Indexed OCR Text

Pages 661-680

+ ۔۔
الفصل الثاني
سُلطةِ التَّنفيذ العُليا - الإِمَامَة
ويتضمن مباحث عشرة هي:
المبحث الأول- تعريف الإمامة :
الإمامة العظمى أو الخلافة أو إمارة المؤمنين كلها تؤدي معنى واحداً، وتدل
على وظيفة واحدة هي السلطة الحكومية العليا. وقد عرفها علماء الإسلام بتعاريف
متقاربة في ألفاظها، متحدة في معانيها تقريباً، علماً بأنه لا تشترط صفة الخلافة،
وإنما المهم وجود الدولة ممثلة بمن يتولى أمورها، ويدير شؤونها، ويدفع غائلة
الأعداء عنها .
فقال الدهلوي: الخلافة: هي الرياسة العامة في التصدي لإقامة الدين بإحياء
العلوم الدينية، وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد، وما يتعلق به من ترتيب
الجيوش والفروض للمقاتلة، وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء، وإقامة الحدود،
ورفع المظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن النبي معطاقم(١).
وقال التفتازاني : الخلافة: رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي
انع (٣).
عادية
إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن خان : ص ٢٣
(١)
(٢)
شرح العقائد النسفية ، الخلافة لرشيد رضا : ص ١٠ .
- ٦٦١ -

وقال الماوردي: الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة
الدنيا(١).
وحدد ابن خلدون بطريقة أخرى وظيفة الإمامة فقال: هي حمل الكافة على
مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أن أحوال
الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي (أي الخلافة) في
الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به(٢).
ويتبين من هذه التعاريف أن سلطة الخليفة تتناول أمور الدين، وسياسة
الدنيا على أساس شرائع الإسلام وتعاليه؛ لأن هذه التعاليم تستهدف تحقيق مصالح
الناس في عالمي الدنيا والآخرة، أي أن العنصر العقدي والإنساني أو الأخلاقي يسير
جنباً إلى جنب مع العنصر المادي، ويتآزر العنصران لإقامة المجتمع الفاضل المستقر
المرفه المتمكن في الأرض الذي يقيم العزة والسيادة الفعلية بين جناحيه. وتتعاضد فيه
الهداية الإلهية مع الإرادة البشرية والقوى العقلية عن طريق الإجماع والقياس.
وبهذا تغاير الخلافة أساساً السلطات السياسية الحالية التي تسير على هدي
القوانين الوضعية التي تقتصر على تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتقر واقع المجتمع ولو
عارض الدين أو الفضيلة أحياناً .
المبحث الثاني - حكم إقامة الدولة في الإسلام
بالرغم من أن إيجاد الدولة أمر يوجبه العقل، ويحتمه الواقع، وتفرضه طبائع
الأحداث، فقد رأينا اختلافاً بسيطاً غير حاد ولا خطير في شأن حكم الإمامة وجوباً
وجوازاً. قال ابن تيمية(٢): يجب أن يعرفُ أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات
الأحكام السلطانية : ص ٣ ، ط صبيح .
(١)
المقدمة : ص ١٩١ ، ط التجارية .
(٢)
(٣)
السياسة الشرعية لابن تيمية : ص ١٦١ .
- ٦٦٢ -

الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة
بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي مَ ال: إذا خرج
ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم(١).
ويمكن تصنيف مذاهب الفرق الإسلامية في ثلاث: مذهب الإيجاب، ومذهب
الجواز، ومذهب الوجوب على الله.
أولاً - مذهب إيجاب الإمامة :
٠
ترى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة
والمعتزلة إلا نفرأ منهم، والخوارج ما عدا النجدات): أن الإمامة أمر واجب أو فرض
محتم(٢). قال ابن حزم: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع
الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم
أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله عطفٍ، حاشا
النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق
بينهم(٣). ونوع الفرضية هو الفرض الكفائي، قال الماوردي: فإذا ثبت وجوب
الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط
5
فرضها عن الكافة (٤) .
ثم انقسم هؤلاء فرقاً ثلاثة، فقال أكثر الأشعرية والمعتزلة والعترة: إنها تجب
شرعاً؛ لأن الإمام يقوم بأمور شرعية.
رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة .
(١)
شرح العقائد النسفية للتفتازاني : ص ١٤٢ وما بعدها ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري :
(٢)
١٣٣/٢، حجة الله البالغة للدهلوي: ١١٠/٢، أصول الدين للبغدادي: ص ٢٧١ وما بعدها، ط استانبول،
الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٣ .
الفِصَل في الملل والنحل : ٨٧/٤، المحلى: ٤٣٨/٩، مسألة ١٧٦٨، مراتب الاجماع: ص ١٢٤
(٣)
الأحكام السلطانية : ص ٣ .
(٤)
- ٦٦٣ -

