Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤٠ ٥ فقه البيوع الثّمن، كما يجوز فى البيع الحالّ.(١) نعم! يجوز أن يقبضه المشترى أولاً، ثمّ يرهنَه لدى البائع توثيقاً للدّين.(٢) والفرقُ بين الرّهن والحبس لاستيفاء الثّمن أنّ المبيعَ المحبوسَ عند البائع مضمونٌ عليه بالثّمن لا بالقيمة، فلو هلك المبيعُ، وهو محبوسٌ عنده، ينفسخ البيع، ولا يكونُ مضموناً عليه بقيمته السّوقيّة. أمّا فى الرّهن، لو هلك عند البائع المرتهن بغير تعدّ منه، لا ينفسخُ البيع، بل يضمنه المرتهن بالأقلّ من قيمته ومن الدّين عند الحنفيّة.(٣) ولو كان الثّمنُ مؤجّلاً فى العقد، فلم يقبض المشترى المبيعَ حتّى حلّ الأجلُ، فله أن يقبضه قبل نقدِ الثّمن، وليس للبائع حقُّ الحبس عند الحنفيّة؛ لأنه أسقط حقَّ نفسه بالتّأجيل، والسّاقطُ مُتلاش، فلا يحتمل العَود. وكذلك لو طرأ الأجلُ على العقد، بأن أخّرِ الثّمنَ بعد العقد فلم يقبض البائعُ حتّى حلّ الأجل، فللمشترى أن يقبضَ المبيعَ قبل نقد الثّمن، ولا يملك البائعُ حبسَه لما قلنا. وعند المالكيّة فيه قولان. قال الخرشيّ: "وهل ما حلّ بعد تأجيله كالحالّ، فيه خلاف. "(٤) ثمّ الأجلُ المضروبُ فى البيع هل يبتدئ من وقت العقد أو من وقت قبض المشترى المبيع؟ فيه تفصيلٌ. وهو أنّ الأجلَ إن كان تاريخاً معيناً، مثل بداية رمضان، فإنّ (١) جاء فى الفتاوى الهنديّة: "للبائع حقُّ حبس المبيع لاستيفاء الثّمن إذا كان حالاً. كذا فى المحيط. وإن كان مؤجّلاً، فليس للبائع أن يحبس المبيع قبل حلول الأجل ولا بعده. كذا فى المبسوط" (٢) الكفاية شرح الهداية مع فتح القدير ٩: ٩٩ ورد المحتار مع الدر المختار، كتاب الرهن، ٦: ٤٩٧ (٣) بدائع الصنائع ٦: ١٦٠ (٤) شرح مختصر خليل للخرشي، فصل بيع الخيار ٥: ١٥٩ المبحث الخامس الثّمنَ يصير حالاً عند حلول الأجل، سواءٌ أكان المشترى قبض المبيع قبله أم لم يقبضه. أمّا إذا كان الأجلُ المضروبُ بزمان، مثل شهر أو سنة، بدون ذكر التّاريخ، فإنّ الأجلَ يبتدئ عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى منذ قبض المشترى على المبيع، وعند صاحبيه يبتدئ منذ يوم العقد.(١) وكونُ الأجل حقّاً للمشترى فى البيع المؤجّل والمقسّط مشروطٌ بأن يلتزم بوفاء الأقساطِ فى مواعيدها، فيجوز الاشتراطُ فى عقد البيع بالتّقسيط أنّ المشتريَ إن لم يوفِ قسطاً فى موعده، فإنّ الأقساطَ كلَّها تصير حالّةً واجبةَ الأداء فوراً. قد صرّح به فقهاء الحنفيّة. فجاء فى خلاصة الفتاوى: "ولو قال: كلّما دخل نجمٌ ولم تؤدّ، فالمال حالٌّ، صحّ، ويصير المالُ حالاً. "(٢) ولم أجد هذا الحكم فى غير المذهب الحنفيّ. ولكن صدر بذلك قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ فى موضوع البيع بالتقسيط، ونصُّه: "يجوز شرعاً أن يشترط البائعُ بالأجل حلولَ الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدينُ قد رضيَ بهذا الشّرط عند التّعاقد."(٣) (١) بدائع الصنائع ٤: ٥٠٦ و ٥٠٧ (٢) خلاصة الفتاوى، كتاب البيوع ٣: ٥٤ طبع كويته ومثله فى الفوائد الخيريّة على جامع الفصولين ٢: ٤ طبع الأزهريّة مصر ١٣٠٠ (٣) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدوليّ فى دورته السادسة بجدة، قرار رقم ٥١ (٣:٦) بند: خامساً. فقه البيوع ٢٥٠ - زيادة الثّمن من أجل التأجيل هل يجوز أن يكونَ الثّمن المؤجّل زائداً على الثّمن الحالّ؟ قد حكى الشوكانيّ رحمه الله تعالى عن زين العابدين عليّ بن الحسين، والنّاصر، والمنصور بالله، والهادويّة أنّه لايجوز، لكون الزّيادة مقابلاً للأجل، وهو الرّبًا، أو فيه مشابهةُ الرّبًا.