Indexed OCR Text
Pages 121-140
٧٤٤ ٠٠٠ فقه البيوع مثلاً ريالاتٍ سعوديّةً من رصيده فى البنك إلى عمرو، وحوّل عمروٌ ربّاتٍ باكستانيَةً من رصيده فى ذلك البنك، أو فى غيره إلى زيد. ويُقال إنّ القيد المصرفيّ فى رصيد كلّ واحدٍ منهما قبضٌ لذلك المبلغ، وهذا القدرُ لا إشكالَ فيه، لأَنّ التّقييدَ المصرفيّ فى عصرنا حقيقتُه القبضُ عن طريق البنك الّذى هو وكيلٌ للمستفيد، وهو مثلُ أن توضعَ الأموالُ فى جيب أحدٍ أو فى خزانته الشخصيّة، وهو قبضٌ بلاشكّ. ولكنّ القيدَ المصرفيّ لا يقع فى رصيدهما فى آنٍ واحد، بل يكون بينهما فرقُ الأوقات، وفرقُ الأيّام فى بعض الأحوال. فاضطُرّ أصحابُ هذا الموقف إلى القول بأنّه يُغتفر فاصلُ هذه المدّة من شرط التّقابض. ولهذا جاء فى المعايير الشّرعيّة للمؤسسات الماليّة الإسلاميّة: "ويُغتفر تأخيرُ القيد المصرفيّ_ بالصّورة الّتى يتمكن المستفيد بها من التّسلّم الفعليّ_ إلى المدّة المتعارَفِ عليها فى أسواق التّعامل، على أنّه لا يجوز للمستفيد أن يتصرّف فى العُملةِ خلالَ المدّة المغتفَرة إلاّ بعد أن يحصُل أثرُ القيد المصرفيّ بإمكان التّسليم الفعليّ."(١) وإنّ هذه العبارةَ تعترف أنّه لم يقع التّسليم الفعليُّ للمستفيد، ولاجاز له أن يتصرّف فى المبلغ الَّذى أريد تقييدُه فى حسابه، ولاشكّ أنّ كلّ ذلك مُنافٍ للتّقابض، وقد ذكرتُ عن الفقهاء الحنفيّة أنّ التّقابض فى الصّرف لاتكفى فيه التّخلية، بل يجب القبض بالبراجم. (١) المعايير الشّرعيّة، المعيار الأوّل، بند ٥١٦/٢ (ألف) ٧٤٥ المبحث السابع وقال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "ولا يجوزفى شيئ من الصَّرف تأخير ساعة فما فوقها، ولا أن يتوارى أحدهما عن صاحبه قبل التقابض، ولاتجوز فيه حوالة ولاضمان، ولا خيار ولاعدة، ولاشيئ من النَّظِرة، ولا يجوز إلاّ هاء وهاء، ويتقابضان فى مجلس "(١) واحد ووقت واحد. ومع ذلك لجأ أصحاب الموقف الثّانى إلى القول باغتفار أيّام لمشاكل عمليّة. والحاصلُ أنّ هذا الموقف ضيق الأمرَ فى جانب باعتبار الأوراق النّقديّة فى حكمِ الذّهب ءُ والفضّة، وجريان أحكام الصّرف، ووجوب التّقابض فيها، ثمّ تأوّل فى معنى التّقابض، وتسامح فيه فعلاً، فاعتبر قبضاً ما ليس بقبض فى الحقيقة. أمّا الموقف الثالث الّذي ذكرتُه، والّذى هو مبنيٌّ على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى، والّذى يُبيح التّفاضلَ والنّسيئةَ فى عُملاتِ بلادٍ مختلفة بشرطِ أن يكون بسعر المثل يومَ العقد، يسُدّ جميعَ أبواب الرّبا فى جانب، ويحلّ هذه المشاكل العمليّة فى جانبٍ آخر. وقد يقع إشكالٌ على جواز النّسيئة أنّه لو أجيزت النّسيئة فى مبادلة عُملاتٍ مختلفة، يمكن أن تُصبح النّسيئةُ حيلةَ لأكل الرّبًا. فمثلاً إذا أراد المُقرضُ أن يتقاضى عشرَ ربّيات على المائة المقرضة، فإنّه يبيع مائةَ ربّية نسيئةً بمقدار من الدولارات الّتى تُساوى مائةً وعشر ربيات، وبهذا يحتال لأخذ عشر ربيات زيادةً على المبلغ المُقرَض. (١) الكافى فى فقه أهل المدينة لابن عبد البر ص ٣٠٩ ٧٤٦ ٥ فقه البيوع وحلُّ هذا الإشكال ما ذكرنا من أن يُشترط فى جواز النّسيئة أن يكون بسعر المثل يوم العقد. فإنّ اشتراطَ ثمن المثل فى عقود النّسيئة يقطع الاحتيالَ على الرّبًا. واشتراطُ سعرٍ المثل فى المبادلات له نظائر كثيرةٌ. منها ما جاء فى حديث عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير، فأتيتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فقال: لا بأس به بالقيمة. "(١) وكان بيعُ الدنانير بالدراهم يجوز فيه التّفاضل لاختلاف الجنس، ولكن اشترط فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون بالقيمة فى ذلك اليوم. وذلك لئلاً تُتّخذ حيلةً للربا. وهناك عدّةُ مسائل فى الفقه اشترط فيها الفقهاء أن يكون العقدُ بسعر المثل يوم العقد، مثلُ أجرة كتابة الفتوى، أجازها الفقهاءُ بشرط أن لايتجاوز فيه عن أجر المثل، وذلك لئلاّ يُتّخذ ذلك حيلةً لتقاضى الأجرة على الإفتاء نفسه. (٢) وقد يقع على اشتراط ثمن المثل اعتراضان: الأول أنّه