Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠٠
فقه البيوع
ويُمكن أن يُخرّج على ذلك ما يقع كثيراً من أنّ الأب يهبُ داراً لابنه، وهو ساكنٌ معه
فيها بمتاعه. فلو أذن الأبُ ابنَه بقبض متاعه وديعةً، وسجّل الدّارَ باسم ابنه بعد الهبة،
وصرّح بأنّ كونه يسكُن الدّارَ بعد ذلك موقوفٌ على إذن الابن على سبيل العارية،
وقبل ذلك الابن، ينبغى أن يُعتبر قبضاً كافياً لتمام الهبة، والله سبحانه أعلم.
١٧٥ - القبض فى الدّار المؤجرة
وإن كانت الدّارُ مؤجرة، يجوز للمالك بيعُها من غير المستأجر بإذن المستأجر، ولا
يتحقّق التّسليم إلاّ بعد مضىّ مدة الإجارة. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
"ويدخُل فى الشّغل بحقّ الغير مالو كانت الدّار مأجورة، فليس للبائع مطالبةُ
المشترى بالثّمن لعدم القبض. " ثمّ نقل عن جامع الفصولين: "باع المستأجرَ (يعنى
الدّارَ المؤجرة) ورضيَ المشترى أن لا يُفسخَ الشّراؤ إلى مضىّ مدة الإجارة، ثم
يقبضه من البائع، فليس له مطالبةُ البائع بالتّسليم قبل مُضيّها، ولا للبائع مطالبةُ
= إشكال وهو أن يد المودّع يد المودع معنى فكانت يده قائمة على المتاع فتمنع صحة
التسليم. " (بدائع الصنائع ٥: ١٧٨) ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن يد المودع ليست
يدالمودع من كل الوجوه، وبيده ردّها متى شاء، قال السرخسي رحمه الله تعالى: "والمعنى فيه
أن المودَع متبرّع فى حفظها لصاحبها والتبرّع لا يوجب ضمانا على المتبرّع للمتبرَّع عليه،
فكان هلاكها فى يده كهلاكها فى يد صاحبها، وهو معنى قول الفقهاء رحمهم الله تعالى: يد
المودّع كيد المودع. " (المبسوط للسرخسى أوائل كتاب الوديعة) وإنّ يد الواهب إنما تمنع
تمام الهبة لأنها تمنع تمكن الموهوب له من التصرف فى الموهوب.، ولما كان متاع الواهب
بيد الموهوب له بصفة المودّع فإنه لا يمنعه من التصرف ويمكن له أن يردّ متاع الواهب أين
شاء.

المبحث الثالث
المشترى بالثّمن، مالم يجعل المبيعَ بمحلّ التّسليم."(١)
أمّا إذا فسخ المستأجرُ الإجارة من البائع، وعَقَدها مع المشترى من جديد، فالظّاهر
أنّ القبض يتحقّق بعقد المشترى الإجارةَ مع المستأجر، لأنّه تصرّفٌ فى المبيع من
قِبَل المشترى، وهو يقوم مقامَ القبض. جاء فى شرح المجلّة عن الخلاصة: "وإن
كانت داراً فآجرها المشترى، إن سلّمها إلى المستأجر، صار قابضاً، وإلاّ فلا. "(٢)
وهل تثبت هذه الإجارة الجديدة من المشترى اقتضاءً إن قال له البائع: "سلّمتُ
إليك الدّار بأن تكون أجرتُها لك منذ اليوم، وقبل ذلك المستأجر؟ الظّاهر: نعم، لأنّ
مثلَ ذلك يُعتبر قبضاً فى عُرف المستغَلّت. وقد ثبت فى قوانين أكثر البلاد أنّ البائعَ
إن باع داراً مؤجرةً وسجّلها باسم المشترى، فإنّ عقد الإجارة يتحوّل إلى المشترى
بحكم القانون، فينفسخ عقدُ المستأجر مع البائع، وينعقد مع المشترى. وهذا دليل
ثبوت الإجارة الجديدة اقتضاءً بحكم العرف. ويؤيّده ما فى البدائع فى مبحث
خيار الشّرط:
"ولو كان فيها (أى فى الدّار) ساكنٌ بأجر، فباعها البائع برضا المستأجر
وشرط الخيارَ للمشترى، فتركه المشترى فيها، أو استأوى الغَلَّةَ فهو إجازة،
لأنّ الأجرةَ بدلُ المنفعة، فكان أخذُها دلالةَ قصد تملّك المنفعة، أو تقريرَ
ملك المنفعة، وذلك قصدُ تملّك الدَّار، أو تقرّر ملكه فيها، فكان إجازة. "(٣)
(١) ردالمحتار، فصل فيما يدخل فى البيع تبعا، ١٤: ٢٣٥ فقره ٢٢٥٦٥
(٢) شرح المجلة للأتاسى مادة ٢٧٥ ج ٢ ص ٢٠٧
(٣) بدائع الصنائع ٥٣٩:٤

