Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢٠ فقه البيوع صدّقه المشترى فى ذلك، وثبت الغلطُ بتوافقهما، فالّذى ذكره الجمهور من الأصحاب أنّا نتبيّن فسخَ العقد من أصله ... فأمّا إذا لم يعترف المشترى بما ادّعاه البائع، فقال البائع: قد كنتُ اشتريتُ بمائة وخمسين، وغلطتُ بذكر المائة، فلا يُرجع إلى قول البائع." (١) وقد ذكر الجوينيّ رحمه الله تعالى قبل ذلك أنّ البائعَ فى المرابحة إن أخطأ بالعكس من المسئلة السّابقة، بأن ذكر أنّه اشترى بمائة وخمسين مثلاً، ثمّ بان أنّه ذكر ذلك خطأً، وإنّما اشترى بمائة، فالعقد صحيحٌ، ويُحطّ من ثمن المبيع بقدر خمسين وربحه. (٢) ويتحصّل من هذه الجزئيّات أنّه يصعُب بيانُ حكم عامّ للخطأ فى جميع العقود وجميع الحالات. وإنّ الأصل المتّبَع فيه هو أثر الخطأ على التّراضى، ومعرفةُ مستوى الضّرر الذى حصل بسبب الخطأ، وتعيينُ من يتحمّل تبعةَ ذلك الخطأ. وهذا يُمكن أن يختلف من عقدٍ إلى عقد، ومن حال إلى حال. ولعل هذا هو السّبب فى أنّ الفقهاء لم يذكروه كأصل، وإنّما تكلّموا على حُكمه فى مختلف الأبواب والجزئيّات، لأنّ لكلّ واحد منها حكماً مستقلاً لا يجب أن يطرد فى الأحوال والجزئيّات الأخرى. والفصلُ فى مثل هذه الأشياء موكولٌ إلى القضاء، ويحكم القاضى حسب ما يراه أوفقَ بالعدل والأصول الثّابتة فى كلّ قضيّة تعرض أمامه. (١) نهاية المطلب فى دراية المذهب للجوينيّ ٥: ٢٩٩ و٣٠٠: باب المرابحة (٢) نهاية المطلب ٢٩٨:٥ و ٢٩٩ المبحث الثانى أمّا القوانين الوضعيّة، فقد اختلفت فى حكم الخطأ الفرديّ. فالأصل الذى جرى عليه القانون الإنكليزيِ، هو أنّ الخطأَّ إنّما يُعتبر مُفسداً للتّراضى إذا كان خطأً مشتركا (mutual mistake). أمّا الخطأ الفرديّ (unilateral mistake) فلا يؤثّر على صحّة العقد فى عامّة الأحوال، ويبقى العقد صحيحاً. فقالوا: لواشترى أحدٌ خاتماً باعتقاد : أنّه خاتم الذّهب، ولم يذكر البائع أنّه من ذهب أو فضّة، وإنّما باع خاتماً مطلقاً، ثمّ تبيّن للمشترى أنّه خاتمُ فضّة، فليس للمشترى الخيار فى فسخ البيع. (١) أمّا القانونُ الفرنساويُّ، فإنّه يَعتبر خَطَّأَ الطَّرَفِ الواحد مُفسداً للعقد إن كان الطَّرَفُ الآخَرُ يعلم أنّ المتعاقِدَ معه فى ظنَّ خاطئ ولم يُنبِّهه على ذلك. (٢) ٩٢- بيع التّلجنة والهزل وممّا لا يوجد فيه التّراضى "بيع التّلجئة". وأصلُه، كما عرّفه ابن قدامة رحمه الله تعالى: "أن يخاف أن يأخذَ السّلطانُ أو غيرُهُ مِلكَه، فيُواطئُ رجلاً على أن يُظْهرا أنّه اشتراه منه، لِيَخْتَمِىَ بذلك، ولا يريدان بيعاً حقيقيًا. "(٣) وفرّق بعضُهم بينه وبين الهزل أنّ الهزلَ أعمّ، حيث يجوز للهازل أن لايكونَ مضطراً، والتّلجئة إنّما تكون فى الاضطراركما سبق. ولكن قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "والأظهرُ أنّهما سواءٌ (١) 272 Chitty: On Contracts, v.1.p.126, Chapter 5, para وبالرغم من بيان هذا الأصل، فإنّه ذكر فى الفقرة ٢٨٩ وما بعدها أحوالاً خاصّة يُعتبر فيها الخطأ الفرديّ مفوّتاً للرّضا. (٢) نظريّة العقد للدكتور السنهوري ص ٣٨٣ إلى ٣٨٥ (٣) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٧٩ ٢٢٢ فقه البيوع فى الاصطلاح، كما قال فخر الإسلام: التّلجئة هيَ الهزل."(١) والحاصل أنّ المراد من بيع التّلجثة أو الهزل اصطلاحاً أن يعقدا البيعَ بتفاهُم سابق أنّهما لا يُريدان بذلك بيعاً حقيقيّاً، وإنّما يُظهران عقدَ البيع أمامَ غيرهما لسبب من الأسباب. وحكمُ التّلجثة أنّهما إن تواضعا قبلَ البيع أنّ ما سيعقِدانه من البيع، فإنّه هزلٌ غيرُ مقصود، ثمّ عقدا البيع، فالبيع باطلٌ غيرُ منعقد، لأنّهما تكلّما بصيغة البيع فى الظّاهر، ولم يقصدا البيعَ فى الباطن، فانعدم التّراضى الّذى هو شرطٌ لصحّة البيع. وهذا ظاهرُ الرّواية عن أبى حنيفة، وهو قول صاحبيه، وهو المشهورمن مذهب الإمام أحمد. رحمهم الله تعالى جميعا.