Indexed OCR Text

Pages 161-180

فقه البيوع
"ولو قال وهبتُ دارى للمسجد أو أعطيتُها له، صحّ ويكونُ تمليكاً، فيُشترطُ
التّسليم، كما لوقال: وقفتُ هذه المائة للمسجد، يصحّ بطريق التّمليك إذا
سلّمه للقیّم."(١)
وجاء فيها أيضاً:
"إنّ متولّيَ المسجد إن اشترى من غلّة المسجد داراً أو حانوتاً، فهذه الدّار أو
الحانوت هل تلتحق بالحوانيت الموقوفة على المسجد؟ ومعناه أنّه هل
تصيرُ وقفاً؟ اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى. قال الصّدر الشّهيد رحمه
الله تعالى: المختارُ أنّها لا تلتحق، ولكن تصير مستغلاً للمسجد."(٢)
وجاء فيها أيضاً:
"مالٌ موقوفٌ على سبيل الخير وعلى الفقراء بغير أعيانهم، ومالٌ موقوفٌ
على المسجد الجامع، واجتمعت من غلّتها، ثمّ نابت الإسلامَ نائبةٌ، مثل
حادثة الرّوم، واحتيج إلى النّفقة فى تلك الحادثة. أمّا المال الموقوفُ على
المسجد الجامع إن لم تكن للمسجد حاجةٌ للحال، فللقاضی أن یصرف فى
ذلك، لكن على وجه القرض، فيكونُ دَيناً فى مال الفيئ. "(٣)
وفيه صراحةٌ لكون المسجد دائناً، وبيت مال الفيئ مديناً.
(١) الفتاوى الهندية ٢: ٤٦٠ كتاب الوقف، باب ١١
(٢) الفتاوى الهندية، ٤١٧:٢ و ٤١٨ الباب الخامس من الوقف
(٣) الفتاوى الهنديّة، كتاب الوقف، آخر الباب الحادى عشر ٢: ٤٦٤

المبحث الثانى
٦٠- كون الوقف شخصيّةً معنويّة
والنّظير الثّالث: الوقفُ، فإنّه أهلٌ للّملّك والتّمليك، وكونه دائناً ومديوناً. ويظهر
ذلك من بقيّة عبارة الهنديّة المذكورة آنفاً المتعلّقة بصَرْف غلّة الوقف لنائبة، وهى:
"وأمّا المالُ الموقوفُ على الفقراء، فهذا على ثلاثة أوجه. وفى القسم الثانى
يُصرف على وجه القرض، فيصير ديناً فى مال الفيئ. كذا فى الواقعات
الحُسامیّة."(١)
وقد يُستشكل أنّ الفقهاءَ الحنفيّةَ ذكرُوا أنّ الوقف لا ذمّةَ له، فإنّه بظاهره نفيٌ صريحٌ
لكون الوقف شخصيّةً معنويّةً. ولكن لو تأمّلنا السّياق الّذى وقع فيه نفىُ الذّمّة للوقف،
لَتبيّن أنّهم ذكروا ذلك على سبيل إشكال عقليٍّ على الاستدانة على الوقف، وأنّ هذا
مقتضى القياس، ولكنّهم أجازوا بعد ذلك الاستدانةَ على الوقف بشروطٍ للضّرورة،
ومعنى ذلك أنّهم أقرَوا ذمّتَه استحساناً للضرورة. جاء فى الدُّر المختار: "لا تجوز
الاستدانةُ على الوقف إلاّ إذا احتيج إليه لمصلحة الوقف إلخ". وقال ابن عابدين
رحمه الله تعالى تحته:
"(قوله: لا تجوز الاستدانة على الوقف) أي إن لم تكن بأمر الواقف، وهذا
بخلاف الوصيّ، فإنّ له أن يشتريَ لليتيم بنسيئة بلاضرورة، لأن الدِّين لا
يثبت ابتداءً إلّا فى الذّمَّة، واليتيمُ له ذمّةٌ صحيحةٌ، وهو معلوم فتُتَصَوِّرُ
مطالبتُه، أمّا الوقف فلا ذمّةَ له، والفقراءُ وإن كانت لهم ذمّةٌ لكن لكثرتهم لا
تُتَصَوَّر مطالبتُهم، فلا يثبت إلَّا على القيّم، وما وجب عليه لا يملك قضاءَه
(١) الفتاوى الهندية، ٢: ٤٦٤