يؤدّى إلى حرمة التّفاضل وجواز النّسيئة، ولاعهدَ له فى أحكام الأموال الرّبويّة، فإنّ حرمةَ التّفاضل فيها تُلازِم حُرمةَ النسيئة، فهناك أشياءٌ تحرُم فيها النّسيئةُ ويجوز التّفاضل، مثلُ بيع الدّرهم (١) أخرجه الترمذي ١٢٤٢، وأبو داود ٣٣٤٥، والنسائي ٤٥٨٩، وابن ماجه ٢٤٦٢، والدارمي ٢٥٨١، وأحمد ٩: ٣٩٠، انظر التلخيص الحبير ٣: ٢٥ و٢٦، باب القبض وأحكامه برقم ١٢٠٤. (٢) راجع الدر المختار مع ردالمحتار، كتاب الإجارة، مسائل شتى٦: ٩٢ ٧٤٧ المبحث السابع بالدينار، ولكن ليس هناك ما يمنعُ التّفاضلَ ويُجوّز النّسيئة. والجوابُ عن هذا الإشكال أنّ اشتراطَ ثمن المثل فى مبادلة العملة الورقيّة بخلاف جنسِها ليس تحريماً للتّفاضل، فإنّ الرّبيات الباكستانية يجوزُ مبادلتُها بالرّيالات السعوديّة بالتّفاضل بداهةً، فالتّفاضلُ جائزٌ ليس بممنوع، ولهذا يجوز اليوم مبادلةُ ريالٍ سعوديّ واحد بستّ وعشرين ربية باكستانيّة حسب تسعير اليوم، وهذا تفاضلٌ ظاهر. وإنّما حاصلٌ اشتراطِ ثمن المثل أن لا يتعدّى هذا التفاضلُ إلى حدٍّ يكون حيلةً للرّبًا. وهذا كما أنّ مبادلة الدّراهم بالدنانير يجوز فيها التّفاضل، ولكن اشترط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تقع المبادلةُ بسعر يوم المبادلة فى صَرف ما فى الذّمّة. والاعتراض الثّانى: أنّ مثلَ هذه الحيلة كانت متصوّرةً فى عهد السّلف فى مبادلة الفلوس بالدّراهم أيضاً، وقد أجازوا فيها التّفاضُلَ والنّسيئة، ولكن لم يؤثَرْ عنهم أنّهم اشترطوا أن يقع التّبادلُ بسعر المثل. والجوابُ أنّ الفلوس فى ذلك العهد كانت لاتُستعمل إلاّ فى مبادلات بسيطة، فاحتمالُ مبادلتها بالدّراهم نسيئةً بتفاضلِ يؤدّى إلى الاحتيال للرّبا كان نادراً وضعيفاً. أمّا فى عهدنا، فإنّ العُملةَ الورقيّة أصبحت هى آلةَ التداول الوحيدة فى جميع شئون الحيوة، ولا توجد عُملةٌ أخرى، فاحتمالُ مبادلتها بالنّسيئة حيلةً للرّبا أصبح احتمالاً قويّاً يبرّرُ اشتراطَه بأن يكون بسعر المثل يوم العقد. والحقيقةُ أنّ هذا الموقف الثّالث لم يأخذ حقَّه من النّقاش والتّعمّق فى المؤتمرات العالميّة الّتى عُقدت فى هذا الموضوع. ولعل سببه أنّه فورَ ماقيل إنّ الأوراق النّقديّة فى حُكم الفلوس، يتبادر إلى الذّهن أنّه ترجيحٌ للموقف الأوّل الذى يفتح باب الرّبا فى الأوراق النّقديّة، ولكنّ الأمرَ ليس كذلك، لأنّه لوأخذت الأوراق النّقديّةُ حكمَ ٧٤٨ فقه البيوع الفلوس على مذهب الإمام محمّد رحمه الله تعالى، فلا يجوز فيها التّفاضل، فلايلزم منه هذا المحظور كما بيّا دلائلَه فيما سبق، وأمّا ما يُخشى من الاحتيال على الرّبا فى جواز النّسيئة، فقد ينسدّ بابُه باشتراط سعر المثل يوم العقد كما بيّا، فهذا الموقِفُ موافقٌ لما هو كالبديهيّ فى الفرق بين الأثمان الحقيقيّة والأثمان الاصطلاحيّة، وجامعٌ للمصالح من سدّباب الرّبا والتّيسير فى مبادلة العملات بين البلدين. وطُرح هذا الموقف الثّالث فى اجتماع كبير لعلماء الهند فى مجمع الفقه الإسلاميّ الهنديّ، وطُلبت آراءُ أصحاب الفتوى فى الهند بصورة استفتاء، فجاءت أجوبةٌ معظم العلماء (وهم خمسون) موافقةً لهذا الموقف الثّالث، فى حينِ أنّ الّذين رجّحوا الموقف الثّانىَ كانوا عشرة، ورأى خمسةٌ منهم أنّ الأصل أن لاتجوز النّسيئة، ولكن يمكن أن تُباحَ فى حالات الحاجة. والقرارُ الذى صدر من الاجتماع ذَكر الموقفَيْن، ثمّ قال ماترجمته: "إنّ هذا الاجتماعَ من مجمع الفقه الإسلاميّ، بعد النّظر فى هذين الموقفين الموقّرَين، قرّر أن يُعمل بالاحتياط فى مبادلة عُملتين مختلفتى الجنس نسيئةً، ولكن يُمكن أن يُعملَ بالرّأى الآخر فى حالةِ حاجةٍ وضرورةٍ واقعيّة."