Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠ فقه البيوع فيه متعارضة.(١) وقد صرّح ابن حجر الهيتميّ رحمه الله تعالى من الشّافعيّة بأنّ إتلاف بعض المال يكفى لتحقّق الإكراه، إلاّ إذا كان مالاً يسيراً، مثل خمسة دراهم للموسر.(٢) وقد عبّرابن مفلح رحمه الله تعالى من الحنابلة عن ذلك بقوله: "أو أخذ مال يضرّه". وهذا تعبيرٌ جيّد، لأَنّه ينبغى أن يُعتبر فى إعدام الرّضا ما يضُرّ الإنسان أكثر ممّا أُكره عليه، خاصّةً فى العقود الّتى تنبنى على الرّضا. وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ المكره إن هدّد الآخرَ بأنّه يُرافعه إلى الحاكم، فإنّه يُحقّق الإكراه فى بعض الأحوال، مثل أن يكون الحاكم ظالماً يؤذى بمجرّد الشّكاية.(٣) والحاصل من جميع ماذكرنا من صُور الإكراه ما ذكره الحصكفيّ أنّ التّهديد بكلّ ما يوجب غمّاً يُعدم الرّضا، فهو إكراه فى حقّ بطلان البيع. وهذا أمرٌ ربّما يُترك للقضاء، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٧٨- نفوذ غير مشروع (Undue Influence) وتأثيره على العقد وقد أضاف القانون الإنكليزيّ تصوّراً آخر باسم "تأثير غير سائغ" أو "نفوذ غير مشروع" (Undue Influence) وهو نوعٌ أخفّ من الإكراه. والمقصود منه استغلالُ الجاه فى الوصول إلى هدف. ومجالُه فى العقود أن يستغِلّ الإنسانُ جاهَه ورتبته أو مهابتَه المعنويّة للدّخول فى عقدٍ مع من هو أدنى رتبةً، مثلُ الولد أمام الوالد، أو (١) رد المحتار٦: ١٤٢ (٢) تحفة المحتاج مع حاشية الشيروانيّ، كتاب الطّلاق ٣٧٠٨ (٣) ذكره فى الدرالمختار من نظم ابن وهبان، وابن عابدين عن القنية (ردالمحتار، آخر كتاب الإكراه) المبحث الثانى التّلميذ أمام الأستاذ، أو المريد أمام الشّيخ، أو المرؤوس أمام الرّئيس. فإذا ثبت أنّ من هو أدنى رتبةً دخل فى عقدٍ تحت ضغطٍ من هو أعلى منه رتبةً، بحيثُ لم يتمكّن من رَفْض ما اقترحه، فدخل فى العقد بالرّغم من كونه لا يرضى به رضاً حقيقيّاً، فإنّ القانون الإنكليزيّ يعتبره فى بعض الأحوال مُعدِماً للرّضا، ومبرّراً لفسخ العقد.(١) ولكن نقل الدكتور عبدالرزّاق السنهوريّ المادّة ١١١٤ من القانون المدنيّ الفرنسيّ أنّه لا يعترف بأنّ مثل هذا النّفوذ الّذى سمّاه "النّفوذ الأدبيّ" معارضٌ للرّضا اللاّزم لتصحيح العقد، فيصحّ العقد ولو كان تحت هذا النّفوذ.(٢) أمّا فقهاءُ الشّريعة الإسلاميّة، فلم يذكروا حكمَ مثل هذا النّفوذ فى شروط صحّة العقد. وذلك لأنّ الشّريعة الإسلاميّة تُفرِّق بين أحكام الديانة والقضاء. فلا شكّ أنّ استغلالَ الرّجل نفوذَه وجاهَه للدّخول فى عقدٍ مع مَن لا يطيب نفسه بذلك العقد لا يجوز شرعاً، ولا يحلّ له فى الديانة ما أخذه بهذا الطّريق، لأنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلاّ بطيب نفسٍ منه."(٣) فحِلُّ الشّيئ فى الدّيانة لا يتوقّف على الرّضا الظّاهر فقط، بل يجب أن يكون معه طيبُ نفس المعطى. (١) مادة ١٤ و١٦ من قانون العقد الإنكليزيّ (16 & 14 Contract Act 1872, section) (٢) نظريّة العقد للسنهوريّ، مبحث الإكراه، ص ٤٢٢ و٤٢٣ فقرة ٤٠٤ (٣) أخرجه أحمد والطّبرانيّ فى الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات، كما فى مجمع الزّوائد، كتاب البيوع، باب الغصب وحرمة مال المسلم ٤: ١٧٢ فقه البيوع ولكنّ طِيبَ النّفس وعدمَه أمرٌ خفيّ يُشكل إثباتُه أو نفيُه فى القضاء، وقد أشكل ذلك فعلاً فى كثير من القضايا فى المحاكم الإنكليزيّة.