Indexed OCR Text
Pages 621-640
المتصور للحمل، بأن يحمل على أن هذا المبلغ أوصى به رجل، أومات مورث الحمل وتركه ميراثاً له؛ لأن الإقرار حجة شرعية، فإذا صدر من أهله في محله، فيجب إعماله، وقد أمكن العمل به على النحو المذكور(١). هذا هو حكم الإقرار للحمل. وأما الإقرار بالحمل فجائز اتفاقاً، كما إذا أقر بحمل شاة لرجل، صح إقراره والتزم المقر بما أقر به، سواء بين سبباً صالحاً لثبوت الملك أو أبهم؛ لأن لإقراره وجهاً صحيحاً: وهو الوصية بالحمل من جهة غير المقر، بأن أوصى بالحمل مالك الشاة لرجل، ومات فأقر وارثه، وهو عالم بوصية مورثه بأن هذا الحمل لفلان(٢). ثانياً - ألا يتعلق بالمقر به حق الغير؛ لأن حق الغير معصوم محترم، فلا يجوز إبطاله من غير رضاه، كإقرار المريض مرض الموت بدين لوارثه، لا يصح إقراره إلا بإجازة بقية الورثة؛ لأنه متهم في هذا الإقرار، إذ يجوز أنه آثر بعض الورثة على بعض. وسنفصل بحثه في مبحث لاحق . المطلب الخامس - الإقرار بالأموال: عالم يصح الإقرار بالأموال، سواء أكان المال عيناً من الأعيان، أم ديناً ثابتاً في الذمة، وسواء أكان المقر به معلوماً أم مجهولاً باتفاق العلماء؛ لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الحق قد يلزم الإنسان مجهولاً بأت أتلف مالاً لا يدري قیمته، أو يطالب بتعويض جناية على أعضاء الإنسان لا يعلم مقداره، فلا تمنع الجهالة صحة الإقرار، والإقرار: إخبار عن ثبوت الحق، فيصح به. وحينئذ يصح أن يقول المقر: علي شيء أو حق، فيلزمه مجهولاً، ثم يطالب ببيان المجهول، ليتمكن الغير من (١) تكملة فتح القدير: ٣٠٦/٦، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: ٣٩٨/٣، المهذب: ٣٤٤/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٢٤١/٢ وما بعدها ، المغني : ١٤١/٥ وما بعدها . (٢) المراجع السابقة: تكملة فتح القدير: ٣٠٨/٦، البدائع: ٢٢٤/٧، تبيين الحقائق: ١٢/٥، اللباب: ٨٤/٢. - ٦٢١ - استيفائه، فإن لم يبين أجبره القاضي على البيان بالحبس ونحوه؛ لأن المقرلزمه تفریغ ذمته التي شغلها بصحيح إقراره، و یتم ببيان مقدار المقر به. وهذا بخلاف جهالة المقرله، فإن جهالته تفسد الإقرار؛ لأن المجهول لا يصلح مستحقاً، وبخلاف جهالة المقر، فإنها تفسد الإقرار أيضاً لجهالة المقضي عليه بوجوب دفع الحق إلى صاحبه، فلا يتمكن المقرله من المطالبة، فيصبح الإقرار عديم الفائدة(١). وعلى هذا جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وجهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة والقضاء؛ لأنه لا يمكن القضاء بمجهول، وأما في الإقرار فيطالب المقر ببيان الشيء أو الحق الذي أقر به، والقول قوله مع يمينه. ويظهر الحكم في المسائل الآتية التي تعتبر نموذج القبول عند القاضي لبيان ما يبينه المقر: في الغصب: ٦ - إذا أقر إنسان أنه (غصب من فلان مالاً)) أو قال ((لفلان علي شيء، أو حق)) فالإقرار صحيح ويلزمه أن يبين شيئاً له قية، ولا يقبل منه أن يبين شيئاً لاقيمة له، لأنه في المثال الأول لا يرد الغصب إلا على ما هو مال، وفي المثال الثاني أخبر المقر عن التزامه شيئاً في ذمته، وما لاقيمة له لا يلزم في الذمة . ٣ - وإذا قال: ((غصبت منه شيئاً)) ثم بين مالا قيمة له شرعاً، بأن قال: ((غصبت صبياً حراً صغيراً)) أو ((خمراً لمسلم)) أو ((جلد ميتة)) يصدق؛ لأن هذا مما يغصب عادة. ٣ - ولو قال: ((غصبت شاة أوثوباً)): فيصدق في بيان كون ذلك سليماً أو معيباً، أو قال: ((غصبت داراً)) يصدق سواء أكانت الدار في بلدة قريبة أم بعيدة؛ (١) تبيين الحقائق: ٤/٥، تكملة فتح القدير، المرجع نفسه: ص ٢٨٢، اللباب: ٧٦/٢، الدر المختار : ٤٦٩/٤ ، مغني المحتاج: ٢٤٧/٢ ، المهذب : ٣٤٨/٢ ، المغني : ١٧١/٥ . - ٦٢٢ - لأن الغصب يقع على حسب ما يصادف الشخص عادة، سواء أكان سليماً أم معيباً، ويصدق في بيان مكان الدار؛ لأنه أبهم المكان، فكان القول قوله في بيان المكان، ويلزمه تسليم الدار إلى المغصوب منه إن قدر على التسليم(١). وإن عجز عن التسليم، بأن خربت الدار، فالقول قول المقر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يضمن العقار عندهما؛ لأنه غير مضمون