(٢) وقال الشّافعىّ رحمه الله: البيعُ منعقد، لأنّه لاعبرةَ بما اتّفقا عليه فى السِّرّ، وإنّما العبرةُ بالعقد الذى أظهراه، وقد عقدا عقداً صحيحاً بشرائطه، فلايؤثّر فيه ما تقدّم من الشّرط.(٣) ولم أجد عند المالكيّة حكمَ ما إذا تواضع المتعاقدان قبلَ العقد أنّ ما سيعقدان من عقدٍ فإنّه يكون هزلاً، ولكن ذكروا حكمَ ما إذا ادّعى أحدُهما أنّه لم يُرد العقد، وأنّ ما تكلّم به كان هزلاً. والذى يظهر من عباراتهم فى هذه المسئلة أنّهم فرَقوا بين ما إذا كان البيعُ بصيغة الماضى، وبين ما إذا كان بصيغة المضارع. فقالوا: لوكان البيعُ بصيغة (١) ردالمحتار ١٥: ٥٧٣ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٣٨٩ والفروع لابن مفلح ١٧٦:٦ (٣) المجموع شرح المهذب ٩: ٣٣٤ أ المبحث الثانى الماضى، لم يُقبلْ دعوى الهزل من أحدهما، ولو حلف على ذلك. أمّا إذا كان بصيغة الأمر، قُبل قولُه فى دعوى الهزل مع الحلف. (١) وقد ذكر المالكيّةُ التّلجئةَ فيما يُسمّونه "شهادةَ الاسترعاء". ومعناه أن يكتُب المسترعِى كتاباً سِرّاً، بأنّه إنّما يفعل هذا التّصرّفَ لأمر يتخوفه على نفسه، أو مالِه، وأنّه يرجعُ فيما عَقَد عند أمْنه ممّا يتخوّفه، ويُشْهد على ذلك شهودَ الاسترعاء. فإنّهم أجازوا القضاءَ بشهادة الاسترعاء على بعض التّصرفات الّتي يقوم بها الإنسان اضطراراً ، كالطّلاق، والوقف، والهبة، والتّزويج، ونحو ذلك. وَقَدْ ذكر ابنُ فرحون رحمه الله تعالى أنّه يجُوزُ الاسترعاءُ فى التّصرَفات الّتى هي من باب التّطوَّع، كالطّلاق، والتّحبيس، والهبة، ولا يلزمه أن يفعل شيئاً من ذلك، وإن لم يُعلَم السّببُ إلّ بقوله، مثل أن يُشهد أنيّ إن طلّقتُ، فإنيّ أطلّق خوفاً من أمر أتوقّعه من جهة كذا، أو حلف بالطلاق، وكان أشهد أنّى إن حلفتُ بالطّلاق، فإنما هو لأجل إكراهٍ ونحو ذلك. فهذا وما ذكرناه معه لا يُشترط فيهما معرفةُ الشّهود السّببَ المذكور. ولكن قال ابن فرحون رحمه الله تعالى: "لا يجوز الاسترعاءُ فى البيوع، مثل أن يُشهد قبل البيع أنّه راجعٌ فى البيع، وأنّ بيعَه لأمر يتوقّعه، لأنّ المبايعةَ خلافُ ما تطوّع به، وقد أخذ البائعُ فيه (١) جاء فى شرح الدردير: "وهو كذلك عند ابن القاسم، حيثُ فرّق بين الماضى والمضارع. وقال الدسوقىّ تحته: "أى فقال بلزوم البيع به، ولو حلف أنّه لم يرض، وقوله "والمضارع " أى فقال إنّه يلزم به البيع مالم يحلف أنّه لم يُرد البيع وأنّه لم يرض به. (الدسوقيّ، باب ينعقد البيع بما يدلّ على الرضا٣: ٢ إلى ٣: ٥ وراجع أيضاً حاشية العدوى على شرح كفاية الطالب، باب فى النكاح ٢: ٥١ والفواكه الدواني، باب فى أحكام النكاح ٢: ٤. ٠٠٠ ٢٢٤ فقه البيوع ثمناً، وفى ذلك حقٌّ للمبتاع، إلاّ أن يعرفَ الشّهودُ الإكراه على البيع، أو الإخافةَ، فيجوز الاسترعاءُ إذا انعقد قبل البيع، وتضمّن العقدُ شهادةً من يَعرف الإخافة والتوقّعَ الّذي ذكره. (١) ٣ وحاصلُ ذلك أنّ البيع ينعقد، وإن أشهد قبله أنّه لا يعقده بجدّ، حتّى يُثبتَ أنّه فَعل ذلك على سبيل الإكراه، وعلِمِ الشّهودُ ذلك، وشهدوا به. ولعلّ ذلك يدخل فى الإكراه، دون التّلجئة. ولكنّ العلّة الّتى ذكرها ابنُ فرحون رحمه الله تعالى لصحّة البيع من أنّه تعلّق به حقّ المشترى وقد دفع لذلك ثمناً: يدلّ على أنّ المتعاقدين إن تواضعا على أنّ البيع صُوريّ، ولا يقصدان البيع، فلايتعلّق به حقّ المشترى، ولا توجد العلّةُ الّتى لم يُقبل الاسترعاء بسببها. والله سبحانه وتعالى أعلم. وحجّةُ الحنفيّة والحنابلة فى عدم صحّة بيع التّلجئة أنّ هذا البيعَ يفوتُه التّراضى، وهو شرطٌ لصحّة البيع بنصّ القرآن الكريم، فلا يصحّ البيع. وهذا إذا ثبت أنّهما عقدا البيع بناءً على مواضعتهما السّابقة. أمّا إذا قالا بعد البيع: قد أعرضْنا وقتَ البيع عن الهزل إلى الجدّ فالبيع صحيحٌ، والهزل باطل. وإن اتّفقا على أنّه لم يحضُرْهما شيئٌ عندالبيع من البناء والإعراض، أواختلفا فى البناء على المواضعة والإعراض عنها، فالعقد صحيحٌ عندأبى حنيفة فى الحالين، خلافاً لصاحبيه، فجعل