(١) ولذلك لم يذكر فقهاءُ الشّريعة الإسلاميّة عدمَ طِيب النّفس من جملة ما ينفى التّراضيَ فى القضاء، إلاّ إذا اقترن معه إكراه (بمعناه الواسع الذى ذكرناه) أو تغريرٌ، أو غبْنٌ فاحش، أو اضطرارٌ، كما سيأتى، أو تهمةُ تعارض المصالح (Conflict of Interest) كما مرّ فى وليّ اليتيم. وبما أنّ إثبات "النّفوذ غير المشروع" (بحيثُ يؤدّى إلى عدم طيب النّفس من المتعاقد) كان من الصّعوبة بمكان، فإنّ القانون الإنكليزيّ حمّل عِبأ الإثبات (Onus of Proof) على المتّهَم، (كما فى مادة ١٦ من قانون العقد الإنكليزيّ) وأوجب عليه إثبات كون العقد غيرَ مبنيّ على "نفوذ غير مشروع"؛ ومعنى ذلك أنّه كلّما تعاقد صاحبُ جاهٍ مع من هو أدنى رتبةً، فإنّ الأصل أن يُفترضَ كونُ العقد مبنيّاً على عدم طِيب النّفس من الجهة المقابلة، حتّى يُثبت المتّهَمُ بشهادة أنّه كان شفّافاً غيرَ متأثّر بجاهه ورتبته، مع أنّ تحميل المتّهَم عِباً الإثبات فى نفي التّهمة عنه معارضٌ للمبادئ العامة، من أنّ عِبأ الإثبات على من يدّعى العُدوان، وليس على من رُمِى بالعُدوان، كما أنّ عِبأ الإثبات فى الإكراه هو على مَن يدّعى الإكراه، وليس على من اُّهم به، فإن لم يكن هناك إكراه ولا تغريرٌ ولااضطرارٌ ولا غبْنٌ فاحش، ولا تعارضُ المصالح، فمجرّدُ أنّ أحد العاقدين والدّ لعاقدٍ آخر أو أستاذٌ له، أو رئيسُه لايبرّر افتراضَ عدم طيب النّفس من الجهة الأخرى، حتّى يثبت أحد الأمور المذكورة. (١) راجع Chitty On Contracts, p.207, para444 ٢٠٣ المبحث الثانى ٧٩- الاضطرار وأثره على البيع وممّا يُعْدِمِ الرّضا الاضطرار. وقد ورد فى ذلك حديثٌ عن علىّ رضى الله تعالى عنه، قال: "سيأتى على النّاس زمانٌ عَضوضٌ يعُضّ الموسرُ على مافى يديه، ولم يؤمرْ بذلك. قال الله تعالى: وَلَا تَنْسَوَ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧] ويُبَايَعُ المضطرّون، وقد نهى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن بيع المضطرّ."(١) ولكن فى إسناده رجلٌ مجهول، كما نبّه عليه الخطّابىّ رحمه الله تعالى، وقال: "إلاّ أن عامة أهل العلم كرهوا هذا البيع."(٢) والمراد من بيع المضطرّ أن يَضطرّ الرّجل إلى شراء شيئ أو بيعه فى حالة يخافُ على نفسه إن لم يعقد البيع، مثل أن يكون جائعاً، ولاسبيلَ له إلى الطّعام إلاّ بأن يشتريَه بثمن أكثر، أو بأن يبيعَ بعضَ ماله بثمن أقلّ بكثير من ثمن مثله، وإنّما يفعله لدفع جُوعه أو جوع عیاله. فإن اضطُرّ مثلُ هذا الشّخص إلى البيع أو الشّراء بغبْن فاحش، فهو فاسدٌ عند الحنفيّة. أمّا إذا اضطرّ إلى البيع أو الشّراء بثمن المثل، فالبيعُ صحيح. قال السُّغدىّ رحمه الله تعالى فى بيان البيوع الفاسدة: "والثّانى عشر: بيعُ المضطرَ، وهو أن يضطرّ الرجل إلى طعام أوشراب أو (١) سنن أبى داود، كتاب البيوع، باب في بيع المضطر، حديث ٣٣٨٢ (٢) معالم السنن للخطابي رحمه الله تعالى ٨٧:٣ ٢٠٤ فقه البيوع لباس أو غيره، ولا يبيعه البائعُ إلاّ أكثرَ من ثمنه بكثير، وكذلك الشّراؤ منه."(١) وقال العلامة الحصكفي رحمه الله تعالى: "بيع المضطرّ وشراؤه فاسد" (٢) وذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى أنّ المراد من الشّراء منه، أى من المضطرّ، بأن اضطرّ إلى بيعٍ شيئٍ من ماله ولم يرضَ المشترى إلاّبشراءه بدون ثمن المثل بغبن !! (٣) فاحش. فالفساد مختصٌّ بما إذا اضطرّ المرأ بالبيع أو الشّراء بغبن فاحش. والظاهر أنّه إذا اشترى شيئاً بسبب الاضطرار المذكور، يحلّ له أن ينتفع بما اشترى لسدّ اضطراره، ولكن لا يجب عليه إلّ ثمنُ المثل، كما ذكره شيخنا التّهانويّ رحمه الله تعالى فى إعلاء السنن.(٤) وليس ذلك حكماً بصحة البيع عند الحنفيّة، بل هو تناولٌ لما ملكه بعقدٍ فاسد لمكان الضرورة،فلا يضمن إلا ثمن المثل لفساد المسمّی. وقد جاء فى الفتاوى البزّازيّة ما يدلّ بظاهره على أنّ بيع المضطرّ صحيح، ونصّها: "طالبوه بمال باطل، وأُكره على أداءه، فباع جاريتَه بلا إكراهٍ على البيع جاز البيع، لأنّه غيرُ متعيّن لأداءه، وهذه عادةُ الظَّلَمة إذا صادروا رجلاً أن يتحكّموا بالمال، ولا يذكروا بيعَ شيئ من ماله. والحيلةُ له فيه أن يقول: من أين أعطى ولامال لى؟ فإذا (١) النتف فى الفتاوى ٤٦٨:١ (٢) الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٥٦٩ (٣) ردالمحتار، باب البيع الفاسد، ١٤: ٥٦٩ فقره ٢٣٣٣٣ (٤) إعلاء السنن، باب النهى عن بيع المضطر ٢١٧:١٤ ٢٠٥ المبحث الثانى قال الظّالم: بِعْ جاريتَك، فقد صارمُكرهاً على بيع الجارية، فلا ينفُذ بيعه."(١) والظّاهر منه أنّه فى الحالة الأولى مضطرٍّ إلى البيع، ولكن صحّ بيعُه، ولذلك احتاج إلى الاحتيال ليأمرَه الظّالم المكرِهُ بالبيع، فيتحقّق الإكراه، ممّا يدلّ على أنّ الفاسد هو بيع المكرَه، وليس بيعَ المضطرّ. ولكن حمل ابن عابدين رحمه الله تعالى هذه الجزئيّة على ما إذا اضطُرّ إلى البيع بثمن المثل، وحينئذٍ يصحّ بيع المضطرّ، وإنّما الفاسد ما وقع فيه البيعُ بغَيْن فاحش، كما قدّمنا.(٢) ومذهب الشّافعيّة والحنابلة فى هذا مثلُ مذهب الحنفيّة. قال النّويّ رحمه الله تعالى فى بيان ما إذا اشترى مضطرٍّ ما يأكله: "فإن كان المقدّرُ ثمنَ المثل، فالبيعُ صحيح. وإن كان أكثرَ من ثمن المثل، والتزمه ففيما يلزم أوجه أصحّها عند القاضى أبى الطّب: يلزمه المسمّى، لأنّه التزمه بعقد لازم. وأصحّها عند الرّويانيّ: لا يلزمه إلاّ ثمنُ المثل فى ذلك الزّمان والمكان، لأنّه كالمكرَه. والثّالث، وهو اختيار الماورديّ: إن كانت الزّيادةُ لا تشُقّ على المضطرّ ليَساره لزمَتْه، وإلاّ فلا. قال أصحابنا: وينبغى للمضطرّ أن يحتال فى أخذه منه ببيع فاسد، ليكون الواجبَ عليه القيمةُ بلا خلاف. "(٣) وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (١) الفتاوى البزازية، كتاب الإكراه، بهامش الهندية ١٢٨:٦ (٢) راجع رد المحتار، باب البيع الفاسد ١٤: ٥٦٩ (٣) المجموع شرح المهذّب ٩: ٤٦ كتاب الأطعمة ٢٠٦ فقه البيوع "وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله، لم يلزمه إلاّ ثمنُ مثله، لأنّه صار مستحقّاً له بقيمته، ويلزمه عوضه فى كلّ موضع أخذه. فإن كان معه فى الحال، وإلاّ لزمه فی ذمته."(١) والظّاهر أنّ مذهب المالكيّة مثله، لما قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "وأمّا من اضطرّه الحقّ إلى بيع متاعه، او اضطرّته الحاجةُ والفاقةُ، فلا بأس بالشّراء منه بما يجوز التّبائُح به."(٢) فقوله: "بما يجوز التّبائع به " يدلّ بمفهومه أنّه إن كان بغبن فاحش لايجوز. وبعد اتّفاق هؤلاء الفقهاء على أنّه لا يلزمُه إلاّ ثمن المثل، فإنّ فيهم خلافاً فى تخريج هذا الحكم. فقد ذكرنا تخريجَ الحنفيّة أنّ بيع المضطرّ فاسد، ولكن حلّ له تناولُ ما اشتراه، وضمِن القيمة، لاالمسمّى. وأمّا الشّافعيّة، فمنهم من خرّج هذه المسئلة على أنّ البيع صحيحٌ، ولكن لا يلزم المضطرَّ إلاّ ثمنُ المثل، لكون البائع يجب عليه أن يبيعَه بثمن المثل، ومنهم من خرّجه مثلَ تخريج الحنفيّة أنّ العقد لا ينعقد، وإنّما حلّ تناولُه من أجل الاضطرار بشرطِ ضمان القيمة، فلا يجبُ عليه إلاّ ثمنُ المثل. وهو الظّاهرُ من كلام ابن قدامة المذكور، والله سبحانه أعلم. ٨٠- من يبيع لإفلاسه أو قضاء دينه أمّا الّذى لا يخاف على نفسه أو نفس عياله، ولكن يحتاج بسبب إفلاسه أو قضاء دينه (١) المغني لابن قدامة ١١: ٨٠ كتاب الصّد والذّبائحِ (٢) الکافی لابن عبدالبر، باب من يجوز بيعه وتصرفه الخ ص ٣٦١ المبحث الثانى أن يبيع مالَه، فليس مضطراً فى الاصطلاح. فالبيعُ الَّذى عَقَده صحيح، ولو كان بغبْن، غيرَ أنّه مكروهٌ لمن يتعامل معه لكونه خلاف المروءة. قال الخطّابىّ رحمه الله تعالى: "بيعُ المضطرّ يكون من وجهين: أحدهما: أن يُضطرّ إلى العقد من طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد (يعنى عند الشّافعيّة، وينعقد عند الحنفيّة فاسداً موقوفاً، كما سبق) والوجه الآخر: أن يُضطرّ إلى البيع لدَينِ يركبه أو مُؤنة تُرهقه، فيبیعُ مافى يده بالوكْس من أجل الضّرورة، فهذا سبیلُه فى حق الدِّين والمروءة أن لايُبايَع على هذا الوجه، وأن لايُفتات عليه بماله، ولكن يُعانُ ويُقْرَض ويُستَمهل له إلى الميسرة، حتىّ يكون له فيه بلاغ. فإن عَقَد البيعَ مع الضّرورة على هذا الوجه، جازفى الحكم ولم يُفسخ، وفى إسناد الحدیث (یعنی حدیث على رضی الله تعالی عنه) رجل مجهول لاندری من هو، إلاّ أنّ عامّة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه."(١) وقال شيخنا العثمانيّ التهانويّ رحمه الله تعالى بعد ما ساق هذه العبارة: "ففيه أنّ الوجه الثانيَ ليس من بيع المضطرّ، بل من بيع المحتاج، فإنّ المضطرَّ شرعاً إنّما هو الخائفُ على نفسه، فلا يلحق به إلاَّ مَن هو مثلُه، لامَن هو دونه. وإنّما كره عامّة أهل العلم بيعَ مثل هذا المحتاج لحقّ الدِّين والمروءة، لالكونه فى حكم المضطرّ."(٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) معالم السنن للخطابي رحمه الله تعالى ٨٧:٣ (٢) إعلاء السنن، ٢١٤:١٤ و ٢١٥ ٢٠٨ فقه البيوع ٨١- التّغرير وأثره على البيع والأمر الثالث الذى يُفوّت التّراضى، هو التّغرير أو الخداع من قِبل أحد المتعاقدين. وإنّ اصطلاح عامّة الفقهاء أنّ الخِداع إن كان قوليّاً، فإنّه يُسمّى "تغريراً" وإن كان فعليّاً، فإنّه يُسمّى "تدليساً". ٨٢- التّغرير القوليّ وأنواعه والتّغرير بيانٌ من أحد العاقدين يبنى عليه الطّرفُ الآخر رضاه بالدّخول فى العقد، ثمّ يتبيّن كونُه كاذباً. وهو قريبٌ ممّا يُسمّى فى القانون الإنكليزيّ تمويهاً (Misrepresentation) وهو على أنواع ثلاثة: النّوعِ الأوّل: التّغريرُ فى بيان جنس المبيع، وذلك مثل أن يقول بائعُ الحِلية أنّها حِليةُ ذهب، فيتبيّن أنّها من فضّة مطليّة بالذّهب. فالبيع فى مثل هذا باطل.(١) والثّانى: أن يكون التّغريرُ فى بيان وصفِ المبيع، مثل أن يقول بائعُ السّيّارة أنّها جديدة، أو مصنوعةٌ من بلد مخصوص، فتبيّن خلافُ ذلك. وكذلك إن علّق على المبيع بطاقةً مكتوباً عليها أنّه من صُنع يابان مثلاً، وتبيّن أنّه من المصنوعات المحلّيّة، أو جعل عليها علامةً تجاريّةً (ماركه) كاذبة. فتنطبق عليه أحكامُ خيار فوات الوصف، لأنّ قولَ البائع إنّ المبيعَ موصوفٌ بصفة معيّنة، ورضا المشترى على ذلك الأساس فى حكم اشتراط ذلك الوصف فى المبيع، وإذا اشتُرط وصفٌ خاصٌّ فى (١) قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "إذا اشترى هذه الجارية، فظهرت غلاماً، فالبيع باطل لعدم المبيع. "(فتح القدير٦: ٦٦ و٦٧ باب البيع الفاسد) المبحث الثانى المبيع، حصل للمشترى خيارُ الفسخ عند فواته،كماسيأتى تفصيله فى مباحث الخيار إن شاء الله تعالى. والنّوعِ الثّالث: التّغريرُ فى بيان قيمة المبيع السّوقيّة، مثل أن يقولَ البائع: قيمتُه فى السّوق ألف، فيتبيّن أنّه خمسمائة مثلاً، أو يقول المشترى للبائع: قيمتُه فى السّوق خمسمائة، فيشتريه من البائع بخمسمائة، ثمّ يتبيّن للبائع أنّه يُباعُ فى السُّوق بألف. وفى هذه الصّورة تنطبق أحكامُ خيار المغبون. وستأتى تفاصيلُ ذلك فى مبحث الخيارات إن شاء الله تعالی. ومعظمُ مبادئ التّغرير متّفقٌ عليها فيما بين الأئمّة الأربعة حسبَ التّفصيل الآتى فى مبحث الخيارات إن شاء الله تعالى، ولكن انفرد الحنابلةُ بجزئيّة أدخلوها فى التّغرير خلافاً للمذاهب الأخرى. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ولو قال البائع: أعطيتُ بهذه السّلعة كذا وكذا، فصدّقه المشترى واشتراها بذلك، ثمّ بانَ كاذباً، فالبيعُ صحيحٌ، وللمشترى الخيارُ أيضاً، لأنّه فى معنى النّجْش."(١) ومعناه أنّ البائع ادّعى كاذباً أنّه اشتراه بثمن كذا، وتبيّن أنّه كان اشتراه بثمن أقلّ. فيقول الحنابلة إنّ المشتريَ له خيارُ الفسخ، ولو كان البيع مساومةً، لا مرابحةً. أمّا الفقهاء الآخرون، فيُثبتون هذا الخيارَ إن كان البيعُ مرابحةً، وكذَبَ البائع فى بيان تكلفته، لأنّ المرابحةَ من بيوع الأمانة، كما سيأتى فى بابه إن شاء الله تعالى، والبيعُ (١) المغنى ٢٧٨:٤ ٢١٠ فقه البيوع مبنيٌّ على التّكلفة والرّبح. فالكذب فى بيان التّكلفة تغريرٌ من قِبل البائع.