١٦٢
فقه البيوع
من غلّة للفقراء، ذكره هلال."
وهذا إشكالٌ عقليّ يُوجب أن لا يجوز الاستدانةُ للوقف فى حال من الأحوال، وأن
لا يجوز للقيّم إذا استدان للوقف أن يرجع على غلّة الوقف. ولكن قال ابن عابدين
رحمه الله تعليقاً عليه:
"وهذا هو القياس، لكنّه تُرك عند الضّرورة كما ذكره أبو اللّيث، وهو
المختار أنّه إذا لم يكن من الاستدانة بُدُّ تجوز بأمر القاضى إن لم يكن بعيداً
عنه."(١)
وما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى اتّفق عليه الفقهاء المتأخّرون من جواز الاستدانة
للوقف عند الحاجة بشروط. وليس معنى ذلك إلّا أنّ قياسَ كون الوقف لا ذمّةَ له تُرك
لمصلحة الوقف، فاعتُبرت للوقف ذمّةٌ. ثمّ إنّ بعضَ الفقهاء حاولوا أن لايخرجوا من
قياس كون الوقف لا ذمّةَ له بقدر الإمكان، ففسّروا جواز الاستدانة عند الضرورة بأنّ الّذى
يستدين هو القيّم، وهو الذى يقضِى الدّينَ من ماله، ثمّ يرجعُ على غلّة الوقف. ولعلّهم
اختاروا هذا الطّريقَ ليكونَ الدائنُ والمدينُ هو القيّم، لا الوقف. ولكنّ هذا التّوجيه فيه
إشکالان قویّان:
الأوّل: أنّه لو تقرّر أنّ الدّينَ فى ذمّة النّاظر، وليس فى ذمّة الوقف، فلو عزل ذلك
النّاظر وجاء ناظرٌ آخر، فلا يُمكن مطالبةُ النّاظر الثّاني، ويجب أن تتّجهَ المطالبةُ
دائماً إلى النّاظر الأوّل الّذى عَقَد الاستدانة. ولو مات، تَنتقلُ المطالبةُ إلى ورثته،
وهذا باطلٌ بداهةً.
(١) رد المحتار مع الدر المختار ٦٦٦:١٣ و٦٦٧ فقره ٢١٧٨٠

١٦٣
المبحث الثانى
والإشكالُ الثّانى: أنّ هؤلاء الفقهاءَ متّفقون على أنّه إذا أدّى النّاظرُ الدَّينَ إلى الدائن
من ماله، فإنّه يحِقّ له الرُّجوعُ على غّة الوقف. وهذا يُنافى كونَه لا ذمّةَ له، لأنّ
القياس الّذي ذكره هلال رحمه الله تعالى (والذى نقلناه عن ابن عابدين رحمه الله
تعالى) يُصرّح بأنّ الدّينَ لا يثبت إلّا على القيّم، "وما وجب عليه لا يملك قضاءه من
غلّة للفقراء. " فلمّا ثبت له الرّجوعُ على غلّة الوقف، فليس ذلك إلاّ لأَنّه مَدينٌ للنّاظر،
فانتقض القولُ بأنّه لا ذمّةَ له.
ومن الفقهاء مَن لم يذهب إلى هذا التّأويل، بل جعل الوقفَ نفسَه مديناً بصفة
مباشرة. ويتبيّن ذلك ممّا ذُكر فى تنقيح الحامدية:
"فى ناظر على مسجد، وللمسجد وقفٌ، فأذِن النّظر لِحَصَرِيِّ أن يكسُوَ
المسجد، ويكونَ ثمنُ الحصير من رَيع الوقف، ففعل وعُزل النّظر. ثمّ تولّى
ناظرٌ، وهو إلى الآن ناظر، والحالُ أنّ النّاظر الأوّلَ لم يتناولْ من رَيع الوقف
شيئاً، فهل يلزم النّاظرَ الثّانِيَ تخليصُ حقّ الحَصَرِيّ لأنّ حقَّه معلَّقٌ بِرَيع
الوقف؟، أم يلزمُ النّظرَ الأوّلَ. الجواب للشّيخ ناصر الدين اللّقانيّ: يلزم
النّاظِرَ الثّانِيَ تخليصُ حقّ الحصريّ، ودفعُه له من ربع الوقف، ولا يلزم
ذلك النّاظِرَ الأوَّلَ، حيث عُزل. ووافقه سيّدى الجدّ والشّخ تقيّ الدين
الحنبلي تغمّدهما الله تعالى برحمته. فتاوى الشّلبي من الوقف. "(١)
وهذا يدلّ على أنّ الثّمن كان فى ذمّة الوقف منذ البداية، وكان النّاظرُ الأوّل عاقداً بالنّيابة
عنه، ولمّا جاء النّظرُ الآخر، والدَّيْنُ باق فى ذمّة الوقف، وجبَ على النّاظر الثّانى
(١) تنقيح الفتاوى الحامدية، کتاب الوقف ٢٢٢:١ و ٢٢٣

فقه البيوع
تخليصُه، لأَنّه الآن متولٌّ للوقف، رَغْمَ أنّه لم يكن طرفاً فى الاستدانة.
والحاصلُ أنّ إجازةَ الاستدانة على الوقف، بأيّ شرطٍ كان وفى أيّ حال كان،
اعترافٌ بأنّ له ذمّةً فى تلك الحالة، وأنّه يُصبح مديناً، وهذا هو معنى كونه شخصيّةً
معنويّة.
ويتّضح من هذه النّظائر أنّ تصوّر الشّخصيّة المعنويّة أو الحُكميّة، وإن لم يُذكر بهذا
الاسم (إلاّ فى عبارة الرّمليّ رحمه الله تعالى) ولكنّ مدلولَه موجودٌ فى عدة مسائل
فقهية.
فإن وقع عقدٌ من شخصيّة حكميّة، فلا يُمكنُ أن يكون إنشاءُ العقد من قِبَلها لكونها
شخصيّةً اعتباريّةٌ لا تعبيرَ لها. فإنّ الَّذى يقومُ بإنشاء العقد نيابةً عنها هو الشّخصُ
الحقيقيّ المخوَّلُ بذلك شرعاً أو عُرفاً. فالمخوّل بذلك فى بيت المال هو الإمامُ أو مَن
خوّله الإِمامُ بذلك، وفى المسجد والأوقاف الأخرى المتولّى أو النّظر. ولكنّهم يَعْقِدون
بالنيابة عن تلك الشّخصيّة المعنويّة، ولذلك ترجع آثارُ العقد وحقوقُه والتزاماتُه إلى
تلك الشّخصيّة المعنويّة، وليس إلى الشّخص الحقيقيّ الذى تولى العقد. وهذا مثلُ وليّ
الصّبيّ، كما ذكره سيّدنا عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه فى قوله الذى ذكرناه فى
بداية هذا البحث.
وقد كثُرت فى القوانين الوضعيّة المعاصرة الشّخصيّاتُ المعنويّة، مثلُ الشّركات
المُساهمة (joint stock companies)، والجهات الاجتماعيّة الأخرى
(corporations). وإنّ إنشاءَ العقود من قِبلها إنّما يتِمّ من قِبل الّذين فُوّض إليهم
الحقُّ فی ذلك.

