Indexed OCR Text

Pages 41-60

فقه البيوع
عبد الله رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الطّعام بالطّعام إلَّا
مِثْلاً بمثل(١)، ولأنّ الطَّعم وصفُ شَرَف، إذ به قِوامُ الأبدان، والثّمنيّةُ وصفُ شرَف، إذ
به قوامُ الأموال، فيقتضى التّعليلُ بهما.
فعلى هذا القول يجرى ربا الفضل فى سائر المطعومات، سواءٌ أكانت مكيلةً أم
موزونةً أو عدديّةَ، وسواءٌ أكانت مطعومةً للتّغذية، مثلَ الحنطة والشّعير وسائر
الحبوب، أم للتّفكّه، كالتّمر، والتفّاح والرّمَّان، والزّبيب، والتّين، وغيرها، أم للتّداوى،
مثلَ الملح والسّقمونيا، والزّنجبيل ونحوها من العقاقير المتجانسة، كالحبّة اليابسة.(٢)
أمّا ما ليس بمطعوم، كالحديد، فليس عندهم من الأموال الرّبويّة، فيصحّ بيعُه بجنسه
متفاضلاً كعروض التّجارة.
وكذلك يجرى عندهم الرّبا فى الذّهب والفضّة لوجود الثّمنيّة فيهما، سواء أكانا
مضروبين، أم غيرَ مضروبين، فالحُليّ المصوغة والتّبرُ كلاهما من الأموال الرّبويّة،
فلا يجوز بيعُ التِّبر بالحُليّ المصوغ إلّ بالتّساوى فى الوزن. والمرادُ من الثّمنيّة
جوهريّةُ الثّمن، فلاتدخلُ فيها الفلوس، فإنّها ليست من الأموال الرّبويّة عند
الشّافعيّة.(٣) وسيأتي مزيدُ التّفصيل فى الأثمان فى بيان الصَّرف إن شاء الله تعالى.
٣. قال المالكيّة: إنّ العلّة فى الذّهب والفضّة: الثّمنيّةُ مع الجنس، أمّا فى غيرها من
المطعومات، فإنّ العلّةَ تختلف عندهم بين حرُمة النّسيئة وحرمة التّفاضل. فالعلّةُ فى
تحريم النّسيئة مجرّدُ المطعوميّة على غير وجه التّداوى، سواءٌ أوجد الاقتياتُ أو
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه، باب بيع الطعام مثلا بمثل، حديث ٤٠٥١
(٢) مغنى المحتاج ٢: ٣٦٥
(٣) مغنى المحتاج ٢: ٣٦٩

٦٦٥
المبحث السابع
الادخار أم لا، مثل أنواع الخُضار من قثّاء، وبطّيخ وليمون، وجزر، وأنواعِ الفاكهة
الرّطبة، كالتفّاح والموز، فيجوز عندهم التّفاضل فى المطعومات الّتى ليست مدّخَرة،
ولكن لايجوز النّسيئة.(١)
أمّا حرمةُ التّفاضل، فعلّتُه عندهم اقتياتٌ وادخار، ومعنى الاقتيات أن يصلُح لإقامة
البنية بحيثُ لا تفسُد البنية بالاقتصار عليه، مثلُ الحنطة والشّعير وسائر الحبوب، وفى
معناه ما يُصْلِحِ القُوتَ، مثلُ الملح والتّوابل. ومعنى الادخار أن لايفسُد بتأخيره إلى
الأمد المبتغى منه عادةً، ولاحدَّ له على ظاهر المذهب، بل هو فى كلّ شيئ بحسبه.
وعلى هذا، فالخضار والفواكهُ الرّطبة الّتى لاتُدَّخر لا يحرُم فيها التّفاضل. وإلى تعليل
المالكيّة مال الشّيخ وليّ الله الدهلويّ فى المصفّى.(٢)
واستدلّوا بأنّه لو كان المقصودُ الطّعمَ وحده، لاكتفى فى الحديث بالتّنبيه على ذلك
بالنّصّ على واحدٍ من تلك الأصناف الأربعة، فلمّا ذكر منها عدداً، عُلِم أنّه قَصد بكلّ
واحدٍ منها التّنبيه على ما فى معناه، وهي كلُّها يجمعُها الاقتيات والادخار. أمّا البُرّ
والشّعير، فنبّه بهما على أصناف الحبوب المدّخرة، ونبّه بالتّمر على جميع أنواع
الحلاوات المدّخرة، كالسّكّر، والعسل، والزّبيب، ونبّه بالملح على جميع التّوابل
المدّخرة لإصلاح الطّعام.
وبالتّالى، فإنّهم قالوا: لماً كان معقولُ المعنى فى الرّبًا إنّما هو أن لا يغبُن بعضُ النّاس
بعضاً، وأن تُحفَظ أموالهم، فواجبٌ أن يكون ذلك فى أصول المعايش، وهي
(١) حاشية الدّسوقيّ ٣: ٤٧ وبداية المجتهد ٢: ١٣٠
(٢) المصفّى ٣٤٧:١