أبو حنيفة رحمه الله تعالى صحّةَ الإيجاب أولى بالاعتبار لأنّها الأصل، وهما اعتبرا المواضعة، إلاّ أن يوجد ما يُناقضها. هذا إذا كان الهزلُ فى أصل البيع. وقد يكون فى قدر الثّمن دون أصل البيع، مثل أن (١) تبصرة الحكام لابن فرحون ج ٢ ص ٥ و ٦ المبحث الثانى يتفقا على الجدّ فى العقد بألف، لكنّهما تواضعا على البيع بألفين، ثم عقدا البيع بألفين، واتّفقا على بناء العقد على المواضعة، فالثّمنُ عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ألفان، ولاعبرةَ بالمواضعة السّابقة، لأَنّهما جادان فى العقد، والعملُ بالمُواضعة يجعلُه شرطاً فاسدا، فيُفسِد البيع، فكان العملُ بالأصل عند التّعارض أولى من العمل بالوصف. والأمرُ عند أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى مثلُ الأمر فى المواضعة فى أصل العقد، يعنى أنّ البيعَ ينعقد بألف، إلاّ إذا اتّفقا على الإعراض عند العقد عن المواضعة السّابقة. وقد يكون الهزلُ فى جنس الثّمن، مثلَ أن يتواضعا على مائة دينار، وإنّما الثّمنُ مائةُ درهم، أوبالعكس. فالبيعُ فى هذه الحالة جائزٌ بالمسمّى فى العقد على كلّ حال بالاتفاق، ولاعبرةَ بالمواضعة، سواءٌ اتّفقا على بناء العقد عليها، أو على الإعراض عنها، أو على أنّه لم يحضرهما شيئٌ عند العقد. أمّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فقد مرّ على أصله من عدم اعتبار المواضعة، وأمّا أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى، فقد فرقا بين المواضعة فى الثّمن والمواضعة مے فى الجنس، ووجهُه عندهما أنّ العمل بالمواضَعة مع صحّة البيع ممكنٌ فى الأولى، دون الثّانية، لأنّ البيعَ فى صورة البناء لا يصحّ بدون تسمية البدل، وإذا اعتُبرت المواضعة كان البدلُ مائةَ دينار، وهو غيرُ مذكور فى العقد، والمذكورُ فيه مائة درهم، وهي غيرُ البدل، بخلاف المواضعة فى القَدْر، فإنّه يمكن تصحيحُ البيع مع اعتبارها بأن ينعقد بالألف الموجود فى الألفين." (١) (١) هذا ملخص مافى نسمات الأسحار لابن عابدين، وهو شرح إفاضة الأنوار، شرح المنارص ٢٦٤ النوع الثانى فى العوارض المكتسبة. ونقل ابن عابدين منه جملة فى رد المحتار ١٥: ٥٧٣ ٢٢٦ فقه البيوع ٩٣- العقود الصّوريّة وماذكرنا من حكم التّلجئة يُقاربُه ما يُسمّى فى القوانين الوضعية "عقوداً صُوريّة" (ostensible contracts) وتسمّى فى بلادنا Benami Contracts وهيَ أن تُشترى أرضّ باسم غير المشترى الحقيقيّ، وتُسجَّلُ الأرض باسمه فى الجهات الرّسميّة، وذلك لأغراض ضريبيّة، أو لأغراض أخرى، ولكنّ المشتريَ الحقيقيّ هو الذى دفع ثمنه. وعدّةٌ من القوانين الوضعيّة تعترف بكونها صُوريّة، وبأنّ العبرةَ فيما بين المتعاقدين بالعقد الحقيقيّ المستتر. قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: "أمّا بالنسبة للمتعاقدين والورثة، فالعقد الصُّوريّ لاوجودَ له، والعقدُ الحقيقيّ هو الّذي يَسْرِى فى حقّهم بقدرما تتوافر فيه شروطُ الصّحّة. ونحنُ فى هذا إنما نطبق مبدأسلطان الإرادة، فالمتعاقدان قدأرادا العقد المستتِر، لا العقدَ الظّاهر، فيلتزمان بما أراداه، لابما لم يُريداه. وهذا يتّفق مع ما تقضى به المادّة ١٣٢١ من القانون المدنيّ الفرنسيّ من أنّ العقود المستتِرة لاتُنتجُ أثرَها إلاّ فيما بين المتعاقدين، وقد استقرّ الفقهُ والقضاءُ فى فرنسا على ذلك، كما أنّ الفقه والقضاءَ فى مصر قد سلّما بالمبدأ أيضاً دون نصّ، لاتّفاقه مع القواعد العامة." (١) وكذلك القانونُ الوضعيّ فى بلادنا يعترف بأنّ المشتريَ الحقيقيّ هو الذى يدفع الثمن. أمّا الّذى سُجّل العقد باسمه صُورةً، فإنّه يُعتبر أميناً للمالك الحقيقيّ، ووكيلاً له، لاّخاذ الإجراءات القانونيّة. ولذلك ذُكرت هذه الصّورة فى قانون العُهدة الماليّة (١) نظرية العقد للسنهوري ص ٨٣٥ و ٨٣٦ فقره ٧٥٦ المبحث الثانى (Trusts Act) مادة ٨٢. وقد أتيح للمشترى الحقيقيّ فى القوانين الأخرى أن يُثبت أنّ الذى وقع العقدُ باسمه مالكٌ صوريّ، وأنّه هو المالك الحقيقيّ.