المبحث الثانى
٦١- تنبيه:
ما ذكرناه فى موضوع الشّخصيّة المعنويّة يقتصر على بيان حكمها فى إنشاء العقود،
وكونها صالحةً للتّملّك، وكونها دائنةً أو مدينة. وإنّ القوانين الوضعيّة قد أعطتْها
خصائصَ أخرى، وليس المرادُ من الاعتراف بوجودها المعنويّ أنّ إثباتَ جميع
الخصائص التى تمنحها القوانين الوضعيّة مقبولةٌ شرعاً، بل تجب دراستُها مستقلّةً
حسبَ مبادئ الشّريعة الإسلاميّة وأحكامِها، وليس هذا موضعَ تفصيلها. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
٦٢- بيع العبد
وحُرّيّةُ المتعاقدين ليست بشرطٍ لصحّة العقد، فيجوزُ بيعُ العبد وشراؤُه إذا كان
مأذوناً من قِبَل مولاه. وينطبق عليه أحكامُ الصّبيّ المأذون حسبما ذكرناه من قبل،
غيرَ أنّه ليس فى صحّة بيعه خلافٌ للإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، كما كان فى
الصّبيّ المميِّز. وإنّ مأذونيّةَ العبد تتقيّد عنده بما قيّده المولى على رأي زفر والحنابلة
فى الصّبيّ.

محمد
أحكام
بيع غير المسلمين
٦٣ - بيع غير المسلمين
وكذلك لايُشترط لصحّة البيع إسلامُ المتعاقدين. فيصحّ البيعُ والشّراؤ من غير مسلم،
سواء أكان ذمّاً، أم حربيّاً، أو مستأمناً.
ولكن منع بعضُ الفقهاء من مُبايعته لبعض العوارض، لا لكونه غيرَ أهل للتّعاقُد. وإنّ
هذه العوارضَ إمّا لكون العقد يؤدّى إلى إذلال مسلم، أو إهانة مقدّساتٍ إسلاميّة، أو
إعانةِ المحارب على محاربته للمسلمين، أو معارضة المصالح السّياسيّة للإسلام
والأمة المسلمة. ولنتكلّم على كلّ واحدٍ منها بشيئ من التّفصيل، والله سبحانه
هو الموفق:
٦٤- بيع العبد المسلم من الكافر
أمّا البيعُ الَّذى مَنعه بعضُ الفقهاء من أجل أنّه يؤدّى إلى إذلال مسلم، فهو بيعُ العبدِ
المسلم من الكافر، و فيه اختلافٌ بين الفقهاء، ولكن لا داعيَ لتفصيل مذاهبهم
وأدلّتهم هنا، لأَنّه لا يوجد اليوم عبيد وإماء بطريقة شرعيّة.

المبحث الثانى
٦٥- بيع المصحف من غير مسلم
أمّا منعُ البيعِ من غير المسلمين لما فيه من إهانة المقدّسات الإسلاميّة، فيندرج فيه
بيعُ المصحفِ وكتب التّفسير والحديث والفقه من غير مسلم. فقال الشّافعيّ بيعُ
المصحف من الكافر باطل؛ وهو قول الحنابلة. أمّا الحنفيّة والمالكيّة، فقالوا: البيعُ
صحيحٌ، ويؤمَر بإخراجه عن مِلكه.(١)
قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى:
"وعلى هذا الخلافِ الكافرُ إذا اشترى مصحفاً، لا يصحّ الشّراؤ عند الشّافعيّ،
لأنه يستخِفّ به فيرجع ذلك إلى إذلال المسلمين. وعندنا يصحّ شراؤه، لأنّه
ليس في عين الشّراء من إذلال المسلمين شيءٌ وكلامنا فى هذا الفصل أظهر،
فالكافرُ لا يستخِفّ بالمصحف، لأنّه يعتقد أنّه كلامٌ فصيحٌ وحِكَمُه بالغة، وإن
كان لا يعتقد أنّه كلامُ الله عزّ وجلّ، فلا يستخِفّ به، ثمّ يُخْبر على ... بيع
المصحف، لأَنّه لا يعظّمُه كما يجب تعظيمُه، وإذا تُرك فى مِلْکه يمسُّه وهو
نجس، وقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة: ٢٨) وقال الله تعالى فى
القرآن: لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة: ٧٩) فلهذا يُجبر على بيعه من
المسلمین."
والأصلُ فى هذا الباب حديثُ عبد الله بن عمر رضى الله عنه:
"أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ."
(١) المهذب، ٢٦٧:١ والمغنى لابن قدامة، ١٧٨:٤ والمبسوط السرخسي، ١٣٣:١٣ والدسوقي على
شرح مختصر خليل ٧:٣

