Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٠
فقه البيوع
وقد رأى بعض العلماء المعاصرين أنّ ماذكره المالكيّة من لزوم الوعد إنّما يجرى
فى التبرّعات، دون المعاوضات. لأنّهم إنّما يتحدثون عن الوعد الصّادر من جانب
واحدٍ على سبيل التّبرّع. فأمّا الوعد لإنشاء عقد معاوضة فى المستقبل، فلا يوجد له
ذكرٌ فى هذه الكتب. وإنّ الحطّاب رحمه الله قد ألّف فى الموضوع كتاباً مفرداً باسم
"تحرير الكلام فى مسائل الالتزام" وقد بسط فيه صور الوعد والالتزام، وتحدّث عن
أحكامها فى تفصيل جيّد، ولا يوجد فيه فرعٌ يتعلّق بمواعدة فريقين على إنشاء عقد
معاوضة فى المستقبل.
لكن توجد عندهم مسئلةٌ يقع فيها وعدٌ من أحد الجانبين لإنشاء معاوضة فى
المستقبل، وهى مسئلةُ "بيع الوفاء " الذى يسمّيه المالكيّة بيعَ الثُّنيا. وهو أن يبيعَ
البائعُ شيئاً بشرط أنّ البائع إن جاء بالثّمن إلى المشترى، وجب عليه أن يُرُدّ إليه ذلك
الشّيئ. وقد أجمع فقهاء المالكيّة على أنّ هذا البيع غيرُ جائز إذا كان شرطُ الوفاء
مصرّحاً فى صُلب عقد البيع الأول. أمّا إذا وقع البيع الأوّل مطلقاً عن شرط الوفاء، ثمّ
تطوّع المشترى، فوَعَد البائعَ أنّه سيردّ إليه المبيعَ حينما يأتى إليه بالثّمن، فهو جائزٌ
عندهم، والوعد لازمٌ على المشترى. قال الحطّاب رحمه الله تعالى:
"قال فى معين الحكام: ويجوز للمشترى أن يتطوّع للبائع بعد العقد بأنّه
إن جاء بالثّمن إلى أجل كذا فالمبيع له. ويلزم المشتريَ متى جاءه
بالثّمن فى خلال الأجل، أو عند انقضاءه، أوبعده على القُرب منه. ولا
يكونُ للمشترى تفويتٌ فى خلال الأجل، فإن فَعل ببيع أوهبة أو شبه

المبحث الأوّل
ذلك، نُقِض إن أراده البائع ورُدّ إليه(١)"
فالمشترى ههنا قد وعد بردّه إلى بائعه إن جاءه بالثّمن، ولاشكّ أنّ هذا الردّ، سواءٌ
سمّيناه بيعاً جديداً أم جعلناه إقالةً للبيع السّابق، وعدّبعقد معاوضة فى المستقبل، وقد
جعله الفقهاء المالكيّة وعداً لازماً على المشترى، حتّى لم يجوّزوا له أن يبيعَ ذلك
الشّيئ إلى فريق ثالث. ولئن باعه إلى ثالث قبل انقضاء أجل الوعد، فإنّ للبائع الأوّل أن
يفسُخ هذا البيع، ويجبُر المشترى على الوفاء بالوعد. فكأنّهم جعلوا هذا الوعد بالبيع
أقوى من البيع البات اللّحق، حيث يُنقض من أجل الوعد السّابق. غير أنّ هذا الوعد
يكون من جانب واحد، وقد صرّحوا بأنّه لا يجوز المواعدةُ من الطّرفين. يقول
الحطّاب بعد بيان هذه المسئلة:
"وأصل المسألة فى نوازل أصبغ من جامع البيوع، ونقلها ابنُ عرفة
باختصار فقال: الطَّوعُ بها، أى بالُّنيا بعد تمام العقد وقبض عوضيه،
دون توطئة ولامواعدة ولامراوضة موقّتة ومطلقة حلالٌ فى كل شيئٍ
(٢) ١١
سوى الفروج
وهذا يدلّ على أنّ الوعد إنما يلزمُ إذا كان من جانب واحد، وهو المشترى، ولكنّ
هذا الوعد يلزمه إلى أمد بعيد، حتى قال الحطّاب رحمه الله تعالى:
"إن لم يَضْرِبا لذلك أجلاً، فللبائع أخذُه متى جاءه بالثّمن فى قرب الزمان
(١) تحرير الكلام فى مسائل الالتزام، للحطَّاب ص ٢٣٩ طبع دار الغرب الاسلامي، بيروت ١٤٠٤هـ
(٢) تحریر الكلام ص ٢٤٠