(١) أمّا الأئمّةُ الأربعة وجمهورًا لفقهاء والمحدثين، فقد أجازوا البيع المؤجّل بأكثرَ من سعر النّقد، بشرط أن يُبُتّ العاقدان على أنّه بيع مؤجّلٌ بأجل معلوم. فأمّا إذا قال البائع: أبيعُك نقداً بكذا، ونسيئةً بكذا، وافترقا على ذلك، دونَ أن يتّفقا على تحديد واحدٍ من الشّقّين، فإنّه لايجوز. قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: "وقد فسّر بعضُ أهل العلم، قالوا: بيعتين فى بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثّوب بنقدٍ بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعتين، فإن فارقه على أحدهما فلابأس، إذا كانت العقدةُ على أحدٍ منهما. "(٢) وأخرج ابنُ أبى شيبة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: " لابأسَ أن يقول للسّلعة: هى بنقدٍ بكذا، وبنسيئة بكذا، ولكن لايفترقان إلاّ عن رضاً." وأخرج مثله عن طاوس، وعطاء وحمّاد، وإبراهيم. (٣) كما أخرج عبدالرزاق مثلَه (١) نيل الأوطار للشوكاني ١٢٩:٥ (٢) جامع الترمذي، كتاب البيوع، باب ١٨ حديث ١٣٣١ (٣) مصنف ابن أبى شيبة، كتاب البيوع والأقضية، برقم ٤٩٤ و٤٩٩ و ٥٠٠ و٥٠٤ المبحث الخامس عن سعيدبن المسيّب، وطاوس، والزّهريّ، وقتادة.(١) وقد اتّفقت المذاهب الأربعة على ذلك.(٢) وقد استدلّ بعضُهم على عدم جواز هذه الزّيادة بما أخرجه أبوداود عن أبى هريرة رضی الله تعالى عنه، قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: "من باعَ بيعتين فى بيعة، فله أوكسُهما أو الرِّبًا."(٣) وهذا الحديثُ ليس فيه حجّة. أمّا أولاً، فلأنّ المنذريّ رحمه الله تعالى تكلّم على إسناده، فقال: "فى إسناده محمّدبن عمروبن علقمة، وقد تكلّم فيه غيرُ واحد. والمشهور عن محمّدبن عمرو من رواية الدّراورديّ ومحمّد بن عبدالله الأنصاريّ أنّه صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعتين فى بيعة. "(٤) وقال شيخُنا التّهانويّ رحمه الله تعالى: "وفى إسناده محمدبن عمرو بن علقمة، وقد تكلّم فيه غيرُ واحد، وقد تفرّد به. وهو أيضاً مخالف لما هو المشهور عنه أنّه (صلّى الله عليه وسلّم) نهى عن بيعتين فى بيعة، فإنّه يدلّ على فساد البيع، بخلاف مارواه عنه أبو داود، فإنّه يدلّ على جوازه بأوکس الثّمنین، فلا يُحتجّ بما تفرّد به، بل المقبولُ من حديثه ما وافقه علیه غیره." وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى فى شرح هذا الحديث: "لاأعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، أو صحّح البيعَ بأوكسٍ (١) مصنف عبدالرزاق، برقم ١٤٦٢٦ و١٤٦٢٧ و ١٤٦٣٠ (٢) راجع المغنى لابن قدامة ٤: ٢٩٠ والمبسوط السرخسي ٨:١٣ والدسوقي على الشرح الكبير ٣: ٥٨ والمدونة الكبرى، كتاب البيوع الفاسدة، ٣: ١٩٠ ومغنى المحتاج للشربيني ٣١:٢ (٣) سنن أبى داود، مع بذل المجهود ١٥: ١٣٤ كتاب الإجارة، باب فيمن باع بيعتين فى بيعة (٤) تلخیص سنن أبى داود للمنذري ٩٨:٥ فقه البيوع الثّمنين، إلّ شيئٌ يُحكى عن الأوزاعيّ، وهو مذهبٌ فاسد، وذلك لما تتضمّنه هذه العقدة من الغرر والجهل، وإنّما المشهور من طريق محمّدبن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه نهی عن بيعتين فى بيعة ... فأمّا روايةُ يحيى بن زكريّا عن محمّدبن عمرو على الوجه الّذى ذكره أبو داود، فيُشبه أن يكون ذلك فى حكومة فى شيئ بعينه، كأنّه أسلفه ديناراً فى قفيزين(١) إلى شهر، فلمّا حلّ الأجلُ وطالبه بالبُرّ، قال له: بغنى القفيزَ الَّذى لك عليّ بقفيزين إلى شهر، فهذا بيعٌ ثان، قددخل على البيع الأوّل، فصار بيعتين فى بيعة، فيُردّان إلى أوكسهما، وهو الأصل. فإن تبابعا المبيعَ الثّانى قبل أن يتقابضا الأوّل، كانا مُرْبيين."(٢) وفستره شيخ مشايخنا الكنكوهيّ رحمه الله تعالى بطريق آخر، فقال: "ظاهرُه مخالفٌ للمذاهب كلّها إلاّ أن يُقال فى معناه: إنّ من باع شيئاً على أنّه بخمسة إن كان ناجزاً، أو بعشرة إن كان نسيئةً، ثمّ افترقا من غير أن يتعيّن أحدُهما، فهذا البيع فاسدٌ لكونهما افترقا قبل تعيّن الثّمن، ولأنّه صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعتين فى بيعة، وكان الحكمُ فيه الفسخ، إلاّ أنّ المشتريَ استهلك المبيعَ أو أكله، فلا يجبُ فيه إلاّ المثلُ أو القيمة، وهو أوكسُ عادةً من الثّمن المتعيّن بينهما فى البيعتين معاً، فصار المعنى أنّ من باع بَيعتين كذلك، ثمّ لم يبق المبيعُ حتى يُفسخ البيع، فله أن يأخذ القيمة أو المثل، ولا يأخذ الثّمن، لأنه لو أخذ الثّمن، كان إبقاءً للبيع، وهو مأمورٌ (١) كذا فى المطبوع، ولعلّ الصّحيح "قفيز" كما يتضح من العبارة الآتية. (٢) معالم السنن للخطّابيّ ٩٧:٥ و ٩٨ المبحث الخامس بفسخه. وأمّا إذا أخذ الثّمنَ ولم