ضمان السّلعة إلى المشترى. الحالةُ الأولى: انتقالُ ضمانها قبل إنجاز البيع. والحالةُ الثّانية: انتقالُ الضّمان بعد إنجاز البيع. وكلتا الحالتين لها أحكامٌ تخصّها. أمّا انتقالُ الضّمان فى الحالة الأولى، فهو فى حالة القبض على سَوم الشّراء. وفيه تفصيل يأتى: (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٨٨ و٤٨٩ ٧٧٨ فقه البيوع ٣٤٥- الضّمان فى المقبوض على سَوم الشّراء وممّا يجب معرفتُه فى هذا الباب أنّ قبضَ المشترى على السّلعة قبل إنجاز البيع على قسمين: الأول: أن يأخُذ إنسانٌ سلعةً من بائعها قبلَ المساومة أوبيان الثّمن، لمجرّد النّظر فيه. وقد ذكره بعضُ الفقهاء الحنفيّة باصطلاح "القابض على سَوم النّظر". والقابضُ فى هذا القسم أمينٌ، وقبضُه قبضُ أمانة. فلو هلكت السّلعةُ فى يده، لا يضمَن شيئاً، إلاّ أن يكون متعدّياً أو مقصّراً فى حفظها، كما هو حكم قبض أمانة. والقسم الثّانى: أن يقبضَ السّلعةَ بعد المساومة بنيّة الشّراء وبيان الثّمن، ولكن قبل إنجاز البيع. وهو الذى يُسمّى "القابض على سَوم الشّراء". فلو هلكتُ السّلعةُ بيده قبل إنجاز البيع، لا يضمنُها عند المالكيّة، فإنّ قبضَه قبضُ أمانة عندهم.(١) وإنّ القانون الانكليزيّ جرى على ما جرى عليه مذهب المالكيّة، حيثُ جعل المساومَ القابضَ فى حكم الأمين أو المستعير (٢)Bailee) وحكمُه فى القانون أنّه لا يضمن إلاّ بالتّعدّى أو التّقصير.(٣) أمّا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، فإنّ القابضَ إن قبَضَه على وجه المساومة، فإنّه ضامنٌ، وإن لم يكن متعدّياً أو مقصّرا. ورُويَ عن الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى (١) قال القرافيّ رحمه الله تعالى: "ونحن نقول: القبض للسّوم لايوجب الضّمان." (الذّخيرة للقرافي، كتاب الحمالة ٢١٧:٩) وسيأتى مآخذ المذاهب الثلاثة. (Y) Pollock & Mulla, On Sales of Goods Act, Section 4, P.77, Para7 (r) Chitty: On Contracts, Chapter 2, Para 2205. ٧٧٩ المبحث الثامن أنّه قال: "رجلٌ قال لغيره: "هذا الثّوبُ لك بعشرة. فقال ذلك الرّجل: "هاتِه، حتّى أنظرَ إليه" أو قال: "حتّى أراه." فأخذه على هذا وضاع منه، فلاشيئَ عليه. ولو قال: "هاتِه، فإن رضيتُه أخذتُه. "فضاع، فهو على ذلك الثّمن." (١) وذكر ابنُ عابدين عن القنية: "أخذ منه ثوباً، وقال: إن رضيتُه اشتريتُه، فضاع، فلا شيئَ عليه. وإن قال: إن رضيتُه، أخذتُه بعشرة، فعليه قيمتُه، ولو قال صاحبُ الثّوب: هو بعشرة، فقال المساوم: هاته حتّی أنظر إليه، وقبضه على ذلك وضاع، لم يلزمه شيئ." ووجّهه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بقوله: "ووجهُه فى الأوّل أنّه فى الأوّل لم يُذكر الثّمن من أحد الطَّرفين، فلم يصحّ كونُه مقبوضاً على وجه الشّراء، وإن صرّح المساومُ بالشّراء. وفى الثّانى، لما صرّح بالثّمن على وجه الشّراء صار مضموناً. وفى الثّالث، وإن صرّح البائعُ بالثّمن، لكنّ المساوِم قبضَه على وجه النّظر، لا على وجه الشّراء، فلم يكُن مضموناً. وبهذا يظهر الفرقُ بين المقبوض على سوم الشّراء والمقبوض على وجه النّظر."(٢) ويُقاربه مذهب الحنابلة، حيثُ قالوا: "يساومُ إنساناً على عينٍ، ويقطعُ ثمنها أو لم يقطعه، ثمّ يأخذها ليُريَها أهله، فإن رضُوها، وإلا ردّها، ضمِنه ... إلاّ إن أخذه بإذن ربّه لِيُرِيَه أهلَه، فإن رضُوه، أخذه، وإلاّ ردّه، من غير مُساومة ولا قطع ثمن، فلا يضمنه."