فقه البيوع
أو بُعده ما لم يفوّته المبتاع، فإن فوّته فلا سبیل إلیه، فإن قام علیه حین أراد
التّفويت، فله منعُه بالسّلطان إذا كان ماله حاضراً، فإن باعه بعد منع السّلطان
(١) ١١
لە ردّ البيع(١)"
وهذا يدلّ على أنّ الوعد الذى يلزم الواعدَ عند المالكيّة ليس مختصاً بالتّبرعات
فقط، وإنّما هو يجرى فى بعض المعاوضات أيضاً.
وكذلك يوجد عندالحنفيّة نصوصٌ تدلّ على لزوم الوعد، وكون الوفاء به واجباً على
الواعد. فقال الإمام أبوبكر الجصّاص رحمه الله فى تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢]
"يُحتجّ به فى أنّ كلّ من ألزم نفسه عبادةً، أوقُربةً، وأوجب على نفسه
عقداً، لزمه الوفاءُ به، إذ تركُ الوفاء به يُوجب أن يكون قائلاً ما لا يفعل،
وقد ذمَ الله فاعلَ ذلك. وهذا فيما لم يكن معصيةً. فأمّا المعصيةُ، فإنّ
إيجابها فى القول لا يلزمه الوفاءُ بها، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لانذرَ
فى معصية، وكفّارتُه كفارة يمين. وإنّما يلزم ذلك فيما عقده على نفسه
ممّا يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ، ومثل النّذور، وفى حقوق الآدميّين، العقود
التى يتعاقدونها(٧)"
وظاهرُ ماتحته خطّ من هذه العبارة يدلّ على أنّ الوعود يجب إيفاءُها إذا كانت متعلّقةً
بالعقود التى يتعاقد بها النّاس. أمّا الوعودُ الّتى تتعلق بمباحاتٍ يفعلها الإنسان فى
(١) نفس المرجع السالق
(٢) أحكام القرآن، للجصاص ٤٤٢:٣

المبحث الأول
المستقبل، وليس فيها إلزامٌ على نفسه، فإنّ الوفاءَ بها مستحبٌ وليس واجباً. وإليه أشار
الجصاص رحمه الله تعالى بقوله:
"وكذلك الوعدُ بفعل يفعله فى المستقبل وهو مباحٌ، فإنّ الأولى الوفاء به مع
الإمكان."
وهو الموقفُ الذى يبدو مختاراً عند والدى العلاّمة المفتى محمد شفيع رحمه الله
تعالى فى تفسير قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤](١).
أمّا أكثر الفقهاء الحنفيّة، فلم يذهبوا إلى لزوم الوعد فى القضاء فى عامّة الأحوال،
لكنّهم صرّحوا بأنّه قد تُجعل المواعيدُ لازمةً لحاجة النّاس. ولذلك جعلوا الوعدَ
لازماً فى بيع الوفاء. قال ابن عابدين رحمه الله فى مبحث الشّرط الفاسد:
"قلت: وفى جامع الفصولين أيضاً: لوذكرا البيعَ بلاشرط، ثم ذكرا
الشّرط على وجه العِدة، جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد
تكون لازمةً، فيُجعل لازماً لحاجة النّاس (٢)".
ثم حكى عن الفتاوى الخيريّة للرّملى:
"فقد صرّح علماؤنا بأنّهما لو ذكرا البيع بلاشرط، ثم ذكرا الشّرط على
وجه العِدة، جاز البيعُ ولزم الوفاءُ بالوعد."
ثم قال فى آخر هذا المبحث:
(١) راجع تفسير معارف القرآن، للمفتى محمد شفيع، رحمه الله (باللغة الأردية) ٤٦٨:٥
(٢) ردالمحتار ٦٥٦:١٤ فقره ٢٣٥٥١

فقه البيوع
"وقد سُئِل الخير الرّملىّ عن رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده،
وعقدا البيع خالياً عن الشّرط، فأجاب بأنّه صرّح فى الخلاصة، والفيض،
والتّتار خانية وغيرها بأنّه يكون على ما تواضعا".
وكذلك ذكر العلامة خالد الأتاسى فى مبحث بيع الوفاء عن الفتاوى الخانيّة:
"وإن ذكرا البيع من غير الشّرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة،
فالبيع جائز، ويلزم الوفاءُ بالوعد، لأنّ المواعيد قد تكون لازمةً، فتُجعل
لازمةً لحاجة النّاس(١)"
وقال ابن نُجيم رحمه الله تعالى فى الأشباه:
"الخُلْف فى الوعد حرام، كذا فى أضحيّة الذخيرة. وفى القِنْية: وَعَده أن
يأتيه، فلم يأته، لا يأثم، ولا يلزم الوعدُ إلاّ إذا كان معلّقا، كما فى كفالة
البزازية، وفى بيع الوفاء، كما ذكره الزّيلعىّ"
وقال الحموى تحته:
"والتقدير: ولا يلزم الوعدُ إلاّ فى التّعليق وبيع الوفاء، وإن لم يكن
معلّقاً"
والواقعُ أنّ الوفاءَ بالوعد مأمورٌ به من قِبل القرآن والسنّة بكل تأكيد؛ وإخلاف الوعد
منهيٌّ عنه بالنّصوص الصّريحة، فقال الله تبارك وتعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
(١) شرح المجلة للأتاسى ٤١٥:٢

المبحث الأول
بالْعُقُودِ [المائدة: ١] ويقول الإمام أبوبكر الجصّاص فى تفسيره:
"العقد ما يعقده العاقد على أمريفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على
وجه إلزامه إيّاه .. وسُمّى اليمينُ على المستقبل عقداً، لأنّ الحالف قد
ألزم نفسه الوفاءَ بما حلف عليه من فعل أوترك، والشّركة والمضاربة
ونحوها تسمّى أيضاً عقوداً، لما وصفنا من اقتضاءه الوفاءً بما شرطه
على كلّ واحدٍ من الرّبح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه، وكذلك العهد
والأمان،لأنّ مُعطيها قد ألزم نفسه الوفاءَ بها، وكذلك كلّ شرطٍ شرطه
الإنسان على نفسه فى شيئ يفعله فى المستقبل، فهو عقد (١)"
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ كَبُرَ مَّقْتَّا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا
تَفْعَلُونَ [الصّفّ: ٣،٢] وقد مرّ تعليق الجصّاص على هذه الآية، وإنّه وعيدٌ شديدٌ على
الإخلاف فى الوعد. وقال تعالى: وَأُوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤]
وقد صحّ من رواية أبى هريرة رضى الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسم قال:
"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن
خان."(٢)
وقد صحّ من رواية عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما مرفوعاً:
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢٩٤:٣ - ٢٩٥
(٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال
المنافق