(١) واعترف القانون الإنكليزيّ بتصوّر المالك الصّوريّ (ostensible owner) وهو الذى سجّل العقار باسمه، ولكنّه ليس مالكاً حقيقياً (real owner) كما جاء فى المادة ٤١ من قانون "انتقال الأملاك" السّائد فى شبه القارة الهنديّة باسم (Transfer of 1882 Property Act) وهو مبنيّ على القانون الإنكليزيّ. وعلى هذا الأساس أفتى علماءُ شِبه القارة الهنديّة بأنّ مجرّدَ تسجيل الأرض باسم أحدٍ لا يستلزم أن يكون هو مالكاً لها، فلواشتراها أحدٌ باسم رجلٍ آخرَ لم يدفع الثّمن، وإنما دُفع الثّمن من قِبَل الأوّل، فمجرّدُ هذا التّسجيل لايَعنى أنّه وهب له (٢) الأرض.(٢) ٩٤- عقود الإذعان وقد اشتهر فى عصرنا اصطلاح "عقود الإذعان" والمراد منه العقود التى ينفرد فيها أحد طرفيها بوضع شروط معيّنة دون أن يكون للطرف الآخر مجال للمساومة أو النّقاش أو التّعديل فيها، بل تلزمه تلك الشّروط إن رغب فى التّعامل مع الطّرف الأوّل، فليس له خيار إلاّ أن يقبلها، أو يترك التّعامل معه. وسُمّيت هذه العقود بعقود الإذعان لأنّ أحد طرفي العقد يُذعِن ويخضع لشروط الطّرف الآخر. وذلك مثلُ التّعامل مع شركات الكهرباء، والغاز، والبنزين، ووسائل النقل، من القطارات، والحافلات، والبريد، وما إلى (1) See 57th Report of the Law Commission of India on Benami Transactions 1973, paras 2.4, 2.5, 2.11 (٢) راجع إمداد الفتاوى للشيخ أشرف علىّ التّهانويّ رحمه الله تعالى ٣: ٤١٤ و ٤١٥ سؤال ٤١٩ ٢٢٨ فقه البيوع ذلك، فإنّ السّعر وشروط التّعاقد فى كلّ واحد منها مقدّرة من قبل مقدّمَى هذه الخدمات، ولا مجال للمتعامل معهم إلاَّ أن يقبل تلك الشّروط أو يترك التّعامل. وبما أنّه لا مجال فيها للمساومة والمماكسة، فإنّه قد يُظنّ أنّ هذه العقود مخالفة لمبدأ التّراضى، ومشابهة لبيع المكرَه، فلا ينبغى أن تجوز. والحقُّ أنّها غير داخلة فى بيع المكرَه، لأنّ المكرَه ليس له خيار إلاّ أن يدخل فى العقد على شروط المكره، ولا يستطيع أن يرفض الدّخول فى العقد. وأمّا عقود الإذعان، فإنّها لا تجبر أحداً فى الدّخول فى العقد، فكلّ واحد له الخيار فى أن يدخل فيها أو يتركها، ولكن إذا رغب فى الدّخول، وجب أن يدخل فيها بشروط معيّنة من الطّرف الآخر. وإنّ هذا النّوع من الإذعان يتحقّق أمام كلّ بائع وضع لمبيعاته ثمناً لا يتنازل عنه، ويقول للمشترين: "إمّا أن تشتروها بهذا الثّمن أو اتركوها" فمن دخل فى البيع بعد ذلك، لايُقال إنّ البيع وقع بدون التّراضی. ولكنّ ذلك مستساغ فى البيوع التى تنعقد فى السّوق بمنافسة حرّة، وبشروط عادلة. أمّا فى البيوع والعقود التى تتعلّق بحاجيّات النّاس العامّة، مثل الكهرباء والغاز ووسائل النّقل، فإنّ ترك التّعاقد مع مقدّمى هذه الخدمات وإن كان ممكناً نظريّاً، فإنّه لا يُمكن لعامّة النّاس، لكونهم لاغنىٌ لهم عن تلك الحاجيّات، وإنّ الجهات التى تُقدّمها لها السّيطرة الكاملة عليها، ولا يوجد من يُنافسها فيها. وفى مثل هذه الحالة، فإنّ الشّروط المفروضة إن كانت عادلةً ليس فيها تعسّف، فليس هناك ما يمنع جواز هذه العقود. وإن كانت الشّروط متعسّفة، فإنّ لوليّ الأمر أن يتدخّل فيها لمصلحة النّاس، ويتأتّى فيها ما ذكرناه فى حُكم بيع المضطرّ والمكرَه بغبْن فاحش، وكما سيأتى فى أحكام التّسعير. وبذلك صدر قرارٌ لمجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ. وهذا نصُّه: المبحث الثانى "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الرابعة عشرة بالدوحة (دولة قطر ) في الفترة من ٨ إلى ١٣ ذو القعدة ١٤٢٣ هـ الموافق ١١ - ١٦ كانون الثاني ( يناير) ٢٠٠٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (عقود الإذعان) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله قرر ما يلي : ١- عقود الإذعان مصطلح قانوني غربي حديث لاتفاقيات تحكمها الخصائص والشروط الآتية : أ - تعلق العقد بسلع أو منافع يحتاج إليها الناس كافة ولا غنى لهم