يفسُخ البيع، فقد أربى لكونه عقد عقداً فاسداً، والعقودُ الفاسدةُ كلُّها داخلةٌ فى حُكم الرّبًا. "(١) فتبيّن بهذا أنّ هذا الحديثَ ليس فيه ما يمنع زيادةَ الثّمن فى البيع المؤجّل، مادام ذلك متعيّناً فى العقد من غير ترديد. والظّاهرُ أنّ البائعَ لوذكر أثماناً مختلفةً لآجال مختلفة، ثمّ جزما على واحدٍ من الآجال، فإنّه جائزٌ أيضاً. وحاصلُه أنّ ذلك يجوزُ عند المساومة فقط. وأمّا عقدُ البيع، فلايصحّ إلاّ بجزم الفريقين على أجل معلوم وثمن معلوم. فإن لم يجزُم العاقدان على ما وقع عليه البيع، لم يجُز. وبهذا يُعلم حكمُ ما قد يقع فى السُّوق من أنّ البائع يقول: "إن أدّيت الثّمن بعد شهر، فالبضاعةُ بعشرة، وإن أدّيتَه بعد شهرين، فهو بإثنى عشر " ويفترقان على ذلك، زعماً من المشترى أنّه سوف يختارُ منها ما يُلائمه فى المستقبل، فإنّ هذا البيع فاسدٌ بالإجماع. وإنّ زيادةَ الثّمن من أجل الأجل، وإن كان جائزاً عند بداية العقد، ولكن لاتجوز الزّيادةُ عند التّخلّف فى الأداء، فإنّه رباً فى معنى "أتقضى أم تُربى؟"، وذلك لأنّ الأجل، وإن كان منظوراً عند تعيين الثّمن فى بداية العقد، ولكن لمّا تعيّن الثّمن، فإنّ كلّه مقابلٌ للمبيع، وليس مقابلاً للأجل، ولذلك لا يجوز "ضع وتعجّل"، كما سيأتى تفصيلُه إن شاء الله تعالى. أمّا إذا زيد فى الثّمن عند التّخلّف فى الأداء، فهو مقابلٌ للأجل مباشرةً لاغير، وهو الرّبًا. ٢٥١ - مسئلة" ضع وتعجّل" وممّا يتعامل به بعضُ التجّار فى الدّون المؤجّلة أنّهم يُسقطون حصّةً من الدَّين (١) بذل المجهود ١٣٤:١٥ إلى ١٣٦ ٥٤٦ فقه البيوع بشرط أن يُعجّل المديونُ باقيَه قبل حلول الأجل، مثل أن يكون لزيدٍ على عمر وألفٌ، فيقول زيد: "عجّل لى تسعمائة، وأنا أضع عنك مائة. " وإنّ هذه المعاملة معروفةٌ فى الفقه باسم "ضَعْ وتعجّل" وهذا التّعجيلُ إن كان مشروطاً بالوضع من الدّين، فإنّ المذاهبَ الأربعة متّفقةٌ على عدم جوازه. (١) قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "إذا كان عليه دينٌ مؤجّل، فقال لغريمه: "ضَعْ عنّى بعضَه، وأُعجّل لك بقيّتَه، لم يجُز. كرهه زيدبن ثابت، وابنُ عمر، والمقداد، وسعيدبن المسيّب، وسالم، والحسن، وحمّاد، والحكم، والشّافعيّ، ومالك، والثوريّ، وهُشيم، وابنُ عُليّة، وإسحق، وأبو حنيفة. وقال مقداد لرجلين فعلا ذلك: كلاكما آذن بحرب من الله ورسوله. ورُويَ عن ابن عبّاس أنّه لم يرَ به بأساً. ورُويَ ذلك عن النّخعيّ وأبى ثور، لأَنّه آخذٌ بعضَ حقّه، تارك لبعضه، فجاز كما لو كان الدَّين حالاً. ولنا أنّه بيعُ الحلول فلم يجز، كما لو زاده الَّذى له الدَّين فقال له: أُعطيك عشرةَ دراهم، وتُعجّل لى المائةَ الّتى عليك."(٢). هذا إذا كان البيعُ مؤجّلاً. أمّا إذا كان البيعُ حالاً، فلابأس بالصُّلح على بعض الدَّين مقابلَ التّعجيل. ودليلُه ما أخرجه البخاريّ وغيرُه عن كعب رضى الله تعالى عنه أنّه تقاضى ابنَ أبى حدردٍ دَيناً كان له عليه فى المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتىّ سمعهما رسولُ الله (١) موطأ الإمام مالك، بيوع، ماجاء فى الربا فى الدّين ص ٦٠٦ طبع كراتشى والموطأ للإمام محمد، ص ٢٤٧ باب الرجل يبيع المتاع أو غيره نسيئة، ثمّ يقول: أنقدنى وانا أضع عنك. والهداية مع فتح القدیر، کتاب الصلح، باب الصلح فی الدین ٣٩٦:٧ (٢) المغنى لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤: ١٧٤ و ١٧٥ المبحث الخامس صلّى الله عليه وسلّم وهو فى بيته، فخرج إليهما حتّى كشف سِجْفَ حُجرته، فنادى: يا كعب! قال: لبّيك يارسول الله! فقال: ضَعْ من دينك هذا، وأومأ إليه، أى الشَّطر، فقال: لقد فعلتُ يارسول الله !قال: قُمْ فَاقْضِهِ."(١) وجاء فى الهداية: "ومَن له على آخر ألف درهم، فقال: أدّ إلىّ غداً منها خمسَمائة، على أنّك بريئ من الفضل، فهو بريئ. "(٢) وجاء فى المدوّنة: "قلت: أرأيتَ لو أنّ لى على رجلٍ مائةَ دينار ومائةَ درهم حالّة، فصالحتُه من ذلك على مائة دينار ودرهم (نقدا)، أيجوز ذلك فى قول مالك؟ قال: نعم. "(2 ٢٥٢- بيع العينة ومن البيوع المؤجّلة ما يُسمّى "عِينة" وهى على اختلاف اصطلاح الفقهاء على قسمین: الأوّل: ما عرّفه النّوويّ رحمه الله تعالى بقوله: "وهو أن يبيعَ غيرَه شيئاً بثمن مؤجّل، ويُسلّمه إليه، ثمّ يشتريه قبل قبض الثّمن بأقلَّ من ذلك الثّمن نقداً. "(٤) فإن كان البيعُ الثّانى مشروطاً فى البيع الأوّل، فهو بيعٌ فاسد بالإجماع. أمّا إذا كان البيعُ الثّنى غيرَ مشروطٍ فى البيع الأول، فهو جائزٌ عند الشّافعيّة. وقد أيّد الإمامُ الشّافعيّ رحمه الله (١) صحيح البخاري، كتاب الصلوة، حديث ٤٥٧ (٢) الهداية مع فتح القدير، كتاب الصلح، باب الصلح فى الدّين، ٣٩٧:٧ (٣) المدوّنة الكبرى ٣: ٣٩٥ آخر كتاب الصلح (٤) روضة الطالبين للنوويّ ٤١٦:٣ فقه البيوع تعالى جوازَه بقوّة، وأطال فى التّدليل عليه فى كتابه "الأمّ" (١) أمّا المالكيّةُ والحنفيّة والحنابلة، فهم متّفقون على عدم جوازه، وإن لم يُسمّه بعضهم "عِينة". فقال ابنُ رُشد رحمه الله تعالى: "فإذا باع الرّجلُ سلعةً بثمنٍ إلى أجل، ثمّ ابتاعها منه بأقلَّ من ذلك الثّمن نقداً، فُسخت البيعتان جميعاً عند ابن الماجشون، وهو الصّحيح فى النّظر."(٢) وقال الخرقيّ من الحنابلة: "من باع سلعةً بنسيئة، لم يجُز أن يشتريَها بأقلّ ممّا باعها، إلاّ أن تكونَ قد تغيّرت صفتُها. وإن اشتراها أبوه أو ابنُه، جاز."(٣) والحنفيّةُ عمّموا عدمَ الجواز ولو كان البيعُ الأوّلُ حالاً، ولم يُنقد الثّمن فى المجلس. فقد جاء فى الهداية: "من اشترى جاريةً بألف درهم حالةٌ أو نسيئةً، فقبضها، ثمّ باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقُد الثّمنَ الأوّل، لا يجوز البيع "(٤) الثّانى. "(٤) وقد استدلّ المانعون بحديث عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: "سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إذا تبايَعْتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلاً لا يُنْزعه حتّی ترجعوا إلی دینکم." أخرجه أبوداود فى سننه، وقال المنذريّ فى تلخيصه: "فى إسناده إسحق بن أسيد أبو عبدالرحمن الخراسانيّ نزيل مصر لا يُحتجّ بحديثه، وفيه أيضاً عطاء الخراسانيّ وفيه (١) كتاب الأمّ للشّافعيّ، باب بيع الآجال ٤: ١٦٠ (٢) المقدمات الممهدات لابن رشد ٢: ٥٣ (٣) الشرح الكبير على المقنع لشمس الدّين بن قدامة ٤: ٤٥ (٤) الهداية مع فتح القدير٦: ٦٨ المبحث الخامس مقال."(١) وبنفس الطّريق أخرجه البزّار فى مسنده.(٢) وأخرجه أحمد فى مسنده من طريق يحيى بن عبدالملك ابن أبى غنيّة، عن أبى جناب، عن شهربن حوشب.(٣) وفى إسناده أبو جناب الكلبيّ، وهو ضعيف، كما أنّ فى شهربن حوشب مقال معروف. وحسّن ابنُ القيّم إسناد الحديث لتعدّد طرقه.(٤) ومعظم المانعين استدلوا بحديث أبى إسحق السّبيعيّ قال: "دَخَلَتْ امرأتى على عائشة وأمِّ ولدٍ لزيد بن أرقم، فقالت لها أمّ ولد زيد: إنّى بعتُ من زيدٍ عبداً بثمانمائة نسيئةً واشتريتُه منه بستمائة نقداً، فقالت عائشةُ رضى الله عنها: أبلغى زيداً أن قد أبطلتَ جهادك مع رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - إلّا أن تتوب، بئسما شريتَ وبئسما اشتريتِ. "(٥) وأعلّه الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى بجهالة امرأة أبى إسحق، وقال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى: "هذا الحديث حسن، ويُحتجّ بمثله، لأنّه قد رواه عن العالية (امرأة أبى إسحق) ثقتان ثبتان: أبو إسحق زوجُها ويونس ابنُها. "(٦) وقال ابن عبد الهادى فى التّنقيح: "هذا إسنادُ جيّد، وإن كان الشّافعيّ قال: لايثبت مثله عن عائشة، وقولُ الدّار قطنيّ فى العالية: "هي مجهولةٌ لا يُحتجّ بها" فيه نظر، فقد خالفه غيرُ واحد." (١) تلخيص أبى داود للمنذريّ، باب النّهى عن العينة ٥: ٩٩ إلى ١٠٣ برقم ٣٣١٧ (٢) مسند البزار برقم ٥٨٨٧ (٣) مسند أحمد ٩: ٥١ برقم ٥٠٠٧ (٤) تهذيب السنن لابن القيّم ٥: ١٠٤ (٥) السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي ٥: ٣٣٠ وقال البيهقي: "كذا جاء به شعبة عن طريق الإرسال. (٦) تهذيب السنن ٥: ١٠٠ ٥٥٠ فقه البيوع وقال ابنُ الجوزيّ رحمه الله تعالى: "قالوا: إنّ العاليةَ امرأةٌ مجهولةٌ لا يُحتجّ بنقل خبرها. قلنا: هى امرأةٌ جليلةُ القدر، ذكرها ابنُ سعد فى الطّبقات، فقال: العاليةُ بنتهُ أنفع بن شراحيل، امرأةُ أبى إسحق السّبيعيّ، سمعت عائشة."