فقه البيوع
"أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه
خصلةٌ من النّفاق حتىّ يدعها ... إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
!(١)
عاهد غدر، وإذا خاصم فجر
وروى البخاريّ رحمه الله تعالى حديث عائشة:
"أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يستعيد فى صلاته كثيراً من المأثم
والمغرم. فقيل له: يا رسولَ الله! ما أكثرَ ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إنّ
الرّجل إذا غرِم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف. " (٢)
وقد قرن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خُلْفَ الوعد فى هذين الحديثين بالكذب،
وقد جعله علامةَ النّفاق فى الحديث الأول.
وقد صحّ عن أبى بكر الصدّيق رضى الله تعالى عنه أنّه أعلن عندما جاءه مالٌ من
البحرين: "مَن كان له عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ أو دين فليأتنا". فأتاه جابر
رضى الله عنه وذكر أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعده بأن یحثى له ثلاثا، فحثى له
أبو بكر رضى الله عنه ثلاثاً (٣). فقرَن أبو بكر رضى الله عنه العِدةَ بالدّين، ووفى بوعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ورد فى حديث هرقل أنّ أبا سفيان ذكر عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه: "يأمر
(١) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب إذا خاصم فجر، حدیث ٢٤٥٩
(٢) صحيح البخاری، کتاب الاستقراض، باب من استعاذ من الدین رقم ٢٣٩٧
(٣) صحيح البخارى، كتاب الهبة، باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات، رقم ٢٥٩٨ وكتاب الشهادات،
باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم ٢٦٨٣

المبحث الأول
بالصّلاة والصّدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة (١)" ممّا يدلّ على أنّ الوفاء
بالعهد كان من النّقاط الأساسيّة الّتى بنى عليها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم دعوته.
وقد ورد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
"لاتُمار أخاك، ولاتُمازحه، ولا تعِده موعدةً فَتُخلِفه"(٢)
وروى أنس عن النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
"لا إيمانَ لمن لا أمانة له، ولا دينَ لمن لاعهد له(٣)"
فهذه الآيات والأحاديثُ بمجموعها لا تدع مجالاً للشّكّ فى أنّ الوفاء بالوعد
واجبٌ، وإخلافه إثم، إلاّ إذا كان بعذر مقبول. ومن العلماء من تأوّل فى هذه
الأحاديث بأنّ الحُرمة إنّما تلزم إذا كان فى نيّة الواعد عند الوعد أنّه لايَفى به، أمّا إذا
كان فى نيّته أن يَفِيَ، ثم بداله خلافُه فلا يحرم إخلاف الوعد. واستدلّوا فى ذلك بما
أخرجه أبو داود والترمذىّ عن زيد بن أرقم، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
"إذا وعد الرّجل أخاه، ومن نيّته أن يفيَ له، فلم يَفِ، ولم يجئ للميعاد فلا
إثم علیه (٤)"
ولكنّ هذا الحديث مدارُه على أبى النّعمان وأبى وقّاص، وكلاهما مجهول. ولذلك
(١) صحيح البخاری، کتاب الشهادات، رقم ٢٦٨١
(٢) أخرجه الترمذى فى البر والصلة، حديث ١٩١٨ وقال "حسن غريب"
(٣) مسند أحمد ٣٧٦:١٩، ٣٣:٢٠، ٤٢٣:٢٠، ٢٣١:٢١
(٤) سنن أبى داود، كتاب الأدب، حديث ٤٣٤٣

فقه البيوع
قال الإمام الترمذىّ رحمه الله بعد إخراجه: "هذا حديث غريب، وليس إسناده
بالقوىّ. علىّ بن عبد الأعلى ثقة، ولا يعرف أبو النّعمان ولا أبو وقّاص، وهما
مجهولان(١)"
ولئن ثبت هذا الحديث بطريق مقبول، فيمكن حملُه على حالة العذر، بينما الآياتُ
والأحاديث الموجبة للوفاء بالوعد شاملةٌ للحالتين، سواء أكان فى نيّة الواعدِ الوفاءُ
عند الوعد أم لم يكن. أمّا حالةُ العذر، فيدلّ على استثناءها ما ورد فى الصّحيح من
حديث عائشة رضى الله عنها قال:
"واعَد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السّلام فى ساعة يأتيه
فيها، فجاءت تلك السّاعةُ ولم يأته، وفى يده عصًا فألقاها من يده، وقال: ما
يُخلف الله وعدَه ولارُسُلُه، ثم التفت، فإذا جرْؤُ كلب تحت سريره فقال: يا
عائشة! متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريتُ، فأمر به فأخرج،
فجاء جبريل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: واعدتَنى فجلستُ لك،
فلم تأتٍ، فقال: منعنى الكلبُ الذى كان فى بيتك، إنّا لاندخل بيتاً فيه كلبٌ
ولا صورة(٢)"
وقال الإمام الغزالى رحمه الله تعالى فى سياق آفات اللسان:
"الآفة الثالثة عشر: الوعد الكاذب ... فإنّ اللسان سبّاقٌ إلى الوعد، ثم النّفس
(١) جامع الترمذى، کتاب الإیمان، حدیث ٢٥٥٧
(٢) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، حديث ٣٩٢٧