٦٦٦
فقه البيوع
الأقوات. كذا قال ابن رشد فى بداية المجتهد.(١)
٤. أمّا الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد رُويَت عنه رواياتٌ إحداها موافقةٌ للحنفيّة،
والظّاهرُ أنها هيَ الرّاجحةُ عندهم، وأخراها موافقةٌ لمذهب الشّافعيّة. وروايةٌ ثالثةٌ
تقول: إنّ العلّةَ فيما عدا الذّهب والفضّة كونُه مطعوماً ومكيلاً أو موزوناً، مع الجنس،
فلا يجرى الرّبا فى مطعوم لا يُكال ولا يوزن، كالبيض، وسائر العدديّات المطعومة،
ولا فيما ليس بمطعوم، وإن كان مكيلاً أو موزوناً، كالزّعفران، والحديد، والنُّحاس،
وغيره. وهو قول سعيد بن المسيّب، وبه قال الشّافعيّ فى القديم، كما فى المغنى
لابن قدامة. (٢)
واستدلوا بما رُوي عن سعيد بن المسيّب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
"لا ربا إلّا فى ذهب أو فضة، أوممّا يُكال أو يُوزن، ويؤكل ويُشرب"، أخرجه
الدّار قطني، وقال: "هذا مرسَل، ووهِم المبارك على مالك برفعه إلى النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم، وإنّما هو من قول سعيد بن المسيّب، مرسل."(٣)
وإنّ هذه المذاهب الأربعة هي المشهورة فى هذا الباب ، وإن كانت فيه ستّةُ أقوال
أخرى، فإنّها ليست مشهورةً ولا متّبَعة، وقد ذكرها العينيّ فى باب بيع الطّعام
(١) بداية المجتهد ٢: ١٣٠ و١٣١
(٢) المغنى ١٢٦:٤
(٣) سنن الدار قطنيّ، كتاب البيوع، ٢: ٥٨٢ رقم ٢٧٩٧ وقد أخرجه مالك في الموطأ، باب بيع الذّهب
بالفضة تبراً وعيناً،من قول سعيدبن المسيب ص ٥٨٣

٦٦٧
المبحث السابع
والحُكرة من عمدة القاري.(١)
٢٩٥- المسائل المتعلقة بالجنس
بما أنّه يُشترط لحُرمةَ التّفاضل عند جميع الفقهاء أن يكون جنسُ البدلين متّحداً، فلابدّ
من معرفة معنى اتحاد الجنس واختلافه. والّذى ذكره الفقهاءُ فى هذا الصّدد يتلخّص
منه أنّ اختلاف الجنس يتحقّق بأحد من الأمور الآتية:
٢٩٦- اختلاف الماهية
أن يكون أحدُ الشّيئين مغايراً للآخر تسميةً، وماهيةً، وعرفاً، مثل الحنطة والشّعير، ولو
كان مقصودُهما الكلّيُّ واحداً، وهو التّغذية. وهو قولُ الجمهور، خلافاً لمالك رحمه
الله تعالى، حيثُ جعل الحنطة والشّعير جنساً واحداً نظراً إلى مقصود التّغذية. (٢)
٢٩٧- اختلاف الأصل
قد يختلف الجنسُ بأن يكون أصلُ الشّيئين مختلفاً، وإن كان يجمعُها اسمٌ واحدٌ
كلّيّ، مثلُ خَلّ العنب يُعتبرُ جنساً مختلفاً عن خَلّ التّمر. ولحم البقر يُعتبر مختلفَ
الجنس مع لحم الغنم والإبل، فيجوز التّفاضلُ بين لحم البقر ولحم الغنم عند الحنفيّة
والشّافعيّة، إلاّ أنّهم جعلوا لحمَ البقر والجاموس جنساً واحداً، وكذلك لحمُ المعز مع
الضّأن جنسٌ واحدٌ عندهم، (٣) وكذلك لبنُ البقر مختلفُ الجنس مع لبن الغنم.(2)
(١) عمدة القاري ٥: ٤٩٠
(٢) القوانين الفقهيّة لابن جزيّ، كتاب البيوع، الباب الرابع فى الربافى الطعام ص ٤٠١
(٣) مغنى المحتاج ٢: ٣٦٧ وفتح القدير ٦: ١٧٤
(٤) الهداية مع فتح القدير، باب الربوا، ٦: ١٧٤

٦٦٨
فقه البيوع
وهو الّذى رجّحه ابنُ قُدامة من مذهب أحمد، وإن كان عنه روايةٌ أنّ جميعَ اللّحوم
جنسٌ واحد، فلا يجوز التّفاضلُ فيها.
أمّا المالكيّة، فالأنعامُ ذواتُ الأربع كلُّها جنسٌ واحد، فيحرُم عندهم بيعُ لحم بعضِها
ببعض متفاضلاً،(١) وكذلك الخُلول كلُّها جنسٌ واحد، لأنّ المبتغى منها شيئٌ واحد،
وهو الحموضة (٢)
٢٩٨- اختلافٌ فى المقاصد
قد يختلف الجنسُ بأن يكون بينهما اختلافٌ فى المقاصد، مثلُ شَعر المعز وصُوف
الضّأن، فإنّ لحمَ المعز والضّأن وإن اعتُبرا جنساً واحداً كما أسلفنا، ولكنّ مقاصدَ
الشَّعر والصّوفِ مختلفةٌ، فإنّ ما يُقصَد بالشّعر من الآلات غيرُ ما يُقصد بالصّوف.
وكذلك اللّحمُ والشّحمُ جنسان، وشحمُ البطن والألية جنسان، فيجوز التّفاضلُ فيما
بينها، ولكن لا يجوز النّسيئةُ عند الحنفيّة، لأنّ القدر، وهو الوزن متّحدٌّ فى جميعها،
فإنّها تُباعُ بالوزن. وكذلك الرّؤوس، والأكارع أجناسٌ مختلفة، يجوزُ فيها التّفاضل،
لا النّسيئة، لأنّها موزونة، فيجمعُها القدر.(٣) وهذا ممّا صرّح به الحنفيّة، وبه قال
الحنابلة، ولكن علّلوه بأنّها مختلفةٌ فى الاسم والخلقة.(٤)
أمّا الإمام مالك رحمه الله تعالی، فشرح ابنُ رشد مذهبه فى مثل هذا بقوله:
(١) حاشية الدّسوقيّ ٤٨:٣
(٢) التّسوقيّ ٤٩:٣
(٣) فتح القدير٦: ١٧٤ و ١٧٥
(٤) كشاف القناع للبهو تي ٣: ٢٥٥