(١) أمّا فى المساومة، فليس البيعُ مبنيّاً على تكلفة البائع. فبيانُ البائع لتكلفَته فى المساومة أمرٌ زائدٌ لا يقتضيه البيع، فلا يُثبت الخيارَ للمشترى، لأنّ البيع لم يقع على أساس التّكلفة. ٨٣- التّغريرُ الفعليّ أمّا التّغريرُ الفعليّ الّذي يُسمّى تدليساً، فعرّفه الدّردير رحمه الله تعالى بقوله: "هو أن يفعلَ البائعُ فعلاً فى المبيع يُظنّ به كمالاً، وليس كذلك. "(٢) ومن أمثلتِه صَبِغُ الثّوب القديم ليُظَنّ أنّه جديد. ويُقاسُ عليه أنّ بائعَ السّيّاراتِ الجديدة وضع فى جُملتها سيّارةً مستعملةً بشيئ من التّدليس. وهو قريبٌ ممّا يُسمّى فى القانون الإنكليزيّ "الخداع" (Fraud) وحكمه حكمُ التّغرير فى أنّه إن كان مقروناً بالغبن الفاحش، أو فواتِ الوصف المرغوب فيه، يثبتُ للمشترى خيارُ الفسخ، وفى بعض الحالات يحقّ له مطالبةُ الأرش، أو الرّجوع بالنّقصان، بأن يُطالبَ البائعَ بالفرق بين قيمة المبيع النّاقص والكامل. وسيأتى التّفصيل فى مبحث الخيارات إن شاء الله تعالى. ٨٤- الخطأ وأثره على العقد وقد ذكر أصحابُ القوانين الوضعيّة فى جملة الأمور المفوّتة للتّراضى: "الخطأ" أو "الغلط" (Mistake)(٣) وهو مختلفٌ من التّغرير أو التّدليس فى أنّ التّغريرَ هو الكذبُ (١) رد المحتار، باب المرابحة والتّولية ١٥: ١٣٧ فقره ٢٤٠٩٦ (٢) الشرح الكبير مع الدّسوقي ٣: ١١٥ (٣) راجع نظريّة العقد للدكتور عبدالرزاق السنهوري ص ٣٤٩ وما بعده و ,Chitty: On Contract Chapter 5, & Contract Law, by Neil Andrews, Chapter 10 ٢١١ المبحث الثانى أو الخداع المتعمَّد من أحد طرفي العقد. أمّا "الخطأ"، فهو الخطأ فى فهم أحدِ العاقدين أو كليهما، دون أن يتعمّد أحدٌ بالكذب أو الخداع. وبما أنّ أنواع الخطأ وجزئيّاته مختلفةٌ، فإنّ فقهاء الشّريعة الإسلاميّة لم يذكروه كأصلٍ فى بابِ أو فصل مستقلّ، ولكن ربّما ذكروا بعضَ جزئيّاتِه فى مواضع مختلفة، وربّما استغنَوا عنه ببيان الأصول المطردة فى الأبواب الأخرى الّتى تُعطى حُكمَ الخطأ بداهةً. ونريد أن نذكر أنواعَ الخطأ فى جزئيّات آتية، وبالله سبحانه التّوفيق. ٨٥- الخطأ فى صيغة العقد. وهو أن يجريَ على لسان العاقد لفظُ البيع خطأً، أو تلفّظ بلفظٍ لا يعرف أنّه صيغةُ إنشاء البيع. وصورتُه، كما ذكره ابن أمير الحاج رحمه الله تعالى، أنّه أراد أن يقول: "سبحان الله" فجرى على لسانه: "بعتُ هذا منك بألفٍ "، وقَبلَ الآخَرُ وصدّقه فى أنّ البيعَ خطأً، وذكر ابن الهمام أنّه ليس فيه روايةٌ عن أئمّة الحنفيّة، ولكن ينبغى أن ينعقد فاسداً، وأن يملكَ المبيع بالقبض. لأنّ هذا الكلام صدر عنه باختياره، ولكن يفوتُه الرّضا، فصار كالمكرَه. ثمّ رجّح ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أنّ حكمه حكمُ الهازل، فلا يملك المبيعَ بالقبض.(1) وهذا ترجيحٌ لبطلان البيع من أصله. وصرّح الشّافعيّة أنّ بيعَ المخطئ بهذا الشّكل غير منعقد أصلاً. قال الشّربينيّ الخطيب رحمه الله تعالى: "ولابد أن يقصد بلفظ البيع معنى البيع، كما فى نظيره فى (١) التقرير والتحبير لابن أمير الحاج، المقالة الثانية، الفصل الرابع من الباب الأول ٢: ٢٠٥ و ٢٠٦ ٢١٢ فقه البيوع الطّلاق. فلو لم يقصده أصلاً، كمن سبق لسانُه إليه، أو قصَدَه لا لمعناه، كمن لقّن أعجميّاً ما لا يعرفُ مد لولَه، لم ينعقد."(١) ويبدو أنّ مذهبَ المالكيّة مثلُ مذهب الشّافعيّة أنّ البيع فى مثله غيرُ منعقدٍ، لأنّه يُشترط فى أسباب انتقال المِلك كالبيع والهبة وغيرهما القدرةُ والعلمُ والقصدُ، كما ذكره القرافيّ رحمه الله تعالى وقال: "فمن باع وهو لا يعلم أنّ هذا اللّفظ أو هذا التّصرُّفَ يُوجبُ انتقالَ الملك، لكونه عجميّاً أو طارئاً على بلاد الإسلام، لا يلزمه بيع(٢) وأمّا الحنابلة، فلم أجد عندهم حكمَ الخطأ بهذا الشّكل صراحةً، ولكن ذكروا أنّه يُشترط لصحّة البيع أن يكون بالتّراضى منهما، وهو أن يأتى به اختياراً (٢). ويُمكن أن يُفهم منه أنّهم يعتبرون بيع المخطئ باطلا. (٤) أمّا أن يكون الرّجل من غير أهل الّسان لايعرف اللّغة المحلّيّة، ولا معنى البيع، فيُمكن إثباتُه بالبيّنة. ولكن إن ادّعى أنّه يعرف معنى البيع أو الشّراء، ولكن سبقت هذه الكلمةُ على لسانه بدون قصد، فإنّ إثباتَه بالبيّنة مشكل. ولذلك اشترط ابن أمير الحاج أن يُصدّقه الطرف الآخر فى أنّه لم يقصد هذه الكلمة، وقال رحمه الله تعالى: "إذ لا يُمكن إثباتُه إلاّ بهذا الطّريق."