(١) ولاشكّ أنّ العمل بالأحوط هو الأسلمُ فى مثل هذه الأمور، ولكن من جملة الاحتياط أن لايُعتبر القبضُ على الشّيك الشّخصيّ قبضاً، وأن لايُغتفرَ مدّةُ التّقييد المصرفيّ من شرط التّقابض، فإن استثنيت هذه الأمور من التّقابض الحقيقيّ، فالقولُ (١) مجلّة مجمع الفقه الإسلاميّ بالهند، الدورة الرابعة فى شهر محرم ١٤١٢ هـ ص ٦٠٠ ٧٤٩ المبحث السابع بأنّه أحوطُ مشكل، لأنّ التّقابض، كما يظهر من النّصوص وممّا ذكره الفقهاء فى تفسيره، يصعُب تقعيده على مثل هذه المستثنيات، كما سيأتى ذكرُه فى مبحث التّحويل المصرفيّ إن شاء الله تعالى. وعلى أساس قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى تنحلّ قضيّةٌ أخرى عمّت بها البلوى، وهى مشكلة التّجّار النّاشئة عن تذبذب أسعار العملات. وذلك أنّ الّذين يستوردون البضائع من خارج دولتهم، إنّما يفعلون ذلك بالعُملة القويّة، مثل الدّولار، ثمّ يبيعونها فى بلدهم بالعُملة المحلّيّة، والّذين يُريدون تصديرَ البضاعات إلى بلاد أخرى يشترون البضائع أو يصنعونها بتكلفةٍ مقدّرة على أساس العُملة المحلّة، وقد تختلف أسعارُ العُملتين فى أثناء عمليّة الاستيراد أو التّصدير، ومن هذه الجهة قد تلحقهم خسائر. ولتجنّب أخطار تذبذب العُملات تُستخدم طرقٌ مختلفة تُسمّى "التّحوّط" (Hedging) معظمُها غير مقبولةٍ من الناحية الشّرعيّة. وعلى أساس قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى الّذى ذكرناه فى الموقف الثّالث يُمكنُ أن تُشترى الدولارُ بالرّبيات وبالعكس نسيئةً، لكونهما فى حكم الفلوس فى حق النّسيئة فقط، وجواز التّفاضل بينهما لكونهما جنسين مختلفين، بشرط ما ذكرنا من أن يكون التّبادل على أساس سعر يوم العقد، لئلا يكون ذريعةً للاحتيال على الرّبًا. والله سبحانه وتعالى أعلم وعلمه أتمّ وأحكم. ٣٣٠- إرسال النّقود عن طريق البريد أو البنك أمّا إرسالُ النّقود إلى شخص آخر عن طريق البريد أو البنك، فإنّه ليس صَرْفاً، ولكنّه يحتاج إلى تكييف شرعيّ. ويتمّ الإرسال بثلاثة طرق: ٧٥٠ فقه البيوع ٣٣١- الشيك المصرفيّ الأوّل: أن يُبعث الشّيك المصرفيّ (Draft) عن طريق البريد، وقدّمنا فى مباحث إيفاء الثّمن أنّ البنك المصدر للشّيك المصرفيّ يحجُز مبلغَه لصالح المستفيد، فيكون وكيلاً عنه فى القبض، فيتحقّق القبض عن طريق الوكيل. و ما يتقاضاه البنك الإصدار الشّيك المصرفيّ من الرّسوم يُمكن أن يُعتبر أجرةَ المثل للخدمات الّتى يُقدّمها لإصدار الشّيك. ثمّ يُرسَل الشّيك عن طريق البريد، وما تتقاضاه دائرةُ البريد أجرةٌ على حمل الظّرف المشتمل على الشّيك إلى المرسل إليه. ٣٣٢- والطّريق الثّانى: أنّ النّقودَ تُرسَل عن طريق حوالة ماليّة بريديّة والّتى تُسمّى "منى آردر"(Money Order) وفى هذه الحالة، يدفع المُرسِل نقوداً إلى دائرة البريد، وإنّ دائرةَ البريد لا تحمِل هذه النّقود إلى المرسَلِ إليه بعينها، بل تخلِطُها بأموال أخرى، ويدفعُ مثلَها إلى المرسَل إليه. ولهذا، فإنّ النّقود ليست أمانةً عندها، بل هى مضمونةٌ على مكتب البريد، ولذلك يجبُ عليها دفعُ مثلها، وإن هلکت بدون تعدٍّ منها، فإنّ هذه العمليّةَ تشتمل على أمرين: الأوّل إقراضٌ لدائرة البريد، والثّانى: إحالةُ المرسل إليه على ذلك القرض. ومن هنا ينشأ الإشكال من جهتين: ٣٣٣- العمولة على الحوالة البريديّة الإشكال الأوّل: أنّ دائرةَ البريد تتقاضى عمولةً من المُرسِل على إجراء هذه العمليّة، فالمدفوعُ إلى البريد أكثرُ ممّا يدفعه البريدُ إلى المرسل إليه، فكان فى معنى الرّبوا. ولهذا السّبب أفتى بعض الفقهاء فى الماضى القريب بعدم جواز إرسال النّقود بهذا ٧٥١ المبحث السابع الطّريق.(١) ولكن أفتى كثيرٌ من العُلماء المعاصرين بجوازها على أساس أنّ العمولةَ التى يتقاضاها البريدُ عمولةٌ مقابلَ الأعمال الإداريّة، من دفع الاستمارة، وتسجيلٍ المبالغ، وإرسال الاستمارة، أو البرقيّة وغيرها إلى مكتب البريد فى بلد المرسَل إليه. وعلى هذا الأساس جوّز الإمام أشرف عليّ التهانويّ رحمه الله تعالى إرسالَ المبالغ عن طريق الحوالة البريديّة.