القيمة بالغصب في رأيها، وإنما هو مضمون الرد فقط؛ لأن معنى الغصب وهو إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال لم يوجد في العقار. وعند محمد: يضمن قيمة الدار؛ لأن العقار عنده مضمون الرد إن كان موجوداً، ومضمون القيمة أيضاً إن كان هالكاً؛ لأن الغصب إزالة يد المالك عن ماله، والفعل في المال ليس بشرط، وقد تحقق هذا المعنى بإبعاد يد المالك عن العقار(٢). المكيال والميزان : ٤ - لو قال المقر: ((علي مد حنطة أو رطل شعير)) فيعتبر بيانه بحسب مد البلد أو رطل البلد الذي أقر فيه. الوزن أو العدد: ٥- لو قال: ((علي ألف درهم)) فهو على ما يتعارفه أهل البلد من اعتبار الوزن أو العدد. فإن لم يكن شيئاً متعارفاً، فيحمل على الوزن؛ لأن الدراهم في الأصل (١) البدائع: ٢١٥/٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٨٦/٦، المبسوط: ١٨٥/١٧، مجمع الضمانات: ص ١١٧ الخلاف بين أئمة الحنفية راجع إلى اختلافهم في ضمان العقار المغصوب بالهلاك ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (٢) إذا غصب رجل عقاراً ، فهلك في يده بآفة سماوية كغلبة سيل ، لم يضمنه ، لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد ؛ لأن العقار في محله بلا نقل ، والتبعيد للمالك عنه فعل في المالك ، لا في العقار، فكان الحال كما إذا بعد المالك عن المواشي . وقال محمد : يضمنه لتحقق إثبات اليد الغاصبة التي يترتب على ثبوتها زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة . فإذا انهدم البناء بفعل الغاصب ضمنه باتفاقهم جميعاً؛ لأن مافعله إتلاف ، والعقار يضمن بالإتلاف ( راجع البدائع: ١٤٧/٧، اللباب شرح مختصر الكتاب : ١٨٩/٢ ) وراجع بحث الغصب . - ٦٢٣ - موزونة. ويلاحظ أن المعتبر في عرفنا اليوم هو العدد، فإذا أقر بألف ليرة ذهبية أو فضية، فينصرف إقراره إلى العدد، فيلزم بهذا المبلغ عدداً، لا وزناً؛ لأن الأوزان متحدة عند سك النقود . المقصود بدريهم ونحوه : ٦ - لو قال: ((لفلان علي دريهم أو دنينير)) فيلزم بدرهم تام ودينار كامل؛ لأن التصغير قد يذكر لصغر الحجم، وقد يذكر لاستحقار الدرهم، ونحوهما. المقصود بدراهم ودنانیر: ٧ - لو قال: ((لفلان علي دراهم أو دنانير)) فيصدق على ثلاثة فأكثر؛ لأن أقل الجمع الصحیح ثلاثة. ولو قال: ((علي دراهم كثيرة)) يصدق في عشرة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأنه جعل الكثرة صفة للدراهم، وأكثر ما يستعمل فيه اسم الدراهم هو العشرة، بدليل أنه إذا زاد على العشرة يقال: أحد عشر درهماً، واثنا عشر درهماً، ولا يقال: دراهم، فكانت العشرة أكثر ما يستعمل فيه اسم الدراهم، فلا تلزمه الزيادة عليها . وعند الصاحبين: لا يصدق في أقل من مائتي درهم؛ لأن المقر به دراهم كثيرة، وما دون المائتين في حد القلة، ولهذا لم يعتبر ما دونه نصاباً للزكاة. مفهوم المال العظيم أو الكبير: ٨ - لو قال المقر: ((لفلان علي مال عظيم)) أو ((كثير)) أو ((كبير)»: فعليه مائتا درهم باتفاق الحنفية على المشهور عندهم؛ لأنه أقر بمال موصوف بوصف العظم، ونصاب الزكاة أي المال الذي تجب فيه الزكاة: وهو المائتا درهم عظيم شرعاً وعرفاً، بدليل أنه اعتبر مالكه غنياً به، فأوجب عليه الشرع مواساة الفقراء، والغني عظيم عند الناس، حتى إنه يعد من الأغنياء عادة بملكه النصاب الشرعي. - ٦٢٤ - هذا إذا كان المقر به من الدراهم، فإن كان من غيرها فيقدر بأقل النصاب الشرعي الواجب فيه الزكاة فيها ، فإذا قال: ((علي دنانير كثيرة)» فيلزمه عشرون، وفي الإبل خمس وعشرون، وفي الحنطة خمسة أوسق أي (٦٥٣) كغ تقريباً. وإن قال: ((علي أموال عظام)) فعليه ستمائة درهم؛ لأن عظام جمع عظيم، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، وهذا على المشهور عند الحنفية(١). وقال الشافعية: لو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير أو كثير: قبل في تفسيره قليل المال وكثيره، لأن ما من مال إلا وهو عظيم وكثير بالنسبة إلى ما هو دونه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن قال: ((له علي دراهم)) لزمه ثلاثة؛ لأنه جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وكذلك