٤٠٢
فقه البيوع
١٧٦ - هل التّسجيل فى النّظام العقاريّ يُعتبر قبضا؟
وقد ذكر الشّيخ مصطفى الزّرقاء رحمه الله تعالى صورةً أخرى من قبض العقار،
فقال: "يجب الانتباهُ اليومَ إلى أنّه فى البلاد التى يوجد فيها سجلٌّ ونظامٌ عقاريّان
بحيث تكون قيودُ السّجلّ هى المعتبرة فى ثبوت الحقوق العقاريّة وانتقالها كما فى
بلادنا (أى السّورية) يُعتبر تسجيلُ بيع العقار فى صحيفته من السّجلّ العقارىّ فى
حكم التّسليم الكافى، ولو كانت الدّار مشغولةً بأمتعة البائع أو بحقوق مستأجر. ذلك
لأنّ قيد السجلّ عندئذٍ يُغنى عن التّسليم الفعلىّ، ويقطع علاقةَ البائع بالأرض فيُصبح
أجنبيًا. وعلى هذا استقرّ اجتهادُ محكمة النّقض السوريّة. وإذا ظلّ بائعُ العقار شاغلاً
له بعد التّسجيل، وممتنعاً عن تفريغه وتسليمه، تُنْزَع يدُه عنه بقوّة القضاء، كما لو
شغله غصباً بلا حقِّ بعد التّسليم. فيبقى هذا الحكمُ الفقهىّ (أى عدم اعتبار القبض إن
كان العقارُ مشغولاً بملك البائع) بالنّسبة إلى الأموال غير المنقولة مقصوراً على
الأماكن الّتى ليس فيها سجلٌّ ونظام عقاريّان من هذا القبيل."(١)
وقال فى موضع آخر: "بعد وجود الأحكام القانونية التى تُخْضِع العقودَ العقاريّة
للتّسجيل فى السّجلّ العقارىّ استقرّ الاجتهاد القضائيّ أخيراً لدينا على اعتبار التّسليم
حاصلاً بمجرّد تسجيل العقد فى السّجلّ العقارىّ. فمن تاريخ التّسجيل ينتقل ضمانُ
هلاك المبيع من عُهدة البائع إلى عهدة المشترى، لأنّ تسجيل البيع فيه تمكينٌ للمشترى
أكثرَ ممّا فى التّسليم الفعلى، إذ العبرةُ فى الملكيّة العقاريّة قانوناً لقيود السّجلّ العقارىّ،لا
للأيدى والتّصرفات. وبتسجيل البيع لم يبقَ البائعُ متمكّناً أن يتصرّف فى العقار المبيع
(١) المدخل الفقهىّ العام ٢: ٧٠٦ (حاشية) طبع دار القلم

٤٠٣
المبحث الثالث
بعقدٍ آخر استناداً إلى وجوده فى يده. وجميعُ الحقوق والدّعاوى المتفرّعة عن الملكيّة،
كطلب نزع اليد، وطلب الأجرة، وغير ذلك تنتقل إلى المشترى بمجرّد التّسجيل."(١)
وربّما يُعترض على ما ذكره الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى أن التسجيل العقارىّ لا
يعدو من أن يكون مُثبتاً للملك قانوناً. أمّا القبض فشيئٌ زائدٌ على الملك. وقوله: "
جميع الحقوق والدّعاوى المتفرعة عن الملكيّة، كطلب نزع اليد وطلب الأجرة وغير
ذلك تنتقل إلى المشترى بمجرّد التّسجيل. " اعترافٌ بأنّ المشتريّ يحتاج لنزع يد
البائع إلى رفع الدعوى، وأنّ العقار مقبوضٌ بيد البائع، حتىّ بعد التّسجيل. وأجاب عنه
الشّيخ رحمه الله تعالى بقوله: "بعد تسجيل العقار على اسم المشترى يستطيعُ
المشترى قانوناً أن يقيمَ هذه الدعوى لنَزع يد البائع على العقار، ولولم يكن بعدُ قد
نقده الثّمن فعلاً، وتُنْزِعِ يدُ البائع قضاءً باعتبار أنّه ليس له علاقةٌ بالعقار ... فلولم يكن
التّسجيل تسليماً للعقار المبيع فى نظر القانون، لساغ للبائع أن يحبس العقار المبيع عن
المشترى، ولو بعد الفراغ والتّسجيل مالم يدفع الثمن، وهذالم يقُل به أحد."(٢)
ولكن فيما قاله الشّيخ رحمه الله تعالى نظرٌمن وجهين: الأوّل: أنّ القبضَ يتحقّق
شرعاً بانتقال ضمان المبيع إلى المشترى. فالسؤال: إن سُجّلت عمارةٌ باسم
المشترى، ولكن امتنع البائعُ من التّسليم الفعلىّ وبقيت الدارُ مشغولةً بيدالبائع، ثمّ
هلكت قبل أن تتحقّق التّخليةُ فعلاً، فهل تهلك من مال المشترى؟ الظّاهر لا.
وكذلك يُقال فيما استدلّ به الشّيخ رحمه الله تعالى من أنّ أحكام رهن العقار تثبت
(١) المدخل الفقهىّ العام ٢: ٩٥٤ الباب التاسع، نظرية العرف
(٢) عقد البيع للشيخ مصطفى الزرقاء ص ١١٩

١٤٠٤
ة
فقه البيوع
بمجرد التّسجيل القانونىّ، وإن كان العقارُ باقياً بيد الرّاهن، فإنّه لا يعتبرُ رهناً مقبوضاً،
بل يُعتبر رهناً غير حيازيّ، فلو هلك بيد الرّاهن، هلك من ماله، ولا يُضمَّن بالأقلّ من
قيمته ومن الدّين كما يُضمّن المرهون المقبوض (الرّهن الحيازيّ) عند الحنفيّة.
وثانيًا: يقع فى كثير من البلاد أنّ العقار يُسجَّل باسم غير المالك لأغراض ضريبيّة أو
غيرها، وقد ذكرنا فى مبحث بيع التّلجثة والعقود الصّوريّة أنّه قد يكون هناك عقدٌ
صوريّ غيرُ مقصود، وعقدٌ مستترٌ مقصود. وفى هذه الحالة لا يكفى التّسجيل لإثبات
الملك شرعاً، فضلاً عن القبض، إذا عارضه دليلٌ أقوى للملك. وقدّمنا أنّ مبدأ
الصّورية فى العقود معترَفٌ به فى عدّة أنظمة قانونيّة. يقول الدكتور عبدالرزاق
السنهوريّ:
"أمّا بالنسبة للمتعاقدين والورثة، فالعقد الصّوريّ لاوجودله، والعقدُ
الحقيقيّ هو الّذى يسرى فى حقّهم بقدرما تتوافر فيه شروطُ الصّحّة. ونحن
فى هذا إنما نطبق مبدأسلطان الإرادة، فالمتعاقدان قدأرادا العقد المستتر،
لا العقد الظاهر، فيلتزمان بما أراداه، لابمالم يريداه. وهذا يتّفق مع ما تقضى به
المادة ١٣٢١ من القانون المدنيّ الفرنسيّ من أنّ العقود المستترة لاتُنتِج
أثرَها إلاّ فيما بين المتعاقدين، وقد استقرّ الفقه والقضاء فى فرنسا على
ذلك، كما أنّ الفقه والقضاء فى مصر قد سلّما بالمبدأ أيضاً دون نصّ،
لاتّفاقه مع القواعد العامة."(١)
فتبيّن بهذا أن مبدأ الصّوريّة يُعترف به فى القانون فيما بين المتعاقدين، فكما يُمكن أن
(١) نظرية العقد للسنهوري ص ٨٣٥ و ٨٣٦ فقره ٧٥٦