عنها كالماء والكهرباء والغاز والهاتف والبريد والنقل العام ... إلخ. ب - احتكار - أي سيطرة - الموجب لتلك السلع أو المنافع أو المرافق احتكار! قانونيا أو فعليا، أو على الأقل سيطرته عليها بشكل يجعل المنافسة فيها محدودة النطاق . ج - انفراد الطرف الموجب بوضع تفاصيل العقد وشروطه دون أن يكون للطرف الآخر حق في مناقشتها أو إلغاء شيء منها أو تعديله. د - صدور الإيجاب ( العرض ) موجها إلى الجمهور، موحدا في تفاصيله وشروطه وعلى نحو مستمر. ٢٣٠ فقه البيوع ٢- يبرم عقد الإذعان بتلاقي وارتباط الإيجاب والقبول الحُكْمَيّين (التقديريّين) وهما كل ما يدل عرفا على تراضى طرفيه وتوافُق إرادتيهما على إنشائه، وفقاً للشّروط والتّفاصيل الّتى يعرضها الموجب، من غير اشتراط لفظٍ أو كتابة أو شكل محدّد. ٣- نظرا لاحتمال تحكم الطرف المسيطر فى الأسعار والشروط التى يُمليها في عقود الإذعان، وتعسُّفه الذى يُفضِى إلى الإضرار بعموم النّاس، فإنّه يجب شرعاً خضوع جميع عقود الإذعان لرقابة الدّولة ابتداءً (أي قبل طرحها للتّعامُل بها مع الناس) من أجل إقرار ما هو عادلٌ منها، وتعديل أو إلغاءِ ما فيه ظلمٌ بالطرف المذعن، وفقاً لما تقضى به العدالةُ شرعاً. ٤ - تنقسم عقود الإذعان فى النّظر الفقهيّ إلى قسمين: أحدُهما: ما كان الثّمنُ فيه عادلاً، ولم تتضمّنْ شروطُه ظلماً بالطرف المذعن، فهو صحيح شرعاً، مُلزِمٌ لطرفيه، وليس للدولة أو للقضاء حقُّ التدخُل فى شأنه بأيّ إلغاءٍ أو تعديل، لانتفاء الموجب الشرعيّ لذلك، إذِ الطرفُ المسيطر للسلعة أو المنفعة باذلٌ لها، غيرُ ممتنع عن بيعها لطالبها بالثّمن الواجب عليه شرعاً، وهو عوضُ المثل (أو مع غَبْنِ يسير، باعتباره مَعْفُوّاً عنه شرعاً، لعُسر التحرُّز عنه فى عقود المعاوضات الماليّة، وتعارف النّاس على التّسامُح فيه) ولأنّ مبايعة المضطر ببدل عادل صحيحةٌ باتّفاق أهل العلم. والثّانى: ما انطوى على ظُلم بالطرف المذعن، لأنّ الثّمن فيه غيرُ عادل (أي فيه المبحث الثانى غبن فاحش) أو تضمّن شروطاً تعسُّقيّةً ضارةً به، فهذا يجب تدخُّل الدولة فى شأنه ابتداءً (قبل طرحه للتّعامُل به) وذلك بالتّسعير الجبريّ العادل، الذى يَدفع الظُّلمَ والضّررَ عن النّاس المضطرّين إلى تلك السّلعة أو المنفعة بتخفيض السِّعر المتغالَى فيه إلى ثمن المثل، أو بإلغاءٍ أو تعديل الشّروط الجائرة، بما يُحقِّق العدلَ بين طرفيه، استناداً إلى: أ - أنّه يجب على الدّولة (وليّ الأمر) شرعاً دفعُ ضَرَر احتكارٍ فردٍ أو شركة سلعةٌ أو منفعة ضروريّة لعامّة الناس، عند امتناعه عن بيعها لهم بالثّمن العادل (عوض المثل) بالتّسعير الجبريّ العادل، الذى يكفل رعايةَ الحقَّين: حقّ النّاس بدفع الضّرر عنهم الناشئ عن تعدّى المحتكر فى الأسعار أو الشّروط، وحقّ المحتكر بإعطائه البدلَ العادل. ب - أن في هذا التّسعير تقديماً للمصلحة العامّة - وهي مصلحة المضطرّين إلى السَّلَع أو المنافع فى أن يشتروها بالثّمن العادل - على المصلحة الخاصّة وهي مصلحة المحتكر الظالم بامتناعه عن بيعها لهم إلا بربح فاحش أو شروطٍ جائرة، إذ من الثّابت المقرّر فى القواعد الفقهيّة أنّ "المصلحة العامة مقدّمة على المصلحة الخاصّة " وأنه "يُتحمَّل الضررُ الخاصُّ لمنع الضرر العامَ". ٥. يفرق فى الوكالات الحصريّة للاستيراد بين ثلاث حالاتٍ: الأولى: أن لا يكون هناك ضرورةٌ أو حاجةٌ عامّة أو خاصّة بفئة من النّاس إلى المنتَج الذى تتعلّق به الوكالة الحصريّة، نظراً لكونه من السَّلَع أو المنافع ٢٣٢ ٠٫٠٠ فقه البيوع التّرفيهيّة الّتى يُمكِن الاستغناء عنها، أو كان هناك ضرورة أو حاجة غير متعيِّنة إليه ، لوجود مثيل أو بديل له متوفر في السوق بسعر عادل ، فإن من حق الوكيل المستورد أن يبيعه بالثمن الذى يتراضى مع المشترى عليه، وليس للدّولة أو للقضاء حقُّ التّدخُل بالتسعير عليه فيه، إذ الأصل فى صحّة العقود التراضى، ومُوجبها ما أوجبه العاقدان على أنفسهما به، ولأنّ اختصاص صاحب الوكالة