يلزمه ثلاثة عند الشافعية والحنابلة إن قال: «له علي دراهم كثيرة))؛ لأن الكثرة والعظمة لاحد لها شرعاً ولا لغة ولا عرفاً، وتختلف بحسب النسب والإضافة وأحوال الناس، فالثلاثة أكثر مما دونها، وأقل مما فوقها. وقال المالكية: يلزمه أربعة؛ لأن الرابع أول مبادئ كثرة الجمع(٣). المقصود بنوع الدراهم: إذا قال المقر: ((لفلان علي ألف درهم)) ولم يبين سبب الالتزام من بيع أو قرض ونحوهما: ثم قال: ((هي زيوف)» فيصدق إذا كان البيان متصلاً بالكلام السابق، فإن كان منفصلاً لا يصدق، لأن اسم الدراهم اسم جنس يقع على الجياد والزيوف، فكان قوله ((زيوف)) بياناً للنوع، فيصح بشرط کونه متصلاً بما سبق، لا منفصلاً عنه. ولو قال: ((لفلان عندي ألف درهم)) ثم قال: ((هي زيوف)): يصدق سواء أكان راجع لما سبق : المبسوط : ٤/١٨ وما بعدها، البدائع: ٢١٩/٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير : ٢٨٨/٦ وما (١) بعدها ، تبيين الحقائق : ٥/٥ وما بعدها ، الدر المختار : ٤٦٩/٤ وما بعدها ، اللباب : ٧٧/٢ . انظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي : ٤٠٧/٣، المهذب: ٣٤٧/٢ وما بعدها، مغني المحتاج : ٢٤٨/٢ ، (٢) المغني : ١٦٠/٥٠ . الفقه الإسلامي جـ٦ (٤٠) - ٦٢٥ - البيان متصلاً بما قبله أم منفصلاً؛ لأن هذا إقرار بالوديعة، والوديعة مال محفوظ عند الوديع، قد يكون جيداً، وقد يكون رديئاً. والغصب في هذا مثل الوديعة. فإن قال: ((لفلان علي ألف درهم ثمن مبيع)) أي بين سبب الالتزام، ثم قال: ((هي زيوف)) فلا يصدق، ويلزمه الجيد عند أبي حنيفة، سواء أكان البيان متصلاً أم منفصلاً؛ لأن البيع عقد معاوضة، فيتطلب سلامة العوضين عن العيوب؛ لأن كل عاقد لا يرضى إلا بالعوض السليم عن العيب، فكان إقراره بكون الدراهم ثمناً إقراراً بصفة السلامة عن العيوب، فيعتبر بيانه بعدئذ بالزيافة رجوعاً عن الإقرار، والرجوع عن الإقرار لا يصح، كما إذا قال: ((بعتك هذا الثوب على أنه معيب)) لا يصدق وإن كان بيانه متصلاً بما قبله، فكذا الحالة التي هنا. وقال الصاحبان: يصدق إن وصل كلامه بأصل الإقرار، وإن فصل لا يصدق؛ لأن اسم ((الدراهم)) كما يطلق على الجياد، يطلق على الزيوف؛ لأن ((الدراهم)) اسم جنس، والجيد والرديء نوعان منها، فإذا أطلق لفظ ((الدراهم)) انصرف إلى الجياد، فيصح بيان المقر إذا كان متصلاً بما قبله، لتعيينه بعض ما يحتمله اللفظ، ولا يصح منفصلاً، حتى لا يكون رجوعاً عن الإقرار. ولو قال: ((لفلان علي ألف درهم قرضاً)) ثم قال: ((هي زيوف)) ففيه روايتان: رواية بالتفصيل مثل قول الصاحبين في البيع: إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق، ورواية تقرر أنه لا يصدق مثل قول أبي حنيفة في البيع؛ لأن القرض في الحقيقة مثل البيع : مبادلة مال بمال. الاختلاف بين المقر والمقر له في اقتضاء الدين أو صفة وجود الشيء عند المقر. لو قال: ((اقتضيت من فلان ألف درهم كانت لي علیه)) أوقال: ((استوفيت)» أو ((قبضت)) أو ((أخذت)) وأنكر المقرله، فقال: ((لم يكن لك علي شيء)) وقال: ((هو - ٦٢٦ - مالي قبضته مني)) فالقول قول المقرله مع يمينه، ويؤمر المقر برد الألف إلى المقر له، لأن الإقرار بالاقتضاء إقرار بالقبض، والقبض موجب للضمان، فهو بادعائه القبض على أساس اقتضاء الألف ديناً له، يدعي براءته عن الضمان، والآخر ينكر فيكون القول قوله مع يمينه. وكذلك إذا أقر الشخص أنه قبض من آخر ألف درهم كانت وديعةً عنده، وأنكر المقرله، قائلاً: ((بل أخذتها غصباً)) فالقول قول المقر له، لما بينا. أما لوقال: ((أودعني فلان ألف درهم)) فقال فلان هذا: ((لا، بل أخذتها غصباً)): فالقول قول المقرمع يمينه؛ لأن المقر ما أقر بسبب الضمان وهو الأخذ أو القبض، بخلاف ما سبق(١). الاستثناء في الإقرار: استثناء بعض ما دخل في المستثنى منه جائز بغير خلاف، فهو ثابت في لغة العرب، وورد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ وقال: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) وقال النبي ◌ُ التّ في الشهيد: ((يكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين))(٢). فإذا أقر رجل بشيء واستثنى منه، كان مقراً بالباقي