فقه البيوع
أخرجه البخارىّ، وأخرجه مسلم، وزاد: "فإنّى لا آمَنُ أن ينالَه العدوّ "(١) فحذّر رسولٌ
الله صلّى الله عليه وسلّم عن وقوع المصحف بأيدى الكفّار. وعلّله أكثرُ الفقهاء بأنّه
يُخشى منهم إهانتُه. ولكن علّله الطحاويّ رحمه الله تعالى بعلّة أخرى، كما حكى عنه
السرخسيّ، حیث قال فى شرح هذا الحديث:
"تأويله: هذا أن يكون سفره مع جريدة خیلٍ لا شوکةً لهم. هکذا ذکر محمّد
رحمه الله تعالى. وذكر الطحاويّ أنّ هذا النّهيَ كان فى ذلك الوقت، لأنّ
المصاحفَ لم تكثُرْ فى أيدى المسلمين، وكان لا يؤمَن إذا وقعت المصاحف
فى أيدى العدوّ أن يفوتَ شيءٌ من القرآن من أيدى المسلمين، ويؤمَن مِن
مثله فى زماننا، لكثرة المصاحف وكثرة القرّاء. قال الطّحاوىّ: ولو وقع
مصحفٌ فى يدهم لم يستخِفّوا به، لأَنّهم وإن كانوا لايُقِرّون بأنّه كلام الله، فهُم
يُقِرّون بأنّه أفصحُ الكلام بأوجز العبارات وأبلغ المعانى فلا يستخِفّون به، كما
لا يستخفّون بسائر الكتب. لكنّ ما ذكره محمّدٌ أصحٌ، فإنّهم يفعلون ذلك
مغايظةً للمسلمين؛ وقد ظهر ذلك من القرامطة حين ظهروا على مكّة جعلوا
يستنجُون بالمصاحف إلى أن قطع الله دابرَهم. ولهذا مُنع الذمّيّ من شرى
المصحف وأجبر على بيعه، كما أجبر على بيع العبد المسلم."(٢)
ويظهر من التّعليلات الّتى ذكرها الفقهاءُ أنّ المِنْعَ لما يُخشى منهم من إهانة
المصحف، واستنبطوا من ذلك منعَ تمكّنهم من تملّك المصحف. ثمّ إنّ الشّافعيّة
(١) صحيح البخارى، كتاب الجهاد، باب ١٢٩ ، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة باب ٢٤
(٢) شرح السير الكبير للسرخسي ٢٠٥:١، فقره٢٤٦

المبحث الثانى
والحنابلة جعلوا مجرّد تملّكهم فى حكم الإهانة، وأمّا الحنفيّة والمالكيّة، فلم يرَوا
إهانةً فى مجرّد تملّكهم، ولكن أمروهم بإزالة الملك، لأنّ بقاءَ المصحف فى أيديهم
ربّما يؤدّى إلى الإهانة، فإنّهم لا يعظّمونه كما هو حقّه، ويمسّونه بدون طهارة. ولكنّ
هذا التّعليلَ الّذى ذكره الحنفيّة على وجه الخصوص يدلّ على أنّه إذا وقع الأمنُ من
هذه المحظورات، فلا مانعَ من بقاءه فى أيديهم إذا رُجيَ منهمُ الإسلام. ولذلك جوّز
الحنفيّة والشّافعية (١) تعليمَ الكافرِ القرآن. قال الإمام محمّد فى السّير الكبير:
"وإذا قال الحربيّ أوالذمّيّ للمسلم: علِّمْنى القرآن، فلابأسَ بأن يُعلّمه أو
یفقّهه فی الدین. لعلّ الله یقلب قلبه."
وقال السرخسيّ فی شرحه:
"ألا ترى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ القرآن على المشركين، وبه
أُمر. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] ..
وفى حديث عثمان رضى الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: خيرُ
النّاس مَنْ تعلّم القرآنَ وعلَّمه. ولم يفْصِلْ بين تعليم المسلمين وتعليم الكفّار.
وإذا كان يُندَب إلى تعليم غير المخاطَبين رجاءً أن يعملوا به إذا خوطبوا، فلَأن
يُندب إلى تعليم المخاطبينَ رجاءً أن يهتدوا به ويعملوا كان أولى."(٢)
:
(١) روضة الطالبين ٣١١:١٠ والبجيرمي على شرح منهج الطلاب للعلامة زكريا الأنصاري ٤٧:١
وفتح البارى ١٠٧:٦
(٢) المرجع السابق