المبحث الأوّل
ربّما لا تسمحُ بالوفاء فيصير الوعد خُلفاً، وذلك من أمارات النّفاق ... قال الله
تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوًا أَوْفُوا بالعُقوُدِ .. وقد أثنى الله تعالى على نبيّه
إسماعيل عليه السلام فى كتابه العزيز فقال: إنَّه كَانَ صَادِقَ الوَعدِ .. ولمّا
حضرت عبدَ الله بن عمر الوفاةُ قال: إنّه كان خطب إلى ابنتى رجلٌ من
قريش، وكان إليه منّى شِبهُ الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلُث النّفاق. أُشهدكم
أنّى قد زوّجتُه ابنتى ... وكان ابن مسعود لا يعد وعداً إلاّ ويقول: إن شاء الله،
وهو الأولى. ثمّ إذا فُهم مع ذلك الجزم فى الوعد، فلابدَّ من الوفاء إلاّ أن
يتعذّر. فإن كان عند الوعد عازماً على أن لا يَفِيَ فهذا هو النّفاق. وقال أبو
هريرة: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ثلاثٌ من كُنّ فيه هو منافق وإن صام
وصلّى ... وهذا ينزل على عزم الخلف أوترك الوفاء من غير عذر. فأمّا مَن
عَزم على الوفاء، فعنّ له عذرٌ منعه من الوفاء لم يكن منافقاً، وإن جرى عليه
ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغى أن يُحترز من صورة النّفاق أيضاً، كما
يحترز من حقيقته ولا ينبغى أن يجعل نفسه معذوراً من غير ضرورة
حاجزة"(١)
فالّذى يتلخّص من القرآن والسنّة أنّ الوعدَ إذا كان جازماً يجب الوفاء به ديانةً،
ويأثَم إلانسان بالإخلاف فيه، إلاّ إذا كان لعُذر مقبول. أمّا لزومُ الوفاء قضاءً، فالأصلُ
فيه أنّ مجرّد الوعد لا يُحْكمُ به فى القضاء، لأنّ المواعيدَ متنوّعة، وليس من مهامّ
(١) إحياء علوم الدين للغزالى ١٣٢:٣

فقه البيوع
القضاء أن يتدخّل فى كلّ مايجرى بين النّاس من كلام، فمَن قبل من الآخر خِطبتَه
لبنته، فإنّ ذلك وعدٌ منه بتزويجه إيّاها. وقد يبدوله أنّه ليس من مصلحة البنت أن
يَفيَ بهذا الوعد. فلو قلنا: إنّ المواعيدَ كلَّها لازمةٌ فى القضاء، لزم أن يرفع الخاطبُ
هذه القضيّة إلى القاضى، ويجبُر القاضى والدَ المخطوبة على أن يزوّج الخاطب
إيّاها، وهذا ممّا فيه حرجٌ ظاهر. وكذلك لووعد أحدٌ آخرَ أن يعطيه بعضَ الفلوس
تبرّعاً، فهذا وعدٌ يجب إيفاءه على الواعد ديانةً. أمّا أن يأخذ الموعودله بيد الواعد،
ويجرّه إلى المحكمة لإنجاز هذا الوعد، فلا عهدَ به فى الشّريعة.
ولكن قد تظهر هناك حالاتٌ يمكن أن تُجعل المواعيدُ فيها لازمةً فى القضاء، لأنّ
الإخلاف فيها يؤدّى إلى ضرر بيّن للموعود له. مثلاً: إن وعد أحدٌ بشراء بضاعة من
تاجر، وقد تكلّف التّاجر نفقاتٍ باهضة، وتحمّل جهداً كبيراً للحصول عليها بناءً
على وعد المشترى بأنّه سيشتريها منه، وقد تكون البضاعةُ ممّا لا يوجد لها
المشترون إلاَّ بقلّة. فلو امتنع المشترى عن الوفاء بوعده، فإنّ ضررَ التّاجر ظاهر،
فالقولُ بعدم لزوم الوعد فى مثل هذه الحالة يعوّق النّاس عن الدّخول فى التّعاملات
التّجاريّة الكبيرة، ولاسيّما فى التّجارة الدّوليّة اليوم، حيثُ إنّ العقودَ فيها إنّما تُبنى
على أساس الوعود والمساومات التى تأخذ وقتاً طويلا، ولولا أنّ هذه الوعودَ لازمةٌ
فى القضاء، لم يَثِقْ أحدٌ بآخر، ولا اجترأ على الدّخول معه فى البيع.
فإنّ أمثال هذه الحالات هى التى قال فيها الفقهاء الحنفيّة: "وقد تُجعل المواعيدُ
لازمةً لحاجة النّاس " كما أسلفنا عن ردالمحتار وغيره.
بقيَ الآن تحديدُ المعيار الّذي يفرق بين الوعد الّذي يلزم قضاءً، وبين الوعد الّذى