(٢) وعلى هذا مشى العلماءُ المعاصرون، مثل فضيلة الدكتور الشّيخ وهبه الزّحيليّ حفظه الله تعالى. (٣) والعادةُ أنّ عمولةَ الإرسال تكونُ مرتبطةً بنسبة مئويّة من المبلغ. وقد يجعلُ مكتبُ البريد شرائحَ لهذه العمولة، فمثلاً، هناك مبلغٌ مقطوعٌ لإرسال مبلغ أقلّ من ألف، ومبلغٌ مقطوعٌ أزيدُ منه لإرسال ما يبلغ ألفاً إلى خمسة آلاف، وهكذا. وقد جرى عليه العمل فى سائر البلدان من غير نكير. وليس هناك ما يُبرّر هذا الرّبْطَ بين المبلَغ والعمولة إلاَّ ما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى أجرة كتابة الصّكّ حيثُ جاء فى الدّر المختار: "يستحقّ القاضى الأجرَ على كَتْب الوثائق والمحاضر والسِّجلاّت قدرَ ما يجوز لغيره كالمفتى، فإنّه يستحقّ أجرَ المثل على كتابة الفتوى، لأنّ الواجبَ عليه الجوابُ بالّسان دون الكتابة بالبنان. ومع هذا الكفّ أولى." وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: قوله: "قدر ما يجوز لغيره" قال فى جامع الفصولين: للقاضى أن يأخذَ ما (١) فتاوی رشیدیه ص ٤١٠ (٢) إمداد الفتاوى ٣: ١٤٦ سؤال ١٩٢ (٣) الفقه الإسلاميّ وأدلته، المستدرك ٣٣٢:٩ ٧٥٢ فقه البيوع يجوزُ لغيره، وما قيل: فى كلّ ألف خمسةُ دراهم لانقول به، ولا يليق ذلك بالفقه. وأيُّ مشقّةٍ للكاتب فى كثرة الثّمن، وإنّما أجرُ مثله بقدر مشقّته، أو بقدر عمله فى صنعته أيضاً، كحكّاك وثقّاب يُستأجرُ بأجر كثير فى مشقّة قليلة. انتهى. قال بعضُ الفضلاء: أفْهَم ذلك جوازَ أخذ الأجرة الزّائدة، وإن كان العملُ مشقّتُه قليلة، ونظرُهم لمنفعة المكتوب له. انتهى. قلت: ولا يخرُج ذلك عن أجرة مثله، فإنّ من تفرّغ لهذا العمل، كثقّاب اللآلئ مثلاً، لا يأخذ الأجرَ على قدر مشقّته، فإنّه لايقوم بمُؤنته، ولو ألزمناه ذلك، لزم ضیاغُ هذه الصنعة. فكان ذلك أجر مثله."(١) ٣٣٤- السُّفتجة وحكمها الشّرعيّ والإشكال الثّانى فى الحوالة البريديّة أنّه فى الظّاهر سُفتَجة، وقد كرهها الفقهاء. ولنتكلّم على هذه النّاحية بشيئ من التّفصيل، والله سبحانه هو الموفق. السُّفتجة، بضمّ السين المشدّدة وفتحها، وسكون الفاء وفتح الّاء، كلمةٌ معرّبة من الفارسيّة، وعرفه الزّبيديّ رحمه الله تعالى بقوله: "قرض استفاد به المقرض سقوطَ خطَر الطّريق، بأن يُقْرِضَ مالَه عند الخوف عليه ليُرَدّ عليه فى موضع أمن. " وذكر أنّ معناه اللّغويّ: "الشّيئ المحكم "سُمّيَ به هذا القرض لإحكام أمره.(٢) وعرّفه الدّردير رحمه الله تعالى بقوله: "معناها الكتابُ الَّذى يُرسله المقترضُ (١) الدر المختار مع ردالمحتار، كتاب الإجارة، مطلب فى أجرة صكّ القاضى والمفتى ٩٢:٦ (٢) تاج العروس ٦: ٣٩ ٧٥٣ المبحث السابع لوكيله ببلدٍ ليدفعَ للمُقرض نظيرَ ما أخذه منه ببلده. " وذكر الدّسوقيّ رحمه الله تعالى أنّه يُسمّى الآن "بالوصة" (١) وعرَفه الحصكفيّ رحمه الله تعالى بقوله: "وهى إقراضٌ لسقوطِ خطر الطّريق، فكأنّه أحال الخَطرَ المتوقّع على المستقرض، فكان فى معنى الحوالة. " وقال ابن عابدين تحته: "وصورتُها أن يدفع إلى تاجرٍ مالاً قرضاً ليدفعه إلى صديقه، وإنّما يدفعُه قرضاً، لاأمانةً، ليستفيدَ به سقوطَ خطَّر الطّريق. وقيل: هيَ أن يُقرض إنساناً ليقضيه المستقرضُ فى بلدٍ يُريده المقرض، ليستفيدَ به سقوطَ خطر الطّريق."(٢) وحاصل هذه التّعريفات ما ذكره أخونا العلامة فضيلة الدكتور الشّيخ وهبه الزّحيليّ حفظه الله تعالی: " السُّفتجة معاملةٌ ماليّةٌ يُقرضُ فيها إنسانٌ قرضاً لآخر فى بلدٍ ليُوفيَه المقترض أو نائبُه أو مدينُه إلى المقرض نفسِهِ، أو نائبه، أو دائنه، فى بلدٍ آخرَ معيّن."(٣) وقد اختلفت أقوال الفقهاء فى جواز هذه المعاملة. فالمذكور فى كتب الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة كراهتُها، لأنها تؤدى إلى قرض جرّ نفعاً، وهو الأمنُ من خطر الطّريق، (٤) لأنّه لو كان دفع إلى الآخر المبلغَ أمانةً، وهلك بغير تعدٍّ منه، مثل أن يسرقه الّصوص فى الطّريق، لم يكن الحاملُ ضامناً، وخسِر المعطى، ولكنّه دفع إليه المالَ قرضاً، فصار مضموناً على (١) حاشية الدّسوقيّ على الدردير ٢٢٥:٣ (٢) ردالمحتار ٢٤١:١٦ فقره ٢٥٩٠٩ (٣) الفقه الإسلاميّ وأدلته ٤: ٧٢٨ (٤) ردالمحتار١٦: ٢٤٠ والمهذّب ٢: ٨٤ والدّسوقيّ ٢٢٥:٣ ٧٥٤ فقه البيوع المقترض، فلو هلكَ فى الطّريق، ولو بغير تعدٍّ منه، كان المقترضُ ضامناً، وهذه هى المنفعةُ الّتى جرّها القرض. وأمّا الحنابلة، فالصّحیحُ عندهم جواز السُّفتجة. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وقد نصّ أحمد على من شرط أن يكتبَ له بها سُفتجة، لم يجُز. ومعناه اشتراطُ القضاء فى بلدٍ آخر. ورُوي عنه جوازُها لكونها مصلحةً لهما جميعاً ... ورُويَ عن عليّ رضى الله عنه أنّه سُئل عن مثل هذا، فلم يرَ به بأسا. وممّن لم يرَ به بأساً ابنُ سيرين، والنّخعيّ. رواه كلَّه سعيد.(١) وذكر القاضى أنّ للوصيّ قرضَ مال اليتيم فى بلدٍ ليُوفيه فى بلدةٍ أخرى، ليربحَ خطر الطّريق. والصّحيح جوازُه، لأنّه مصلحةٌ لهما من غير ضررٍ بواحد منهما، والشّرِعُ لا يرد بتحريم المصالح التى لا مضرّةَ فيها، بل بمشروعيّتها، ولأنّ هذا (١) ويُمكن أن يُستأنس على الجواز بما أخرجه البيهقيّ وغيره عن عن عطاء بن أبى رباح أنّ عبد الله بن الزّبير رضى الله تعالى عنهما كان يأخذ من قوم بمكّة دراهم، ثمّ يكتب بها إلى مصعب بن الزّبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسُئل ابن عبّاس عن ذلك، فلم يرَ به بأساً، فقيل له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم، قال: لابأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم. " وقد ذكرنا فى مبحث القبض بالشيك المصرفيّ أنّ البيهقيّ رحمه الله تعالى عقّب عليه بقوله: "وروي فى ذلك أيضاً عن عليّ. فإن صحّ ذلك عنه وعن ابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما، فإنّما أرادا والله أعلم إذا كان بغير شرط. " ومعنى قول البيهقيّ رحمه الله تعالى أنّه لم يكن بيعاً، وإنّما كان استقراضاً، ولم يُشترط فيه أنّ القرضَ سُيُقضى بالعراق، ولكنّهم كانوا يقضونه بالعراق من دون شرط. ولذلك أخرجه عبد الرزاق رحمه الله تعالى فى مصنّفه بلفظ: "كان ابنُ الزّبير يَسْتَلِف من التجّار أموالاً، ثمّ يكتب لهم إلى العُمّال ". ولكنّ الرّوايةَ ليس فيها تصريحٌ أنّه كان بدون شرط، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٧٥٥ المبحث السابع ليس بمنصوص على تحريمه، ولافى معنى المنصوص. فوجب إبقاؤه على الإباحة."(١) ثمّ إنّ المالكيّة القائلين بكراهة السُّفتجة استثنَوا منها حالتين: الأولى: أن يكون الخوفُ على النّفس أو المال عاماً غالباً فى سائر الطّرق، فحينئذ تجوز السُّفتجة، بل يندُب، بل قديجب، (٢) تقديماً لمصلحة حفظ المال والنّفس على مضرّة سلفٍ جرّ نفعاً. والحالةُ الثّانية: أن يقومَ دليلٌ على أنّ القصدَ نفعُ المقترض فقط، لانفعُ المقرض أو نفعُهما معاً. "(٣) والّذى يظهر من كلام الفقهاء الّذين كرهوا السّفتجة أنّ الكراهة إنّما تأتى من قصد الأمن من خطر الطّريق. والواقع فى الحوالة البريديّة (Money Order) أنّ المقصودَ ليس قرضاً واقتراضاً، وإنّما المقصودُ إرسالُ مبلغٍ إلى بلدٍ آخر، فلو قبله مكتب البريد أمانةً، رضيَ به المرسِل إن كان على ثقة من أمانته، وقد لايقعُ فى ذهن المرسِل أنّه يُقرض هذا المال إلى مكتب البريد، ولكنّه يُصبح قرضاً لحاجة البريد، فإنّه لا يُمكن له أن يفصِلَ أموال مئين من النّاس، ويحفظَ مالَ كلّ واحدٍ منهم مفصولاً عن غيره. ولهذه الحاجة إنّه يخلط الأموال. وبسبب هذا الخلط يأخذ المبلغُ حكم القرض، فهو (١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٦٠ (٢) وهذا إنّما يتصوّر إن لم يكن المقترض يحمل مبلغ القرض معه إلى بلد آخر، بل يستعمله فى بلد المقرض، ويكتب إلى وكيله فى بلد آخر أن يؤدى مثله إلى وكيل المقرض، وبهذا عرّف الدّسوقيّ رحمه الله تعالى السّفتجة كما مرّ نصّه. أمّا إذا كان المقترض يحمل مبلغ القرض إلى بلد آخر، فلا معنى لهذا الاستثناء، لأنّه معرّض لنفس الخطر، والله سبحانه أعلم. (٣) الدّسوقي ٢٢٦:٣ ٧٥٦ فقه البيوع أمانةٌ ابتداءً، وقرضٌ انتهاءً بسبب الخلط. والظّاهرُ أنّ هذا بمعزل عن السُّفتجة القديمة الّتى كان المُقرض فيها يقصد الإقراضَ منذ أوّل الأمر، ويقصد الأمنَ من خطر الطّريق. ولو كان فى حكم السُّفتجة، فالحاجةُ داعيةٌ إلى القول بجوازها على مذهب الحنابلة. ولهذا قال الإمام أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالى: "إن ثبت بنقل صحيح أنّ إماماً من الأئمّة الأربعة ذهب إلى جواز السُّفتجة، فيُقال بجواز العمل به للضّرورة."