(٥) (١) مغنى المحتاج ٢: ٧ كتاب البيع ومثله فى نهاية المحتاج ٣٧٣:٣ (٢) الفروق للقرافيّ، الفرق السادس والعشرون ١٦٢:١ و١٦٣ ونهاية المحتاج ٣٧٣:٣ (٣) كشاف القناع ١٣٩:٣ (٤) الموسوعة الفقهية الكويتية ١٥٦:١٩ و١٥٧ (٥) التقرير والتحبير ٢٠٦:٢ المبحث الثانى ٨٦- الثّانى: الخطأ فى وجود المبيع: وذلك أن يُعقد البيع على اعتقاد أنّه موجود، فيتبيّن أنّه غير موجود، مثل أن يبيع زيد الخضراواتِ المعيّنة فى مخزَنه، وقد رآها المشترى قبل البيع، فلمّا فُتِح المخزن، تبيّن أنّها تلفت أو سُرقت قبل البيع، فالبيع باطلٌ بداهة. ٨٧- الخطأ فى اعتقاد المبيع أنّه غير مملوك للمشترى. وذلك مثلُ أن يشتريَ زيدٌ عقاراً من عمرو باعتقاد أنّ عمرواً مالكٌ له، ثمّ يتبيّن أنّه كان مملوكاً للمشترى نفسِه، مثل أن يكون قد ورثه من أحد، ولم يعلم بذلك عند الشّراء. وجرت القوانين الوضعيّة على أنّ مثل هذا الخطأ يُبطل البيع.(١) ولعلّ الفقهاءَ استغنوا عن بيان حُكمه لأنّ شرط صحّة البيع أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع، فإذا تبيّن أنّه ليس بمملوكٍ له، بطل العقد بداهة. ٨٨-الاستحقاق. وهو أن يشتريَ زيدٌ من عمرو على اعتقاد أنّه هو المالك، ثمّ يتبيّن بالبيّنة أنّ المالك الحقيقيّ هو خالد، وليس عمرواً، فقد ذكر الفقهاءُ حكمه فى باب الاستحقاق بتفصيل. والموقف المختارُ عند الحنفيّة أنّ البيعَ لا ينفسخ بمجرّد ثبوت الاستحقاق، بل يبقى موقوفاً على إجازة المستحِقّ إلى أن يقبض المستحِقّ (المالك الحقيقيّ) المبيع، ويرُدَّ البائعُ الثّمن إلى المشترى. فإن أجاز المالكُ الحقيقيُّ البيعَ، استمرّ المشترى على مِلكه، ورجع المالكُ الحقيقيُّ بالثّمن على البائع. وإن لم يُجِزْه، فالبيع مفسوخ، ويستحقّ أن يقبضَ المبيع من المشترى، ويرجعَ (1) Chitty: On Contacts, Para 283 ٢١٤ فقه البيوع المشترى بالثّمن على البائع.(١) والحكمُ كذلك فى مذهب المالكيّة، لأنّهم متّفقون مع الحنفيّة فى كون بيع الفضوليّ موقوفاً. ويدلّ على ذلك ما ذكر فى المدوّنة الكبرى من أنّ الأرض المؤجرة لسنين لو استُحِقّت، فإنّ المستحِقّ يكون بالخيار فيما بقيَ من السّنين، إن شاء أجاز الكراءَ إلى المدّة، وإن شاء نقض.(٢) أمّا الشّافعيّة والحنابلة، فإنّ بيعَ الفضوليّ عندهم باطلٌ من أصله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فى باب البيع الموقوف. فينبغى أن يكون الحكمُ فى الاستحقاق مثله بالطّريق الأولى. ٨٩- الخامس: الخطأ فى معرفة المبيع. وهو أن يقع الخطأ فى معرفة جنس المبيع، أو وصفه الجوهريّ الّذي يُبنى عليه العقد، أو فى قدره. بأن يُعقد البيعُ على اعتقاد أنّ المعقودَ عليه من جنس، فتبيّن أنّه من جنس آخر، مثل أن يشترىَ بظنِّ أنّ ما اشتراه ياقوت، فتبيّن أنّه رُجاجٌ، أو يشتريَ بظنّ أنّ المبيع قماش، فتبيّن أنّه بلاستيك. وكذا إذا اتّحد الجنسُ، ولكنّ التّفاوتَ بين المعقود عليه وما أراده العاقدُ تفاوتٌ فاحش، مثل أن يشتريَ ثوباً على ظنّ أنّه ثوبٌ مصنوع فى يابان، فيتبيّن أنّه محلّيّ. فهذا الخطأ إن كان من كلا العاقدين، يُسمّى فى القوانين الوضعية "خطأً مشتركا" (mutual mistake) وإن أخطأ أحد الطرفين فى زعمه، دون الآخر، فإنّه يُسمّى "خطأ فرديّاً" (unilateral mistake)واتّفقت القوانين الوضعيّة على أنّ الخطأ المشترك يُبطل (١) رد المحتار، باب الاستحقاق ٢٩٥:١٥ و٢٩٦ فقره ٢٤٥٢٧ (٢) المدوّنة الكبرى ٤: ١٩٢، كتاب الاستحقاق المبحث الثانى التّراضى، فيبطُل به العقد.