المبحث السابع
"ومالكٌ يعتبر فى الصّنف المؤثّر فى التّفاضل فى الرّبويّات، وفى النَّساء فى
غير الرّبويّات اتّفاقَ المنافع واختلافَها، فإذا اختلفت، جعلها صنفين، وإن
کان الاسمُ واحداً."(١)
٢٩٩- زيادة الصّنعة
قد يكون أصلُ الشّيئين واحداً، ولكن فى أحدهما زيادةُ صنعة، مثل الخُبز مع
الدَّقيق، فإنّ الخبزَ أصلُه دقيق، ولكن دخلت فيها الصّنعةُ بما أفردت له اسماً،
وصار عدديّاً، فصارا جنسين، كما فى فتح القدير. والظّاهر أنّ مذهب مالك رحمه
الله تعالى مثلُه فى اختلافِ الجنس باختلاف الصَّنعة، فإنّه جاء فى المدوّنة:
"لابأس بالسّويق والدقيق أو بالحنطة متفاضلاً، لصنعة فى ذلك. "(٢) غير أنّ
جمهورَ الحنفيّةَ لايُجيزون بيعَ الحنطة بالدّقيق لسبب آخر، وهو عدمُ إمكان
التّماثل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٣٠٠- اختلاف الصّنعة
قد يكون كلُّ واحدٍ من الشّيئين مصنوعاً، وبينهما اختلافٌ فى الصَّنعة، ومثّلها الفقهاءُ
بالثّوب الهرَويّ (المنسوب إلى هراة) والمرْويّ (المنسوب إلى مَرْو)، قال ابنُ الهمام
رحمه الله تعالى: "والثّوب الهرويّ والمرويّ -وهو بسكون الرّاء، جنسان لاختلاف
الصّنعة، وقِوام الثّوب بها، وكذا المَرْويّ المنسوجُ ببغداد وخراسان، واللّبد الأرمنيّ
(١) بداية المجتهد ١٣٣:٢
(٢) المواق على هامش الخطّاب ٤: ٣٥٦

٦٧٠
فقه البيوع
والطّالقانيّ جنسان."(١)
وعلى هذا، فالثّيابُ المنسوجة ببلادٍ مختلفة أو شركاتٍ مختلفة، تُعتبر أجناساً
مختلفةً إن كان بينها تفاوتٌ فى الصّناعة. وكذلك السيّاراتُ والدّرّاجات والأجهزةُ
الكهربائيّة المصنوعةُ ببلادٍ مختلفة، أو بشركاتٍ مختلفة. والظّاهرُ أنّ الكتبَ
المختلفةَ أجناسٌ مختلفة. وينبغى على الأصل الّذى ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى
أن تكون الطّباعات المختلفة من كتاب واحدٍ أجناساً مختلفةً، إن كان بينها فرقٌ من
حيثُ نوعيّةُ الورق، ومستوى الطّباعة والتّصحيح وغيره. لأَنّه بمثابة الاختلاف فى
الصَّنعة، فينبغى أن يجوز بينها التّفاضلُ لفقدان القدر، والنّسيئةُ لاختلاف الجنس. أمّا
النَّسخ من طباعة واحدة، فجنسٌ واحد، فلا يجوز النّسيئةُ فى مبادلة بعضها ببعض
على قول الحنفيّة، لأنّ اتّحاد الجنس يُحرّم النّسيئة عندهم. أمّا الفقهاء الآخرون الّذين
لا يُحرّمون النّسيئة لمجرّد اتّحاد الجنس مع قوات العلّة الأخرى كما سيأتى،
فلاتحرم النّسيئة عندهم فى مبادلة هذه الكتب.
٣٠١- اختلافُ النّضج فى الثَّمار
وكذلك اعتبر الفقهاء الحنفيّةُ اختلاف النُّضج اختلافاً فى الجنس إن اختلفت أسماءُ هما
ومقاصدهما، وإن كان أصلهما واحداً. فقالوا: البُسر والرّطب جنسان.(٢)
(١) فتح القدير ١٥٦:٦ و ١٥٧
(٢) راجع الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٥٨٨ فقره ٢٣٣٧٩ مع حاشية الرافعي

٦٧١
المبحث السابع
٣٠٢- هل اتحاد الجنس بانفراده يحرّم النسيئة؟
قد سبق فى مذهب الحنفيّة أنّ الجنس بانفراده يُحرّم النّسيئة، سواءً لم يوجد فيهما
قدر، بأن كان معدوداً، مثلُ الحيوان إذا بيعَ بجنسه من الحيوان يجوزُ فيه التّفاضل
لفقدان القدر، ولكن لا تجوز النّسيئة، لاتّحاد الجنس. وهذا القولُ مرويٍّ عن عبدالله
بن عمر، وعمّار، وابن الحنفيّة، وعبدالله بن عمير، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن
سيرين، والثّوريّ، وهو روايةٌ فى مذهب الحنابلة أيضاً، ولكنّ الرّاجحَ فى مذهبهم،
وفى مذهب الشّافعيّة(١) أنّ مجرّد اتّحاد الجنس لا يُحرّم النّسيئة، إن لم توجد فيه علّةٌ
أخرى على اختلافٍ فى تعيينها.
وحجّةُ الحنفيّة ومن وافقهم حديثُ سمرة بن جندب، وابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما:
"أنّالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. "(٢)
وعن الإمام مالك رحمه الله تعالى فيه روايتان: الأولى: أنّ النّسيئة لاتجوزُ عند
التّفاضل فى بيع الحيوان بالحيوان، والأخرى: أنّ النّسيئة ممنوعةٌ بدون التّفاضل
أيضاً. قال ابنُ رشد رحمه الله تعالى: "وأمّا غيرُ المطعومة، فإنّه لا يجوزُ فيها النَّساء
عنده فيما اتّفقت منافعُه مع التّفاضل، فلا يجوز عنده شاةٌ واحدةٌ بشاتين إلى أجل، إلاّ
أن تكون إحداهما حَلوبةً، والأخرى أكولةً. هذا هو المشهورُ عنه. وقد قيل: إنّه یعتبر
(١) المغنى لابن قدامة ٤: ١٣١و١٣٢ تحت قول الخرقيّ: "وما كان ممّا لا يُكال ولايُوزن فجائزٌ
التفاضل فیه یداً بید."
(٢) أخرجه النسائي والترمذيّ وابن ماجه والطّحاويّ، وصححه الترمذيّ وصحّح سماع الحسن من
سمرة رضى الله تعالى عنهما، وقد أطال شيخنا العثمانيّ رحمه الله تعالى فى الكلام على إسناد
الحديثين، وانتهى إلى أنّهما ممّا يصحّ الاحتجاج بهما. (راجع إعلاء السّنن ١٤: ٢٨٠)