بالمنتَج واحتكاره له (بالمعنى اللغويّ للاحتكار) جائزٌ شرعاً، حيث إن من حقه بيع ما يملك بالثمن الذى يرضى به، ولا يتضمّن ظُلماً أو إضراراً بعامّة الناس، ولا يجوز التسعير عليه فيه. والثانية: أن يكون هناك ضرورة أو حاجة عامّة أو خاصّة متعيِّنة بمتعلّق الوكالة الحصرية، وأن يكون الوكيل باذلاً له بثمن عادل ، لا يتضمن غَبْنًا فاحشا أو تحكُّما ظالما، وعندئذ فلا يجوز تدخل الدولة بالتسعير عليه، لأنّ اختصاصه واحتكاره المنتج تصرُّف مشروع فى ملكه، لا ظلم فیه لأحد، ولا إضرار بالناس المحتاجین إلیه، فلا يتعرّض له فيه. والثالثة : أن يكون هناك ضرورة أو حاجة عامة أو خاصة متعينة بمتعلّق الوكالة الحصرية، والوكيل مُمتنِعٌ عن بيعه إلا بغبن فاحش أو بشروط جائرة. ففى هذه الحال يجب على الدولة أن تتدخّل لرفع الظلم عن المحتاجين إليه بطريق التّسعير الجبريّ على الوكيل. والله تعالى أعلم."(١) (١) قرار رقم ١٣٢ (١٤/٦) بشأن عقود الإذعان، قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلاميّ ص ٤١٥ إلى ٤١٨ الباب الثالث المستثنیات من اشتراط التراضى ٩٥- المستثنيات من اشتراط التّراضى والأصلُ فى جميع المذاهب الفقهيّة أنّ رضا المتعاقدين شرطٌ لصحّة البيع ونفاذه، ولكن هناك بعضُ المستثنيات من هذا الأصل العامَ، ويُمكن تلخيصها فى أنواعٍ آتية: ١- الشّراء الجبريّ من قبل الحكومة. ٢- شراء أمير عسكر ما يحتاج إليه المسلمون فى أثناء الحرب. ٣- جبرُ الحكومة المحتكرين ببيع ما احتكروه. ٤- جبرُالحكومة بالبيع بالسّعر المحدّد من قبلها. ٥- البيعُ إلى مَن له حقّ الشّفعة. ولنذكر أحكام هذه المستثنيات فى الفصول الآتية، وبالله سبحانه التّوفيق للسّداد والصّواب. ٢٣٤ فقه البيوع ٩٦- الشّراء الجبريّ من قبل الحكومة أمّا الشّراء الجبريّ من قبل الحكومة لضرورة أو حاجة عامّة، فيُستدلّ على جوازه بما أخرجه الترمذيّ عن عقبة بن عامر رضيَ الله تعالى عنه قال: "قلت: يا رسول الله، إنّا نمرّ بقومٍ، فلا هُم يُضَيِّفونا، ولا هم يُؤَدُّون ما لنا عليهم من الحقّ، ولا نحن نأخذُ منهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبوا إلّا أن تأخذوا كُرْهاً فَخُذُوا." وقال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فى شرح هذا الحديث: "وإنّما معنى هذا الحديث: أنّهم كانوا يَخرُجون فى الغَزْوِ، فَيَمُرُّون بقومٍ، ولا يجدون من الطّعام ما يشترُون بالثّمن، فقال النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم: "إن أبوا أن يبيعوا إلّا أن تأخذوا كُرْهاً فَخُذُوا". هكذا رُويَ فى بعض الحديث مفسَّراً، وقد رُوي عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يَأْمُر بنحو هذا."(١) وقال العلامة رشيد أحمد الجنجوهيّ رحمه الله تعالى فى شرح هذا الحديث: "الإجازةُ لهم أن يأخذوا بالقيمة كُرْهاً. وتوجيهُ الحديث أنّ الكفّارَ كانوا إذا نزل المسلمون، أغلقوا دكاكينَهم، وتركوا المبايعةَ إضراراً بالمسلمين، فلمّا رأى المسلمون ذلك شَكَوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ هؤلاء لا يضيّفوننا، ولا شكايةَ فى ذلك، لأنّ الضّيافةَ تبرّعٌ وإكرامٌ، وليس حقّاً ثابتاً، إنّما الشَّكوَى أنّهم لا يؤدّون إلينا بحقِّ هو الشّراء والإيتاء بالقيمة. فكأنّهم (١) أخرجه الترمذي فى سننه، أبواب السير، باب ما يحلّ من أموال أهل الذّمّة، حديث ١٥٨٩، وقال: هذا حديث حسن ٢٣٥ المبحث الثانى ذكروا فى كلامهم الطُّرُقَ الثَّلاثَ المحتملةَ للأخذ، وهو الأخذُ بالقيمة، أو الأخذُ بغير قيمة جبراً منّا، أو إكراماً منهم، أمّا الأوّل، فلأنّهم لا يُبايعوننا، وأمّا الثّانى فلأنّك يا رسول الله منعتنا أن نأخذَ مالَ الغير بغير حقّ، وهو المعنى بقولهم: "ولا نحن نأخذ منهم"، وأما الثّالث، فلأنّهم لا يضيّفوننا."(١) فأجاز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الشّراء جبرا. واستنبط القاضى أبو بكر ابن العربيّ من هذا الحديث قائلاً: "وكذلك إذا نزلتْ بالنّاس مخْمصة، وعند بعضهم طعامٌ، لزمهم البيعُ منهم، فإن أبوا ◌ُجبروا عليه."