وقال الشيعة الإمامية: تجب الإمامة عقلاً فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم،
ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الأمر فوضى.
وقال الجاحظ والبلخي (الكعبي) وأبو الحسين الخياط والحسن البصري: تجب
الإمامة عقلاً وشرعاً .
أدلة هذا المذهب:
أورد أصحاب هذه النظرية عدة براهين شرعية وعقلية وضرورات وظيفية.
٦ - البرهان الشرعي:
وهو الإجماع: أجمع الصحابة والتابعون على وجوب الإمامة، إذ بادر الصحابة
فور وفاة النبي ◌ُ ◌ّ وقبل تجهيزه وتشييعه إلى عقد اجتماع السقيفة - سقيفة بني
ساعدة، وبعد تشاور كبار المهاجرين والأنصار بايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه
قياساً على تقديم الرسول ومؤ لفه له لإمامة الناس في الصلاة أثناء مرضه الشريف، وأقر
المسلمون هذه البيعة في المسجد في اليوم التالي، مما ينبىء أنهم مجمعون على ضرورة
وجود إمام أو خليفة .
5
قال الإيجي في المواقف وشارحه الجرجاني: ((إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر
الأول، بعد وفاة النبي ◌ُ ◌ّ على امتناع خلو الوقت من إمام، حتى قال أبو بكر رضي
الله عنه في خطبته المشهورة، حين وفاته عليه السلام: ألا إن محمداً قدمات، ولا بد
لهذا الدين ممن يقوم به، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن
رسول الله صَ لّ، ولم يزل الناس على ذلك، في كل عصر إلى زماننا هذا، من نصب
إمام متبع في كل عصر)) (١) وواضح من قول العلماء أن الإجماع منصب على ضرورة
(١) المواقف وشرحه: ص ٦٠٣ وما بعدها، وانظر نهاية الإقدام الشهرستاني: ص ٤٨٩ .
- ٦٦٤ -

وجود الحاكم، وليس المهم شكل الحكم، من خلافة أو غيرها، مادام الشرع هو
المطبق (١)
والإجماع حجة قطعية يقينية على وجوب الإمامة بعد الرسول ماتله وفي كل
عصر، إذ لا يصلح الناس فوضى لاقادة ولا رؤساء لهم في كل زمان.
ويؤكد هذا الإجماع أو يعد مستنداً له إشارات في القرآن والحديث، قال
الماوردي(٣): جاء الشرع بتفويض الأمور إلى ولي في الدين، قال الله عز وجل:
﴿ ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (٣). ففرض علينا
طاعة أولي الأمر فينا، وهم الأئمة المتأمرون علينا. وروى هشام بن عروة عن أبي
صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ماێ قال: «سیلیكم بعدي ولاة، فیلیكم البر ببره،
والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم
ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)). وهناك آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وأن احكم
بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على
الله﴾. وقد مارس النبي عليه السلام سلطات سياسية لا تصدر من غير قائد دولة،
كإقامة الحدود وعقد المعاهدات وتعبئة الجيوش وتعيين الولاة وفصل الخصومات بين
الناس في الشؤون المالية والجنائية ونحوها (٤).
(١) شكك الأستاذ علي عبد الرزاق في دعوى الإجماع هذه في كتابه الشاذ: ((الإسلام وأصول الحكم»: ص ٢١ وما
بعدها ، متعللاً بعدم وجود دراسات علمية موسعة للخلافة عند السابقين ، وأن كل الحكومات الإسلامية قامت
على القهر والغلبة ماعدا الخلافة الراشدية ، والحقيقة أنه بالرغم من أن تأليف هذا الكتاب كان لظروف معينة
اقتضته وهي التنديد بالخلافة العثمانية فهو إن أنكر صورة الحكم ، فلا يستطيع إنكار ما تفرضه البداهة وطبيعة
الأشياء من ضرورة إقامة دولة ، وهو ماتم عليه الإجماع بالذات ، لا أن الإجماع أمر لابد منه لنصب كل
حاكم ، فالأغلبية فيه تكفي .
(٢)
الأحكام السلطانية : ص ٣ .
أي أن طاعة أولي الأمر تقتضي وجوب نصبهم وإقامتهم .
(٣)
(٤)
راجع زاد المعاد لابن قيم : ١٢٤/٢ وما بعدها .
- ٦٦٥ -