بعد الاستثناء فإذا قال: «له علي مائة إلا عشرة)) كان مقراً بتسعين، ولذا قالوا في تعريف الاستثناء: إنه تكلم بالباقي بعد الثُنْيا(٣). ولا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلاً بالكلام السابق، بأن يتصل المستثنى (١) راجع البدائع: ٢١٧/٧ وما بعدها، المبسوط: ١٢٦/١٨، مختصر الطحاوي: ص ١١٥، مجمع الضمانات : ص ٣٧٦ . هذا مأخوذ من مفهوم حديث طويل رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أنس ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن (٢) عمرو أن رسول الله ◌ٍّ قال: ((القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)) ( التاج الجامع للأصول: ٢٩٧/٤ ، الإلمام : ص ٤٨٣ ) . (٣) بضم فسكون فألف مقصورة في آخره : اسم من الاستثناء . - ٦٢٧ - بالمستثنى منه بحيث يعد معه كلاماً واحداً عرفاً، فلا يصح الفصل بسكوت طويل وكلام أجنبي؛ لأن الاستثناء مغاير لما قبله، ولا يضر الفصل اليسير لعارض كسكتة تنفس أوعي أو تذكر أو انقطاع صوت أو سعال أو عطاس، ويصح الاستثناء القليل من الكثير اتفاقاً، كما يصح عند الحنفية فقط استثناء الكثير من القليل في ظاهر الرواية. ولا يصح استثناء الكل من الكل بغير خلاف؛ لأن الاستثناء رفع بعض ما تناوله اللفظ، واستثناء الكل رفع الكل، فلو صح الاستثناء صار الكلام لغواً غير مفید . ويجوز الاستثناء من الاستثناء، بالعطف أو بدونه مثل: ((علي عشرة إلا ثلاثة وإلا درهمين)) فيكون مستثنياً لخمسة مبقياً لخمسة، ومثل قوله تعالى: ﴿قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرین ﴾. ويصح عند المالكية والشافعية الاستثناء في الإقرار من غير الجنس ولا يصح ذلك عند الحنفية والحنابلة(١). وتفصيله يعرف من التطبيقات الآتية : ١ - استثناء القليل من الكثير: إذا قال المقر: ((علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم)» يلزمه سبعة دراهم، لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، كأنه قال: لفلان علي سبعة دراهم. وكذا إذا قال: ((علي ثلاثة دراهم غير درهم)) يلزمه درهمان؛ لأن كلمة ((غير)» بالنصب تفيد الاستثناء. المبسوط: ١٩١/١٧، البدائع: ٢٠٩/٧ وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٣٧١ ، تكملة فتح القدير: ٣٩٠/٦ ، (١) تبيين الحقائق : ١٣/٥، الدر المختار: ٤٧٨/٤، مختصر الطحاوي: ص ١١٤، اللباب: ٧٨/٢، الشرح الكبير للدردير: ٤١٠/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٥٧/٢ ، المهذب : ٣٤٩/٢ ، المغني: ١٤٢/٥ وما بعدها ، ١٦٢. - ٦٢٨ - ولو قال: ((لفلان علي ألف درهم سوى ثلاثة دراهم)» يلزمه ما عدا المستثنى؛ لأن ((سوى)) من ألفاظ الاستثناء. وكذا إذا قال: ((علي ثلاثة دراهم إلا درهماً)) فعليه درهمان. ولو قال: ((علي عشرة إلا ثلاثة)» يلزمه سبعة. ولو قال: ((إلا سبعة)) يلزمه ثلاثة؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الاستثناء. ولو قال: ((لفلان علي ألف إلا قليلاً)) فعليه أكثر من نصف الألف، والقول قول المقر في الزيادة على النصف مع يمينه؛ لأن القليل من أسماء النسبة أو الإضافة، فيقتضي أن يكون ما يقابله أكثر منه، ليكون هو بالإضافة إليه قليلاً. وكذا إذا قال: ((علي قريب من الألف)) أو ((زهاء ألف)) أو ((عُظْم الألف))، لأن هذا أكثر من النصف بيقين، وفي الزيادة : القول قوله. ٢ - استثناء الكثير من القليل : إذا قال المقر: ((لفلان علي تسعة دراهم إلا عشرة)) فيجوز الاستثناء في ظاهر الرواية عند الحنفية، ويلزمه العشرة؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، وهذا المعنى متحقق في استثناء الكثير من القليل، إلا أنه مستقبح في كلام العرب؛ لأن الاستثناء لاستدراك الغلط، ومثل هذا الغلط مما يندر وقوعه غاية الندرة. وقال أبو يوسف وبقية علماء المذاهب: لا يجوز هذا الاستثناء؛ لأنه لم يرد في كلام العرب . ٣ - استثناء الكل من الكل: هو مثل أن يقول شخص: ((لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة)» يكون الاستثناء لاغياً بالاتفاق، ويلزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء وهو عشرة دراهم؛ لأن هذا - ٦٢٩ - ليس باستثناء، وإنما