المبحث الأول
لا يلزم. والّذى أرى أنه يمكن جعلُ الوعد لازماً فى القضاء على أساسين:
الأوّل: أن يكون ذلك بتقنين من الحكومة الإسلاميّة. فيُعيّن القانون المواعيدَ الّتى
تُعتبر لازمةً فى القضاء.
والثّانى: أن يكون فى الوفاء بالوعد كلفةٌ على الموعودله يتحمّلها بناءً على الوعد،
ويصّرح الواعدُ فى وعده بأنّ هذا الوعد لازمٌّ عليه فى القضاء، ويكتُبه أو يُشهد عليه.
فلو وعد أحدٌ بالبيع أو بالشّراء، وقد صرّح الواعدُ بأنّ هذا الوعد يلزمه فى القضاء،
فينبغى أن يلزمه، ويُحْكم به قضاءً، ومستندُنا فى ذلك الآياتُ والأحاديثُ الدّالّة على
وجوب الإيفاء بالوعد ديانةً، وما كان واجباً فى الدّيانة يمكن أن يُجعل لازماً فى
القضاء بتقنين من الحكومة، لأنّ طاعةَ أولى الأمر واجبةٌ فى المباحات، ففى
الواجبات أولى. وعند فُقدان مثل هذا التّقنين، يمكن أن يحلّ التزامُ الواعد محلّه، لأنّ
المواعيدَ قد تُجعل لازمةً لحاجة النّاس، كما صرّح به الفقهاء الحنفيّة، والحاجةُ فى
مثل هذه الحالات متحقّقة، ولذلك أفتى الشّيخ فتح محمّد اللّكنوىّ رحمه الله
(تلميذ الإمام عبدالحىّ اللّكنوىّ) وتلميذه الشيخ سعيد أحمد اللكنويّ رحمه الله
تعالى بأنّ الوعد بالبيع أو الشّراء لازمٌ قضاء.(١)
وقد درس مجمع الفقه الإسلامىّ المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلاميّ هذه المسئلة
فى دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى سنة ١٤٠٩هـ وقرّر
فى هذا الموضوع ما يلى:
(١) عطر هدایة ص ١١٠ وص ٢٤٣ و ٢٤٤

٩٢
٥
فقه البيوع
"الوعد يكون ملزماً للواعد ديانةً إلاّ لعُذر، وهو ملزمٌ قضاءً إذا كان معلّقاً على
سبب، ودخل الموعود فى كُلفة نتيجةَ الوعد. ويتحدّد أثرُ الإلزام فى هذه
الحالة إمّا بتنفيذ الوعد، وإمّا بالتّعويض عن الضّرر الواقع فعلاً بسبب عدم
الوفاء بالوعد بلاعذر (١)"
وإنّما أفتى المجمعُ بالتّعويض عن الضّرر الفعليّ على أساس القواعد العامّة
المأخوذة من الحديث الطويل لعبادة بن الصّامت رضى الله تعالى عنه الّذى ذكر فيه
عدة أقضية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه: "وقضى أن لاضرر ولاضرار."(٢)
كذلك رواه عبدالله بن عباس رضى الله تعالى عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم قال: "لاضرر ولا إضرار."(٣) ويشهد له ما رواه جابر بن عبد الله رضى الله تعالى
عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لاضرر ولاضرارَ فى الإسلام."
أخرجه الطبرانيّ فى الأوسط.(٤) وكذلك أخرجه الطبرانيّ عن عائشة رضى الله
تعالى عنها بسند ضعيف. (٥)
وربّما ينشأ سؤال، وهو أنّ الوعد بالبيع أو بالشراء يقعُ غالباً فى حين أنّ البائع لا
(١) قرار، رقم ٢، ٣ مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد الخامس ١٥٩٩:٢
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٣٧: ٤٣٦ برقم ٢٢٧٧٨ وقال الهيثميّ رحمه الله تعالى: "روى ابن ماجه
طرفاً منه. رواه عبدالله بن أحمد، وإسحق (يعنى ابن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت) لم
يُدرك عبادة." (مجمع الزوائد ٤: ٢٠٥)
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٥: ٥٥ برقم ٢٨٦٥ ولكن فيه جابر الجعفيّ معروف بضعفه
(٤) كذا فى مجمع الزوائد ٤: ١١٠ وقال الهيثميّ رحمه الله تعالى: " وفيه ابن إسحق، وهو ثقة ولكنّه
مدلّس."
(٥) مجمع الزوائد ٤: ١١٠