٣ - البرهان العقلي - الشرعي:
وهو توفير النظام ودرء الفوضى: أي أن الاجتماع والتمدن طبعي في البشر، وكل
اجتماع يؤدي إلى التنازع والتزاحم والاختلاف بسبب حب الذات والحرص على
المصالح الذاتية، وتحقيق أكبر قدر من المصالح الشخصية، والتنازع يفضي غالباً إلى
الخصام والصراع والهرج والفوضى المؤذنة بهلاك البشر وانقراض النوع الإنساني إذا لم
تنظم الحقوق وتحدد الواجبات ويفرض النظام، ويقوم الوازع الرادع، ويتم ذلك
بالسلطان. قال الماوردي(١): تجب الإمامة عند طائفة عقلاً لما في طباع العقلاء من
التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة
لكانوا فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي:
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
وهذا يعني أن ضرورات الحياة والحفاظ على حقوق الإنسان تقتضي وجوب
الإمامة أو السلطة.
٣ - برهان الوظيفة:
إن قيام الإنسان بوظيفته بكونه خليفة الله في الأرض وحامل الأمانة:
(الفروض والتكاليف الدينية) يتوقف على وجود السلطة السياسية التي تمكنه من
أداء وظيفته على نحو أكمل.
وهذه الواجبات لا تتحقق إلا في ظل وجود دولة، سواء أكانت عبادات محضة
كالصلوات والحج والعمرة أم شعائر عامة كالأذان والجمعة والأعياد، أم معاملات
اجتماعية كالعقود بأنواعها، أم تكاليف جماعية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وإقامة المجتمع الفاضل والتعاون في سبيل الخير، وقمع الشر، ومحاربة الأهواء.
(١) الأحكام السلطانية ، المكان السابق .
- ٦٦٦ -

وجدير بالذكر أن كل رسالة إصلاحية وعلى رأسها الإسلام لا يمكن أن يقر
قرارها أو تظهر فائدتها إلا في سياج منيع من القوة المانعة والسطوة الرادعة التي
تلازم وجود الدولة.
وغريب أن نجد فكرة سديدة تخالف هذا المنطق أو تتجافى مع هذا التصور.
قال النسفي: ((والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم،
وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع
الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول
الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم،
وقسمة الغنائم(١)، أي ونحو ذلك من الأمور المتطلبة لوجود الحاكم.
وقال الإيجي في المواقف(٢): إن في نصب الإمام دفع ضرر مظنون، وإن دفع
هذا الضرر واجب شرعاً. وبيان ذلك أننا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود
الشارع، فيما شرع من المعاملات، والمناكحات، والجهاد، والحدود والمقاصات،
وإظهار شعائر الشرع في الأعياد والجماعات، إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً
ومعاداً، وذلك المقصود لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما تعين
هم.
وهناك برهان آخر يستتبع القيام بالوظيفة المقدسة للبشر: وهو أن مرفق
القضاء الذي تقوم به الدولة أمر ضروري لفض المنازعات الدائمة بين البشر، لاسيما
بعد زوال النظام القبلي الذي يحكم فيه رئيس القبيلة بالعرف والهوى الشخصي، وعدم
جدوى اللجوء إلى التحكيم إذا تعذر اتفاق المتخاصمين، فلم يبق إلا القضاء الذي يلجأ
إليه كل إنسان بمفرده.
٠ ٠٠٠
شرح العقائد النسفية للتفتازاني : ص ١٤٢ وما بعدها .
(١)
(٢)
المرجع السابق .
- ٦٦٧ -

ومهمة القضاء في الإسلام لا تقتصر على إقامة العدل بالمفهوم الإلهي، وفصل
الخصومات، وتطبيق أحكام الشريعة، وإنما يشمل كل ما من شأنه رعاية الحرمات
الدينية، واحترام الفضيلة، وإقرار المعروف، ومكافحة المنكرات والفواحش بمختلف
ألوانها .
فلولا القضاء لاستأصل البشر بعضهم، وهلكوا جميعاً، فكان وجوده رحمة،
وتنظيمه فريضة، وقيام الدولة به ووجودها من أجله أمراً محتماً.
وإذا لاحظنا أن مهمة الدولة في الإسلام حراسة شؤون الدين والدنيا، وتحقيق
السعادة للبشر في الحياة الدنيا والآخرة، علمنا مدى الأهمية المنوطة بالدولة المستلزمة
للسعي الفوري في إيجادها، ولولا ذلك لعمت الفوضى، وشاع الفساد، وانتشر الظلم
بین العباد .
والخلاصة: أن تلازم وجود الدولة مع دعوة الإسلام ودين الإسلام أمر لا يمكن
فصله في مفهوم إنسان ، منذ أن قامت دولة المدينة باعتبارها أول نواة لوجود الدولة
بالمعنى الحديث القائم على أركان ثلاث: هي الشعب، والإقليم (الوطن)، والسلطة
السياسية أو السيادة(١).
ثانياً - القائلون بمبدأ جواز الإمامة:
قالت فئة قليلة بجواز الإمامة لا بوجوبها، وهم المحكِّمة الأولى والنجدات من
الخوارج، وضرار، وأبو بكر الأصم المعتزلي، وهشام الفُوَطي، وعباد بن سليمان تلميذهمن
المعتزلة. قال الأصم ممثلاً هذا الرأي: لوتكاف الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام(١).
(١) انظر بحث الدولة الإسلامية المستفيض للموسوعة الفقهية في الكويت ، للمؤلف .
(٢). قال الشهرستاني مبيناً رأي هؤلاء: إن الإمامة غير واجبة في الشرع وجوباً لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقوا
اللوم والعقاب ، بل هي مبنية على معاملات الناس ، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى
واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن الإمام ومتابعته ( نهاية الإقدام في علم الكلام :
ص ٤٨٢ ) .
- ٦٦٨ -