(١) وقد رُوي منعُ العِینة عن غیر عائشة من الصحابة. فقد روی غیر واحد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: "أنّه سُئل عن رجل باع من رجل حريرةً بمائة، ثمّ اشتراها بخمسين، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينها حريرة."(٢) ولكنّ منعَ العِينة إنّما يتّجه إذا بقيَ المبيعُ فى البيع الأوّل على حاله عند البيع الثّانى. فإن تغيّر المبيعُ بما أثّر على قيمته، جاز البيعُ الثّنى، ولوكان إلى البائع الأوّل. قال شمسُ الدّين بن قدامة: "وهذا إن كانت السّلعة لم تنقُص عن حالة البيع، فإن نقصت مثل أن هزل العبد أو ... تخرّق الثوب ونحوه، جاز له شراؤها بما شاء، لأنّ نقصَ الثّمن لنقص المبيع، لا للتّوسّل إلى الرّبًا."(٣) هذا إذا حصل نقص الثّمن لتغيّرِ فى صفة المبيع. أمّا إذا انتقص سعرُه لظروف السّوق دون أن يقع نقصٌ فى صفته، فلا ينبغى شراؤه بأقلّ. جاء فى المحيط البرهانيّ: "ولو رخُص سعر السّلعة من غير أن حدث بها عيب، فلاينبغى أن يشتريَها بأقلّ ممّا باع، لأنّ تغيّر السّعر معتبرٌ فى حقّ الأحكام إذا بقي العينُ على حاله، كما فى حقّ (١) ذكر القولين (أى قول ابن عبدالهادى وابن الجوزي) ابن الهمام رحمه الله تعالى فى فتح القدير، باب البيع الفاسد ٦: ٧٠ (٢) تهذيب السنن لابن القيّم ٥: ١٠١ والجوهر النقيّ للمارديني مع سنن البيهقي ٥: ٣٣١ (٣) الشرح الكبير لابن قدامة، ٤: ٤٥ ومثله فى الفروق للقرافيّ ٣: ٢٦٨ الفرق بين قاعدة ما يُسدّ من الذّرائع الخ المبحث الخامس الغاصب، وأشباه ذلك، فيجعل وجودە کعدمه."(١) وكذلك يجوز البيع الثّانى باتفاق الفقهاء إن كان بمثل الثّمن الأوّل أو بأكثرَ منه، لانتفاء كونه وسيلةً إلى الرّبا، وإنّما الممنوعُ البيع بأقلّ، أو بمثل قيمته بزيادة الأجل. قال فى المحيط البرهانيّ: "ولو باعه بألفٍ نسيئةَ سَنة، ثمّ اشتراه بألف درهم نسيئةَ سنتين، لا يجوز. لأنّالزّيادةَ فى الأجل تكون نقصاناً فى الماليّة."(٢) ثمّ إن كان المشترى الثّانى والدَالبائع الأوّل، أو ابنَه، أو زوجتَه، فهو داخلٌ فى العِينة عند الحنابلة(٣) وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبويوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى: يجوز لتباين الأملاك، وكان كما لو اشتراه آخر. (٤) والّذى يظهر أنّ قول المالكيّة مثلُ قول الصّاحبين، لأنّهم حيثُ ذكروا أنّ فى حكم البائع الأوّل من تُنزّل منزلته، فسّروه بوكيل البائع أو عبده المأذون، ولم يُدخلوا فيه الابن أو الأب.(٥) وقال ابنُ الهمام رحمه الله تعالى: "ولواشترى وكيلُ البائع بأقلَّ من الثّمن الأوّل جاز عنده (يعنى عند أبى حنيفة)، خلافاً لهما، لأنّ تصرّفَ الوكيل عنده يقع لنفسه، فلذا يجوز للمسلم أن يوكّل ذمّاً بشراء خمر وبيعها عنده، ولكن ينتقل الملكُ إلى الموكّل (١) المحيط البرهانيّ، ٩: ٣٨٣ كتاب البيوع، فصل ٦ (٢) المحيط البرهاني ٣٨٥:٩ (٣) الشرح الكبير على المقنع لشمس الدّين بن قدامة ٤: ٤٥ (٤) فتح القدير، باب البيع الفاسد٦: ٦٨ (٥) حاشية الدسوقيّ على الشرح الكبير ٣: ٧٧ والفروق للقرافي ٢٦٨:٣ ٥٥٢ فقه البيوع حكماً، فكان كما لو اشتراه لنفسه فمات فورثه البائع. وعندهما عقدُ الوكيل كعقدِهِ."(١) وقولُ المالكيّةِ مثلُ قول الصّاحبين.(٢) وإن باع المشترى الأوّلُ السّلعةَ إلى ثالث، ثمّ باعه دلك الثّالثُ إلى الأوّل، فقد يُسمّى "العينة الثّلاثيّة". وهو موضعُ خلافٍ بين الفقهاء. فمذهب الحنفيّة أنّ ذلك جائز. قال ابنُ الهمام رحمه الله تعالى: "ولو باعه المشترى من رجل، أو وهبه، ثمّ اشتراه البائعُ من ذلك الرّجل، يجوز لاختلاف الأسباب بلاشبهة، وبه تختلف المسبّبات."