(٣) (١) المحيط البرهانيّ، كتاب البيوع، الفصل الأوّل ٢٢٣:٩ (٢) ردالمحتار، باب خيار الشرط ٢٧٧:١٤ فقره ٢٢٦٥١ (٣) الإقناع (مع كشاف القناع)، باب الضمان والكفالة، ٣٥٨:٣ ٧٨٠ فقه البيوع أمّا الشّافعيّة، فذكروا أنّ المقبوضَ بالسَّوم مضمونٌ بالقيمة، (١) وقال القليوبيّ: "المأخوذُ بالسَّومِ مضمونٌ كلُّه إن أخذه لشراء كلّه، وإلاّ فقدرُ ما يُريد شراءَه. فلو أخذ خرقةَ عشرة أذرع لشراء خمسة منها، لم يضمن الخمسة الثّانية، لأنّها فى يده أمانة. "(٢) ولم يُصرّحوا بالتّفريق بين حالة النّظر وحالة السَّوم، ولكنّ الظّاهرَ أنّه ملحوظٌ عندهم، حيثُ ذكروا الضّمانَ فى حالة السَّوم فقط. وقد عرّفه ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: "وهو ما يأخذه مُريد الشّراء ليتأمّله أيُعجبه أم لا."(٣) وإنّ الفرق بين الحالتين دقيق، والّذى يظهر أنّ القبضَ إن كان على وجهِ الشّراء بأن ظهرت إرادةُ المشترى بالشّراء بعد وُضوح الثّمن، وإنّما قبضه ليتروّى، أو ليُريّه أهله قبل البتّ، فإنّه مقبوضٌ على سَوم الشّراء، ومضمونٌ على القابض. أمّا إن لم تظهر إرادتُه للشّراء، بل صرّح القابضُ بأنّه يقبضُه للنّظر فقط، فإن بدا له بعد النّظر اشتراه، فهو مقبوضٌ على وجه النّظر، وليس مضموناً عليه. ولذلك عرّفت مجلّةُ الأحكام العدليّة "المقبوض على سَوم الشّراء" بما يأتى: "وهو أن يأخذ المشترى من البائع مالاً على أن يشتريه مع تسمية الثّمن." وقال الأتاسيّ رحمه الله تعالى فى شرحه: "إنّ المساوم إذا قبض المبيع وهلك فى يده لاضمانَ عليه، إلاّ إذا كان القبضُ (١) المجموع شرح المهذّب، باب بيع المصراة والرد بالعيب ١٢: ٢٨٠ (٢) حاشية القليوبي على المحلّى، باب المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ٢: ٢١٤ (٣) تحفة المحتاج، باب فى حكم المبيع قبل قبضه وبعده ٤: ٤٠٤ و ٤٠٥ المبحث الثامن على سوم الشّراء، وحصلت تسميةُ الثّمن ورضيَ الجانبان، يعنى البائعَ والمساوم، بماذكر حقيقةً أو حكماً. فالأوّل ظاهر، والثّانى بأن يُصرّح أحدُهما بما ذُكر، ويصدُرَ من الآخر ما يدلّ على الرّضا به."(١) فالّذى يظهر منه أنّ القابضَ يُعتبر على سَوم الشّراء إذا توافر فيه شرطان: الأوّل: أنّه رضيَ بالثّمن، والثّانى: أنّه يُريد الشّراء، وما بقيَ إلاّ البتُّفيه. ثمّ صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ المقبوض على سَوم الشّراء مضمونٌ بالقيمة لا بالثّمن. وهو مقتضى إطلاق الشّافعيّة بكونه مضموناً، لأنّ كلّ ما كان مضموناً على إنسان، فهو مضمونٌ بقيمته، كما فى الغصب وغيره. ولكن ذكر متأخرو الحنفيّة أنّ المقبوضَ على سَوم الشّراء إن هلك بغير فعل منه، فهو مضمونٌ بالقيمة، ولكن إن استهلكه، فإنّه يضمن الثّمن،(٢) وعلّلوه بأنّ استهلاكه بمنزلة تنفيذ البيع، ولو نفّذ البيع، وجب عليه الثّمن، فكذا ههنا.(٣) والّذى يظهر لى، والله سبحانه أعلم، أنّ الاستهلاكَ إن كان باستعمال المبيع، فإنّه يُعتبر تنفيذاً للبيع، فيجب الثّمن. أمّا إن كان الاستهلاكُ بتفريطٍ فى حفظه، فلا يينبغى أن يُعتبر تنفيذاً للبيع، فينبغى أن يُضمن بالقيمة. ٣٤٦- المقبوض للتّجربة وجرت العادةُ أنّ البائعَ قد يُسلّم المبيعَ إلى المساوم للتّجربة، مثل أن يُريد بيعَ (١) شرح المجلّة للأتاسي، ٢٢٨:٢ مادة ٢٩٨ (٢) وما ذكرناه عن القنية من رواية أبى حنيفة أنه " فهو على ذلك الثّمن" فلعلهم حملوه على حالة الاستهلاك. (٣) راجع لتفصيله ردالمحتار، باب خيار الشّرط ١٤: ٢٧٧ إلى ٢٧٩ فقره ٢٢٦٥٢ ٧٨٢ فقه البيوع السّيّارة، فأذن لمن يُريد شراءها أن يُشغّلها ويستعملَها لتجربتها. فلو كان ذلك قبل إنجاز البيع، وقبل ميلان المشترى أو قبل تعيين الثّمن، فإنّه أمانةٌ بيد المشترى مثل "المقبوض على سوم النّظر". وإن كان بعد ميلان المشترى وتعيين الثمن، فإنّه فى حكم المقبوض على سَوم الشّراء. وإن كان بعد إنجاز البيع، فإنّه يجوز بطريق خيار الشّرط بشروطه، ولا يسقط الخيار باستخدام المبيع للتّجربة.