المبحث الثالث
يكون العقدُ صُوريّا، يمكن أيضاً أن يكون التّسجيلُ صُوريّاً. واعترف القانون الإنكليزي
بتصوّر المالك الصّوريّ (ostensible owner) وهو الذى سجّل العقار باسمه، ولكنّه
ليس مالكاً حقيقياً(real owner) كما جاء فى المادة ٤١ من قانون "انتقال الأملاك"
(Transfer of Property Act 1882)
فالذى يظهر أنه لا ينبغى أن يُعتبر التّسجيل قبضاً ناقلاً للضمان فى الفقه الإسلاميّ، إلاّ
إذا صاحَبَتْه التّخليةُ بالمعنى الّذى ذكرناه فيما سبق، ومنه أن يكون العقار مستغلاً
بالإِجارة، وعَقد المشترى الإجارة مع المستأجر صراحةً أو اقتضاءً، كما أسلفنا، والله
سبحانه أعلم.
١٧٧ - قبض المكيلات والموزونات
أمّا المكيلات والموزونات، فإن بيعت مجازفةً، فحكمُها حكم المنقولات العدديّة.
وسيأتى حكمُها إن شاء الله تعالى. أمّا إذا بيعت كيلاً أووزناً، ففى تحقّق قبضها
خلاف. فقال الشافعيّة والحنابلة: لا يتحقّق القبض إلاّ بكيله إن كان مكيلاً، أووزنه إن
كان موزوناً.(١) وقال المالكيّة: قبضُه تفريغُه فى أوعية المشترى، حتّى قال الدّسوقىّ:
"وأمّا إذا هلك حالَ تفريغه فيها، فضمانُه من البائع إن كان التّفريغ منه."(٢)
وقال الحنفيّة: يتحقّق القبضُ بمجرّد التّخلية، بمعنى أنّ الضّمان ينتقل إلى المشترى
بمجرّد التّخلية، ولكن لايجوز للمشترى أن يبيعَه إلاّ بعد الكيل أو الوزن. وذلك لما
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٢٠
(٢) الدسوقى على شرح مختصر خليل ٣: ١٤٤

٤٠٦ ٠٥٠
فقه البيوع
رواه ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من
ابتاع طعاماً فلا يبعْه حتى يكتاله."(١)
١٧٨ - معنى جريان الصاعين
وكذلك لو اكتاله المشترى أواتّزنه من بائعه، ثمّ باعه مكايلةً أو موازنةً من غيره، لم
يحلّ للمشترى منه أن يبيعه أو ينتفع به حتّى يكيله أويزنَه، ولا يكتفى باكتيال البائع
أو اتّزانه من بائعه، وإن كان ذلك بحضرة هذا المشترى الثّانى. (٢) وذلك لمارُويَ عن
جابر رضى الله تعالى عنه أن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الطَّعام حتّى
يجرىَ فيه الصّاعان: صاعُ البائع وصاعُ المشترى. "(٣) وأَعِلّ هذا الحديث بمحمّد بن
عبد الرحمن بن أبى ليلى، ولكنّه متلقَّى بقبول المجتهدين.
والصّحيحُ أنّ مرادَ الحديث بجَريان الصّاعين أن لا يبيعَ أحدٌ ما اشتراه حتّى يكتالَه،
فيجب الكيلُ على البائع أولاً لنفسه إذا كان ابتاعه مُكايلة، ثمّ يجب الكيلُ على
المشترى منه إذا ابتاعه مكايلةً كذلك، فتعدُّد الكيل إنّما هو باعتبار الصّفقتين، وليس
مراد الحديث أن يجرىَ الصّاعان فى صفقة واحدة.
ويدلّ على هذا المعنى ما أخرجه البزّر عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلّم عن الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاغ البائع والمشترى،
فيكون لصاحبه الزّيادة وعليه النقصان. " ذكره الزّيلعيّ فى نصب الرّاية، والحافظ ابن
(١) صحيح مسلم، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، رقم ٣٨١٤
(٢) بدائع الصنائع، حكم البيع ٤: ٤٩٩
(٣) أخرجه ابن ماجه فى التجارات، حدیث ٢٢٢٨