(١) ٩٠- الخطأ المشترك وإنّ أقربَ نصَّ فى الحديث للجهل المشترك، (الّذى ينشأ عنه الخطأ المشترك) قصّةٌ طريفةٌ ذكرها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عن بعض أمم ماضية فيما أخرجه الشّيخان عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اشترى رجلٌ من رجل عقاراً له، فوجد الرّجلُ الذى اشترى العقارَ فى عقاره جرّةً فيها ذهبٌ، فقال له الّذى اشترى العقارَ: خُذْ ذَهَبَك منّى، إنّما اشتريتُ منك الأرضَ، ولم أُبْتَعْ منك الذّهَبَ، وقال الّذي له الأرض: إنّما بعتُك الأرضَ وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الّذى تحاكما إليه: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قال أحدُهما: لى غلامٌ، وقال الآخَرُ: لى جاريةٌ، قال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ، وأنفقوا على أنفُسهما منه وتصدّقا. " (٢) وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أنّه قد وقع فى رواية إسحق بن بشر فى هذا الحديث أنّ الَّذى وجده المشترى فى الأرض كان كْزاً مدفوناً، وقال البائعُ: "ما دفَنتُ ولا علمتُ"(٣) وهذه القصّة فى الواقع مثالٌ نيّرٌ لديانة المتعاقدين وورعِهم وتقواهم، حیثُ لم يقعْ بينهما نزاعٌ بمحاولة كلّ منهما أن يتملّك ذلك الكنز، بل حصل بينهما التّدافعُ (١) 275 Chitty: On Contracts, Para ونظريّة العقد للدكتور عبدالرزاق السنهوريّ ص ٣٧٨ (٢) صحيح البخاري، قبیل کتاب المناقب، حدیث ٣٤٧٢ (٣) فتح البارى، كتاب أحاديث الأنبياء ٦: ٥١٩ ٢١٦ فقه البيوع بالعكس، وعَرَض المشترى ما وُجد فى الأرض من زيادة، وأبى البائع أن يقبله، حتّى تحاكما إلى رجلٍ حَكَم بما ينفعهما بطريق الصّلح. ولكن ذكر الفقهاءُ تحتَ هذا الحديث حكمَ أصل المسئلة، ومَن كان يستحقّه بحكم البيع. وبعبارة أخرى: لو ء حدث بينهما نزاعٌ، وادّعى البائعُ أنّه باع أرضاً ولم يعلم بما فيها، ولو علمَ لزاد فى قيمتها، وأبى المشترى، فمن يستحقّ الكنز؟ وفيه قال العينيّ رحمه الله تعالى: "حكى المأزريّ خلافاً عندهم فيما إذا ابتاع أرضاً، فوجد فيها شيئاً مدفوناً، هل يكون ذلك للبائع أو للمشترى؟ فإن كان من أنواع الأرض، كالحجارة والعُمُد والرُّخام، فهو للمشترى، وإن كان كالذّهب والفضّة، فإن كان من دفين الجاهليّة، فهو ركاز. وإن كان من دفين المسلمين، فهو لقطة ... وقال ابن التّين: فإن كان من دفائن الإسلام، فهو لقطة، وإن كان من دفائن الجاهليّة، فقال مالك: هو للبائع. وخالفه ابن القاسم، فقال: إنّ ما فى داخلها بمنزلة ما فى خارجها، وقول مالك أحسن، لأنّ من مَلَك أرضاً باختطاط، مَلَك ما فى باطنها، ولیس جھله به حین البیع یُسقط مِلگە فیه." وقال الأُتِيّ رحمه الله تعالى: "قلتُ: وعلى أنّه ركازٌ فقال ابنُ القاسم: هو للمشترى، وقال مالك: هو للبائع، وصوّه اللّخميّ وما ذكر من أنّه لقطة كان الشّيخ يقول: إنّما هو للبائع، والخلافُ فيما يكون للمشترى أو للبائع إنّما هو فيما يُوجد من الرّكاز، وكانت نزلت فى دار رجلٍ يقال له: القباطيّ، توفّي، فبيعت الدّارُ، فوجد المشترى فيها بوقالاً مملوأً ذهباً، فحكم القاضى عمرُبنُ عبد الرّفيع به المبحث الثانى لورثة البائع، أشهدَ على حكمه بذلك الشّيخَ وغيره من أكابر العدول، وكان الشّيخُ يصوِّبُ حكمَه بذلك، والأقرب، والله أعلم، أنّ ما كان من دفن الإسلام فى القديم، فهو لقطةٌ، وإن كان دفنُه فيما قَرُبَ من الزّمان فهو للبائع أو الورثة، وللقرائن فى ذلك مدخل. وكان هذا القباطيُّ مات فجأةً قتيلاً لم يُوصِ، وجعل ذلك من القرائن الدالّة على أنّ المالَ له."