(٢) والظّاهرُ من قول الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّ ذلك لا يجوز. قال ابن رشد رحمه الله تعالى: "وسُئل مالكٌ عن رجلٍ ممّن يُعيّن ببيع السّلعة من الرّجل بثمنٍ إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجلٌ حاضرٌ، كان قاعداً معهما، فباعها منه؛ ثمّ إنّ الَّذى باعها الأوّلَ اشتراها منه بعدُ، وذلك فى موضعٍ واحدٍ، قال: لا خيرَ في هذا، ورآه كأنه محلّلٌ فیما بينهما. (٤) والظّاهر من عبارته أنّه فيما إذا كان بمواطأة، إذ قيّد الثالث برجل حاضر قاعد معه. (١) فتح القدير ٦: ٦٨ ومثله فى المحيط البرهانيّ (٩: ٣٨٣) وزاد: "فإن عاد المشترَى إلى المشترى الأوّل، إن عاد بسبب هو فسخ فى حقّ النّاس كافّةً، كخيار الرؤية أو خيار الشّرط قبل القبض أو بعده بقضاء أو غير قضاء، أو بخيار عيب قبل القبض بقضاء أو غير قضاء، لا يجوز للبائع الأوّل أن يشتريه بأقلّ ممّا باع. وإن عاد إليه بسبب هو فسخٌ فى حقّهما، بيعٌ جديدٌ فى حقّ الثّالث، كان للبائع أن يشتريه بأقلّ ممّا باع." (٢) حاشية الدّسوقيّ على الشرح الكبير ٣: ٧٧ والفروق للقرافيّ ٢٦٨:٣ (٣) فتح القدير٦: ٦٨ (٤) البيان والتحصيل لابن رشد ٧: ٨٩ المبحث الخامس فلو لم يكن ذلك بمواطأة، فإنّه يجوز والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٥٣ - العينة بمعنى التورّق القسم الثّانى من العِينة ما يُسمّيه الحنابلةُ التّورّق، وذكره الحنفيّة باصطلاح العِينة. وهو أن يشتريَ المرا سلعةً نسيئةً بزيادة فى ثمن المثل، ثمّ يبيعها نقداً إلى غير البائع بأقلّ ممّا اشتراه به، ليحصُل بذلك على النّقد. وفى حُكمه روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى،(١) ولكنّ المذهبَ الختار عند الحنابلة جوازه. قال المرداويّ رحمه الله تعالى: "لو احتاج إلى نقد، فاشترى ما يُساوى مائةً بمائة وخمسين فلا بأس. نصّ عليه وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وهي مسئلة التّورَق. "(٢) أمّا الشّافعيّة، فيجوّزون العِينة، فجوازُ التّورَق عندهم أولى. وذكر الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى جوازَه كأنّه متّفق عليه بينه وبين مانعى العِينة، وألزمهم به.(٣) وكذلك الظّاهرُ أنّ التّورَق جائزٌ عند المالكيّة. فإنّ الدّسوقيّ رحمه الله تعالى ذكر أنّ شروط بيوع الآجال المتطرّق إليها التُّهمة خمسة، وذكر منها: "أن يكون البائعُ ثانياً هو المشترى أولا، أو من تنزّل منزلته، والبائعُ أولاً هو المشتريَ ثانياً، أو من تنزّل . منزلته. "(٤) وقال القرافيّ رحمه الله تعالى: "إنّا إنّما نمنع أن يكون العقدُ الثّانى من (١) الفروع لابن مفلح ٤: ١٧١ (٢) الإنصاف للمرداوي ٤: ٣٣٧ ومثله فى كشاف القناع ٣: ١٧٥ وشرح منتهى الإرادات ١٥٨:٢ (٣) قال رحمه الله تعالى: "قيل: أفحرامٌ عليه أن يبيع ماله بنقد، وإن كان اشتراه إلى أجل؟ فإن قال: لا إذا باعه من غيره، قيل: فمن حرّمه منه؟" (كتاب الأمّ ٤: ١٦٠) (٤) حاشية الدّسوقيّ على الشرح الكبير ٣: ٧٧ ٥٥٤ ٥ فقه البيوع البائع الأوّل."(١) أمّا الحنفيّة، فقد ذكروا التّورّق باسم العِينة. ثمّ منهم من ذهب إلى كراهته، مثلُ الإمام محمّد رحمه الله تعالى، فإنّه رُويَ عنه أنّه قال: "هذا البيعُ فى قلبى كأمثال الجبال، ذميمٌ اخترعه أكَلَةُ الرّباء " ومنهم من ذهب إلى جوازه، مثلُ الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى، ورُويَ عنه أنّه قال: "العِينةُ جائزةٌ مأجورٌ من عَمِل بها."(٢) وإنّ ابنَ الهمام وافق بين قولَي الكراهة والجواز، فحمل الجوازَ على الصّورة الأولى، وهي التورُّق، وحمل الكراهةَ على الصّورة الثّانية، وهي العينةُ عند جمهور الفقهاء. فقال رحمه الله: "ثمّ الّذى يقع فى قلبى أنّ ما يُخرجه الدافع إن فُعِلت صورةٌ يعود فيها إليه هو أو بعضُه، كعَود الثّوب أو الحرير .. فمكروه، وإلاّ فلا كراهةَ إلّ خلاف الأولى على بعض الاحتمالات، كأن يحتاج المديون، فيأبى المسئولُ أن يُقرض، بل أن يبيعَ ما يساوى عشرةً بخمسة عشر إلى أجل، فيشتريه المديون، ويبيعُه في السوق بعشرة حالة. ولا بأس فى هذا، فإنّ الأجلَ قابله قسطٌ من الثّمن، والقرضُ غيرُ واجب عليه دائماً، بل هو مندوبٌ، فإن تركه بمجرّد رغبة عنه إلى زيادة الدّنيا فمكروه، أو لعارض يُعذّر به فلا، وإنما يُعرفُ ذلك في خصوصيات الموادّ، وما لم ترجع إليه العينُ الّتى خرجت منه لا يُسمّى بيعَ العينة؛ لأَنّه من العَين (١) الفروق للقرافي ٢٦٨:٣ (٢) ردالمحتار، باب الصَّرف ٥٦٨:١٥ المبحث الخامس المسترجعة، لا العين مطلقاً (١). وإلّا فكلّ بيع بيعُ العينة. "(٢) وما ذكره ابن الهُمام رحمه الله وجية جداً، ولذلك اختاره كثيرٌ من الحنفيّة وأفتَوا به. قال ابنُ عابدين بعد ذكر رأيِ ابنِ الهمام رحمه الله: "وأقرّه فى البحر والنّهر والشُّرنبلاليّة، وهو ظاهرٌ، وجعله السّيد أبو السعود محمِلَ قول أبى يوسف، وحمل قولَ محمّد والحديثَ على صورة العَوْد."