المبحث الأول
يملك المبيع. فلو جعلنا الوعدَ ملزماً فى القضاء، صار ذلك مشابهاً لعقد البيع، وهو
بيعٌ لما لا يملك الإنسان، أو هو بيعٌ مضافٌ إلى المستقبل، وكلاهما لا يجوز.
والجواب، أنّ الوعد الملزم بالبيع ليس بيعاً، ويتضح الفرقُ بينهما بالنّقاط الآتية:
١- حيث إنّ الوعد بالبيع ليس بيعاً، فإنّ البيعَ يحتاج إلى أن يتمّ عند الأجل الموعود
بالإيجاب والقبول من الطّرفين أو بالتّعاطى. فإذا لم يتحقّق الإيجاب والقبول ولا
التّعاطى عندئذٍ، لم ينشأ بيعٌ، بخلاف البيع المضاف إلى المستقبل، فإنّه لا يحتاج إلى
الإيجاب والقبول مرّةً أخرى، وإنّما تنشأ الحقوقُ والالتزاماتُ عند الأجل المحدّد،
فتنتقل ملكيّةُ المبيع إلى المشترى، ويجب عليه أداء الثّمن بصفة تلقائيّة.
٢- بما أنّ البيع لا ينعقد بمجرّد الوعد، وإنما يحتاج الطَّرفان إلى عقده فى التّاريخ
الموعود، فإن أخلفَ الواعدُ فى وعده، ولم يعقد البيعَ فى أوانه، فإنّ القاضي يجبُره إذا
كان قادراً على تنفيذ البيع. وإن كان إخلافُه للوعد لسبب خارج عن اختياره، وكان له
عذرٌ واضحٌ فى ذلك، فإنّه يُعذر. أمّا فى البيع المضاف إلى المستقبل، فالبيع باتٌ منذ يوم
البيع، فلايُعذَر الطّرف المقصِّرُ فى حال من الأحوال. فإن كان اشترى شيئاً فى التّاريخ
المستقبل، فإنّه يصيير مديناً بالثّمن فى ذلك التّاريخ تلقائيًّا. فإن لم يستطع أداء الثّمن،
يبقى الثّمنُ دَيناً فى ذمَّته إلى أن يسدّده، ولا يسبّب عدمُ أداءه للثمن فسخاً للبيع، إلاّ
بعقد الإقالة بالتّراضی.
ثمّ إنّ مجمع الفقه الإسلامىّ إنّما أجاز لزومَ الوعد إذا كان من طرفٍ واحد. أمّا إذا

فقه البيوع
كان هناك مواعدةٌ من الطّرفين فلم يجّوزها المجمع (١)، وذلك لكونها مشابهةً للعقد
المضافِ إلى المستقبل، حيثُ يلتزم كلّ واحدٍ منهما بالعقد فى تاريخ لاحق، بخلاف
الوعد من طرفٍ واحد، فإنّ الملتزم به أحد الفريقين، والثّانى غير مُلزَم به، فيفارق
العقد من هذه الجهة.
ولكن ربّما تمسّ الحاجة إلى مُواعدة ملزمة للطّرفين، وخاصّةً فى التّجارة الدّولية
واتفاقیّات التّورید.
٣٣- المواعدة فى اتفاقيات التّوريد
واتّفاقيَّةُ التّوريد عبارةٌ عن اتّفاق بين الجهة المشترية والجهة البائعة على أنّ الجهة
البائعة تُورِّد إلى الجهة المشترية سِلَعاً أو موادَّ محدودةَ الأوصاف فى تواريخَ
مستقبلة معيّنة لقاءَ ثمن معلوم متّفَق عليه بين الفريقين، مثل أن يحتاج فندقٌ إلى موادّ
غذائيّة تُورَّد إليه كلّ يوم، فيدخلُ صاحبُ الفندق فى اتّفاقيّة التّوريد مع تاجر أنّه
سيوفّر لها تلك الموادّ الغذائيّة بمواصفاتٍ معلومة، وكميّة معلومة، كلّ يوم إلى مدّة
سريان الاتّفاقيّة. وقد عرّف مجمع الفقه الإسلاميّ التّوريد بما يأتى:
"عقد التّوريد عقدٌ يتعهّد بمقتضاه طرف أوّل بأن يُسلّم سِلعاً معلومةً مؤجّلةً
بصفة دوريّة خلال فترة معيّنة لطرفٍ آخر مقابلَ مبلغ معيّن مؤجّل كلُّه أو
بعضُهَ."(٢)
(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد الخامس ١٥٩٩:٢، رقم ٣و٢ من الدورة الخامسة المنعقدة
بالكويت سنة ١٤٠٩هـ
(٢) قرار رقم ١٠٧ (١-١٢) مجلّة المجمع، العدد الثانى عشر

المبحث الأول
وإنّما تحتاج المؤسساتُ التّجاريّة إلى مثل هذه الاتّفاقيّات، ليُمكن لها تخطيطُ
نشاطاتها التّجاريّة، فإنّ ذلك لا يتيسّر إلاّ بالتزام من الطّرفين، يتمّ به الحصولُ على
الموادّ الخامّ، أو المواد المطلوبة الأخرى فى أوقات محدّدة، ويكون لتحديد هذه
الأوقات أثرٌ كبير فى نجاح المخطّطات التّجارية وفَشلها.
وحكم هذه الاتفاقيّات أنّه إن كان محلَّ التّوريد شيئٌ يحتاج إلى صناعة، فيمكنُ
تقعيدها على أساس الاستصناع، وسيأتى حكمُه فى موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذلك إن كان المستوردُ يُعجّل الثّمنَ بكامله عند العقد، فهذا عقدٌ يأخذ حكم
السّلم، فيجوز بشروطه المعتبرة شرعاً كما سيأتى فى محلّه إن شاء الله تعالى.
أمّا إذا كان محلَّ التوريد شيئٌ لا يحتاج إلى صنعة، ولا يُمكن تخريجُه على أساس
السّلم، فلا يجوز أن تُعتبر الاتفاقيّةُ عقداً باتّاً للبيع أو الشّراء، لأنّه عقدٌ مضافٌ إلى
مستقبل، ومنعه جمهور الفقهاء، ولأنّه يتأجّل فيه البدلان، فيستلزم بيعَ الكالئ
بالكالئ، ولأنّ محلّ التّوريد فى كثير من الأحوال لا يملكه البائعُ عند التّوقيع على
الاتفاقية، بل ربّما يكون معدوماً، فيستلزم بيعاً للمعدوم، أو لما لا يملكه البائع،
وكلاهما ممنوع.
فالصّحيح أنّ اتفاقيّة التّوريد لا تعدُو من النّاحية الشّرعية من أن تكون تفاهماً ومواعدةً
من الطّرفين. أمّا البيع الفعلىّ، فلا ينعقد إلاّ عند تسليم المبيعات. فالإشكال الوحيدُ
إذن، هو فى كون هذه المواعدة ملزمةً للطّرفين، والمواعدةُ فى عامّة الأحوال لا تكون
ملزِمة، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلاميّ بشأن التّوريد خاصّةً أنّه يجوز إذا لم تكن
المواعدةُ ملزمةً لأحد الطرفين، أو لكليهما. أمّا إذا كانت هناك مواعدةٌ ملزمةٌ للطّرفين