٤٠٧
٥
المبحث الثالث
حجر فى الدّراية، وقال: إسناده جيّد.(١)
وهذا يدلّ على أنّ العلّة فى النّهي عن بيع الطّعام حتّى يجريَ فيه الصّاعان، إنّما هو
امتيازُ حقّ البائع من حقِّ المشترى، وبالعكس. وذلك يحصل بصاعٍ واحد، إذا كان
بحضرة المشترى، وإنّما يجب تعدّد الصّاعين عند تعدّد الصّفقتين. وهذا مذهب
الحنفيّة والحنابلة، خلافاً للشّافعيّة.(٢) والله أعلم.
ثم قد ذكر البابرتىّ فى العناية(٣) ما ملخّصه أنّ مَن اشترى المكيلَ والموزون وأراد
التّصرّف؛ فإنّ ذلك على أربعة أقسام:
الأوّل: أنّه اشترى مُكايلةً وباع مكايلةً، فحينئذٍ يجرى فيه الصّاعان: صاعُ المشترى
الأوّل لنفسه، وصاح المشترى الثّانى لنفسه؛ لأنّه يحتمل أن يزيد على المشروط،
وذلك للبائع، والتّصرُّف فى مال الغير حرام، فيجب التّحرّزُ عنه.
الثّانى: أنّه اشترى مجازفةً، وباع كذلك. وحينئذٍ لا حاجةَ فيه إلى الكيل، لعدم الافتقار
إلی تعیین المقدار.
الثّالث: أنّه اشترى مكايلةً، وباع مجازفةً،، وحينئذٍ يحتاج المشترى الأوّل إلى الكيل،
ولا يحتاج الثّانى.
(١) أخرجه البزار كما فى الكشف برقم ١٢٦٥. وانظر مجمع الزوائد: ٩٨:٤ و ٩٩.
(٢) جاء فى الهداية: "لو كاله البائع بعد البيع بحضرة المشترى، فقد قيل: لا يُكتفى به ... والصحيح أنّه
يُكتفى به. " (فتح القدير٦: ١٤١) وجاء فى المغنى لابن قدامة: "وإن قال: خذه بهذا الكيل الّذى
قد شاهدته، فأخذه به، صح، لأنّه قد شاهد کیله وعلمه، فلا معنى لاعتبار كيله مرّةً ثانية. وعنه
لا يُجزئ، وهو مذهب الشّافعيّ. " (المغنى ٤: ٢٢٢)
(٣) العناية للبابرتى مع فتح القدير ١٣٩:٦

٤٠٨
فقه البيوع
الرّابع: أنّه اشترى مجازفةً، وباع مكايلةً: وحينئذٍ لا يحتاج المشترى الأوّل إلى الكيل،
ويحتاج الثّانى.
ثمّ لَيُعلَمْ أنّ ما ذكرناه من أنّ كيل البائع بحضرة المشتری یکفی عن اکتیال المشترى،
إنّما هو فيما إذا كان الكيلُ بعدَ البيع، فأمّا قبلَ البيع، فلا، فقد صرّح ابنُ الهمام بأنّ
الطعام لَوْ كِيل بحضرة الرّجل، ثمّ اشتراه فى المجلس، ثمّ باعَه مكايلةً قبل أن يكتاله
بعد شراءه، لا يجوز هذا البيع (يعنى الثّانى) سواءٌ اكتاله المشترى منه أو لا؛ لأنّه لماً
لم يكتلْ بعدَ شرائه هو، لم يكن قابضاً، (يعنى فى حكم جواز البيع، وإن كان قابضاً
فى حكم انتقال الضّمان كما أسلفنا عن الكاسانيّ) فبيعُه بيعُ ما لم يقبض، فلا يجوز،
راجع فتح القدير، وراجع أيضاً إعلاء السنن، باب النّهي عن بيع الطعام حتى يجريَ
فيه الصاعان، تجد فيه بحثاً مبسوطاً فى المسألة.(١)
ومال شيخُ مشايخنا محمّد أنورشاه الكشميرىّ رحمه الله تعالى إلى أنّه لا يجبُ
تعدّدُ الكَيلين فى الصّفْقتين أيضاً. فلو اشترى رجلٌ طعاماً مكايلةً، واكتاله بحضرة
رجلٍ يُشاهده، ثم اشتراه ذلك الرّجلُ منه، كفاه عن إعادة الكيل؛ لأنّ المطلوبَ كونُ
المبيعِ معلوماً، وقد حصل. نعم، إن كاله يُستحبّ له ذلك. فلا حاجة إلى تعدّد الكيل
فى الصّفقتين أيضاً، فكأنّ الشيخ رحمه الله حمل حديث ابن ماجه على
الاستحباب،(٢)
وما قاله الشّيخ رحمه الله تعالى موافقٌ لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى: قال ابن
(١) فتح القدير ٥: ٢٦٩، وإعلاء السنن ١٧٦:١٤ إلى ١٨٢
(٢) وراجع باب الكيل على البائع والمعطى من بيوع فيض البارى. ٣: ٢٢٠

٤٠
المبحث الثالث
رشد رحمه الله تعالى:
"اختلف العلماءُ فيمن أسلم إلى آخرَ، أو باع منه طعاماً على مكيلة مّا، فأخبر
البائعُ أو المسلَمُ إليه المشتريَ بكيلِ الطّعام، هل للمشترى أن يقبضه منه دون أن
يكيله، وأن يعمل فى ذلك على تصديقه؟ فقال مالك: ذلك جائزٌ في السَّلَم،
وفي البيع بشرط النّقد، وإلاّ خِيف أن يكون من باب الرّبا، كأنّه إنّما صدّقه فى
الكيل لمكان أنّه أنظره بالثّمن."(١)
ولاشكّ أنّ هذا أيسر الأقوال.
١٧٩ - قبض العُلب المُعبّأة
ثمّ قد شاع فى عصرنا أنّ الموزوناتِ تُباعُ فى غُلَب مُعبّأة مكتوب عليها وزنُها.
ومعنى ذلك أنّ البائع عبّها بعدَ وزنها، وكتب الوزنَ على العُلب. وكذلك المكيلات،
مثلُ الحليب، والأدهان، والبنزين، تُباع معبّأة فى غُلب مكتوب عليها كيلُها باللّترات.
وقد سبق جوازُ بيعها فى بيان البيع على البرنامج، ولكنّ النّاس يشترون هذه العُلب،
دون أن يَزِنوا أو يكيلوا ما فيها، ولا يمكنهم الوزن أو الكيل، لأنّ ذلك يحتاج إلى فكّ
التعبئة، وفيه حرجٌ شديد للبائع والمشترى كليهما. فهل يجوز مثل هذا البيع؟
أمّا على مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقول الشّيخ الأنور رحمه الله تعالى، فلا
إشكال، لأنّ المشترىَ إن اعتمد على كيل البائع، جاز له أكلُه بدون إعادة الكيل، سواءٌ
أكان بحضرته أم بغيبته. وقال الشّيخ الأنور رحمه الله تعالى: "وأمّا إذا كانت الصّفقة
(١) بداية المجتهد ٢: ٢٠٧