(٣) ولكنّ جواز التورّق مشروطٌ بأن لاتكون هناك ملابسات أخرى تُفسد البيع، مثل أن يشترط المشترى على البائع الأوّل أن يبيع السّلعةَ فى السّوق نيابةً عنه، فإنّ هذا الشّرطَ يُفسد البيع. أمّا إذا كان البيعُ خالياً من هذا الشّرط، ثمّ وكّل المشترى البائعَ نفسَه بأن يبيعَه فى السّوق، فالظّاهر أنّه لامحظورَ فيه، ولكنّ الاجتنابَ عنه أولى، لأنّ آخذ النّقود الأقلّ بالبيع الأوّل هو الذى يدفع الأكثر بعد البيع الثّانى، وصورتُه تُشابه دراهمَ بدراهم، وإن كان من جهتين مختلفتين، وخاصّةً، إذا كان التّورَّق عن طريق بورصات السّلع.(٤) وقد صدر بذلك قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ، وهذا (١) هذا مبنيّ على أن الحنفيّة عرفوا العينة ببيع العين بالربح نسيئةً كما فى "الدّرّ المختار"، فيقول ابن الهمام رحمه الله: إن العينة المذمومة لا تتحقق ببيع العين بالربح مطلقاً، وإنّما تتحقّق إذا عادت العين إلى البائع، حتّى يثبت أنّ البائع إنّما اتخذ العين حيلةً مصطنعة، وإلَّا فالمقصود الزيادة مع بقاء العين عنده. (٢) فتح القدير ٦: ٣٢٤ (٣) رد المحتار، کتاب الكفالة ١٦: ١٦٣ فقره ٢٥٦٩٢ (٤) وقد فصّلت الكلام على التّورَّق فى رسالتى: "أحكام التّورّق وتطبيقاته المصرفيّة" راجع بحوث فى قضايا فقهية معاصرة للمؤلف ٤٥:٢ ٥٥٦ فقه البيوع نصّه: "(١) التورُّق فى اصطلاح الفقهاء: هو شراءُ شخص (المستورق) سلعةٌ بثمن مؤجّل من أَجْلِ أن يبيعها نقداً بثمن أقلَّ غالباً إلى غير من اشتُريتْ منه بقصد الحصول على النّقد. وهذا التّورَّق جائزٌ شرعاً، شرط أن يكون مستوفياً لشروط البيع المقرّرة شرعاً. (٢) التورّق المنظّم فى الاصطلاح المعاصر: هو شراءُ المستورق سلعةً من الأسواق المحلّة أو الدّوليّة، أو ما شابهها بثمن مؤجّلٍ يتولّى البائعُ (المموّل) ترتيبَ بيعها، إمّا بنفسه أو بتوكيل غيره، أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حالٌ أقلّ غالباً. (٣) التّورّق العكسيّ: هو صورة التّورّق المنظّم نفسُها مع كون المستورق هو المؤسّسةَ والمموّلُ هو العميلَ. (٤) لا يجوز التورّقان (المنظّم والعكسيّ) وذلك لأنّ فيهما تواطؤاً بين المموّل والمستورق، صراحةً أو ضمناً أو عُرفاً، تحايلاً لتحصيل النّقد الحاضر بأكثرَ منه فى الذّمّة، وهو رباً."(١) ٢٥٤ - قلب الدين أو معاملة الذين تحدّث الفقهاء عن مسئلة فى البيع المؤجّل والمداينات الأخرى، وهيَ أنّ المديونَ ربّما يعجز عن أداء دينه عند حلول الأجل، فيدخلُ مع الدائن فى بيعٍ مؤجّلٍ آخرَ (١) قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، رقم ١٧٩ (١٩/٥) ٥٥v Iso المبحث الخامس بثمن زائدٍ على الثّمن الحالّ، ويُمهله الدائنُ فى دَينه الأوّل، ويُسمّى "قلب الدّين" فى اصطلاح الحنابلة، و"معاملة" فى اصطلاح المتأخّرين من الحنفيّة. فإن كان هذا الإمهالُ فى الدَّين الأوّل مشروطاً فى البيع الثّانى، فالبيعُ الثّانى فاسدٌ بالاتّفاق، لأنّه بيعٌ شُرط فيه مالا يقتضيه العقد. أمّا إذا لم يكُن الإمهالُ شرطاً فى البيع الثّانى، ففيه خلاف. فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: إنّه غير جائز. جاء فى الموطّأ: "قال مالك فى الرّجل يكون له على الرّجل مائةُ دينار إلى أجل، فإذا حلّت، قال له الذى عليه الدَّين: بعْنى سلعةً يكون ثمنُها مائةَ دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. قال مالك: هذا بيعٌ لا يصلح، ولم يزل أهلُ العلم ينهَون عنه. قال مالك: وإنّما كُره ذلك لأنّه إنما يُعطيه ثمن ما باعه بعينه، ویؤخّرُ عنه المائةَ الأولى إلى الأجل الّذى ذكره آخرَ مرّة، ويزداد عليه خمسين ديناراً فى تأخيره عنه. فهذا مكروة ولا يصلُح، وهو أيضاً يُشبه حديث زيدبن أسلم فى بيع أهل الجاهليّة أنّهم كانوا إذا حلّت ديونهم قالوا للّذى عليه الدّين: إمّا أن تقضي وإمّا أن تُربي. فإن قضى أخذوا، وإلاّ زادهم فى حقوقهم، وزادوه فى الأجل."