فقه البيوع
فهذه الاتّفاقيّات غيرُ جائزةٍ شرعاً.
ولكن ذكر بعضُ الفقهاء أنّ المواعدةَ قد تُجعل لازمةً لحاجة النّاس، ويقول الإمام
قاضی خان، وهو يتحدّث عن بيع الوفاء:
"وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشّرط على وجه المواعدة جاز
البيع، ويلزمه الوفاءُ بالوعد، لأنّ المواعدةَ قد تكون لازمةً، فتُجعل لازمةً
(١) ١١
لحاجة الناس
وكذلك يظهر من عبارة الإمام أبى بكر الجصّاص، رحمه الله تعالى، فى تفسير قوله
تعالى: "يَا آَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلوُنْ " [الصفّ: ٢] وقد ذكرنا نصّه عند
كلامنا على الوعد.
وقال العلاّمة بدر الدّين العينيّ رحمه الله تعالى في تفسير قول الله تعالى حاكياً عن
شعيب عليه السّلام: "إنّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي
ثَمَانِيَ حِجَج "[القصص: ٢٧]
"فإن قلت: كيف يصحّ أن يُنكِح إحدى ابنتيه من غير تمييز؟ قلتُ لم يكن
ذلك عقدَ النّكاح، ولكن مواعدةٌ ومواضعة، أمرٌ قد عُزم عليه."(٢)
والظّاهر أن العينيّ رحمه الله اعتبره مواعدةً ملزمة، وفرّق بينه وبين العقد.
ولا شكّ أن حاجة إلزام المواعدة فى اتّفاقيّات التّوريد ظاهرة. وضررُ أحد
الفريقين عند عدم لزومها بيّنٌ لا يحتاج إلى شرح. ولذلك أفتى الشّيخ فتح
(١) فتاوى قاضى خان، بهامش الفتاوى الهندية ١٦٥:٢ فصل فى الشروط المفسدة فى البيع
(٢) عمدة القاري، كتاب الإجارات، باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين له العمل. ١٢١:١٢

المبحث الأول
محمد اللّكنوى رحمه الله (تلميذ الإمام عبدالحى اللكنوى) وتلميذه الشيخ سعيد
أحمد اللكنويّ رحمه الله تعالى بأنّ المواعدة بالبيع والشّراء لازم قضاء.(١)
فإن قيل: ما هو الفرق بين هذه المواعدة اللاّزمة وبين البيع المضاف إلى المستقبل؟
فالجواب: أنّ المواعدةَ لا تكونُ فى حكم إنجاز عقد البيع، لأنّ إنجازَ العقد ينقُل
المعقود عليه من ذمّة إلى ذمّة. فمَن أنجز الشّراءَ، فإنّه جعل الثّمن ديناً فى ذمته، ومن
أنجز البيع، فإنّه نقل مِلكَ المبيع إلى المشترى، أو جعل المبيع ديناً فى ذمّته إن كان
البيع سَلماً. وإنّ هذا الانتقال من ذمّة إلى ذمّة يحدُث فورَ مايتمّ الإيجاب والقبول.
ولذلك من اشترى داراً لسُكناه، ولم يدفع الثّمن إلى بائعها، فإنّه صار مديناً للبائع
بمقدار الثّمن، وتجرى عليه سائر أحكام المديون، فلا تجب عليه الزّكاة بمقدار هذا
الدّين على قول من يجعل الدّينَ ما نعاً لوجوب الزكاة، حالاً كان أو مؤجّلاً(٢). وإذا
أفلس المشترى، فإنّ البائع أسوةٌ للغرماء على قول الحنفيّة. وكذلك من باع الحنطةَ
سلَماً،. فإنه أصبح مديناً للمشترى بذلك المقدار من الحنطة، فتسقطُ عنه الزّكاة
بذلك المقدار لكونه ديناً عليه، ولا يسقطُ هذا الدّينُ بموت المسلم إليه، فيؤخذ
المسلم فيه من تركته حالاً (٣).
أمّا المواعدة، فلا تُنشئ ديناً على أحد من الطرفين، فلا تحدث بها هذه النّتائج. فإذا
تواعدا على بيع الشّيئ فى تاريخ لاحق، لم يكن الثّمنُ دَيناً فى ذمّة الواعد بالشّراء،
فلا تسقط عنه الزكاةُ بمقدار الثّمن، ولم يكن المبيعُ ديناً فى ذمّة الواعد بالبيع، فلا
(١) عطر هداية ص ١١٠ وص ٢٤٣ و ٢٤٤
(٢) راجع بدائع الصنائع للكاسانى ٢٠٨٣ داراحياء التراث العربى، بيروت ١٤١٨ هـ
(٣) راجع رد المحتار ١٥: ٣٧٥ فقره ٢٤٧٤٧ باب السلم