(١) وبهذا ينحلّ الإشكال فى جواز الحوالة البريديّة. ٣٣٥- التّحويل المصرفيّ والطّريق الثّالث لإرسال النّقود هو التّحويل المصرفيّ (Bank Transfer) وطريقُهُ أنّ المرسِل له رصيدٌ فى بنك ألف مثلاً، فيطلُب من ذلك البنك أن يُرسل مبلغاً من ذلك الرّصيد إلى بنك ب فى بلد المرسَل إليه، ويُقيّد ذلك المبلغ فى حسابه. فإن كان المبلغُ المطلوبُ إرسالُه بنفس العُملة الّتى فيها رصيدٌ للمرسِل، فإنّ تكييفَه أنّ البنك ألف مديونٌ للمرسل، فيأمرُ مديونَه أن يؤدّيَ دَينه (بقدر المبلغ المطلوب إرسالُه) إلى المرسَل إليه بتقييد ذلك المبلغ فى حسابه لدى البنك ب. وما يتقاضى عليه البنك من العمولة، فهو مقابلُ الأعمال الإداريّة الّتى يقوم بها من أجل هذا التّحويل. أمّا إذا كان المرسِلُ له رصيدٌ فى عُملة باكستانيّة مثلاً، ويُريد أن يتسلّم المرسل إليه (١) إمداد الفتاوى ٣: ١٤٥ سؤال ١٩١ ٧٥٧ المبحث السابع عُملةً أخرى، مثل الرّيال السّعوديّ، فإنّ هذه العمليّة بيعٌ للرّبيّات الباكستانيّة بالرّيالات السّعوديّة. ثمّ تحويلُ الرّيالات إلى المرسل إليه. فيجرى فيه كلُّ ماذكرناه فى موضوع مبادلة العملات. فالموقف السّائد عند معظم علماء البلاد العربيّة فى هذا الموضوع حسبما قرّرته عدّة مجامعَ فقهيّة فيها أنّ النّقود الورقيّة فى حكم الذّهب والفضّة فى جميع الأحكام، وأنّها تخضع لأحكام الصَّرف الشّرعيّ من وجوب تقابُض البدلين فى مجلس العقد. ومن هذه الجهة أحدث إرسالُ المبالغ بالتّحويل المصرفيّ إشكالاً من حيثُ إنّه لا يقع فيه تقابضُ البدلين. فاضطُرّ أصحابُ هذا الموقف إلى توجيهٍ لإجازة هذه المعاملة. فجاء فى قرار لمجمع الفقه الإسلاميّ: "إذا كان المطلوبُ في الحوالةِ دفعَها بعُملةٍ مُغايِرَةٍ للمبالغ المقدَّمة من طالبها، فإنّ العمليّة تتكوّن من صرفٍ وحوالةٍ بالمعنى المشار إليه في الفقرة (أ) ، وتجري عمليّةُ الصَّرف قبل التّحويل، وذلك بتسليم العميل المبلغَ للبنك، وتقييدِ البنك له في دفاتره بعد الاتّفاق على سعر الصّرف المثبت فى المستند المسلّم للعميل، ثمّ تَجري الحوالةُ بالمعنى المشار إليه." (١) وحاصلُ هذا القرار أنّ طالبَ تحويل ريالاتٍ سعودية إلى ربّياتٍ باكستانيّة فى (١) قرار مجمع الفقه الإسلامي الدوليّ رقم: ٩٥/١/٨٨ بشأن (تجارة الذهب، الحلول الشرعية الاجتماع الصرف والحوالة) الصادر في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ الموافق ١- ٦ إبريل ١٩٩٥م. ٧٥٨ فقه البيوع باكستان يعقد الصّرفَ مع البنك أولاً، بأنّه يُعطيه ريالاتٍ سعوديّةً، ويصرفُها بربّيات باكستانيّة، وبعد ما يملك الربّيات الباكستانيّة، فإنّه يأمر البنكَ بتحويلها إلى المرسَل إليه. فيجتمع فيه الصّرف والحوالة. ولكن لتصحيح هذه العمليّة بهذا الشّكل يجب أن يقع تقابضُ البدلين فى المجلس أولاً. وقد ذكر القرارُ أنّ العميل (طالب التّحويل) يُسلّم المبلغ (الرّيالات السّعوديّة فى مثالنا) إلى البنك. ولكن لم يتّضح فى القرار كيف يقبض العميلُ الرّبيات الباكستانيّة فى عقد الصَّرف. ولعلّ المقصودَ أنّ قبضَه يتحقّق "بالاتّفاق على سعر الصّرف المُثبَت فى المستند المسلّم للعميل" فكأنّ القبضَ على هذا المستند قبضٌ للربّيات الباكستانيّة، وبه يتمّ الصَّرف، ثمّ يقع التّحويل.(١) وهذا التّوجيه مبنيٌّ على أنّ الصَّرف يجوز فيه القبضُ الحكميّ بقبض مستند المبلغ، لأنّه فى حكم التّخلية. ولكن يرد عليه أنّ الّذى جرى عليه الفقهاء فى الصَّرف أنّه لابدّ من القبض بالبراجم، ولا يكفى القبضُ الحكميّ، حتّى الحنفيّةُ القائلون بنيابة التّخلية عن القبض، لايُجيزون التّخليةَ فى الصَّرف. جاء فى الدّرّ المختار: "والتّقابضُ بالبراجم، لا بالتّخلية قبل الافتراق. "(٢) وذلك لأنّ التّخليةَ إنّما يُعتبر قبضاً إذا تعيّن المبيع، وكان فى مُكنة المشترى أن يقبضه متى شاء. أمّا النّقود، فلا تتعيّن (١) وبمثله جاء فى المعايير الشّرعيّة الصادرة من هيئة الحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية: " يجوز إجراءُ حوالة