(١) والله سبحانه أعلم. ٣٤٧- ضمانُ المبيع بعد البيع أمّا ضمانُ المبيع بعد البيع، ففيه تفصيلٌ فى الوقت الذى ينتقل فيه ضمانُ المبيع من البائع إلى المشترى. فمذهبُ الحنفيّة والشّافعيّة أنّ المبيعَ يبقى فى ضمان البائع إلى أن يُسلّمه إلى المشترى. وذلك لأنّ الضّمانَ عندهم إنّما ينتقلُ من البائع إلى المشترى بقبض المشترى للمبيع، لا بمجرّد العقد؛ فلو هلك المبيعُ بعد قبض المشترى، هلك من مال المشترى، ولوحدث عيبٌ فيه بعد قبضه لا يثبت له خيار العيب، وإن ثبت عيبٌ بعد العقد، لكن قبل قبض المشترى للمبيع، يثبت له الخيار(٢). أمّا المالكيّةُ والحنابلةُ، فقد فرقوا بين ما إذا كان المبيعُ يتعلّق به حقُّ التّوفية، فیحتاجُ إلى قبض المشترى لانتقال الضّمان إليه، ومالا يتعلّق به حقُّ التّوفية ينتقل ضمانُه إلى المشترى بمجرّد العقد. وتفسيرُه أنّ المبيعَ إذا بيع بالكيل، أو الوزن، أو العدّ أو الذّرع، فيتعلّق به حقُّ التّوفية. وكذلك إذا بيع المبيعُ بصفةٍ، بأن لم يتعيّن ذاتُ المبيع (١) المغني لابن قدامة ٤: ١٩ إلى ٢١ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٤٦، وتكملة المجموع للعلامة السبكيّ رحمه الله تعالى باب بيع المصراة ١٢: ١٢٤ ٧٨٣ المبحث الثامن وقتَ العقد، لكن بيّن البائعُ صفاتِ المبيع بيانًا معتبرًا، بأن بيّن البائعُ وصفَ سيّارةٍ للمشترى بيانًا معتبراً، فاشتراها المشترى على وفق الوصف، أو اشتُريَ المبيعُ برؤيةٍ متقدّمةٍ بأن كان المبيعُ غائبًا عند العقد، لكن كان قد رآه المشترى قبل العقد، مثل أن يقع العقد على سيّارةٍ غائبةٍ عن العاقدين وقتَ العقد، لكن كان قد رآها المشترى قبلَ العقد بمدّةٍ لايتغيّر فيه المبيعُ عادةً، فيكونُ فى حكم ما يتعلّق به حقُّ التّوفية. فالضّمانُ فى هذه الصُّور إنّما ينتقل إلى المشترى بقبضه للمبيع قبضًا معتبرًا. أمّا غيرُه من المبيعات، فلم يتعلّق بها حقُّ التّوفية، وذلك كالمبيع المعيّنِ الحاضرِ وقتَ العقد، مثل السيّارة المعيّنة الحاضرة عند العاقدين وقتَ العقد، أو الصُّبرة المعيَّنة من الطّعام إذا بيعت جزافًا، فمثلُ هذا المبيع لا يُفتَقَر فيه إلى القبض، لأنّ ضمانَه ينتقل إلى المشترى بمجرّد العقد.(١) ودليلُهم فى ذلك ما أخرجه البخاريّ عن عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما تعليقاً قال: "مَا أَدْرَكَتِ الصَّفقة حيّاً مجموعاً فهو من المبتاع. ١١(٢) (١) هذا ملخص كلام الدردير والدسوقي رحمهما الله من المالكيّة (ليراجع الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوى عليه ٣: ١٩٥ وما بعدها؛ والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقيّ عليه ٣: ١٤٤ وما بعدها) وكلام الزركشي والمرداويّ رحمهما الله تعالى من الحنابلة وتصحيحهما فى الروايات الكثيرة المروية فى مذهب الحنابلة (ليراجع شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٣: ٥٣٠ وما بعدها و الإنصاف ٤: ٤٦٠ وما بعدها، و٤: ٤١٥ وكشاف القناع ٢٠٣:٣ أول "فصل فى خيار العيب") (٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى متاعاً أودابةً فوضعه عند البائع الخ