هو رجوع عما تكلم به، والرجوع عن الإقرار في حقوق الناس لا يصح، فبطل الرجوع، وبقي الإقرار. ٤ - الاستثناء من الاستثناء: الاستثناء من الاستثناء يكون استثناء من المستثنى، أي من الكلام الذي یلیه، لكونه أقرب المذكور إليه، ثم ينظر إلى الباقي من المستثنى، فيستثنى من المستثنى منه، أي ما قبل ((إلا)) أو غيرها من أدوات الاستثناء، مثل أن يقول: ((علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً)) يكون إقراراً بثمانية؛ لأننا صرفنا الاستثناء الأخير إلى ما يليه، فبقي درهمان يستثنيان من العشرة، فيبقى ثمانية. ولو قال: ((لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة إلا ثلاثة إلا درهماً)) يكون إقراراً بسبعة؛ لأنا جعلنا الدرهم مستثنى مما يليه، وهي ثلاثة، فبقي درهمان استثناهما المقر من خمسة، فبقي ثلاثة استثناها من أصل المستثنى منه فبقي سبعة. وهكذا. ٥ - الاستثناء من غير الجنس: تعال قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كان الاستثناء من غير جنس المستثنى منه ينظر: إن كان المستثنى مما لا يثبت ديناً في الذمة مثل: ((لفلان علي عشرة دراهم إلا ثوباً)) لا يصح الاستثناء؛ لأن المستثنى منه وهو العشرة دراهم ثبت بالإقرار ديناً في الذمة، وأما المستثنى وهو الثوب: فهو عين من الأعيان لا يحتمل الثبوت والالتزام به في الذمة، فلا يكون من جنس المستثنى منه، إذ لا مجانسة بين الثياب والدراهم، لا في الاسم ولا في احتمال الالتزام به في الذمة، فلا يتحقق معنى الاستثناء أصلاً. ثم إنه لا يعرف قدر الثوب من الدراهم، فيكون المستثنى مجهولاً، وجهالة المستثنى توجب جهالة المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء. وأما إن كان المستثنى مما يثبت ديناً في الذمة وهو المكيل والموزون والعددي - ٦٣٠ - المتقارب كالجوز والبيض، بأن قال: ((لفلان علي مائة درهم إلا ديناراً أو إلا قفيز حنطة)) صح الاستثناء عند الشيخين من الحنفية، ويلزمه مائة درهم إلا قدرقيمة ما استثناه من الدينار أو القفيز؛ لأن المجانسة بين المستثنى والمستثنى منه شرط عندهما، والمجانسة بين الدينار والدرهم متحققة إذ أن كلّ منهما من جنس الأثمان التي تقدر بها قيم الأشياء، والمجانسة بين الدراهم والمكيل والموزون ونحوها متحققة أيضاً؛ لأن كلاً منها يمكن أن يثبت ديناً في الذمة حالاً أو مؤجلاً، وذلك إذا وصف المكيل أو الموزون، ويكفي تحقق المجانسة بهذا المعنى. وقال محمد وزفر والحنابلة: لا يصح الاستثناء في الإقرار من غير الجنس مطلقاً، سواء أكان المستثنى ثوباً أم مكيلاً أم موزوناً؛ لأن معنى الاستثناء : - وهو ((إخراج بعض ما تناوله المستثنى منه على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلاً تحت اللفظ)» - لا يتصور في خلاف الجنس، فغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام، فلا يكون استثناء . وقال مالك والشافعي: يصح الاستثناء من غير جنس المستثنى منه، مثل ((لفلان علي ألف من الدراهم إلا ثوباً)) يعنى إلا قدرقيمة ثوب؛ لأنه ورد في القرآن الكريم ولغة العرب، قال الله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس كان من الجن﴾ وقال الله تعالى: ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ وقال سبحانه: ﴿مالهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ وقال الله عز وجل: ﴿لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً﴾ وقال الشاعر: وبلدةٍ ليس بها أنيس إلا اليعافير، وإلا العيس(١) الیہ (١) أي رب بلدة، الواو بمعنى رب، واليعافير - جمع يعفور: وهو ولد الظبية، وولد البقرة الوحشية، والعيس : الإبل البيض وأحدها أعيس ، والأنثى عيساء، وهو استثناء منقطع ، معناه : الذي يقوم مقام الأنيس : اليعافير والعيس . - ٦٣١ - ٦ - الاستثناء أو التعليق بمشيئة الله: اتفق الحنفية، والشافعية على المذهب على أن المقر إذا قال: ((لفلان علي ألف إن شاء الله)) أو ((إلا أن يشاء الله)) لم يلزمه شيء، سواء قدّم الألف على المشيئة أم لا؛ لأنه لم يجزم الالتزام، بل علقه بالمشيئة، ومشيئة الله مغيبة عنا. وكذلك لا يلزمه شيء إذا قال: ((لفلان علي ألف درهم إن شاء