ويظهر من أقوال هؤلاء كما بين ابن خلدون(١) أنهم ينشدون إلى تحقيق المثل
العليا، ويعارضون نظام الملك أو الخلافة المقرون بالظلم والقهر والتمتع باللذات،
والاعتداء على الحقوق والاستبداد الغاشم.
فهم لم يتهاونوا في شأن الإمامة إذا كان يفهم منها تنفيذ أحكام الشريعة، بل قد
أعلنوا وجوبها، فنقلوا الوجوب من الإمامة كهيئة متميزة منفصلة إلى تنفيذ القانون
نفسه، أي أن على الجميع الاشتراك في تنفيذ أحكام التشريع بأنفسهم، دون حاجة إلى
وجود قوة قاهرة مسيطرة. وهذه هي الديمقراطية المباشرة أو الجمهورية في أكمل
صورها كما يحلم بها فلاسفة السياسة. ولكن تحقيق هذا أمر متعذر، فإن اقترن وجود
الدولة ببعض المساوئ فلا يمكن الاستغناء عنها(٢).
أدلتهم:
استدل هؤلاء المجوزون بأدلة جانبية فحواها تعداد أضرار الحكومات فقالوا: إن
وجود الحكومة يتنافى مع مبدأ الحرية الطبيعية وحق الاجتهاد بالرأي، ومبدأ
المساواة، بسبب ضرورة توفير الطاعة للحاكم. وإذا لم يطع الناس وقعت الفتنة
والاختلاف. مع أن الحاكم ليس معصوماً من الخطأ، والشروط المطلوبة فيه قلما
توجد في کل زمان .
لكن الحق يقال: إن المصالح التي تتوافر بوجود الحاكم أكثر بكثير من المضار التي
تلحق الأفراد، ويتحمل أخف الضررين لدفع أشدهما، ولأن الحرية الحقيقية هي
التي تكون في ظل النظام لتأمين حريات وحقوق الآخرين. ثم إن المفاسد التي
تحدث من تنازع وتقاتل وهلاك وفوضى وتعرض للأخطار الخارجية من العدو
(١)
المقدمة ، الفصل ٢٦ ص ١٩٢ .
(٢)
النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس : ص ١٤١ وما بعدها .
- ٦٦٩ -

تفوق بكثير ما يفقد الشخص من بعض الحقوق الخاصة، أو يقدمه من ولاء وطاعة أو
یتحمله من تبعات ومغارم.
ثالثاً - رأي الشيعة والاسماعيلية:
اتفق الشيعة الإمامية والزيدية وأهل السنة والمعتزلة على وجوب الإمامة، لكن
الإِمامية والاسماعيلية قالوا بوجوبها عقلاً على الله، لا على الأمة.
وبما أن الشيعة يرون رأي المعتزلة في العقائد، فهذا الرأي مفرع على نظرية
المعتزلة القائلة بوجوب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، أو على ((فعل اللطف))
الإلهي عملاً بقوله تعالى: ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. واللطف كما قال
الشريف المرتضى(١): هو الأمر الذي علم الله تعالى من حال المكلف أنه متى وجد ذلك
الأمر، كان حاله إلى قبول الطاعات والاحتراز عن المعاصي أقرب مما إذا لم يوجد ذلك
الأمر، وبشرط ألا ينتهي إلى حد الإلجاء. وبعبارة أخرى: اللطف هو خلق القدرة.
للعبد وإكمال العقل ونصب الأدلة وتهيئة وسائل فعل الطاعة، وترك المعصية.
١
أدلة الشيعة :
استدل الشيعة على مذهبهم بعد أن قدموا له بمقدمات معينة، فقالوا: إن في
إقامة الإمام منافع كثيرة ودفع مضار متعددة، وبه يتم صلاح المعاش والمعاد، كما
أوضحنا في الأدلة العقلية السابقة.
وإذا كان الله تعالى قد خلق في الإنسان القوى الشهوانية والغضبية والوهمية، ولم
يجعل له قوة تعصمه من الزلل وتحمله على الخير، فقد وجب عليه أن ينصب إماماً
يقرب الإنسان من الطاعات، ويبعده من القبائح.
(١) الأربعين في أصول الدين الرازي: ص ٤٢٩ .
- ٦٧٠ -