فقه البيوع
وقال الطّحاويّ رحمه الله تعالى:
"ذكر محمّدٌ عن أبى حنيفة أنّه لابأسَ بتعليم الحربيّ والذمّيّ القرآنَ والفقه،
ولم يذكر خلافا ... روى حمّاد بن سلمة عن حبيب المعلّم قال: سألت
الحسن : أُعلّم أولادَ أهل الذّمَة القرآن؟ قال: نعم، أليسوا يقرأون التّوراة
والإنجيل، وهو من كتاب الله؟. قال أبو جعفر: قال الله تعالى: وَإنْ أَحَدٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ الآية. (التوبة: ٦) وروى
شعيب ابن أبى حمزة عن الزّهريّ عن عروة أنّ أسامة بن زيد أخبره أنّ النّبيّ
صلّى الله عليه وسلم مرّ بمجلسٍ فيه عبد الله بن أبيّ ابنُ سلول، وذلك قبل أن
يُسلم عبدالله بن أبيّ ابنُ سلول، فإذا فى المجلس عبد الله بن أبيّ، فدعاهم
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الله تعالى وعلّمهم القرآن."(١)
وأمّا مسُّ الكافر المصحف، فجوّزه الإمام محمّد بعد الاغتسال. قال الكاسانيّ رحمه
الله تعالى:
"وروى عن أبى يوسف أنّه لايُترك الكافر أن يمسّ المصحف، لأن الكافر
نجس، فيجب تنزيه المصحف عن مسته. وقال محمّد: لا بأس به إذا اغتسل،
لأنّ المانعَ هو الحدث، وقد زال بالغُسل؛ وإنما بقيَ نجاسةُ اعتقاده، وذلك
فى قلبه لافی یده."(٢)
(١) مختصر اختلاف العلماء ٤٩٢:٣
(٢) بدائع الصنائع، آداب الوضوء ٣٧:١ وراجع أيضا البحر الرائق ٢٣١٠٨ ورد المحتار ١: ٥٩٢ فقره ١٥٣٤

المبحث الثانى
ويؤيّد قولَ الإمام محمّد رحمه الله تعالى ما رُويَ عن أنس بن مالك رضى الله عنه فى
قصّة إسلام عمربن الخطاب رضى الله عنه. وفيها:
"فلمّا يئس عمر قال: أعطونى هذا الكتابَ الّذى عندكم فأقرأه؛ ... فقالت أختُه:
إنّك رجْسٌ ولا يمسّه إلا المطهّرون، فقُمْ فاغتسِلْ أو توضّاً. قال: فقام عمر،
فتوضأ ثمّ أخذ الكتاب، فقرأ "طه" حتىّ انتهى إلى قوله: إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا
فَاعْبُدْتِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه: ١٤)"(١)
رواه ابن سعد عن إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو ثقةٌ من رجال الجماعة،(٢) غير أنّه
يرويه عن القاسم بن عثمان البصريّ، وثّقه ابن حبّان وضعفه آخرون.(٣)
ويتحصّل من مجموع ما ذكرنا أنّه إذا رُجيَ من كافرِ الإِسلامُ، وأنّه يؤمَن منه الإهانةُ،
فلا مانعَ على قول محمّد رحمه الله تعالى أن يُترك المصحفُ بيده. فما ذُكر من قول
الحنفيّة القائلين بجواز بيع المصحف من الكافر أنّه يُجبر على إزالة ملكه عنه
محمولٌ على عامّة الأحوال الّتى لا يؤمَن منه فيها الإهانة. فينبغى أن تكون الحالةُ الّتى
يؤمَن منه ذلك مستثناةً من هذا الحكم.
هذا حكمُ المصحف العربيّ. أمّا تراجمُ القرآن الكريم والتّفاسير، فقد أدخلها بعضُ
الفقهاء فى حكم المصحف، وكذلك كتبَ الحديث والفقه على اختلافٍ بينهم فى
(١) طبقات ابن سعد ٢٤٨:٣
(٢) تهذيب التهذيب ٢٥٧:١
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي ٥٥٠: ٤

١٧٢٠
فقه البيوع
صحّة البيع.(١) والأمرُ فى هذه الكتب أهون، لأنّه يجوز مسُّها بدون طهارة، فلا وجه
لمنع إبقاءها بيد الكافر إلاّ خشيةُ إهانِها منه. فإذا وقع الأمنُ من ذلك، ينبغى ألا يُمنع
من تملّكها، وخاصّةً إذا رُجيَ منه أن يميل إلى الإسلام بالاطّلاع على ما فيها من
محاسن. والله سبحانه أعلم.
٦٦- بيع السّلاح من غير المسلمين
أمّا البيعُ الَّذى لايجوز من الكافر لمافيه من إعانته على محاربته للمسلمين، فهو بیعُ
السّلاح إلى الحربيّ. وقد اتّفق الفقهاءُ على حُرمته، لما فيه من تقويتهم على محاربة
المسلمين. ثم اختلفوا: هل ينعقد هذا البيعُ أو يبطل؟ فالمذهب الرّاجح عند الشافعيّة
والحنابلة: أنّ بيعَ السلاح من أهل الحرب باطل.(٢) أمّا الحنفيّة، فالظّاهر من عبارة الهداية
أنّ البيعَ ينعقد رَغْم كونه لايجوز، ونصها:
"ولا ينبغي أن يُباع السّلاحُ من أهل الحرب، ولا يُجهّز إليهم .. لأنّ فيه
تقويتَهم على قتال المسلمين، فيُمنع من ذلك، وكذا الكُراع، لما بيّا، وكذا
الحديد لأنّه أصلُ السّلاح."(٣)
والظّاهر من هذه العبارة أنّ المسلمين يُمنَعون من البيع، وإن كان البيعُ منعقداً. ولو
انعقد البيعُ لايُترك أهلُ الحرب أن يحملوا الأسلحةَ المشتراة إلى دارهم. وقد صرّح
به السرخسيّ رحمه الله تعالى حيث قال:
(١) شرح السير الكبير للسرخسي ٢٠٦:١ الفروع لابن مفلح، ٣٢:٤ والدسوقي ٧:٣ وروضة الطالبين ٣: ٣٤٤
(٢) المجموع شرح المهذب، ٣٣٥:٩ الوسيط للغزالى، ٦٩:٣ والإنصاف للمرداوى ٣٢٧:٤
(٣) فتح القدير ٤٦٠:٥