(٢) ولم نجد قولاً أو فعلاً عن النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم فى شأن الإجبار على البيع سوى ما فى هذا الحديث، ولكن يثبتُ به أنّه صلّى الله عليه وسلّم قد رخّص فى الشّراء بالجبر فى أوضاع ضرورة أو حاجة شديدة عامّة تعُمّ المسلمين. أمّا الصّحابة رضى الله تعالى عنهم، فقد ثبتت منهم قصّتان متعارضتان فى ظاهرهما. الأولى: فى توسيع المسجد النّبويّ على صاحبه السّلام فى عهد سيّدنا عمر بن الخطّاب، والأخرى فى توسيع المسجد الحرام فى عهدى سيّدينا عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان رضى الله تعالى عنهما. أمّا الأولى، فهيَ قصّةُ اختلاف عمر، والعباس بن عبد الطلب، رضي الله تعالى عنهما قد رواها البيهقيُّ رحمه الله تعالى مفصّلاً، وهذا نصها: (١) الکو کب الدرّيّ، ٤١٩:١،ط: سهارنبور، الهند (٢) عارضة الأحوذي، ٧: ٨٧ ط: مصر ٢٣٦ ١ فقه البيوع "لمّا أراد عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله عنه أن يزيدَ فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقعت زيادتُه على دار العبّاس بن عبد المطّلب رضي الله تعالى عنه، فأراد عمرُ رضي الله عنه أن يُدخِلها فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويعوّضه منها، فأَبَى، وقال: قطيعةُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واختلفا، فجَعَلًا بينهما أَبيَّ بنَ كعب رضى الله عنهم، فأتياه فى منزله، وكان يُسَمَّى سيّدَ المسلمين، فأمر لهما بوسادة، فأُلْقِيتْ لهما، فجلسا عليها بين يديه، فذكر عمرُ ما أراد، وذكر العبّاس قطيعةَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال أبيٌّ: إنّ الله عزّ وجلّ أمر عبدَه ونبيَّه داودَ عليه السّلام أن يَبْنِيَ له بيتاً، قال : أى رب؟ وأين هذا البيت؟ قال: "حيث تَرَى الملَكَ شاهراً سيفَه"، فرآه على الصّخرة، وإذا ما هناك يومئذٍ أندرُ، لغلام من بنى إسرائيل، فأتاه داودُ فقال: إنّى قد أُمرتُ أن أَبنِيَ هذا المكانَ بيتاًلله عزّ وجلّ، فقال له الفتى: اللهُ أَمَرَك أن تأخُذَها مِنَّى بغير رضايَ، قال: لا، فأَوحَى اللهُ إلى داود عليه السّلام: "إنّى قد جعلتُ فى يدك خَزائِنَ الأرض فأُرْضِهِ"، فأتاه داودُ، فقال: "إنّى قد أُمرتُ برضاكَ، فلك بها قنطارٌ من ذَهَب، قال: قَدْ قَبَلْتُ، يا داود، وهي خيرٌ أم القنطارُ؟ قال: بل هِيَ خيرٌ، قال: فَأَرْضِنِى، قال: فلك بها ثلاثُ قناطيرَ، قال: فلم يزل يُشدّد على داود حتَّى رَضِيَ منه بتسعٍ قناطيرَ، قال العبّاسُ: اللّهم لا آخذُ لها ثواباً، وقد تصدّقتُ بها على جماعة المسلمين. فقبلها عمرُ رضى الله عنه منه، فأدخلها فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم." المبحث الثانى وفى رواية أخرى: "فقال العبّاس: أليس قد قضيتَ لى بها وصارت لى؟ قال: بلى، قال: فإنّى أُشهدك أنّى قد جعلتُها لله."(١) ووقع فى رواية ابن سعد أنّه شهد أبوذرّ وصحابيّان آخران رضيَ الله تعالى عنهم جميعاً أنّهم سمعوا قصّة داود عليه السّلام من النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم. (٢) أمّا القصّة الثّانية، فقد رواها الإمام أبو الوليد الأزرقيّ رحمه الله تعالى بشأن توسيع المسجد الحرام فى زمن الخلفاء الراشدين بهذا اللّفظ: "حدثنا أبو الوليد قال: أخبرنى جدّى قال: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابن جُريج قال: كان المسجدُ الحرامُ ليس عليه جُدرات محاطةٌ، إنّما كانت الدُّورُ مُحدِقةٌ به من كلّ جانب، غير أنّ بين الدُّور أبوابًا يدخلُ منها النّاسُ من كلّ نواحيه، فضاق على النّاس، فاشترى عمرُ بنُ الخطّاب - رضي الله عنه، دُورًا فهدمَها، وهدم على مَن قرُب من المسجد، وأبى بعضُهم أن يأخذ الثّمن، وتمنّع من البيع، فوُضعت أثمانُها في خزانة الكعبة، حتّى أُخَذُوها بعدُ، ثمّ أحاط عليه جدارًا قصيرًا، وقال