(١) ومثلُه مذهب الحنابلة. قال البهوتيّ رحمه الله تعالى: "ويحرُم على صاحب الدَّين أن يمتنع من إنظار المعسر حتّى يقُلُب عليه الدَّين. ومتى قال ربُّ الدِّين: إمّا أن تقلُب الدَّين، وإمّا أن تقوم معى إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبسه الحاكمُ لعدم ثبوت إعساره عنده، وهو مُعسِر، فقلَب (١) موطأ الإمام مالك مع أوجز المسالك ٣٣٠:١١ ٥٥٨ فقه البيوع على هذا الوجه، كانت هذه المعاملةُ حراماً غيرَ لازمة باتّفاق المسلمين، فإنّ الغريمَ مكرَةٌ عليها بغير حقّ، ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمّة، فقد أخطأ فى ذلك وغلط، وإنّما تنازع النّاسُ فى الأمور الاختياريّة."(١) وقد شدّد الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى فى ذلك، فقال: "وأمّا إذا حلّ الدّينُ وكان الغريمُ معسراً، لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلِب بالقلب، لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظارُه. وإن كان موسراً، كان عليه الوفاء، فلاحاجة إلى القلب، لا مع يساره ولا مع إعساره."(٢) وما ذكر البهوتيّ وابنُ تيميّة رحمهما الله تعالى من اتّفاق المسلمين على منع قلب الدّين إنّما هو فيما إذا كان الإمهالُ شرطاً فى البيع الثّانى، أو كان المدينُ مُكرَهاً، كما ذكره البهوتيّ. أمّا إذا لم يكن الإمهالُ مشروطاً، ولا المدينُ مُكرهاً، فقد ثبت عن الحنفيّة أنّهم أجازوا هذه المعاملة، قال الإمام محمّد رحمه الله تعالى: "قال أبو حنيفة رضي الله عنه فى الرّجل يكون له على الرّجل مائةُ دينار إلى أجل، فإذا حلّت، قال له الّذى عليه الدَّين: بعْنى سلعةً يكون ثمنُها مائةَ دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل: إنّ هذا جائز، لأنّهما لم يشترطا شيئاً، ولم يذكرا أمراً يفسُد به الشّراء. وقال أهل المدينة: هذا لا يصلح. قال محمّد: ولِمَ لا يصلح هذا؟ أرأيتم مَن كان له على رجل دين، فقد حرّم الله عليه أن (١) كشاف القناع ٣: ١٧٥ فصل ومن باع سلعة بنسيئة (٢) مجموع فتاوى ابن تيميّة، باب الربا ٢٩: ٤١٨ وجعله رحمه الله تعالى عين الربافى ٢٩: ٤٣٥ و٢٩: ٤٣٧ ٥٥٩٠ المبحث الخامس يبيعه منه شيئاً يُربح عليه فيه. قالوا: نخاف أن يكون هذا ذريعةً إلى الرّبًا. قيل لهم: وأنتم تُبطلون بيوعَ النّاس بالتخوّف ماتظنّون من غير شرطٍ اشترطَه، ولابيعٍ فاسد إلاّ بما تظنّون وترَون !. قالوا: نرى أنّه إنّما باعه لمكان دينه، قيل لهم: إنّهما لم يتذاكرا الدّينَ بقليل ولا كثير ... أرأيتم لو أجزتم البيعَ كما نُجيزه، أمّا كان لصاحب الدَّين أن يأخذ دَينه من صاحبه وقد حلّ؟ قالوا: بلى، له أن يأخذ دينه، قيل لهم: فإذا كان له أن يأخذ دينَه كان البيعُ جائزاً، فبأيّ وجه أبطلتم بيعه؟"(١) والحاصلُ أنّ الإِمهالَ فى الدَّين الأوّل إن لم يكن مشروطاً، فلايزال الدائنُ يحقّ له أن يُطالبَ بالدَّين الأوّل فى الحال قضاءً. فإن أمهله، أمهله تطوّعاً، فلا يُقال: إنّه عوضٌ عن الزّيادة فى البيع الثّانى. والظّاهرُ أنّ مذهب الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى مثلُه، لأَنّه يقول بجواز العينة، فهذا أولى بالجواز عنده. ثمّ إنّ المتأخّرين من الحنفيّة، وإن مشَوا على مذهب الإمام أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، غيرَ أنّهم ذكروا فيها كراهة. جاء فى الدّرّ المختار: "شراءُ الشّيئ اليسير بثمن غال لحاجة القرض يجوز ويُكره. " وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى فى شرحه: "أى يصحّ مع الكراهة. "٢ والظاهر أنّ المرادَ كراهةٌ تنزيهيّة تجتمعُ مع الجواز. ولاشكّ أنّ الاحتياطَ فى مسئلة قلب الدّين فى مذهب المالكيّة والحنابلة، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) كتاب الحجّة على أهل المدينة للإمام محمد ٢: ٦٩٤ إلى ٦٩٦ باب ما يجوز من الدين ومالا يجوز، طبع دار المعارف النعمانيّة (٢) ردالمحتار، فصل فى القرض ٢١٥:١٥