المبحث الثانى
"وإذا أراد الحربيُّ المستأمن أن يرجع إلى دار الحرب، لم يُتركْ أَن يُخرِجَ
معه كُراعاً وسلاحاً أو حديداً أو رقيقاً اشتراهم فى دار الإسلام، مسلمين أو
كُفّاراً، كما لا يُترك تُجّارُ المسلمين ليحملوا إليهم هذه الأشياء. وهذا لأنّهم
يتقوَّون بها على المسلمين "(١)
وهو مذهب المالكيّة. قال المواق:
"قال مالك: لا يُباع من الحربيّ سلاحٌ ولا سروج ولا نُحاس. قاله أبو
إسحاق. ومن باع ذلك منهم بِيعَ على من اشتراه على قياس النّصرانيّ
يشترى المسلم. ابن حبيب. وسواءٌ كانوا فى هُدنة أو غيرها."(٢)
وذكر الطّحاوىّ رحمه الله تعالى أنّه لا يجوزُ مفاداةُ أسرى المسلمين بالسّلاح، (٣) لأنّ
العلّة تقويتُهم على قتال المسلمين، فتمليكُهم السّلاحَ بأيّ طريقٍ كان فى حكم البيع.
وأمّا الحديد، فيجوز بيعُه إليهم عند الشّافعيّة إذا لم يتعيّن استخدامُه فى صنعة
السّلاح. (٤) وقال الحنفيّة: يُكره بيعه أيضاً.(٥) والحاصل أنّ ما يُستخدم فى القتال فى
غالب الظّنّ، فإنّه فى حُكم السّلاح فى عدم جواز البيع إليهم.
ثمّ عمّم الفقهاءُ هذا الحكمَ فى جميع أهل الحرب، وإن كانوا فى حالة الهدنة
(١) مبسوط السرخسى ٩٢:١٠
(٢) التاج والإكليل للمواق ٢٥٤:٤
(٣) مختصر اختلاف الفقهاء ٤٨١:٣
(٤) مغنى المحتاج ١٠:٢
(٥) رد المحتار ١٣: ١٥٤ فقره ٢٠٦١٨، وبدائع الصنائع ١٤٢:٧

١٧٤
فقه البيوع
والموادعة، كما تقدّم فى عبارة المواق؛ وبمثله صرّح صاحب الهداية. والظّاهر أنّ
هذا لا ينطبق على المعاهدين من الكفّار إذا بيعت إليهم الأسلحةُ لقتال عدوٍّ مشتركٍ
بيننا وبينهم. وذلك لأنّ بيعَ السّلاح إلى أهل الذمّة جائزٌ مالم يُخْشَ منهم أنّهم
يُرسلونه إلى أعداء المسلمين.(١)
ويتبيّن ممّا ذكره الفقهاء فى هذا الموضوع أنّ الأحكام تدورُ على مصلحة الإسلام و
المسلمين، فما تعيّن ذريعةً لتقوية أهل الحرب ضدَّ المسلمين فإنّه ممنوع، ومالم
یکنْ کذلك فليس بمحظور، لأنّ الأمرَ فی منع بيع السّلاح لا يختصّ بالکافر، بل بیعُه
ممنوعٌ من أهل البغْي من المسلمين أيضاً بالاتفاق، لأنّه إعانةٌ لأهل البغى فى
محاربتهم أهلَ العدل، ويُمنع من بيع السّلاح من قُطّاعِ الطّريق واللّصوص، ولو كانوا
مسلمين. (٢) وكذلك الأمرُ لا يختصّ بالسّلاح. بل كلّ ما يُقوّى أهل الحرب فى
محاربتهم للمسلمين لا يجوز بيعُه منهم. ولذلك ذكر الفقهاء فى بيع الطّعام من
الحربيّين أنّه لا يجوز فى زمن الحرب. قال الموّاق رحمه الله تعالى:
"وأمّا الطّعام، فيجوز بيعُه منهم فى الهُدنة. وأمّا فى غير الهُدنة، فلا"(٣)
وقال السّرخسيّ رحمه الله تعالى:
"ولا بأس بأن يبيع المسلمون من المشركين ما بدا لهم من الطّعام والثّياب
(١) مغنى المحتاج ٢: ١٠، وحواشى الشيروانی ٢٣٢:٤
(٢) ردالمحتار، باب البغاة ١٣: ١٥٣ فقره ٢٠٦١٥
(٣) التّاج والإكليل للمواق بهامش الحطّاب ٤: ٢٥٤