لهم عمرُ: إنّما نزلتم على الكعبة فهو فناؤُها، ولم تَنزِل الكعبةُ عليكم. ثمّ كَثُر النّاسُ في زمن عثمان بن عفّان - رضي الله عنه، فوسّع المسجد واشترى من قوم، وأبى آخرون أن يبيعوا، فهدَم عليهم فصيّحوا به، فدعاهم فقال: إنّما جَرَأكم عليّ حِلمى عنكم، فقد فعل بكم عمرُ هذا، فلم يصِحْ به أحدٌ، فاحتذَيتُ على مثاله، فصيحتم بى، ثم أمر بهم إلى الحبس، حتّى (١) السنن الكبرى للبيهقي قبيل كتاب الهبات ١٦٨:٦ (٢) الطبقات الكبرى، الطبقة الثانية، ترجمة العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه ٤: ١٩ و ٢٠ ٢٣٨ فقه البيوع كلّمه فيهم عبدُ الله بن خالد بن أسيد فتركهم. "(١) وقد ذكر العّامة تقيّ الدين الفاسيّ رحمه الله تعالى بعد نقله لهذه القصّة عن الأزرقيّ أنّه وقع التّوسيع فى زمن عمر سنة ١٧هـ، و وقع فى زمن عثمان رضي الله تعالى عنهما فى سنة ٢٦ هـ(٢) والسؤال الذى ينشأ هُنا أنّ سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه كان قد اقتنع فى قصّة توسيع المسجد النّبويّ على قضاء أبيّ ابن كعب، بأنّه لا يجوز له جبرُ العبّاس (رضى الله تعالى عنهم جميعا) على بيع بيته، فكيف أخذ دُورَ النّاس جبراً عند توسيعه للمسجد الحرام؟ ويُمكن أن يُجاب عن هذا السُّؤال بأنّ أراضيَ مكّة لها وضعٌ خاصٌّ يختلف عن الأراضى الأخرى، لأنّ الله تعالى قال فى المسجد الحرام: "سَوَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ" [الحج: ٢٥] وبناءً على ذلك قد ذهب جماعةٌ من الفقهاء غيرُ قليلة إلى أنّ أراضيَ مكّة لا يُمكن ء أن تكون مملوكةً لأحد، فلا يجوز بيعُها وشراؤها. وقد أمر عمر رضي الله عنه أهل مكّة امتثالاً لهذه الآية أن لا يُغْلقوا على الحُجّاج أبوابَ دُورهم، وأذِن للحجّاج أن ينزلوا فى أيّ دارٍ أو موضعٍ وَجَدوه غيرَ مسكون. (٣) ومن أجل ذلك ردّ سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه على المعارضين عند توسيع (١) أخبار مكة للأزرقي - مكتبة الثقافة الدينية ٢: ٦٤ و ٦٥ (٢) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي ١: ٢٢٤ (٣) کتاب الأموال لأبی عبيد ص ٧٢ المبحث الثانى المسجد الحرام بقوله: " إنّما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تَنزل الكعبةُ عليكم." كما مرّ، فكأنّه كان يرى أنّ هذه الأراضيَ موقوفةٌ على حاجات الكعبة المشرّفة، وأنّ الّذين بنَوا فيها أبنيةً، فإنّهم بنَوها على أرض موقوفة، ويجوز إزالتُها لمصلحة الوقف متى شاء متولّى هذا الوقف، فالقيمةُ الّتى دفعت إلى أصحاب هذه الأبنية كانت قيمةَ الأبنية فقط، وليست قيمةَ الأراضى نفسها. وهذا التّوجيه لفعل سيّدنا عمر رضى الله تعالى عنه اختاره شيخنا العلامة العثمانيّ رحمه الله تعالى فى إعلاء السنن.(١) ويُمكن هناك اتّجاه آخر. وهو أنّ الجبرَ على البيع عند الحاجة العامّة الشّديدة ثبت جوازه بحديث عقبة بن عامر رضى الله تعالى عنه. وإنّ سيّدنا عمر كان يشعر بمثل هذه الحاجة فى مبدأ الأمر عند توسيعه للمسجد النّبويّ، وكان العبّاس لا يشعر أنّ الحاجة بلغت إلى مستوى يجوز فيها جبرُ مالك الأرض على بيعها، وأيّده أبيّ بن كعب (رضى الله تعالى عنهم جميعاً) فاقتنع بذلك. ومن الممكن أيضاً أنّ العبّاس رضى الله تعالى عنه، وإن كان مقتنعاً بحاجة المسجد النّبويّ، ولكنّه خشِيَ أن يُتّخذ هذا الجبرُ نظيراً من قِبَل الأمراء بعد ذلك لجبر النّاس على بيع أملاكهم. ولذلك تقدّم بعد قضاء أبيّ ابن كعب بإعطاء أرضه للمسجد النبويّ بدون عوض. أمّا عند توسعة المسجد الحرام، فكانت الحاجة واضحةً جليّةً لاشكّ فيها، لأنّ المسجد الحرام إنّما بُنيَ لمن يعبد الله تعالى فيها، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم وإسمعيل عليهما السّلام: طَهَرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (البقرة: ١٢٥) فإن ضاقت هذه الأرضُ على الطّائفين والعاكفين، لا يُمكن أن يُبنى لهم مسجدٌ آخر، لأَنّه (١) إعلاء السنن ١٣: ٢٠٣ و ٢٠٤