٦٧٢
فقه البيوع
المنافع دون التّفاضل. فعلى هذا لا يجوز عنده شاةٌ حَلوبةٌ بشاة حَلوبة إلى أجل. فأمّا
إذا اختلفت المنافع، فالتّفاضلُ والْنّسيئةُ عنده جائزان، وإن كان الصّنفُ واحداً. وقيل:
يعتبر اتفاق الأسماء مع اتفاق المنافع، والأشهرُ أن لا يُعتبر."(١)
المسائل المتعلقة بالقدر
٣٠٣- القدر الّذى يتحقّق فيه الرّبا
القدْرِ الّذى يتحقّق فيه الرّبا عند الحنفيّة على ما ذُكر فى متون الحنفيّة هو ما كان نصف
صاعٍ فأكثر، فإذا كان أقلّ من نصفِ صاع، فإنّه يجوزُ فيه التّفاضل، لأَنّه لا تقديرَ فى
الشّرع بما دون ذلك. فيجوز بيعُ حَفْنةٍ (٢) من الحنطة بحَفْنتين، وذرّةٍ من الذّهب أو
الفضّة بمثليها. ولكن ردّه ابنُ الهمام رحمه الله تعالى، فقال:
"والصحيح ثبوتُ الرّبًا، ولا يسكُن الخاطر إلى هذا، بل يجبُ بعد التّعليل
بالقصد إلى صيانة أموالِ النّاس تحريمُ التفّاحة بالتفّاحتين، والحفنة
بالحفنتين. أمّا إن كانت مكاييلُ أصغرُ منها، كما فى ديارنا من وضع رُبع
القدح وثُمن القدح المصريّ، فلا شكّ. وكونُ الشّرع لم يُقدّر بعضَ
المقدّرات الشّرعيّة فى الواجبات الماليّة، كالكفّارات، وصدقة الفطر بأقلّ
منه لا يستلزم إهدارَ التّفاوت المتيقّن، بل لا يحلّ بعد تيقّن التّفاضل، مع تيقّن
تحريم إهداره، ولقد أعجبُ غايةَ العجب من كلامهم هذا. وروى المعلّى
عن محمّد أنّه كره التّمرة بالتّمرتين، وقال: كلّ شيئ حرُم فى الكثير، فالقليل
(١) بداية المجتهد ٢: ١٣٤
(٢) الحفنة مِلأ الكفين، وقيل: مِلأكفّ واحد. والحكم فيهما سواء.

المبحث السابع
منه حرام." (١)
وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بعد نقل كلام ابن الهمام رحمه الله تعالى:
"فهذا كما تری تصحیح لهذه الرواية، وقد نقل من بعده كلامه هذا، وأقرّوہ علیه،
كصاحب البحر، والنّهر، والمِنح، والشّرنبلاليّة، والمقدسيّ."(٢)
فتبيّن أنّ الرّاجح عند المتأخرين من الحنفيّة حرمةُ التّفاوت فى القليل والكثير،
فلا يجوز الحفْنة بحفنتين، ولا التّمرةُ بتمْرتين، ولا ذرَةٌ من الذّهب أو الفضّة بِذَرَتين.
وهو مذهب الشّافعيّ وأحمد رحمهما الله تعالى (٣)، وإنّه هو الموافقُ لقول رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم "مثلاً بمثل" و"سواءً بسواءٍ"
٣٠٤- تأثير العُرف فى الكيل والوزن
ثُمّ أكثرُ الفقهاء على أنّ مانصّ عليه النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم بحرمة التّفاضل
فيه كيلاً يبقى مكيلاً فى الشّرع إلى الأبد، وتجب المساواةُ بالكيل عند تبادله
بالمتجانس، وما نصّ على تحريم التّفاضل فيه وزناً، فهو موزونٌ أبداً، ويجب
التّساوى بينهما فى الوزن، سواءٌ تغيّر عرفُ بلدٍ أو بلاد، فأصبح المكيلُ موزوناً، مثلُ
الحنطة والشعير والتّمر، فإنّها كانت مكيلةً فى عهد النبيّ الكريم صلّى الله عليه
وسلّم، ولكن تغيّر عرفُ كثيرٍ من البلاد، فأصبحت تُباع وتُشترى بالوزن، ولكنّها
تبقى مكيلةً فى الشّرع، فتجب المساواةُ بينها فى الكيل، ولا تُعتبر المساواةُ فى الوزن.
(١) فتح القدير٦: ١٥٢ و ١٥٣
(٢) ردالمحتار، باب الرباه ١: ٢٤٤ فقره ٢٤٣٨٠
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ١٢٨