المبحث الثانى
وغير ذلك إلاّ السّلاح والكراع والسَّبْي، سواءً دخلوا إليهم بأمان أو بغير أمان.
ثمّ هذا الحكم إذا لم يُحاصِروا حصناً من حصونهم. فأمّا إذا حاصروا حصناً
من حصونهم، فلا ينبغى لهم أن يبيعوا من أهل الحصن طعاماً ولاشراباً
ولاشيئاً يُقوّيهم على المقام."(١)
فهذا كلُّه يدلّ على أنّ المنع ليس لكون البيع منهم ممنوعاً فى حدّ ذاته، بل المنعُ دائرٌ
على مصلحة الإسلام والمسلمين فى أحوال مختلفة. وينبغى أن يكون الأمرُ فى مثل
ذلك موكولاً إلى الإمام العادل. والله سبحانه أعلم.
٦٧- بيع العقارات من غير المسلمين فى جزيرة العرب
أمّا منعُ البيع من غير المسلمين لمعارضة المصالح السّياسيّة للإسلام والمسلمين،
فيدخل فيه بيعُ عقارات دار الإسلام إلى الكفّار. و يفترق فيه حكمُ جزيرة العرب من
غيرها.
أمّا جزيرة العرب، فلا يجوز شرعاً أن يمُكَّن الكفّار من استيطانهم إيّاها، أو من
إقامتهم الطّويلة فيها. والأصل فى هذا الباب حديثُ عمر رضى الله عنه أنّه سمع
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
"الأُخْرجنّ اليهود والنّصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلاّ
مُسلماً."(٢)
(١) شرح السّير الكبير، باب هدية أهل الحرب ٤: ١٢٤٢ و ١٢٤٣ فقره ٢٣٣٣ و٢٣٣٤
(٢) سنن أبي داود، كتاب الخراج والفيئ والإمارة، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، حديث
٣٠٣٠

١٧٦
فقه البيوع
ورُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأسانيد صحيحة أنّه أوصی فی مرض
وفاته :
"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"(١)
وروى مالك فى موطأه عن عمربن عبدالعزيز مرسلاً أنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلّم قال:
"ألا!لا يَبْقَيَنّ دِينان بأرض العرب."(٢)
وأخرجه أحمد فى مسنده عن عائشة رضى الله عنها قالت:
"كان آخرُ ما عهد رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن قال: لايُترَكْ بجزيرة
٠
العرب دینان."(٣)
وبناءً على هذه الأحاديث، اتّفق الفقهاء على أنّه لايجوز للمسلمين أن يُمكّنوا غيرَ
المسلمين من استيطان جزيرة العرب، أو إقامتهم بها إقامةً طويلة. ثم اختلفت أقوالهم فى
المراد من جزيرة العرب. فقال الحنفيّة والمالكيّة: إنّها تشمل الجزيرةَ كلَّها طُولاً وعَرْضاً،
من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق فى الطّول، ومن جدّة وما والاها من ساحل البحر
إلى أطراف الشّام. فيدخل فيها اليمن والبحرين، وما يتّصل بهما فى شرق الجزيرة،
(١) صحيح البخاری، کتاب الجهاد، باب جوائز الوفد،حديث ٣٠٥٣
(٢) موطأ مالك، كتاب الجامع، ماجاء فى إجلاء اليهود من المدينة
(٣) مسند أحمد، ٣٧١:٤٣ برقم ٢٦٣٥٢ وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد، ٥٨٦:٥ رقم ٩٦٦١ وقال: رواه
أحمد والطبراني فى الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع.

المبحث الثانى
وكذلك ماوراء خيبر إلى حدود الشّام.(١)
وقال الشّافعيّة والحنابلة: إنّ المراد من الجزيرة الحجازُ خاصّة،(٢) فلا يشمل النّهىُ
اليمن والبحرين والدُّول الّتى تسمّى اليوم دول الخليج. واستدلّوا على ذلك بما
أخرجه أحمد عن أبى عبيدة رضى الله عنه قال:
"كان آخرُ ما تكلّم به رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: أخرجوا يهودَ أهل
الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب."(٣)
ثمّ يجوز لغير المسلمين دخولُ مالا يجوز لهم استيطانُه من جزيرة العرب على
اختلاف الأقوال لتجارة أو نحوها بإذن من الإمام. ولكن قال الشّافعية والحنابلة
والمالكيّة: إنّهم لا يُمكَّنون من الإقامة فيها أكثرَ من ثلاثة أيّام، أو أربعة أيّام فى موضع
واحد، (٤) إلاّ أن يمرَض أحدُهم فيُمْهَل إلى بُرئِه من مرضه، أو إذا دخل مع عروض
التّجارة، فيُمْهَل إلى أن يبيعَها فى قول بعضهم. واستدلوا لتحديد ثلاثة أيّام بفعل عمر
رضى الله عنه أنّه أجاز لهم الإقامة لثلاثة أيّام، فقد أخرج الإمام محمّد رحمه الله
تعالى فى الموطأ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: "أنّ عمر
ضرب لليهود والنّصارى والمجوس بالمدينة إقامةَ ثلاثة أيّام، يتسوّقون، ويقضُون
(١) فتح القدير ٣٠١:٥، بدائع الصنائع، ١١٤:٧ مواهب الجليل للخطاب ٣٨١:٣
(٢) المهذب ٧٥٧:٢، وكشاف القناع ١٣٦:٣
(٣) قال الهيثمي فى مجمع الزوائد ٥٨٦:٥: رواه أحمد بإسنادين، ورجال طريقين منهما ثقات متصل
إسنادهما، ورواه أبو یعلی.
(٤) المبدع لابن مفلح، ٤٢٤:٣ ونهاية المحتاج، ٨٦٠٨ ومواهب الجليل ٣٨١:٣