مصرفيّة بعُملة مغايرة للمبلغ المقدّم من طالب الحوالة، وتتكوّن تلك العمليّةُ من صرفٍ يقبضٍ حقيقيّ أو حكَميِّ بَتسليم المبلغ لإثباته بالقيد المصرفيّ، ثمّ حوالةٌ (تحويلٌ) للمبلغ بالعُملة المشتراة من طالب الحوالة. ويجوز للمؤسّسة أن تتقاضى من العميل أجرةَ التحويل." (المعايير الشرعية، المعيار رقم ١، بند ١١/٢) (٢) وقد أكّده ابن عابدين رحمه الله تعالى (ردالمحتار ١٥: ٥٢٠ فقره ٢٥١٢٣) ٧٥٩ المبحث السابع عند الحنفيّة إلاّ بالقبض بالبراجم، فتبقى ديناً إلى أن يقبضها المشترى. ومذهب غير الحنفيّة من الأئمّة أشدّ، لأنّهم لا يعتبرون التّخليةَ قبضاً فى المكيلات والموزونات والمعدودات فى البيوع العامّة، فضلاً عن الصَّرف. وقد صرّحوا بأنّ القبض فى المعدودات لايتمّ إلاّ بالعدّ، وفى الدّراهم والدّنانير بالتّناول باليد. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "إن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضُها باليد."(١) وقال النّوويّ رحمه الله تعالى: "ما يُتناول باليد، كالدّراهم والدنانير ... فقبضُه بالتّناول بلا خلاف. صرّح بذلك الشيخ أبو حامد فى تعليقه ... وخلائق لا يُحصَون." (٢) وقال الدردير رحمه الله تعالی: "(كموزون ومعدود) فإنّه يضمنه البائع إلى أن يقبضه المشترى بالوزن أو العدّ."(٣) فتبيّن بهذا أنّ الصَّرفَ لا يكفى فيه التّخليةُ عند أحدٍ من الأئمّة الأربعة. فكيف يُقال إنّ القبض على المستند قبضٌ على النّقود فى الصّرف؟ وقد تعرّض فضيلةُ أخينا العلاّمة الشّيخ الدّكتور وهبه الزّحيليّ حفظه الله تعالى لهذه المشكلة فقال: (١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٢٠ (٢) المجموع شرح المهذب ٢٧٦:٢ (٣) الدردير مع الدّسوقيّ ٣: ١٤٤ ومثله فى حاشية الخرشي ٥: ١٥٧ ٧٦٠ فقه البيوع "يُلاحَظُ أنّ بيعَ النّقود الورقيّة يأخذ حكمَ النّقدين: الذّهب والفضّة، كما قرّرت المجامعُ الفقهيّةُ المعاصرةُ وهيئاتُ كبار العلماء، طبقاً لأحكام الشّريعة. ويحرُمُ تحويلُ عُملةٍ إلى عُملةٍ أخرى بالمؤجّل دونَ تقابضٍ فى مجلس العقد، سواءٌ أكانت هناك زيادةٌ أم لا، لأنّ ذلك ربا نسیئةٍ، فلا یحِلّ بیعُ النّقود مع التّأجيل، بسعرٍ مماثلٍ أو بسعرٍ أكثرَ. وبناءً على هذا، يجب أن يتمّ عقدُ الصّرف منجّزاً مع البنك أو الصّرّف دون تأجيلِ الدَّفع، وهذا يحدُث فعلاً؛ لأنّ الصّرّاف مستعِدٌّ لتسليم العوض في مجلس العقد، ولكن لا يتمّ القبضُ الفعليُّ لعوض أو بدل الصّرف، ويقوم مقامَه قبضٌ حكميٌّ، لا ينقُصُه سوى القبض الصُّوري والإعادة فوراً، ثم يعقبه إبرامُ عقدٍ آخرَ منفصلٍ، وهو تحويلُ المبلغ إلى بلدٍ آخر، ويكون ذلك على أساس عقد القرض ..... ويتمّ التّعبيرُ عن هذا القرض بتسليم المقرض وَصْلاً (وثيقة) يُثبتُ حقّه في بدل القرض، ويكون المقترضُ وهو الصّرَافُ أو البنكُ ضامناً لبدل القرض، ولكنّه يأخذُ أجراً أو عمولةً على تسليم المبلغ في بلدٍ آخر مُقابلَ مصاريفِ الشّيك أو أُجرة البريد أو البرقيّة أو التّلكس فقط، لتكليف وكيل الصّراف بالوفاء أو السّداد. وهذان العقدان: الصّرفُ والتّحويلُ القائم على القرض: هما الطّريقان لتصحيح هذا التّعامل، فيما يبدو لي، والله أعلم. "(١) وإنّ العبارةَ الّتى تحتها خطٌّ تُبيّن أنّه كان من المفروض حسبَ قواعد الصَّرف أنّه إذا (١) الفقه الإسلامي وأدلته، المستدرك ٩: ٣٣١ و٣٣٢ ٧٦١ المبحث السابع سلّم المُرسِل الرّيالاتِ السعوديّة إلى الصّرّاف، فإنّ الصّرّاف يُسلّم الربّيات الباكستانيّة إلى طالب التّحويل، ليقع التّقابضُ فى الصّرف، ثمّ يُعيدُ إليه الرّبّيات الباكستانيّةَ ليُرسله الصرّاف إلى باكستان، ولكنّه بدلاً من هذا التّعامل، لا يُعطيه الرّبِيّات الباكستانيّة، بل يلتزمُ على نفسه إرسالها إلى باكستان، فصار القبضُ من الطّرف الآخر حکمیاً. وفى هذا التّوجيه نظرٌ من وجهين: الأوّل: أنّ الصَّرفَ لا يسوغ فيه القبض الحكميّ عند أحدٍ من الأئمّة الأربعة، كما نقلنا نصوصهم. الثّانى: أنّ القولَ بأنّ "الصّرّاف مستعِدٌّ لتسليم العوض في مجلس العقد" لايصحّ فى كثير من