٦٧٤
فقه البيوع
وهذا مذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة،(١) وهو الصّحيح من مذهب أبى حنيفة
ومحمّد رحمهما الله تعالی.
ورُويَ عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنّه يُعتبر فى ذلك العُرف، ولو على خلاف
المنصوص، لأنّ النّصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هى المنظورَ إليها، وقد
تبدّلت، فعلى هذا لو تغيّر العُرف فى الحنطة أو الشعير أو التّمر، بأن أصبحت تُباع
وتُشترى وزناً، جاز بيعُها بجنسها متساويةً وزناً، ولا يجب التّساوى فى الكيل. وحجّةُ
الجمهور أنّ النصّ أقوى من العُرف، ولكن رجّح ابنُ الهمام قول أبى يوسف
رحمهما الله تعالى بقوله:
"ولا يخفى أنّ هذا لا يلزمُ أبا يوسف، لأنّ قُصاراه أنّه كنصّه على ذلك، وهو
يقول: يُصارُ إلى العُرف الطّارئ بعد النّصّ بناءً على أنّ تغيّر العادة يستلزم
تغيّر النصّ، حتّى لو كان صلّى الله عليه وسلّم حيّاً، لنصّ عليه على وزان ما
ذكرنا فى سنّة التّراويح، مع أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يُواظب عليه، بل
فعله مرّةً، ثمّ ترك، لكن لمّا بيّن عذرَ خشية الافتراض على معنىً لولاه
لواظب، حُكم بالسنيّة مع عدم المواظبة، لأَنّا أمِنّا من بعده النّسخَ، فحَكَمْنا
بالسّنّة، فكذا هذا، لو تغيّرت تلك العادةُ الّتى كان النّصُّ باعتبارها إلى عادةٍ
أخرى، تغيّرِ النّصَ. " (٢)
وعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أفتى كثيرٌ من متأخرى الحنفيّة، وقال ابنُ
(١) المغني لابن قدامة ٤: ١٣٦ والفروق للقرافيّ ٣: ٢٦٤ و ٢٦٥ الفرق الثانى والتسعون والمائة
(٢) فتح القدير٦: ١٥٨

HANVO
المبحث السابع
عابدين رحمه الله تعالى: "ولا يخفى أنّ هذا فيه تقويةٌ لقول أبى يوسف." (١) وقال
رحمه الله تعالى فى "نشر العَرْف":
"وعلى هذا، فلو تعارف النّاسُ بيعَ الدّراهم بالدّراهم، أو استقراضها بالعدد،
كما فى زماننا، لا يكونُ مخالفاً للنّصَ، فاللهُ تعالى يَجزى الإمام أبا يوسف عن
أهل هذا الزّمان خير الجزاء، فلقد سدّعنهم باباً عظيماً من الرّباء" ثمّ
قال: "والذّهب والفضّة موزونان، فإذا اشترى شيئاً بعشرين ريالاً مثلاً، لابدّ
على قول أبى حنيفة ومحمّد من بيان أنّ الرّيال المذكورَ من ضرب سنة كذا،
ليكون متّحدَ الوزن، وكذا لواشتُريَ بالذّهب كالذّهب المحموديّ الجهادىّ
والذّهب العدليّ فى زماننا، فإنّ كلاً منهما متفاوتُ الأفراد فى الوزن، وكذا
الرّيالُ الفرنجيّ نوعٌ منه أتقلُ من نوعٍ، فعلى قولهما (أى أبي حنيفة ومحمّد)
جميعُ عقود أهل هذا الزّمان فاسدةٌ من بيعٍ، وقرضٍ، وصَرْفٍ، وحوالةٍ،
وكفالةٍ، وإجارةٍ، وشركةٍ، ومُضاربةٍ، وصُلحٍ، وكذا يلزم فسادُ التّسمية فى
نحو نكاحٍ، وخلعٍ، وعتقٍ على مالٍ، وفسد الدّعوى والقضاءُ والشّهادةِ
بالمال، وغير ذلك من المعاملات الشّرعيّة، فإنّ أهل هذا الزّمان لا ينظرون
إلى هذا التّفاوت، بل يشترى أحدُهم بالذّهب وبالرّيال ويُطلِقِ، ثمّ يدفع
الثّقيل أو الخفيف، وكذا فى الإجارة والدّعوى وغيرها، وكذا يستقرضُ
الثّقيلَ، ويدفع بدلَه الخفيفَ، وبالعكس، ويقبلُ المُقرض منه ذلك مالم
تختلف القيمةُ، ويلزمُ من ذلك تحقّق الرّبًا، لتحقّق التّفاوت فى الوزن بما
(١) ردالمحتار ٢٤٦:١٥ فقره ٢٤٣٨٩

فقه البيوع
يدخل تحت المعيار الشّرعيّ كالقيراط والأكثر، بل الظاهرُ أنّ القمحةَ فى
الذّهب معيارٌ فى زماننا، لأنّ الذّهبَ الذى ينقص قمحةً عن معياره الّذى
ضربه السّلطان عليه يُحاسبون على نقصه، أمّا الزّائد، فلا يعتبرون فيه
الزّيادةَ، كالذّهب المشخّص، إذا زاد قمحةً، أو أكثر، ولا يخفى أنّ فى قولهما
(أى قول أبى حنيفة ومحمّد) فى هذا الزّمان حرجاً عظيماً لِما علمتَه من
لزوم هذه المحظورات. وقد ركز هذا العُرفُ فى عقولهم من عالمٍ وجاهلٍ،
وصالحٍ وطالحٍ، فيلزم منه تفسيقُ أهل العصر، فيتعيّن الإفتاء بذلك على هذه
الرّواية عن أبى يوسف."(١)
وهذا الخلافُ فيما نصَّ عليه النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم بكونه مكيلاً أو
موزوناً. أمّا الأشياءُ الّتى لم يرد فيها نصٌّ بكونه مكيلاً أو موزوناً، مثلُ الأرزّ، فمذهب
جميع الحنفيّة والمالكيّة أنّه يُعتبر فيه العرف والعادة، فما كان مكيلاً فى العُرف، فهو
كيليٌّ، وماكان موزوناً فهو وزنيّ.(٢)
أمّا الحنابلةُ والشّافعيّة، فذهبوا إلى أنّ المعتبرَ فى جميع الأشياء عُرفُ أهل الحجاز
فى زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، سواءٌ وردبه نصٌّ أولا، واستدلّوا فى ذلك
(١) رسائل ابن عابدين ١١٨:٢ و ١١٩
(٢) فتح القدير٦: ١٥٧ والفروق للقرافي ٣: ٢٦٤ و ٢٦٥ الفرق الثانى والتسعون والمائة، ويظهر من عبارة
القوانين الفقهيّة لابن جزيّ أنّ المعتبرَ عندالمالكيّة العُرف مطلقاً، مثل قول أبى يوسف، لأنّه
قال: "ويُعرف التماثل بالكيل والوزن على حسب عوائد البلاد." (الباب الرابع فى الرّبا فى الطعام
ص ٤٠٣) ولكنّ الظَّاهر أنّ المراد منه مالم يرد فيه نصّ، كما أوضحه القرافيّ رحمه الله تعال، والله
سبحانه أعلم.