فقه البيوع
تسقطُ عنه زكاتُه. ولا يحقّ للواعد بالشّراء أن يأخذ الشّيئ الموعودَ بيعُه من تركة
الواعد بالبيع بعد موته أو إفلاسه. فظهر أنّ المواعدة ليست عقداً، ولا تنتج عنها آثار
العقد، ولا المديونّةُ إلاّ فى التّاريخ الموعود، بل يجب عند ذلك أن يتمّ الإيجاب
والقبول من الطّرفين، على أنّه إن عرض لأحد الطرفين فى المواعدة عذرٌ حقيقىٍّ
مقبول مَنَعه من إنجاز الوعد، فإنّه يُعدّ معذوراً، ولا يُجبر على إنجاز العقد، ولا على
دفع التّعويض. أمّا فى البيع المضاف إلى المستقبل، فعِجْز أحد الطّرفين من تنفيذ
مسؤليّاته العقديّة لا يسبّب الفسخ تلقائيّاً، وإنّما يحتاج إلى الإقالة بالتّراضى.
أمّا أثر كون المواعدة لازمةً، فلا يتجاوز من أن يجبُر الحاكمُ الفريقين بإنجاز العقد
فى التّاريخ الموعود. وإن أخلّ أحدُهما بالوفاء بوعده بدون عذر مقبول، حمّله
الحاكم ماتضرّر به الآخرُ من الضّرر الفعلىّ الذى أصاب الفريقَ الآخر بسبب تخلّفه
عن الوفاء(١). وهذه النتيجةُ مختلفةٌ تماماً عن نتائج إنجاز العقد الذى ينقل المعقود
عليه من ذمّة إلى ذمّة. (٢)
٣٤- المواعدة في البيوع عن طريق فتح الاعتماد المصرفي
ثم إنّ البيوع الدّولية التي تتمّ عن طريق الاعتماد المصرفيّ (Letter of Credit)
لا يمكن تخريجها عموماً إلّ على أساس المواعدة. وذلك لأنّ الاعتماد المصرفيّ إنّما
يُفتح عادةً حينما تكون عند فاتح الاعتماد اتفاقيةُ بيع ملزمةٌ للطرفين. وإنّ هذه الاتفاقيّةَ
(١) وهذا ما صدربه قرار مجمع الفقه الإسلامىّ فى إخلاف الوعد من طرف واحد، راجع مجلة
مجمع الفقه الإسلامىّ، عدد ٥ ج ٢ ص ١٥٩٩
(٢) ولمزيد من البحث فى عقود التوريد يراجع رسالتى المستقلّة "عقود التوريد والمناقصة"

0
المبحث الأول
لا يمكن أن تُعتبر بيعاً ناجزاً في عامّة الأحوال، لأنهاتُوقّع غالباً فى حين لا يملك فيه البائع
الكمّية المطلوبة من البضاعة المبيعة. ومعلومٌ أنّ بيع مالا يملك الإنسان باطلٌ شرعاً.
ولو كان المبيعُ مملوكاً للبائع، فإنّ الكمّية المبيعة غيرُ متعيّنة، وكذلك يشترط في الاتفاقيّة
تأجيلُ تسليم المبيع، وذلك يؤدّي إلى تأجيل البدلين، وبيع الكالئ بالكالى، وكلُّ ذلك
ممنوعٌ شرعاً. فلا سبيل لتصحيح هذه العمليّة الّتى لاغِنِيَّ عنها في التّجارات الدّولية إلاّ
بأن تعتبر هذه الاتفاقيّةُ مواعدةً لعقد البيع بعد تحقّق شروطٍ متّفَق عليها.
ولابدّ من كون هذه المواعدة ملزمةً للطرفين، لأَنّه لايُفتح الاعتماد عادةً إلّ بذلك،
ولا يمكن إنجاز البيع فى غالب الأحوال إلاّ بفتح الاعتماد. وسوف نتكلّم على مسائل
الاعتماد المستنديّ فى باب مستقلّ إن شاء الله تعالى. وسنذكر أنّ اتّفاقيّة البيع
(Agreement to sell) مختلفة تماماً عن عقد البيع، فإنّ الاتّفاقيّة لاتعدو من أن تكون
مواعدةً ملزمة، وإنّما يُعقد البيع بعدها إمّا بالإيجاب والقبول، أو بالتّسليم والتّسلّم على
أساس التّعاطى. وإنّ كثيراً من بيوع العقارات فى عهدنا تقع على هذا الأساس، حيثُ
تُوقّع اتفاقيّة البيع قبل إنجاز البيع، لأنّ إنجازَ البيع يتوقّف عادةً بتوافر شروط لا يرضى
المتعاقدان بإنجازه إلاّ بها. فلا سبيلَ لتصحيح هذه العمليّات إلاّ على أساس المواعدة
الملزمة للطّرفين.
ولكن لا يغِبْ عن البال أنّ كونها مُلزمةً خلاف الأصل، وإنّما أجيز على أساس حاجة
تجاريّة حقيقيّة. فلاينبغى أن تُتخذ أصلاً فى جميع العمليّات الرائجة فى السّوق
الرأسماليّة. فإنّ هناك عمليّات كثيرة ليست مبنيّةً على أساس حاجة تجاريّة حقيقيّة،
وإنّما المقصود منها الدّخول فى عقود المضاربات (Speculations) الّتى