فنصب الإمام إذاً لطف، وكل لطف واجب على الله تعالى، فنصب الإمام
واجب على الله تعالى. أما أن الإمامة لطف من الله في حق عباده، فلأن وجود إمام
عادل يمنعهم من المحظورات، ويحثهم على الطاعات يجعلهم أقرب إلى الطاعة، وأبعد
عن المعصية. ثم إن الإمامة من الله لطف لأنها خالية من المفاسد والقبائح(١).
والإمامة المقصودة عندهم: هي إمامة الشخص المعصوم من الوقوع في الخطايا؛
لأنهم يشترطون العصمة في الإمام.
فهم يقيسون ((الإمامة)) على ((النبوة)). وبما أن الإمام هو حجة الله على خلقه،
أو حجة الله في الأرض، وبما أن إرسال الرسل هو حجة الله على عباده لقوله تعالى:
﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ فكذلك الأئمة حجة له، وتكون
الحكمة من وجود الأئمة مشابهة لحكمة وجود الرسل .
ومعنى كون الإمام حجة أنه البرهان القائم على أن الله أراد أن يبلغ شرعه
لعباده، وأنه يخاطبهم ويكلفهم باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ولولا ذلك لكان
للناس عذر في العصيان(٢).
ويخلصون من هذا إلى أن الإمامة ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي
إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً من
الكبائر والصغائر(٣).
والأئمة الذين يعترفون بهم هم علي ومن بعده. ويستدلون بآيات وأحاديث على
أن الشرع قد جاء بتعيين هؤلاء الأئمة، لكن الإمامية قالوا: جاء التعيين بالنص على
علي. وقال الزيدية: كان التعيين بالوصف.
نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ، للدكتور أحمد محمود صبحي : ص ٧٢ وما بعدها .
(١)
(٢)
نهاية الإقدام الشهرستاني : ص ٤٨٥ .
مقدمة ابن خلدون : الفصل ٢٧ .
(٣)
- ٦٧١ -

نقد ومناقشة :
نوقش مذهب الشيعة في الإمامة فيما يتعلق بمبدأ اللطف في وجوب الإمام،
وأدلتهم النقلية والعقلية. أما بالنسبة للّطف فكيف يتم قرب العبد من الطاعة وبعده
عن المعصية بإمام غير ظاهر، فضلاً عن كونه غير متمكن ولا قادر. قال الرازي(١):
((الإمام الذي تقولون بوجوبه غير ظاهر قاهر سائس، فلا أثر له ولا خبر)) إذ أنهم
يقولون ((بالتقية)) وهي جواز اختفاء الإمام. وقال ابن تيمية(٢): الإمام الذي تصفونه
مفقود غالباً ومعدوم لا حقيقة له عند سواكم، ومثله لا يحصل به شيء من مقاصد
الإمامة، بل الإمام الذي يقوم وفيه جهل وظلم أنفع لمصالح الأمة ممن لا ينفعهم
بوجه. وقال الإيجي (٢): إنما يحصل اللطف بإمام ظاهر قاهر وأنتم لا توجبونه،
فالذي لا توجبونه ليس بلطف، والذي هو لطف لا توجبونه.
وأما أدلتهم النقلية السمعية على تعيين الإمام فهي محل نظر، قال ابن حزم(٤):
((وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج أحاديث موضوعة مكذوبة)). ومن
المستحيل على الصحابة العدول المبشر بعضهم بالجنة أن يكتم خبراً عن الرسول من اله ،
لاسيما في شأن الإمامة ذات الأثر الخطير والشهير. وهل يعقل أن يتم التعيين من النبي
ولا يعلم المعين نفسه، وإذا عين، فلماذا لم يتمسك به ويخاصم عليه، ويقطع دابر
الخلاف الذي حدث لاختيار الخليفة(٥)؟!
وكذلك أدلتهم العقلية القائمة على مبدأ العصمة تحتاج إلى تأمل ودعم أقوى، إذ
العصمة لم تثبت إلا لنبي، ولو کان علي كرم الله وجهه معصوماً لاستغنی بعصته عن
الأربعين في أصول الدين : ص ٤٣٩ ، ط حيدر آباد .
(١)
المنتقى من منهاج الاعتدال : ص ٤٠٨ .
(٢)
(٣)
المواقف : ص ٣٨٧ .
الفصل في الملل والنحل : ٩٤/٤ .
(٤)
مقدمة ابن خلدون ، الفصل ٢٧ .
(٥)
- ٦٧٢ -

النبي في التعليم وغيره، كما قال الرازي(١)، مع أنهم يسلمون بأنه كان محتاجاً للنبي ومؤتماً
به، وإلا كان ذلك خروجاً عن الدين. وقال ابن حزم(٢): إن عمدة ما احتجت به
الإمامية أن قالوا: لابد من أن يكون إمام معصوم، عنده جميع علم الشريعة،
فالجواب: أن ذلك هو النبي ◌ُ ◌ّ نفسه في حياته وبعد مماته إلى يوم القيامة، فبلاغ
رسول الله مترٍ قائم بعد موته إلى يوم القيامة.
المبحث الثالث- كيفية اختيار الإمام (أو الحاكم الأعلى):
طرق التعيين :
ذكر فقهاء الإسلام طرقاً أربعة في كيفية تعيين الحاكم الأعلى للدولة وهي:
النص، والبيعة، وولاية العهد، والقهر والغلبة. وسنتبين أن طريقة الإسلام
الصحيحة عملاً بمبدأ الشورى وفكرة الفروض الكفائية هي طريقة واحدة وهي بيعة
أهل الحل والعقد، وانضمام رضا الأمة باختياره. وأما ما عدا ذلك فمستنده ضعيف
بسبب التعسف في تأويل النصوص، أو الاعتماد على نصوص واهية وأهواء خاصة، أو
إقرار لواقع قائم لم يجد المسلمون حكمة أو مصلحة في الثورة عليه، أو القضاء على
وجوده حسماً للدماء ومنعاً للفوضى، ومراعاة لظروف خارجية، أو رهبة من ضراوة
الممسك بالسلطة التي آلت إليه بطرق غير مشروعة كالوراثة ونحوها .
تعيين الإمام بالنص:
قال الشيعة الإمامية (٣): إن نصب الإمام لا يكون إلا بالنص أو الاختيار من
الأمة، ولكنهم حرصاً منهم على حصر الإمامة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه
نهاية العقول : ص ٤٣٥ ، مخطوط بدار الكتب المصرية .
(١)
(٢)
الفصل في الملل والنحل : ٩٥/٤ .
ينكر الشيعة الزيدية ومعتزلة بغداد وغيرهم وجود نص من الرسول ◌َ ◌ّ على خلافة علي ، وإن كانوا يفضلونه
(٣)
على غيره .
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٣)
- ٦٧٣ -