المبحث السابع
بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنّ النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم قال:
"المكيالُ على مكيال أهل المدينة، والوزنُ على وزن أهل مكّة. "(١) وقال ابنُ قدامة
رحمه الله تعالى: "وما لاغُرفَ له بالحجاز يحتمل وجهين: أحدهما: يُردّ إلى أقرب
الأشياء شبهاً به بالحجاز .. والثّانى: يُعتبر عرفُه فى موضعه .. ومذهب الشّافعيّ على
هذين الوجهين."(٢)
٣٠٥- تغيّر القدر بتغيّر آلة الوزن
ذكر بعضُ الفقهاء الحنفيّة ما يُفيد أنّ اتّحادَ القدر إنّما يُعتبر إذا كانت آلةُ الوزن فيهما
واحداً، فإنّهم ذكروا جواز السّلم بالنّقود فى زعفران أو حديد مثلاً، مع أنّ كلَّ واحد
منهما موزون، وعلّلوه بأنّ النّقودَ تُوزن بالمثاقيل والصَّنجات، والزّعفرانُ والحديدُ
يوزنان بالأمناء، فاختلاف آلة الوزن مانعٌ من اعتبارهما متّحدَين فى القدر. ولكنّ ابنَ
الهمام رحمه الله تعالى ضعف هذا التّعليل، وصحّح أنّ الوجهَ فى جواز السّلم فى
مثل هذا ليس اختلافَ آلاتِ الوزن، بل سببُه الإجماعُ على جوازه، كى لاينسدّ أكثرُ
أبواب السّلم.(٣) ويؤيّده أنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أجاز السّلم بقوله: "من
أسلف فى شيئ فليُسلف فى كيلِ معلوم أووزنِ معلوم. " والإسلافُ لا يكونُ عموماً
إلّ بالنّقود، فالسّلمُ بالنّقود أجازه الحديثُ فى المكيلات والموزونات جميعاً،
فيكون مخصّصاً لحرمة النّسيئة فى الموزونات.
(١) أخرجه النسائيّ، باب الرجحان فى الوزن، حديث ٤٥٩٨ واللفظ له، وأخرجه أبو داود، باب قول
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "المكيال مكيال أهل المدينة" حديث ٣٣٤٠
(٢) المغني لابن قدامة ٤: ١٣٦
(٣) فتح القدير٦: ١٥٥ و١٥٦

٦٧٨
فقه البيوع
٣٠٦- المجازفة فى الأموال الرّبويّة
اتّفق الفقهاءُ على أنّه كما لا يجوزُ التّفاضل فى الأموال الرّبويّة، كذلك لاتجوز
المجازفةُ فى البدلين، أو فى أحدهما، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ولو باع بعضَه
ببعض جُزافاً، أو كان جزافاً من أحد الطّرفين لم يجُز. قال ابن المنذر: أجمع أهلُ
العلم على أنّ ذلك غيرُ جائز إذا كانا من صِنْفٍ واحد. "(١) لأنّ تماثُلَ القدْر مجهول،
فيحتمل التّفاضلَ المحرّم، والشُّبهةُ فى الرِّبا ملحقةٌ بحقيقته. والدّليلُ على ذلك
حديثُ جابر رضى الله تعالى عنه قال: "نهى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع
الصُّبرة من التّمر لا يُعلم مكيلُها، بالكيل المسمّى من التّمر."(٢)
وكذلك تدلّ على ذلك الأحاديثُ الّتى حرّمت المزابنةَ والمحاقلة. والمزابنةُ أن تُباع
التّمْرُ على رؤوس الأشجار خَرْصاً بالتّمر المجذوذ كيلاً أو مجازفةً. والمحاقلةُ مثلُ
هذا البيع فى الحقول والمزارع، مثل أن تُباع الحنطةُ على المزرعة بالحنطة
المجذوذة. وقد صحّ عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: "نهى رسولُ الله صلّى
الله عليه وسلّم عن المزابنة، أن يبيع ثمرَ حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كَرْماً
بزبيب كيلاً، وإن كان زرْعاً أن يبيعَه بكيل طعام. ونهى عن ذلك كلّه. "(٣) وعلّةُ النّهي
فى ذلك أنّ التّمْر على الشّجر، أو الحنطةَ فى المزرع، لايُعلم قدرُه، فهو مجازفةٌ فى
الأموال الرّبويّة. ولكنّ فسادَ المزابنة إنّما يتأتّى إذا كان الثّمرُ على الشّجر من جنس
المقطوع، بأن يكون كلٌّ منهما رُطباً مثلا. أمّا إذا كان ما على الشّجر بُسراً، والمقطوعُ
(١) المغني لابن قدامة ٤: ١٣٤
(٢) صحيح مسلم، باب تحريم بيع صبرة التّمر المجهولة القدر بتمر، حديث ٣٨٥١
(٣) صحيح البخاري، باب بیع الزّرع بالطعام کیلاً، حديث ٢٢٠٥