٤١٠
فقه البيوع
واحدةً، فلا حاجة إلی الکیل ثانیًا، بل كفاه كيلُ البائع، إن كان بحضرته عند صاحب
الهداية، وعندی مطلقاً، إذا اعتمد عليه."(١)
ويمكن توجيهُه بأنّ النّهيَ فى الحديث معلولٌ بعلّة الإفضاء إلى النّزاع، فإن اعتمد
المشترى على وزن البائع انتفت العلّة، فانتفى الحكم.
وأمّا على قول جمهورالفقهاء الّذين أخذوا بظاهر الحديث، وأوجبوا أن يتّزن
المشترى لنفسه أو يزنه البائع بحضرته، فيمكن أن يُقال فى بيع هذه العُلب: إنّها بعد
تعبئتها صارت عدديّةً، تُباعُ على الصّفة عدداً. وأمّا الوزنُ المكتوبُ عليها، فليس
لكونها تُباع وزناً، وإنمّا لتمييز صغيرها من كبيرها. وهذا كما أنّ الحيوانات، مثلَ
الدّجاج والشّاة، عدديّةٌ بلا خلاف، ومع ذلك قد تُباع بعد الوزن، لا لأنها وزنيّة، بل
لمعرفة هزيلها من سمينها. فيمكن تخريجُ بيعِها على أنّها بيعت على الصّفة مجازفة.
وعلى هذا، فقبضُها يتحقّق بما يتحقّق به قبضُ العدديّات المنقولة. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
١٨٠ - القبض من مخازن السّلع
وقد جرت العادة فى الأسواق ببيع السّلع فى المخازن، وتُسلَّم ألى المشترى وثائقُ
تُثبت مِلكه فى كمّية من السّلع المخزونة فيها. فهل يُعتبر القبضُ على الوثيقة قبضاً
للمبيع؟ والجوابُ: أنّ وثائقَ السّلع المتداولة فى السّوق على أقسام: فمنها ما يُمثّل
مِلكَ الحامل فى سِلعة معيّنة، بأن تكونَ السّلع معبّأةً فى كرتونات مرقّمة، وكلُّ
(١) فيض البارى ٣: ٢٢٠

0
٤١١
المبحث الثالث
كرتون له وثيقةٌ مكتوبٌ عليها رقْمُ الكرتون، وأنّ حاملَھا یحقّ له أن يتسلّم السّلعة
الّتى تمثّلها الوثيقةُ متى شاء، فحينئذٍ يُعتبر القبضُ على الوثيقة قبضاً للمبيع معنىً على
أساس التّخلية.
ومنها ما لا يُمثّل ملكَ الحامل فى سِلعة معيَّنة، وإنّما تُعطيه حقّاً لتسلّم كمّيةٍ من سِلعِ
ء
غير معيَّنة بالأرقام، موجودة فى المخزن بكمّية كبيرة، وإنّ السّلعةَ المبيعة لا تتميّز من
غير المبيعة إلاّ بعد التسلّم الفعلىّ. فالقبضُ على وثائق السّلع الّتى يُقال لها "الأمر
بالتّسليم" (Delivery Order) فى هذه الصُّورة لايُعتبر قبضاً، لأنّها لاتُمثّل مبيعاً معيّناً.
وذلك لأنّ المبيعَ إن لم يكن معيّناً، لاينتقل ضمانُ البائع إلى المشترى بتسليم الوثيقة
فقط. فإن هلكت بعضُ السّلع الموجودة فى المخزن، لا يُمكن القطعُ بأنّ الجزأ الهالك
كان ممّا اشتراه المشترى، أو كان ممّا لم يشتره. والواجبُ على البائع أن يُعطيه الكميّة
المبيعة من الباقى بعد الهلاك. وعدمُ ضمان المشترى يدلّ على عدم قبضه للمبيع، لأنّ
الضّمان يتبع القبض. فإن باعه المشترى إلى آخر، فإنّه من قبيل ربح ما لم يضمنه.
ونظراً إلى كثرة التّعامل فيما بين النّاس بهذا الشّكل، فقد زعم بعضُ الناس تبريرَه على
أساس أنّ إعطاءَ هذه الوثيقة تخليةٌ بين المبيع وبين المشترى، فينبغى أن يُعتبر قبضاً .
حكميّاً. ولكنّ الواقع أنّ التّخليةَ إنّما تُعتبر قبضاً حكميّاً إذا كان المبيعُ متعيّناً متميّزاً عن
غير المبيع. أمّا التّخليةُ بدون التّعيين، فإنّه ليس تخليةً فى الواقع، وإنّما هو حقٌّ للأخذ
بعد التّعيين، وليس فى حُكم القبض، لأنّه إن هلكت كمية بقدر كمية المبيع، والباقى
فى المخزن كمّيةٌ أخرى مثلُها، وجب على البائع أن يُعطيَ المشتريَ منها، كما ذكر
الشّلبيّ عن الجامع :