فلان)، فالإقرار باطل؛ لأن مشيئة غير الله لا توجب شيئاً(١). العطف في الإقرار: لو قال المقر: ((علي درهم ودرهم)) أو ((درهم فدرهم)) أو ((درهم ثم درهم)»: لزمه درهمان عند الحنفية والحنابلة والمالكية؛ لأن حرف العطف يقتضي الجمع والتشريك بین المعطوف والمعطوف عليه . وقال الشافعية: إن أقر بدرهم في وقت ، ثم أقر بدرهم في وقت آخر: لزمه درهم واحد، لأنه إخبار، فيجوز أن يكون قوله خبراً عما أخبر به أولاً، وهذا مذهب الحنابلة أيضاً خلافاً للحنفية. وإن قال: ((علي درهم ودرهم)) أو ((درهم ثم درهم)): لزمه درهمان؛ لأن الواو تقتضي أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه. وإن قال: ((درهم فدرهم)) لزمه درهم واحد إذا لم يرد العطف؛ لأنه يحتمل الصفة أي فدرهم لازم لي أو أجود منه (٢). وقال الحنفية(٢): لو قال المقر: ((علي ألف ونيّف)) فعليه الألف، والقول قوله في بيان النيف؛ لأنه عبارة عن الزيادة. تكملة فتح القدير مع العناية: ٣١٤/٦، تبيين الحقائق: ١٥/٥، اللباب: ٧٩/٢، مغني المحتاج: ٢٥٥/٢. (١) المغني : ١٥٧/٥، المهذب: ٣٤٨/٢، مغني المحتاج: ٢٥٢/٢ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ٤٠٧/٣ . (٢) البدائع : ٢٢٢/٧، اللباب شرح الكتاب : ٧٩/٢ ، الدر المختار ورد المختار : ٤٧٣/٤، تكملة فتح القدير : (٣) ٢٩٩/٦ ، مختصر الطحاوي : ص ١١٣ . - ٦٣٢ - ولو قال: ((لفلان علي بضع وخمسون درهماً)) لا يصدق في بيان البضع في أقل من ثلاثة دراهم؛ لأن البضع في اللغة من الثلاثة إلى التسعة، فيحمل على أقل المتعارف؛ لأنه متيقن به. ولو قال: ((علي لفلان مائة ودرهم)) فالمائة: دراهم. ولو قال: ((مائة ودينار)» فالمائة: دنانير، ويكون المعطوف عليه من جنس المعطوف، وهذا هو الحكم أيضاً في كل مكيل وموزون وعددي متقارب؛ لأنها تثبت ديناً في الذمة. أما في عروض السلع كالثياب والعددي المتفاوت كالبطيخ والرمان ونحوهما، بأن قال: ((علي مائة وثوب)) أو ((عشرة ودابة)) أو ((ألف ورمانة)) فيلزمه المعطوف المسمى وهو الثوب أو الدابة ونحوهما. والمرجع في بيان المعطوف عليه وهو المائة وغيرها إليه، لعطفه مفسراً على مبهم، والعطف لم يوضع للبيان، فبقيت المائة مبهمة، فيرجع في البيان إليه؛ لأنه هو الذي أبهم الكلام. الاستدراك في الإقرار: الاستدراك إما أن يكون في الصفة أو في القدر، والاستدراك في القدر إما أن يكون في نفس الجنس، أو في غير الجنس، فهذه ثلاثة أنواع للاستدراك(١). ١- الاستدراك في الصفة: بأن يقول: ((علي قفيز حنطة جيدة، لا بل وسط)) فيلزمه الأجود عند الحنفية؛ لأنه غيرمتهم في زيادة الصفة، متهم في نقصان الصفة، فكان مستدركاً في الجید، راجعاً في الوسط، فیصح استدراکه، ولا يصح الرجوع عن الإقرار. ٢ - الاستدراك في القدر في نفس الجنس: بأن يقول: ((علي ألف درهم، لابل (١) البدائع: المرجع السابق: ص ٢١٢، المبسوط: ١٠٣/١٨ وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٣٧٧ . - ٦٣٣ - ألفان)) أو قال: ((علي دينار، لا بل ديناران)) فيلزمه الأكثر في المذاهب الأربعة؛ لأن الإقرار إخبار، والمخبر عنه مما يجري الغلط في قدره أو صفته عادة، فيحتاج إلى استدراك الغلط فيه، فيقبل الاستدراك إذا لم يكن متهماً فيه؛ لأنه نفى الاقتصار على درهم واحد أودينار واحد، وأثبت الزيادة عليه. ٣ - الاستدراك في القدر بخلاف الجنس: بأن يقول: ((علي ألف درهم، لا بل مائة دينار)) أو ((علي قفيز حنطة، بل قفيز شعير)): وحكمه أنه يلزمه جميع ما أقر به عند جمهور الفقهاء؛ لأن الغلط في خلاف الجنس لا يقع عادة، فلا يحتاج لاستدراكه، ولأن ما قبل الاستدراك لا يمكن أن يكون نفس ما بعده ولا بعضه، فكان مقرا بها، ولا يقبل رجوعه عن شيء منها. وقال المالكية: لوقال المقر: ((علي درهم، لابل ديناران)) فإن الدرهم يسقط، ويلزمه الديناران؛ لأن ((بل)) نقلت حكم الأول للثاني، و((لا)) للتأكيد على مذهب جمهور النحاة(١). 