رطباً، فقد ذكر ابنُ عابدين عن البحر أنّ ذلك جائز، لأنّ الرُّطب والبُسر جنسان. (١)
٣٠٧- شرط جواز البيع بين متجانسين إمكان التّماثل
ثمّ اتّفق الفقهاءُ على أنّ مِن شروط جواز البيع بين متجانسين من الأموال الرّبويّة أن
يمكن بينهما التّماثل. فإن لم يمكن، لا يجوز البيع. ثمّ اختلفوا فيما يمكن فيه التّماثل،
وما لا يُمكن فيه. فقال الحنفيّة: لا يجوز بيعُ الحنطة بالدقيق، ولا بالسّويق، ووجّهه
صاحبُ الهداية بقوله: " لأنّ المجانسةَ باقيةٌ من وجه، لأنّهما من أجزاء الحنطة،
والمعيارُ فيهما الكيل، لكنّ الكيلَ غيرُ مسؤٍّ بينهما وبين الحنطة، لاكتنازهما فيه،
وتخلخُل حبّاتِ الحنطة، فلا يجوز، وإن كان كيلاً بكيل. " وقال ابنُ الهمام رحمه الله
تعالى تحته:
"وقولُنا قولُ الشافعيّ فى الأظهر عنه، وسفيانَ الثّوريّ وأحمدَ فى رواية،
خلافاً لمالك وأحمد فى أظهر قولَيه، لأنّ الدَّقيقَ نفسُ الحنطة فُرقّت
أجزاؤها، فأشبه بیعَ حنطة صغيرة جدًّا بكبيرة جدًّا، وما ذكرناه من عُروض
الجهل بالمساواة بعروض الطّحن يدفعُه. وبيع النُّخالة بالدقيق على هذا
الخلاف، إلاّ أنّ الشّافعيّ أجازه لأنّ النُّخالةَ ليست من أموال الرّبا، لأنّها لا
١١(٢)
تُطْعَم."(٢)
وكذلك منع أبو حنيفة رحمه الله تعالى وصاحباه بيعَ الحنطة المقليّة بغير المقليّة، لأَنّه
(١) راجع الدر المختار مع ردالمحتار ١٤: ٥٨٨ فقره ٢٣٣٧٩ مع حاشية الرافعي
(٢) فتح القدير ٦: ١٦٤

٦٨٠
فقه البيوع
لا يمكن فيهما التّماثل بالكيل لاكتناز أحدهما وتخلخل الآخر.(١)
والظّاهر أنّ هذا الحكمَ مبنيٌّ على كون الحنطة مكيلةً أبداً، كما هو قولُ أبى حنيفة
ومحمّد والجمهور. أمّا على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الّذى يعتبر العُرف فى
الكيل والوزن، كما سبق تفصيلُه، فإن تغيّر العُرف، وأصبحت الحنطةُ والدقيق موزونين،
كما فى زماننا، فينبغى أن يجوز بيعُ الحنطة بالدّقيق، والمقليّة بغير المقليّة بوزنٍ متساوٍ
لتحقّق التّماثل فى القدر، والله سبحانه أعلم.
٣٠٨- التماثل المعتبر عند العقد أو بعده
ثمّ إمكانُ التّماثل عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى إنّما يُعتبر عند العقد، فإن أمكن
التّماثلُ عند العقد جاز البيع، وإن حصل بعد ذلك تفاوت، ولهذا أجاز رحمه الله
تعالى بيعَ الرُّطب بالتّمر متماثلين فى الكيل، وإن كان الرّطب ينقُص بعد الجفاف،
لأنّ التّساويَ فى الكيل حاصلٌ عند العقد. أمّا الأئمّة الثّلاثة وصاحبا أبى حنيفة
رحمهم الله تعالى، فلايُجوّزون البيعَ إذا حصل التّفاوتُ بعد جفاف الرُّطب، وإن كان
بينهما تماثلٌ عند العقد. ولهذا منعوا بيع الرُّطب بالتّمر، وكذا بيعَ كلّ رَطْب بيابس،
مثل بيع العنب بالزّبيب. قال الخرقيّ رحمه الله تعالى: "ولايُباعُ شيئٌ من الرُّطب
بيابس من جنسه، إلاّ العرايا." وقال ابنُ قدامة تحته: "أراد الرّطب ممّا يجرى فيه
الرّباء كالرّطب بالتّمر، والعنب بالزّبيب، واللّبن بالجُبُنّ، والحنطة المبلولة أو الرّطبة
(١) فتح القدير٦: ١٦٥

المبحث السابع
باليابسة أو المقليّة بالنِّيئة(١) ونحوذلك، وبه قال سعد بن أبى وقّاص وسعيد بن
المسيّب واللّيث ومالك والشّافعيّ وإسحق وأبو يوسف ومحمّد."(٢)
واستدل هؤلاء بحديث سعد بن أبى وقّاص رضى الله تعالى عنه، قال: "سمعتُ
رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يُسئل عن اشتراء التّمر بالرُّطْب، فقال رسولُ الله صلّى
الله عليه وسلّم: أينقُص الرّطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهاه عن ذلك. "(٣) وأعلّه الإمام
أبو حنيفة رحمه الله تعالى بجهالة زيد بن عيّاش، وعلى تقدير صحّته حمله على البيع
نسيئة، كما ورد بذلك التّصريح فى رواية أبى داود والبيهقيّ: "نهى رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلّم عن بيع الرُّطب بالتّمر نسيئةً "(٤) وقد أشبعتُ الكلامَ فى المسئلة فى تكملة
(٥)
فتح الملهم.
٣٠٩- هل التّقابض شرطٌ فى جميع الرّبويّات أو فى النّقود فقط؟
ثمّ إنّ الحنفيّة فرقوا بين النّقود وبين المكيلات والموزونات الأخرى بأنّ الممنوعَ فى
المكيلات والموزونات الأخرى إذا بيع بعضُها ببعض، هو تأجيلُ أحد البدلين. فأمّا إذا
كان البيعُ حالاً، وتعيّن البدلان، فلا يجب التّقابضُ فى المجلس. فإن تبايعَ رجلان
(١) تقدّم أنّ المقليّة بغير المقليّة لاتجوز عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى أيضاً، ويوافقه فيه صاحباه، ولكنّ
علّة المنع عنده فقدان التّماثل عند العقد، والعلّة عند الأئمّة الثلاثة، كما ذكره ابن قدامة هى مبادلة الرّطب
بالیابس.
(٢) المغنى لابن قدامة ٤: ١٣٢
(٣) أخرجه مالك فى باب ما يُكره من بيع التّمر، والتّرمذيّ فى باب فى النّهى عن المحاقلة والمزابنة،
وأبو داود والنسائيّ وابن ماجه فى باب مستقلّ فى بيع الرّطب بالتّمر.
(٤) سنن أبى داود، باب فى الثمر بالتمر حديث ٣٣٦٠ والسنن الكبرى للبيهقيّ ٥: ٢٩٤
(٥) تكملة فتح الملهم، باب النّهى عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، ٢٥٨:١ إلى ٢٦١