٤١٢
فقه البيوع
"فى بيع قفيز من صُبرة إذا كال البائعُ منه قفيزاً بغير حضرة المشترى، فهلك
أنّ البيع قائم يتعيّن فيما بقي. "(١)
وإن لم يبق فى المخزن شيئٌ، بطل البيع، ولا يهلك شيئٌ من مال المشترى.
وقد يُقال: إنّ العُرف قد جرى بتداول هذه الوثائق فى السُّوق، وأقرّه القانون. فينبغى أن يُعتبر
القبضُ عليها قبضاً على الكمّية المذكورة فيها بحكم العُرف والقانون.
وإنّ هذا الاستدلال غير صحيح. وذلك لأنّ القانونَ لايعتبر وثيقةَ "الأمر بالتسليم"
(Delivery Order) التى ليس فيها تعيينٌ للجزء المبيع) كافياً لنقل الملك إلى المشترى،
فضلاً أن ينتقل به ضمانُ المبيع إلى المشترى. فإنّ المادة ١٨ من قانون بيع المال السّائد
والمبنيّ على القانون الإنكليزيّ يُصرّح بأنّ الملكَ لاينتقل إلى المشترى حتّى يتعيّن
المبيع. وذُكرت فى شرح هذا القانون عدةُ قضايا حكمت فيها المحاكم الإنكليزيّة بأنّ
الملك لا ينتقل قبل التّعيين. ومنها ما يأتى:
"And the mere fact that an order for delivery is given by the
seller to the buyer , and is lodged by the buyer with a
warehouseman, who holds the specified larger stock out of
which the goods sold are to be taken, is not sufficient to
transfer the property to the buyer. Thus, where the
ascertainment of the goods depends upon their being
separated from the bulk by the seller or a third party, or the
buyer, by their being severed, weighed or measured or some
other process, no property can pass until this be done. A
pucca delivery order may create estoppel between the vendor
and the holder of the order, but the title in the goods would
(١) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق للزيلعي، باب التولية، فصل بيع العقار قبل قبضه ٤: ٨١

٤١٣
المبحث الثالث
not pass till the goods are ascertained and appropriated."(1)
يعنى: مجرد أن البائع أعطى الأمر بالتسليم للمشترى، وأنّ المشتريَ قد وضعها عند
خازن المخزن الذى يوجد فى حوزته الكمية الكبيرة التى يُستخلص منها الحصة
المبيعة لا يكفى لنقل الملك إلى المشترى. ولذا، فإنّه لو كان تعيين المبيع موقوفاً على
فصله من الكمية الكبيرة، إما من قبل البائع أو المشترى أو شخص ثالث، بعزله بعد وزنه
أو ذرعه أو بطريق آخر، لاينتقل الملك حتّى يُفعل ذلك. وإنّ "الأمر بالتسليم" الناضج
يُنشئ "حق المنع "(٢) (Estoppel) بين البائع وحامل الأمر، ولكنّ الملك لا ينتقل حتى
تتعين البضاعة المبيعة.
فتبيّن بهذا أنّ القانون لا يعتبر هذه الوثيقة قبضاً، ولانقلاً للملك، ولكن من جهة
أخرى، يسمح القانون الرأسماليّ بالبيع بدون الملك، وبدون القبض، ومن هذه
الجهة يسمحُ ببيع "الأمر بالتّسليم" (Delivery Order) لأنّ بيعَ ما لا يملكه الإنسانُ
جائزٌ عندهم. أمّا الشّريعة الإسلاميّة، فلا تُجيز بيع ما لا يملكه الإنسان، أو بيعَ ما ليس
فى قبضه الحقيقيّ أو الحكميّ. فلا يجوز هذا البيع فى الشّريعة الإسلاميّة.
غيرَ أنّنا قدّمنا أنّ عند الشّافعيّة قولاً فى بيع ما لاتتفاوت آحاده، مثل الحنطة، أنّه إن
اشترى قفيزاً واحداً من الصُّبرة، فإنّ الشّراء يُعتبر لحصّة مُشاعَة من الصُّبرة. قال
جلال الدّين المحلّيّ رحمه الله تعالى فى شرح المنهاج:
(1) Pollock and Mulla On the Sale of Goods Act, 1930, Section 18, p 176
(٢) المراد من "حق المنع" فى القانون أن البائع إن أراد بيع تلك البضاعة إلى ثالث، فإنّ للمشترى
منعه من ذلك على أساس هذه الوثيقة.

٤١٤
فقه البيوع
"ويصحّ بيعُ صاعٍ من صُبرةٍ تُعلم صيعانُها للمتعاقدين، وينزل على الإشاعة.
فإذا علما أنّها عشرةُ آصُع، فالمبيعُ عُشرها، فلو تلِف بعضُها، تلِف بقدره من
!! (١)
المبيع. "(١)
وعلى هذا القول، لو عُلمت الكمّيَةُ المجموعةُ فى المخزن أنّها عشرةُ أطنان مثلاً، وبيعت
منها كمّيّةٌ، مثلُ طنّ واحد، فإنّ الكمّيّةَ المذكورةَ على الوثيقة تُمثّل حصّةً مُشاعةً فى
مجموع ما فى المخزن، ويُعتبر البيعُ أنّه بيعُ عُشر ما فى المخزن. فلو هلك طنٍّ منه، فإنّه
ينقُص قدرَ العُشر من الطّنّ المبيع. ولكنّه مشروطٌ بأن يعلم المتعاقدان مجموع الكمّيّة،
وأن يتحمّل المشترى هلاك حصّته فيها. والعادةُ فى أسواق السّلع أنّ المشتريَ لا يعرف
الكمّيّةَ المجموعة فى المخزن، ولا يُعتبر المشترى ضامناً عند هلاك بعضها بقدر حصته
فيها. فلا تنطبق عليه هذه الجزئيّة.
وكذلك حكمُ شراء السّلع المخزونة بواسطة البورصات العالميّة.(٢) وكثيرٌ من بياعات
بورصات السّلع لايُقصد منها التّسليم والتسلّم، وإنمّا يُقصد بها المضاربات من خلال
تذبذب أسعارها، وإنّ هذه العمليّات بالمقامرة أشبهُ منها بالبيوع الحقيقيّة، ولاشكّ فى
حرمتها.(٣) ولكن قد يُقصد بها البيوع الحقيقيّة. وحينئذٍ لابدّ من توافر الشّروط الشّرعيّة
(١) شرح المنهاج للمحلّيّ مع القليوبى وعميرة ٢: ١٦١
(٢) البورصة كلمة معربة من الكلمة الإيطالية Bourse ومرادفها الأنكليزى Exchange وقد يقال لها
بالعربية "المثابة" أو "الندوة المالية" وهى عبارة عن إدارة للسماسرة تنظم عمليّات التجارة فى السلع
أو أسهم الشركات أو النقود والأوراق المالية. راجع لتاريخها دائرة المعارف للبستانى ٥: ٦٧٩
(٣) وقد ذكرت بعض أقسام هذه العمليات فى بحثى على "عقود المستقبليات فى السلع" انظر
"بحوث فى قضايا فقهية معاصرة "للمؤلف ١٢٧:١