نقدوا مبدأ الاختيار، وقالوا: يجب على الله لطفاً منه نصب إمام بنص صريح في
آياته، وما على النبي إلا أن يبلغ ما أنزل إليه، وقد فعل، فنص على أن علياً هو
الخليفة من بعده .
وقد أطالوا في تأييد رأيهم بأدلة نقلية وعقلية وتاريخية(١). نذكر بعضاً منها
بإجمال وردّ أهل السنة عليها .
الأدلة الواردة في القرآن والسنة:
استدلوا بالآيات القرآنية الدالة على وجوب التزام أوامر الله والرسول، مثل:
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ ﴿ وربك یيخلق ما يشاء
ويختار، ما كان لهم الخيرة﴾ ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فليس للناس اختيار أمام أمر الله، فمن يختاره للنبوة
والإمامة، وجبت طاعته، وبما أن الإمامة من الوظائف الدينية الموكول أمرها إلى
الله، فتكون مما قضى الله ورسوله فيها بالنص.
لكن يلاحظ أن هذه الآيات ليست واردة في شأن الإمامة، وإنما تفيد النهي
عن الاجتهاد بالرأي الشخصي حالة وجود نص على الحكم الشرعي في القرآن والسنة .
كذلك استدلوا بآيات من القرآن تفيد في زعمهم النص على إمامة علي، مثل
قوله تعالى: ﴿قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ وقرابته: أهل بيته وهم
علي وفاطمة وابناهما (٢)، لكن ثقات العلماء يبينون أن هذه الآية نزلت قبل زواج
علي بفاطمة .
وبرهنوا على مذهبهم من السنة بأحاديث أهمها :
راجع نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمود صبحي : ص ٧٩ وما بعدها .
(١)
(٢)
المرجع السابق : ص ١٨٣ وما بعدها .
- ٦٧٤ _

١ - حدیث غدير خم:
الذي أخرجه الطبراني والنسائي وأحمد والحاكم عن زيد بن أرقم في اليوم
الثامن عشر من ذي الحجة، وفيه: ((يا أيها الناس، إن الله مولاي، وأنا مولى
المؤمنین، وأنا أولی بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه،
وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
والواقع أن هذا الحديث غير صحيح، قال الإيجي: لاصحة للحديث، إذ لم
ينقله أكثر أصحاب الحديث، بل إن علياً رضي الله عنه لم يكن يوم الغدير مع النبي
عَّ، بل كان في اليمن، وإن سلم فرواته لم يرووا مقدمة الحديث(١). وقال ابن تيمية:
مع افتراض أن النبي قاله يوم الغدير فإنه لم يرد به الخلافة قطعاً، ولكن الشيعة
يزكون الحديث، ويعتبرونه صحيحاً لأنه يوافق مبدأهم(٢). وقال الباقلاني: إن
لكلمة ((مولى)) معان كثيرة، فمنها المولى بمعنى الناصر، ومنها المولى بمعنى ابن العم،
ومنها المولى بمعنى الموالي المحب، ومنها المولى بمعنى المكان والقرار، ومنها المولى بمعنى
المعتق المالك للولاء، ومنها المولى بمعنى المعتق المالك للولاء، ومنها المولى بمعنى المعتق
الذي ملك ولاؤه، ومنها المولى بمعنى الجار، ومنها المولى بمعنى الصهر، ومنها المولى
بمعنى الحلف. فهذا جميع ما يحتمله قول مولى، وليس من معنى هذه اللفظة أن المولى
إمام واجب الطاعة. والذي قصده النبي بهذه الكلمة - على فرض صحتها - يحتمل
أمرين:
أحدهما - من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري
وعلانيتي، فعلي ناصره على هذه السبيل.
(١)
المواقف : ص ٤٠٥ .
المنتقى من منهاج الاعتدال : ص ٤٢٣ .
(٢)
- ٦٧٥ -