٦٨٢
فقه البيوع
الحنطةَ بالحنطة، وعيّنَ كلُّ أحدٍ ما وقع عليه العقدُ بالإشارة مثلاً، ثمّ افترقا قبل
التّقابض، صحّ العقدُ بشرط أن لا يكون هناك تأجيلٌ مشروطٌ فيه. وكذلك يجوز فيها
بيعُ الغائب بالنّاجز، مثل أن تُباعَ حنطةٌ حاضرةٌ بشعيرِ معيّنٍ غيرِ موجودٍ فى المجلس،
فيجوز البيعُ بشرط أن لا يكون فيه تأجيل. أمّا فى النّقود، فلا يجوز ذلك، وإنّما يجب
التّقابضُ فى المجلس.
والفرقُ أنّ المقصودَ من عدم جواز النّسيئة فى الأموال الرّبويّة أن يتعيّن البدلان
فى المجلس، ولا يبقى أحدُهما دَيناً، وبما أنّ هذا التّعيين ممكنٌ فى غير النّقود،
جاز البيعُ بعد التّعيين، وإن تأخّر القبضُ بدون شرط. أمّا النّقود فإنّها لا تتعيّن
بالتّعيين عند الحنفيّة، وإنّما تتعيّن بالقبض، فوجب التّقابضُ فى المجلس لئلاً
يبقى أحدُ البدلين ديناً.
وقال الشّافعيّ وأحمد رحمهما الله تعالى: يجب التّقابضُ فى جميع الأموال الرّبويّة، سواءٌ
أكانت نقوداً أم غيرها،(١) واستدلًا بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حديث عمر
رضى الله تعالى عنه: "البُرّ بالبُرّرباً إلاَّ هاء وهاء "(٢) وبحديث عُبادة رضى الله عنه "الملح
بالملح مثلاً بمثل، سواءً بسواءٍ، يداً بيد."(٣)
(١) المجموع شرح المهذّب ٩: ٤٠٣ و٤٠٤ والمغنى لابن قدامة ٤: ١٣٠ والظاهر أنّ مذهب المالكيّة
كذلك، لأنّهم ذكروا معنى النّسيئة التأخير، وقال الدّردير رحمه الله تعالى: "وربا النّساء يحرم فى النّقود
مطلقاً، وكذا فى الطعام، ولو غير ربويّ، فكلّ ما يدخله ربا الفضل يدخله ربا النّساء دون عكس."
(الشرح الكبير للدّردير مع الدّسوقيّ ٢٨:٣ و٢٩). وذكرابن رشد رحمه الله تعالى فيه اختلاف الفقهاء،
والظّاهر من كلامه أنّه مائل إلى عدم اشتراط التقابض فى غير الصّرف. (راجع بداية المجتهد ٢: ١٣٥)
(٢) أخرجه البخاري، باب ما يُذكر فى بيع الطعام والحُكرة، حديث ٢١٣٤
(٣) أخرجه مسلم من طريق خالد الحذّاء عن أبى قلابة، باب الصرف وبيع الذّهب بالورق نقداً، حديث ٤٠٣٤

المبحث السابع
واستدلّ الحنفيّة بحديثٍ عبادة بن الصّامت رضى الله تعالى عنه عند مسلم من طريق
أيّوب عن أبى قلابة:
"إنّى سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم ينهى عن بيعِ الذّهب بالذّهب،
والفضّة بالفضّة، والبُرّ بالبُرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، إلاَّ
سواءً بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى."(١)
قال الحنفيّة: إنّ قوله صلّى الله عليه وسلّم "عيناً بعين " يدلّ على أنّ الواجب هو
التّعيينُ فى المجلس، وهو مفسِّرٌ للأحاديث الأخرى الّتى وردت بلفظ "يداً بيدٍ"
أو "هاء وهاء". فلمّا أمكن التّعيينُ فى غير النّقود بالإشارة وغيرها، جاز البيعُ بعد
التّعيين. أمّا النّقود، فلا يمكنُ فيها التّعيينُ إلاّ بالقبض، فوجب التّقابضُ فى
المجلس. وقد أيّد ابنُ الهمام رحمه الله تعالى مذهبَ الحنفيّة وردّ على ما
يُعترض عليه بكلام متين. (٢)
٣١٠- مسئلة مد عجوة
إن كان المبيعُ مخلوطاً بمالين ربويين، والثّمنُ مال ربويّ، أو مخلوطاً بربويّ وغير
ربويّ، فهذا يُسمّى "مسئلة مدّ عجوة"، وله صور كثيرة معقّدة، أشهرها أن يكون
المبيعُ مُدَاً من تمر عجوة ودرهماً واحداً، والثّمنُ درهمان. ولهذا سُمّيت المسئلة
بمُدّ عجوة.
ولكن هناك ثلاثُ مسائلَ متشابهةٌ، حكمُ كلّ منها مختلفٌ بالنّسبة إلى بعض
(١) أخرجه مسلم، باب الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقداً، حديث ٤٠٣٢
(٢) راجع فتح القدير، باب الربا ٦: ١٦١