١٧٨٠
فقه البيوع
حوائجَهم، ولم يكن أحدٌ منهم يُقيمُ بعد ثلاث."(١)
أمّا الحنفيّة، فلم يقصُروا جوازَ إقامتِه بثلاثة أيّام، وإنّما منعوا من إقامته لمدّة طويلة،
وحدّدها بعضُهم بسنَةٍ (٢) أمّا تحديدُ سيّدنا عمر رضى الله عنه، فقد حمله الحنفيّة
على الأقلّ، كما ذكره شيخُنا العثمانيّ التّهانويّ رحمه الله تعالى فى إعلاء السنن.(٣)
والمذكورُ فى الرّواية أنّ عمر رضى الله تعالى عنه أجاز لهم ثلاثة أيّام، ولم يُذكَر أنّه
حرّم أن يؤذَن لهم فوق ذلك. والظاهر أنّه ليس هناك نصٌّ من القرآن والسّنّة يُحدّد
أكثر مدّة لإقامة المستأمنين فى دار الإسلام. وإنّ مثلَ هذه الأمور مبنيّةٌ على أوضاعِ
وظروفٍ يُمكن أن تختلف حسب اختلاف زمان ومكان. والأمرُ فى ذلك موكولٌ
إلى سياسة عامّة تقتضيها تلك الأوضاع والظّروف.
وبما أنّهم يُمْنعون من استيطان جزيرة العرب، على اختلاف الأقوال فى تحديدها،
فهل يحرُم بيع الدُّور والأراضى منهم فى المناطق الّتى يُمنعون من استيطانها؟ لم أرَ
ذلك صراحةً إلّ فى بعض كتب الشّافعيّة، حيثُ ذُكر فيها قولان. قال الشّربينيّ
الخطيب رحمه الله تعالى تحت قول المنهاج: "ويُمنع كلٌّ كافر من استيطان
الحجاز. "ما نصّه:
(١) الموطأ للإمام محمد رحمه الله تعالى، باب نزول أهل الذمّة مكّة والمدينة وما يكره من ذلك،
ص ٢٨٤ وذكره الحافظ فى التلخيص ٥٥٤:٢ وعزاه إلى الإمام مالك، وقال: صححه أبوزرعة.
ولم نجده فى نسخ الموطأ اليوم. وأخرجه البيهقيّ فى سننه ٣: ١٤٨ من طريق يحيى بن بكير عن
مالك.
(٢) ردالمحتار، كتاب السير، فصل فى الجزية، ١٢: ٧٦٢ فقره ٢٠١٧٤
(٣) إعلاء السنن ٥٦١:١٢

ـة
المبحث الثانى
"فلو أراد الكافرُ أن يتّخذ داراً بالحجاز، ولم يَسْكُنْها ولم يستوطِنْها، لم
يجُز، لأنّ ما حرُم استعمالُه حرم اتّخاذه. "(١)
لكن علّق الرمليّ رحمه الله تعالى على نفس عبارة المنهاج بما يأتي:
"وأفهمَ كلامُه جوازَ شراءِ أرضٍ فيه لم يُقِمْ بها، وهو الأوجه، لكنّ الصّوابَ
منعُه، لأنّ ما حرُم استعمالُه حرُم اتّخاذه، كالأوانى وآلاتِ اللّهو، وإليه يُشير
قولُ الشّافعيّ: ولا يتّخذ الذّمَي شيئاً من الحجاز داران، وإن رُدّ بأنّ هذا ليس
من ذاك."(٢)
وأيّده الهيتميّ رحمه الله تعالى بقوله:
"وأفهم كلامُهم أنّ له شراءَ أرضٍ فيه لم يُقِمْ بها، وهو متّجه، وإن قيل
الصّوابُ منعه، لأنّ ماحرُم استعماله حرُم اتّخاذُه، ويُردّ بأنّ هذا ليس من
ذاك، كما هو واضح، إذ لا يجُرّ اتّخاذ هذا إلى استعماله قطعاً."(٣)
والحاصل أنه لوأراد أحدٌ من غير المسلمين شراءَ أرض للاستيطان أو للإقامة الطّويلة
فى جزيرة العرب، على اختلافٍ فى تحديدها، فإنّه يُمنع من ذلك، ولا يجوز لمسلمٍ
أن يبيع إليه. أمّا إذا أراد الشّراء لغرض آخر، مثل التأجير، فقد اختلفت فيه أقوال
المتأخّرين من الشّافعيّة، فرجّح بعضُهم المنع، وآخرون الجواز. والّذى يظهر لهذا
العبد الضعيف عفا الله عنه أنّه إن خيف من مثل هذا البيع أنّه يجُرّ إلى إقامتهم الطّويلة
(١) مغنى المحتاج ٢٤٦:٤
(٢) نهاية المحتاج ٨٥٠٨
(٣) تحفة المحتاج مع حواشى الشيرواني ٢٨٠:٩