والثاني - من كنت محبوباً عنده، وولياً له على ظاهري وباطني، فعلي مولاه،
أي أن ولاءه ومحبته من ظاهره وباطنه واجب، كما أن ولائي ومحبتي على هذه السبيل
(١)
واجب(١).
٢ - حديث المنزلة:
حينما خلف النبي رائع علياً رضي الله عنه على المدينة بعد خروجه لغزوة
تبوك، قال المنافقون : إنما خلفه لأنه يبغضه، فبلغ ذلك علياً، فبكى واشتكى إلى النبي
عَ لّ قائلاً: ((أتخلفني في النساء والصبيان؟!)) فرد النبي: ((أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لانبي بعدي)) وهذا حديث صحيح متواتر. فسره
الشيعة بما يثبت خلافة علي؛ لأن تشبيه علي بهارون یثبت له کل منازل هارون فیا
عدا النبوة. ومن منازله: الأخوة والوزارة، والخلافة، وولاية الأمر بعده لو عاش
بعد موسى، و کونه شريكاً في أمره.
وقال أهل السنة: ليس الحديث حجة في الدلالة على إمامة علي، لكونه
مخصوصاً بواقعة حال معينة: وهي الاستخلاف على المدينة، كما يستخلف كل قائد
أحداً بعده في إدارة ولايته حال غيبته. ثم إن النبي ◌ُ ◌ّ قد خلف علياً في أهله،
وليست الخلافة في الأهل كالخلافة على البشر. والاستخلاف المقيد بالغيبة لا يكون
باقياً بعد انقضائها، کما لم يبق في حق هارون(٣).
وقد أجاب الباقلاني عنه بأنه لا يجب أن نفهم من هذا الحديث بأنه نص على
خلافته بعده؛ لأن معناه أني أستخلفك على أهلي وعلى المدينة إذا توجهت إلى هذه
الغزوة. وهذا واضح من سياق الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص قال: إن علياً
التمهيد : ص ١٦٤ وما بعدها ، وانظر نهاية العقول للرازي : ص ٢٦٣ .
(١)
(٢)
نظرية الإمامة ، صبحي : ص ٢٢٥ وما بعدها .
- ٦٧٦ -

لحق بالنبي ◌ُالتّ بعد أن استخلفه، وقال له: أتتركني مع الأخلاف ؟! فأجابه الرسول
معرّخاتم بقوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)).
٣ - حديث الراية يوم خيبر:
قال النبي ◌ٍُّ محدداً أوصاف علي لقيادته معركة خيبر: ((لأعطين الراية غداً
إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، کرّار غیر فرار، لا يرجع حتى يفتح
الله على يده)) وهو حديث صحيح رواه البخاري والترمذي والحاكم. فهذه الصفات
أصبحت خاصة بعلي رضي الله عنه، مما يدل على أفضليته وبالتالي أحقيته للإمامة؛
لأن الإمامة للأفضل. ورد أهل السنة على الاستدلال به بأنه لا ملازمة بين كونه محباً
لله ولرسوله ومحبوباً منها، وبين كونه إماماً، كما لا يلزم من إثباتها له نفيها عن
غيره(١) ، فقد قال الله تعالى في حق أبي بكر: ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن
دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ وقال في حق أهل بدر: ﴿إن الله يحب
الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾.
الأدلة العقلية :
استدل الشيعة بأدلة عقلية كثيرة على وجوب النص على الإمام من قبل الله،
وهي في جملتها تتفق مع مبدئهم في عصمة الإمام، وتوجه النقد إلى طريقة تعيينه
بالاختيار.
من هذه الأدلة قولهم(٢): لا يجوز إسناد أمر الإمامة إلى الناس؛ لأنها أهم أركان
(١) المرجع السابق : ص ٢٣١ وما بعدها .
(٢) صبحي ، المرجع السابق: ص ٨٩ وما بعدها .
- ٦٧٧ -

الدين، فالذي شرع الأحكام وجب عليه النص على من لاتتم الأحكام الشرعية إلا
بنصبه لطفاً من الله ورحمة منه بعباده.
ولا يترك الاختيار للأمة؛ لأن الإمام خليفة لله أو لرسوله، وليس خليفة
للأمة.
ثم إن ترك الإمامة لاختيار الناس يفضي إلى اختلاف الناس وانتشار الفتن وقيام
التنازع والحروب والهرج والمرج، وكل ذلك فساد في الأرض، والله لا يحب الفساد.
وليس الاختيار مضمون النتائج، فقد يخطئ الناس في تعيين المستحق لهذا
المنصب الخطير الذي هو نظير منصب النبوة لقيامه بحراسة شؤون الدين والدنيا؛
وذلك لأن كل شخص سيختار حسب مصلحته الشخصية لا بمقتضى المصلحة الكلية
والحكمة الإلهية، بل إنه لم يحدث أن قامت إمامة على الاختيار الحر والمشيئة المطلقة
لجمهور المسلمین .
يظهر من هذه الأدلة ونحوها أنها هي الانتقادات الموجهة للنظام الديمقراطي
بوجه عام لقيامه على مبدأ سلطة الأمة وأحقيتها في اختيار الإمام. ولا شك أن ذلك
صحيح، ولكن الفلاسفة السياسيين ما زالوا يحاولون إصلاح الخلل الواقع في النظام
الديمقراطي، كما أن الفقهاء المسلمين وضعوا ضوابط وشروطاً دقيقة في المرشح للخلافة
سنوضحها، وفيها الضمانة الغالبة من الوقوع في خطأ الاختيار.
الأدلة التاريخية:
إن اعتقاد الشيعة بضرورة النص على الإمام كان رد فعل لوقائع التاريخ التي
صدمت أمانيهم(١)، وأدت إلى نكبة آل البيت التي تستثير عاطفة كل مسلم صادق بعيد
عن التأثرات السياسية.
(١) المرجع نفسه : ص ٩٩ وما بعدها .
- ٦٧٨ -