8 المطلب السادس - الإقرار في حال الصحة وفي حال المرض: المراد بالصحيح: من ليس في مرض الموت، سواء أكان غير مريض أصلاً أم مريضاً بغير مرض الموت .. والمراد بالمريض: من هو في مرض الموت(٢). فالمقصود من المرض والصحة هو المعنى الشرعي الذي تتبدل به الأحكام بحسب حالة كل منهما، وذلك في الطلاق والوصايا والإقرار وغيرها، وليس المقصود بها المعنى اللغوي. (١) راجع البدائع: ٢١٢/٧، الشرح الكبير: ٤٠٧/٣، مغني المحتاج: ٢٥٣/٢، المهذب: ٣٤٨/٢، المغني : ١٥٨/٥ وما بعدها . (٢) المدخل الفقهي العام للاستاذ الزرقاء : ص ٧٩٥ ، الطبعة السادسة . - ٦٣٤ - ومرض الموت: هو المرض الذي يعجز صاحبه عن ممارسة أعماله المعتادة على أن يكون مما يخاف منه الهلاك غالباً، ويتصل به الموت فعلاً. فهذه ثلاث صفات لا بد من تحققها كلها، بحيث لو لم تتحقق واحدة منهن لم يعتبر المرض مرض موت . فلو كان المرض يسيراً لا يمنع صاحبه من القيام بشؤون نفسه كما يعتاده الصحيح، أو كان مما تغلب النجاة منه عادة، ولومات منه فعلاً، أو كان مما يخاف منه الهلاك غالباً، ولكنه لم يمت فعلاً، فإنه لا يعد مرض موت، وحينئذ يعتبر تصرف المريض فيه كتصرف الصحيح في الصحة والنفاذ(١). والإقرار في حال الصحة: يصح للوارث والأجنبي، وينفذ من جميع مال المقر، لعدم تعلق حق الورثة بماله في حال الصحة، بل يثبت الدين في الذمة، وإنما يتعلق الدين بالتركة حالة المرض، أي يتعين فيها وينتقل من الذمة إليها. وعلى هذا فلا يقدم الدين السابق على اللاحق، ويتساوى الغرماء أي (الدائنون) في أخذ حقوقهم إذا صار المدين مريضاً، فليس لأحد أفضلية على الآخرين، ولا يحق للمدين أن يؤثر حال مرضه بعض الغرماء على بعض، بعكس حال الصحة، فإن له أن يؤثر البعض. والإقرار في المرض نوعان: إقرار باستيفاء الدین من غيره، وإقرار بالدين لغيره : أما إقرار المريض باستيفاء الدين من غيره: فيصح إذا كان الدين على أجنبي في حال الصحة، ولا يصح إذا كان الدين ناشئاً حال المرض لتعلق حق الغرماء بمال المريض. كذلك لا يصح إذا أقر باستيفاء دين وجب له على وارث؛ لأن إقراره بالاستيفاء إقرار بالدين، وإقرار المريض لوارثه باطل. (١) اللباب شرح الكتاب: ٨٤/٢، الوسيط في أصول الفقه للمؤلف: ص ١٧٢ . - ٦٣٥ - وأما إقرار المريض بالدين لغيره: فإن كان إقراراً لأجنبي جاز عند أكثر العلماء؛ لأنه غير متهم به في حقه، قال عمر وابنه عبد الله: ((إذا أقر المريض بدين لأجنبي، جاز ذلك من جمیع تر كته)». وإن كان إقراراً بالدين لوارث: لم يصح إقراره عند الحنفية والحنابلة إلا ببينة أو بموافقة بقية الورثة أو بمشاهدة القاضي؛ لأنه متهم في هذا الإقرار، لجواز أنه آثر بعض الورثة على بعض، ولأنه تعلق حق الورثة بماله في مرضه، ولهذا يمنع من التبرع على الوارث أصلاً. وقال عمر وابنه في الأثر السابق: ((إذا أقر المريض لوارثه لم يجز)) وروى الدارقطني في سننه عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله مَ ل: ((لاوصية لوارث، ولا إقرار له بالدين)»(١) إلا أن هذه الزيادة في الحديث غير مشهورة، وإنما المشهور قول ابن عمر السابق. فإن صدق المقر بقية الورثة فيما أقر به لواحد منهم صح الإقرار؛ لأن المانع تعلّق حقهم في التركة، فإذا صدقوه زال المانع(٢). وهنا ذكر فقهاء الحنفية(٣) مسائل، فقالوا: من أقر بدين لأجنبي عنه في مرض موته ثم قال : هو ابني، ثبت نسبه منه وبطل إقراره له؛ لأن دعوى النسب تستند إلى وقت العلوق (بدء الحمل)، فتبين أنه أقر لابنه فلا يصح إقراره. ولو أقر الأجنبية، ثم تزوجها، لم يبطل إقراره لها؛ لأن الزوجية طارئة يقتصر وجودها على زمان التزوج. (١) هذا حديث مرسل: وفيه نوح بن دراج ضعيف، وأسنده أبو نعيم الحافظ ، ثم ذكر ما معناه أنه روي مرسلاً أيضاً ، قال ابن القطان: وهو الصواب ( نصب الراية : ١١١/٤ ). المبسوط: ٢٤/١٨، ٣١، البدائع: ٢٢٤/٧، تكملة فتح القدير: ٨/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٤٨١/٤ ، (٢) المغني : ١٩٧/٥، تبيين الحقائق: ٢٥/٥. الكتاب مع اللباب : ٨٥/٢ وما بعدها . (٣) - ٦٣٦ - ومن طلق زوجته في مرض موته طلاقاً ثلاثاً أو أقل بطلب منها ثم أقرلها بدين ومات وهي في العدة، فلها الأقل من الدين الذي أقر به، ومن ميراثها منه؛ لأن الزوجين متهمان في ذلك، لجواز أن يكونا توصلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فيثبت أقل الأمرين. فإن تم الطلاق بغير طلب المرأة، كان الزوج فارًاً بطلاقه لحرمانها