حالات التّحويل المصرفي، لأنّه قد لايتوفر لدى البنك عند عقد التّحويل العُملةُ المطلوبة بالمقدار المطلوب تحويلُه. فمثلاً، إن أعطاه أحدٌ مائة ألف ريال سعوديّ، ليُرسله إلى باكستان بالرّبيات الباكستانية، فإنّه يحتاج إلى أكثر من مليونين ونصفٍ من الرّبيات الباكستانية، وإنّ هذا القدرَ من العُملة الباكستانيّة لاتكون عند البنك السّعوديّ عادةً عند قبوله التّحويل المصرفيّ، بل ربّما يحتاج إلى شراءها من بنكٍ آخر بالدولارات. فلا نستطيع أن نقول: "إنّه مستعدّ لدفع هذا القدر إلى طالب التّحويل، ولا ينقصُه إلّ القبض الصّوريّ"، بل الواقعُ فى مثل هذه الحالة أنّه ينقصُه ملكُ العُملة المطلوبة، فضلاً أن تكونَ فى حيازته، فضلاً أن يُسلّمه إلى طالب التحویل. فظهر بهذا أنّ العُملةَ الورقيّة إن أجريت عليها جميعُ أحكام الذّهب والفضّة، واعتُبر ٧٦٢ فقه البيوع تبادلها صَرْفاً، فإنّ التّقابضَ الّذى تصوّره الفقه الإسلاميّ فى عمليّات الصَّرف لا يحصُّل فى التّحويل المصرفيّ إلاّ بتكلّف ويُعدٍ عن تصوّر التّقابض المشترَط لجواز الصَّرْف. أمّا إذا أخذنا بالموقف الثّالث بالنّسبة للعملة الورقيّة، والذى هو مبنيٌّ على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى من أنّها ليست فى حكم الذّهب والفضّة من جميع الوجوه، وأنّ المبادلةَ بينها ليست صَرْفاً فقهيّاً، فلا يُشترط فيه التّقابض فى المجلس، تنحلّ مشاكلُ التّحويل المصرفيّ بسهولة، دون أن يُتسامَح فى أيّ أصل من الأصول الفقهيّة. وقد بسطنا أدلّة هذا الموقف تحت عنوان "الموقف الثّالث" من مبحث "النّقود الورقيّة"، وأجبنا عن الإشكالات الواردة عليه. فالأخذُ بالموقف الثّالث فى العُملة الورقيّة أولى من ناحية الدليل ومن ناحية التّيسير أيضاً، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٣٦- شراء حليّ الذّهب والفضة بالنّقود الورقيّة وكذلك يختلف حكم شراءُ حليّ الذّهب والفضّة بالنّقود الورقيّة على الموقفين، فإنّ على الموقف الأوّل الّذى يُجرى أحكام الصَّرف على النّقود الورقيّة، لا يجوز شراءُ خُليّ الذّهب أو الفضّة بالنّقود الورقيّة إلاّ بتقابض البدلين فى مجلس العقد، ولا يجوز فيه تأخيرُ قبض أحد البدلين. وهو الّذى يُفتى به أصحاب الموقف الأوّل. ولكنّ تُجّار الحُليّ يشعرون فيه بعُسر شديد، وقد ذكر لى الكثيرون منهم أنّهم يواجهون صعوبة ء شديدةً فى تطبيقه العمليّ. أمّا على الموقف الثّالث الّذى رجّحتُه ورجّحه كثير من علماء شبه القارة الهنديّة، ٠٧١٣ المبحث السابع والّذي ذكرتُ أدلّته فيما سبق على مذهب الإمام محمّد رحمه الله تعالى، فإنّه يجوز شراءُ حُليّ الذّهب والفضّة بالنقود الورقيّة نسيئة، بشرط أن يكون بسعر يوم العقد، ولا يُشترط فيه التّقابض، بل لا يُشترط قبضُ الحُليّ الحقيقيّ، وإنّما يكفى تعيينُ الحُليّ، لأنّ النّقود الورقيّة فى حكم الفلوس فى أحكام الصَّرف فقط، وشراءُ الحُليّ بالفلوس لا يُشترط فيه التّقابض عند الحنفيّة، بل يكفى تعيينُ الخُليّ. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "وإن اشترى خاتم فضّة أو خاتم ذهب، فيه فصّ، أو ليس فيه فصّ بكذا فلوساً، وليست الفلوس عنده، فهو جائزإن تقابضا قبل التّفرّق أو لم يتقابضا، لأنّ هذا بيعٌ وليس بصَرف، فإنّما افترقا عن عين بدين، لأنّ الخاتَم يتعيّن بالتّعيين، بخلاف ما سبق، فإنّ الدّراهم والدّنانير لا تتعيّن بالتّعيين. فلهذا شُرط هناك قبض أحد البدلين."(١) ٣٣٧- تجارة العملات عن طريق الفوريكس وقد شاع فى عصرنا التّجارة فى العملات عن طريق "سوق العملات الخارجيّة" (Foreign Exchange Trade) والذى يخفّف فيُقال: "فوريكس" (Forex) وهذه سوقٌ تتبادل فيها العُملات بمقدار كبير يبلغ قيمتها ٣٨ تريليون ٠٠ ٣٨٠٠ ... ... يوميّاً، ومعظمها لعمليّات المجازفة والتّخمين (Speculation) وإنّ هذه السوق لها طرق مختلفة للتجارة، وإن معظمها تشتمل على محظورات شرعية نذكر بعضها فيما يلى: ١- الأصل فى العملات والنّقود أنّها وسيلةٌ لتقويم الأشياء، وليست مقصودةٌ (١) المبسوط للسترخسي، باب البيع بالفلوس ٢٥:١٤