٤
المبحث الثالث
فى ذلك. ومنها أنّ المشتريَ من تلك المخازن لايجوز له أن يبيعَها إلى آخر حتّى
يقبضها بالطّريق الذی ذکرناه.
١٨١ - قبض العدديات
أمّا العدديّات، فالشّافعيّة والمالكيّة يشترطون العدَّ لتمام القبض،(١) كما يشترطون
الكيلَ فى المكيلات، والوزنَ فى الموزونات. أمّا الحنفيّة، فيكفى عندهم التّخلية،(٢)
وكذلك المكيلاتُ والموزوناتُ الّتى بيعت مجازفة، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد
رحمه الله تعالى. وذكر ابنُ قدامة من مذهب الحنابلة أنّ مجرّد التّخلية لا يُعتبر قبضاً
حتى تُنقل من مكانها، وكذلك الحكمُ فی ما بیع مجازفة (٣) واستدلّوا فى ذلك بما
أخرجه مسلم فى صحيحه عن عبدالله بن عمررضى الله تعالى عنهما قال: "كنّا
نشترى الطّعامَ من الرُّكبان جُزافاً، فنهانا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن نبيعَه حتّى
ننقُلَه من مكانه. "(٤) ولكنّ المختارَ عند الحنابلة أنّ القبضَ فى العدديّات يحصُل
بالعدّ كما هو مذهبُ الشّافعيّة والمالكيّة، فقال البهوتي: "فلا يُشترط نقلُه"(٥) وقال
فى شرح منتهى الإرادات: "ولا يُعتبر نقلُه بعد."
والّذين لايرَون نقلَ المبيع شرطاً لتمام القبض، مثلُ الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة،
(١) المجموع شرح المهذب ٢٧٨:٩ والشرح الكبير للدردير مع الدسوقى ٣: ١٤٤
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٩٩
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٢٠
(٤) صحيح مسلم، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض حديث ٣٨١٩
(٥) كشاف القناع ٣: ٢٣٤ وشرح منتهى الإرادات ٢: ١٩٠

٤١٦
0
فقه البيوع
والحنابلة فى قولهم المختار، فإنّهم فسّرواحديث ابن عمر رضى الله عنهما بأنّ النّقل
المذكور فيه عبارةٌ عن القبض، بدليل أنّه قد وقع فى رواية سالم عن ابن عمر رضى
الله تعالى عنه قال:
"رأيتُ الذين يشترون الطّعام مجازفةً يُضربون على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلّم أن يبيعوه، حتىّ يُؤووه إلى رحالهم. "(١)
ولا يشترط أحدٌ لتمام القبض أن يذهب المشترى بالمبيع إلى بيته. ولذا قال الحافظ
ابن حجر رحمه الله تعالى: "الإيواء إلى الرِّحال خرج مخرج الغالب."(٢) وقال العينىّ
رحمه الله تعالى: "الإيواء المذكور فيه عبارةٌ عن القبض. "(٣) وقد ثبت فى رواية
عبدالله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهم "من ابتاع طعاماً، فلا يبغْه حتى
يقبضه" وفى رواية نافع عنه: "فلا يبعه حتى يستوفيّه. "(كلاهما عند مسلم)
فظهر أنّ المقصود هو القبضُ والاستيفاء، والنقلُ غيرُ مقصودٍ بذاته، ولعلّ التأكيدَ
على النّقل كان للتثبّت فى بداية الأمر، كى يتعوّدوا بالتأكّد من القبض الحقيقىّ،
والله سبحانه أعلم.
(١) أخرجه البخارى، باب ما يذكر فى بيع الطعام والخُكرة، حديث ٢١٣١ وهذا اللفظ له، وأخرجه
مسلم أيضا، حديث ٣٨٢٢
(٢) فتح الباری ٤: ٣٥٠
(٣) عمدة القاري ٣٥٦:١١