فهم يفترضون أنه لابد من أن يعين الرسول ◌ُ طلّ خليفة من بعده، حتى لا تقع
أمته في بحر من الفتن والاضطرابات والاختلافات التي أخبر عنها بقوله: ((ستفترق
أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .. ))(١) ولو جاء التاريخ والأحاديث المدونة بغير ذلك،
وجب أن نتشكك في وقائع التاريخ وصحة الأحاديث، ونتهمها بالكتمان وتشويه
الحقيقة.
وأما أهل الحل والعقد الذين يختارون الإمام فكانوا مرتع النزاع والخصام
والخلاف، بسبب اعتقاد كل واحد أنه أحق بزعامة الأمة. والواقع - كما يرون - أنه لم
تتم بيعة لإمام بالاختيار أو الشورى أو رضا الأمة، إذ عين عمر بالنص من أبي بكر،
وعثمان بالشورى بين ستة حددهم عمر ثم صارت القضية بولاية العهد.
ولكن يلاحظ أن التاريخ لا تتقرر أحكامه بالافتراض، والاحتمال المنطقي،
وإنما يعتمد الخبر والرواية والنظر في مدى صحتها وصدقها وتمحيص الوثائق المنقولة.
وما اعتمد عليه الشيعة من أخبار ناتج عن الفكرة المسيطرة على أذهانهم مسبقاً
بوجوب النص، واستخلاف علي رضي الله عنه بالذات.
والخلاصة: أنه لم يثبت يقيناً نص صريح قطعي يدل على إمامة علي أو غيره،
ولم يصح في ذلك شيء عند أحد من أئمة النقل(٣).
5
وحبذا لوطوينا هذا الخلاف السياسي القديم بين أهل السنة والشيعة، وأنهينا
كل ما خلفه من عصبيات موروثة وخلافات جانبية، وأدركنا جميعاً ضرورة الحفاظ
على الوحدة الإسلامية، وحدة الصف أمام العدو الخارجي فقط، وأن الكل مسلمون،
يعملون للإسلام دون تفرقة بين الطوائف؛ لأن الخلاف بينها ليس في الأصول
قطعاً، وإنما في جوانب هي أقل من الفروع والجزئيات، ولا يصح أن نتحمل آثار
(١) رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح عن عوف بن مالك بلفظ «تفترق أمتي على بضع
وسبعين فرقة .. )» .
(٢) مقدمة ابن خلدون : ص ١٦٨ .
- ٦٧٩ -

ومخلفات الماضي السياسية، ولا أن تبقى سبباً للخلاف؛ لأن الدين واحد، والعقيدة
واحدة، والدستور واحد واضح في القرآن والسنة، وخلاف الرجال لا يصح أن
يشتت وحدة الأمة.
تعيين الإمام بولاية العهد :
ولاية العهد: هي أن يعهد الإمام إلى شخص بعينه أو بواسطة تحديد صفات
معینة فیه، ليخلفه بعد وفاته، سواء أكان قريباً أم غير قريب.
وقد رأى الفقهاء جواز انعقاد الإمامة بولاية العهد أو بالإيصاء إذا توافرت في
ولي العهد شروط الخلافة، وتمت له البيعة من الأمة. فهي إذاً بمثابة ترشيح واقتراح
من الخليفة السابق. قال الماوردي(١): وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد
الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بها ولم
يتناکروهما:
أحدهما - أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه، فأثبت
المسلمون إمامته بعهده.
والثاني - أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم
فيها، وهم أعيان العصر، اعتقاداً لصحة العهد بها .
:
وأما ضرورة توافر شروط الإمام الشرعي في ولي العهد فهو أمر بدهي مفروغ
منه، ككونه أميناً ورعاً ثقة مخلصاً لله، ناصحاً للمسلمين. قال الماوردي(٢): وإذا عهد
الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة، كان العهد موقوفاً على
قبول المولى. وتعتبر شروط الإمامة في المولى من وقت العهد إليه، فإن كان صغيراً أو
الأحكام السلطانية : ص ٨ .
(١)
الأحكام السلطانية : ص ٩ .
(٢)
- ٦٨٠ -
-------