(١) وهذا يدلّ على أنّ جهلَ ما يتضمّنه المبيع من الأشياء الثمينة لا يُسقِط حقَّ البائع فيها، وهو قريبٌ من الخطأ المشترك، لأنّ كونَ الأرض فيها كنْز، لم يعرفه أحدٌ من العاقدين. ولكن لم يبطُّل به البيع، بل ثبت حقُّ البائع فى الكثْز الّذى لم يكن محلًّ العقد. ولم يذكر هؤلاء الفقهاءُ حكمَ ما إذا طلب البائعُ فسخَ العقد على أساس أنّه لو علم أنّ فيه كنزاً، لزاد فى قيمته، لأنّ حلَّ المشكلة يُمكن بتسليم الكثْز إلى البائع، وبيعُ الأرض لايتضمّن شيئاً آخر من غير جنسه. أمّا إذا وُجد ما هو من جنس الأرض، كالحجارة والرّخام، فهو داخلٌ فى بيع الأرض، لأنّ "الأرض" يشمل ما فى باطنها من جنسها، فدخل مافى بطنها، سواءٌ أعلمه العاقدان أم لم يعلما. وقد ورد فى قول المالكيّة ما يدلّ على أنّ العقد فى الخطأ المشترك باطلٌ. قال الحطّاب ناقلاً عن ابن رشد: "من اشترى ياقوتةً وهو يظنّها حجراً، ولا يعرفها البائع ولا المبتاع، فيجدُها على ذلك، أو يشترى القُرطَ يظنّه ذهباً، فيجده نُحاساً، أنّ البيع يُردّ فى (١) شرح الأتى على صحيح مسلم (إكمال إكمال المعلم)، كتاب الأقضية ٢٩:٥ ٢١٨ فقه البيوع الوجهين. وهذا الاختلافُ إنّما هو إذا لم يُسمّ أحدهما الشّيئ بغير اسمه، (١) وإنّما سمّاه باسمٍ يصلح له على كلّ حال."(٢) والأصلُ عند الحنفيّة أنّه لو وقع الخطأ فى تعيين جنس المبيع، مثل أن يقع البيعُ غلى الخَلّ، فتبيّن أنّه دِبس، فالبيع باطل، إلاّ عند الكرخيّ رحمه الله تعالى، حيثُ جعله فاسداً. وإن كان الخطأ فى تعيين وصف المبيع، مثل أن يبيعَ كبشاً، فتبيّن أنّه نعجة)،(٣) فإنّه يُثبت الخيارَ للمشترى. (٤) وكذلك الأصل عندهم أنّه لو وقع الاختلاف فى التّسمية والإشارة، بحيثُ سمّى شيئاً وأشار إلى الآخر، فالعبرةُ للّسمية، دون الإشارة، بحيثُ إن كان المُشارُ إليه عينَ المسمّى، صحّ البيع، وإن كان المشارُ إليه غيرَ المسمّى، فالبيع باطلٌ إن كان هناك اختلاف الجنس، ويثبت الخيار إن كان بغير الوصف المسمّى. ٩١- الخطأ الفرديّ أمّا إذا كان الخطأ فرديّاً، بأن أخطأ ظنُّ أحدهما دون الآخر، فلا نستطيع أن نذكر فيه حكماً عاماً يشمل جميعَ جزئيّاته. وإنّما يدورُ حكمُه على نوع التّعامل. ففى بعض (١) لأنّه لوسمّاه بغير اسمه دخلت المسئلة فى التّغرير، لاالخطأ. (٢) مواهب الجليل ٤: ٤٦٦ (٣) لأنّ الذّكورة والأنوثة فى البهائم وصفٌ عند الحنفيّة. وقال الحنابلةُ: لو قال: البائع بعتُك هذا البغل بكذا، فقال اشتريته، فبان المشارُ إليه فرساً أو حماراً لم يصحّ البيعُ، ومثلُه بعتُك هذا الجملَ فبان ناقةً ونحوه، فلا يصحُّ البيعُ للجهل بالمبيع. (كشاف القناع ٣: ١٥٤) فاختلاف الذّكورة والأنوثة عندهم اختلاف فى الجنس. (٤) راجع تبیین الحقائق للزيلعيّ ٤: ٣٨٠ و٣٨١ % b 1% المبحث الثانى الصّور، حَكَم الفقهاء بأنّه لا يؤثّر الخطأ الفرديُّ على صحّة العقد، بل إذا وقع الخطأ من أحد العاقدين فى البيع، فالبيعُ صحيحٌ منعقدٌ بالرّغم من كون أحدهما أخطأ فى معرفة المبيع. قال الحطّاب رحمه الله تعالى ناقلاً عن أشهب: "سُئل مالكٌ عمّن باع مُصَلَّى، فقال المشترى: أتدرى ما هذا المصلَّى؟ هي - والله خزٍّ-، فقال البائع: ما علمتُ أنّه خرٍّ، ولو علمتُه ما بعتُه بهذا الثّمن. قال مالك: هو للمشترى، ولا شيء للبائع، لو شاء استبرأه قبل بيعه."(١) وقال القليوبيّ من الشّافعيّة: " لو اشترى رُجاجةً يظنُّها جوهرةً فالعقد صحيحٌ، إن لم يصرِّح بلفظ الجوهرة، وإلّا فالعقد باطلٌ، وحكى عن شيخه صحّةَ العقد وثبوت الخيار قال: وفيه نَظَرٌ "(٢). ولكن هناك بعض أنواع من العقود يؤثّر فيه الخطأ الفرديّ أيضاً، ويُبطل العقد، بشرط أن يعترف الطّرفُ الآخر بخطأه، مثل ما ذكره إمام الحرمين الجوينيّ رحمه الله تعالى فى بيان المرابحة: "فأمّا إذا قال البائع: قد غلطتُ إذ ذكرتُ المائة (يعنى ذكرتُ أنّى اشتريتُ هذه السّلعة بمائة، وأربحك عليه) فإنّى كنتُ اشتريتُه بمائة وخمسين، فإن (١) مواهب الجليل ٤: ٤٦٦ (٢) حاشية القليوبي على شرح الجلال المحلي على المنهاج ٢: ١٦٤، والمجموع ١٢: ٣٣٤ و٣٣٥