.٤١٧
المبحث الثالث
١٨٢- قبض النّقود
كانت الدّراهمُ المتّخَذة من الفضّة، والدّنانيرُ المتّخذة من الذّهب تُعتبر من
الموزونات. فأمّا النّقودُ الرّائجة اليوم، سواءٌ أكانت فى صورة عملة معدنية من غير
الذّهب والفضّة، أم كانت فى صورة النّقود الورقيّة، فإنّها تُعتبر من العدديّات، فتجرى
عليها أحكامُها فى تحقّق القبض، ولكن لها أحكامٌ تخُصّها، وخاصّةً بعد شيوع
التّعاملات بواسطة البنوك. وإنّ تسليمَ النّقود وتسلُّمها بواسطة البنوك له صورٌ
مختلفة نذكرها إن شاء الله تعالى فى أحكام الثّمن والطّرق المختلفة لدفعه، والله
سبحانه هو الموفّق للصّواب.
١٨٣- هل يكفى القبض السّابق على المبيع؟
كلُّ ماذكرنا من أحكام القبض يتعلّق بما إذا كان المبيعُ فى يدِ البائع عند العقد. وقد
يكون المبيعُ بيد المشترى قبل العقد، فهل يجب عليه تجديدُ القبض بعد شراءه من
المالك؟ فيه خلاف. فقال المالكيّة والحنابلة: يكفى قبضُه السّابق، ولا يحتاجُ إلى قبضٍ
جديد، سواءٌ أكان القبض السّابقُ قبضَ أمانة أم قبضَ ضمان، لأنّه مقبوضٌ بيده من
قبل، فلاداعي لشيئ جديد. فإن كان السّابقُ قبضَ ضمان، مثل أن يكون القابضُ غصّبه
من المالك، ثمّ اشتراه منه، فلا يتغيّر الحكم، لأنّه لايزالُ مضموناً عليه. وإنّما يتغيّر
الحكمُ فيما إذا كان السّابقُ قبضَ أمانة، مثلُ الوديعة، حيثُ يصيرُ بعد البيع قبضَ
ضمان، ولا يحتاجُ هذا التّغيّرُ إلى قبض جديد، إذ يمكن تغيّرُ الحكم مع استدامة
القبض السّابق، كما لو كان المقبوضُ وديعةً لديه، غير مضمون عليه. ثمّ طالبه المودعُ

٤١٨
فقه البيوع
بردّ الوديعة، فجَحدها، صار مضموناً عليه وتغيّر الحكمُ بدون قبض جديد. (١)
أمّا الشّافعيّة، فاختلفت أقوالهم فى المسئلة. وذكر النّوويّ رحمه الله تعالى ما يُوافق
المالكيّة والحنابلة من أنّ المبيعَ يُعتبر مقبوضاً للمشترى بمجرّد البيع، ثمّ قال:
"ولا يحتاج إلى إذن فى القبض. وهل يُشترط مُضيُّ زمان يتأتّى فيه القبض إذا كان
المبيعُ غائباً عن مجلس العقد؟ فيه وجهان."(٢) والّذى ذكره المتأخّرون من الشّافعيّة أنّه
إن كان غائباً عن مجلس العقد، يُشترط مضيُّ مدّة يتمكّن فيها المشترى من القبض،
ولكن لا يجب تجديدُ القبض، لأنّه فى قبضه حقيقةً. (٣)
وقال الحنفيّة: إنّ يدَ المشترى قبل البيع إن كان يدَ ضمان بنفسه، مثل أن يكون يدَ
غصب، يصيرُ المشترى قابضاً للمبيع بنفس العقد، ولا يحتاجُ إلى تجديد القبض، لأنّ
المغصوبَ مضمونٌ بنفسه، والمبيعُ بعد القبض مضمونٌ بنفسه، فتجانس القبضان،
فناب أحدهما عن الآخر، لأنّ التجانس يقتضى التّشابُه، والمتشابهان ينوبُ كلُّ
واحدٍ منهما منابَ صاحبه ويسُدّ مسدّه، سواء كان المبيعُ حاضراً أو غائباً، لأنّ يدَ
الغاصب فى الحالین یدُ ضمان.
أمّا إذا كان يدُه يدَ ضمان لغيره، كيد الرّهن، بأن باع الرّاهنُ المرهونَ من المرتهن، فإنّه
لا يصير قابضاً إلاّ أن يكون الرّهنُ حاضراً، أو يذهبَ إلى حيثُ الرّهنُ، ويتمكّنَ من
قبضه، لأنّ المرهونَ ليس بمضمون بنفسه، بل بغيره وهو الدَّين، والمبيعُ مضمونٌ بنفسه،
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٧٢ ومثله مذهب المالكية، وراجع له شرح ميّارة الفاسي على تحفة
الحكّام ١٧٦:١
(٢) المجموع شرح المهذّب ٩: ٢٨١
(٣) مغنى المحتاج ١٢٨:٢ وفتح العزيز للرافعي بهامش المجموع ١٠: ٦٥ و ٧١:١٠

٤١٩
المبحث الثالث
فلم يتجانس القبضان، فلاينوب أحدهما عن الآخر.
وكذلك إن كانت يدُ المشترى يدَ أمانة، كيدِ الوديعة والعارية، لا يصير قابضاً إلاّ أن
يكونَ بحضرته، أو يذهبَ إلى حيثُ يتمكّنُ من قبضه بالتّخلّى، لأنّ يدَ الأمانة ليست
من جنس ید الضمان فلا يتناوبان.(١)
وتبيّن ممّا ذكرنا أنّ القبضَ الجديدَ فى صورة يد الأمانة إنّما يُشترط عند الحنفيّة فيما
إذا كان المبيعُ غائباً عن مجلس البيع. فإن كان حاضراً بيد المشترى، فإنّ القبضَ
يتحقّق فوراً. ويؤيّده ما أخرجه البخاريّ من حديث عبد الله بن عمر ضى الله تعالى
عنهما، قال:
"كَّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فى سفر، فكنتُ على بَكْرٍ صغْبٍ لعمر،
ء
فكان يغلبنى فيتقدّم أمام القوم فيزجُره عمر ويرُدّه، ثمّ يتقدّم فيزجُره عمر
ويُرُدّه، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعمر: "بعينه". قال: هو لك يا رسول
الله!قال: "بعنيه". فباعه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال النبيّ صلّى
الله عليه وسلّم: "هولك يا عبدَ الله بن عمر! تصْنعُ به ما شئت. "(٢)
فكان عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قابضاً للجمل قبضَ أمانة، لأنّه كان استعارَه من
أبيه، ثمّ لمّا وهبه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، صار قبضُه قبضَ ضمان بصفته
مالكاً. ولم يزل راكباً عليه بكلتا الصّفتين، دون أن يُجدّد القبض، لأنّه لم يكن هناك
اشتباه فى تميّز قبض الضّمان من قبض الأمانة.
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٠٤
(٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، حديث ٢٠٠٩