من الميراث، فلها الميراث بالغاً ما بلغ ويبطل الإقرار. وإذا انقضت عدتها قبل موته، ثبت إقراره ولا ميراث لها . وقال الشافعية على المذهب: يصح إقرار المريض مرض الموت لوارث، كما يصح لأجنبي؛ لأن من صح إقراره له في الصحة، صح إقراره في المرض كالأجنبي؛ ولأن الظاهر أن المقر محق في إقراره؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ویتوب فيها الفاجر(١). ومنشأ الخلاف بين الحنفية والشافعية في الإقرار هو أن الشافعية قالوا: إن الفعل إذا وجد مطابقاً لظاهر الشرع حكم بصحته، ولا تعتبر التهمة في الأحكام؛ لأن الأحكام تتبع الأسباب الجلية دون المعاني الخفية . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: كل فعل تمكنت التهمة فيه، حكم بفساده، لتعارض دليل الصحة والفساد(٢). وقال المالكية: يصح إقرار المريض مرض الموت إذا لم يتهم المقر في إقراره، ويبطل إن اتهم، كمن له بنت وابن عم، فأقر لابنته، لم يقبل، وإن أقر لابن عمه قبل، لأنه لا یتهم في أنه يمنع ابنته ويصل ابن عمه(٣). هل يفضل دين الصحة ؟ لو أقر شخص في صحته بدين لإنسان، وأقر في مرضه لآخر: فقال الحنفية: دين الصحة وما لزمه في مرضه بسبب معروف أي (١) مغني المحتاج : ٢٤٠/٢ ، المهذب : ٣٤٤/٢. تخريج الفروع على الأصول : ص ١٠٢ . (٢) المغني : ١٩٧/٥، الشرح الكبير: ٣٩٨/٣ . (٣) مر - ٦٣٧ - ((ماليس بتبرع)» يقدم على ما أقر به في مرض موته، فإذا أقر رجل في مرض موته بدیون، وكان عليه ديون لزمته حال صحته، سواء علم سببها أو ثبتت بإقراره، وعليه أيضاً ديون لزمته في مرضه، لكن علم سببها كبدل شيء تملكه أو أهلكه، أو مهر مثل امرأة تزوجها : فدين الصحة والدين الذي عرف سببه حال مرضه مقدم على ما أقر به في مرضه؛ لأن الإقرار لا يعتبر حجة إذا كان فيه إبطال حق الغير، وإقرار المريض يترتب عليه إبطال الغير؛ لأن حق غرماء الصحة تعلق بمال المريض بدلاً من ذمته كما أشرنا، ولهذا منع المريض مرض الموت من التبرع ومحاباة أحد الغرماء مطلقاً إذا أحاطت الديون بماله، فإن لم يكن عليه دين يمنع من التبرع بما يزيد عن ثلث التركة. وإنما تقدم ديون المرض المعروفة السبب ببينة أو بمعاينة القاضي؛ لأنه لا تهمة في ثبوتها؛ لأن الشيء المعاين لامرد له. ولا يجوز للمريض أن يحابي أحد الغرماء، فيقضي دين البعض دون البعض؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين، إلا إذا قضى الدين الذي استقرضه في مرضه، أو نقد ثمن ما اشتراه أثناء مرضه. فإذا قضيت ديون الصحة والديون المعروفة الأسباب، وفضل شيء عنها، كان ذلك الفاضل مصروفاً فیما أقر به حال المرض؛ لأن الإقرار في ذاته صحیح، لكنه لم ينفذ في حق غرماء الصحة، فإذا لم يبق لهم حق ظهرت صحته. وإن لم يكن على المريض ديون في صحته: جاز إقراره؛ لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير، وكان المقرله أولى من الورثة؛ لأن قضاء الدين مقدم على حقوق الورثة. هذا هو مذهب الحنفية(١). وقال جمهور الفقهاء: دين الصحة ودين المرض يتساويان، فلا يقدم دين (١) راجع البدائع: ٢٢٥/٧، اللباب شرح مختصر القدوري: ٨٤/٢ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٠/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٢٣/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٤٨٢/٤. - ٦٣٨ - الصحة على دين المرض؛ لأنها حقان يجب قضاؤهما من رأس المال ولم يختص أحدهما برهن، فاستويا كمالوثبتا ببينة: أي أنهما يستويان الاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن كامل الأهلية، بل إن الباعث على صدق المقر حال المرض أقوى منه حال الصحة؛ لأن المرض سبب التورع عن المعاصي والتوبة عما جرى في الماضي(١). ومنشأ الخلاف بين الحنفية وغيرهم في دين الصحة والمرض هو القاعدة السابقة التي ذكرها الزنجاني، فعند الشافعي ومن وافقهم يتساوى إقرار الصحة وإقرار المرض في استحقاق الغرماء من التركة؛ إذ الإقرار مشروع في حالتي الصحة والمرض، ولا تعتبر التهمة في الأحكام. وقال الحنفية: إن الإقرار حال الصحة أقوى من حيث إنه صادف حالة إطلاق الحرية في التصرف. وإقرار المرض صادف حال الحجر والمنع من التبرعات، فهو متهم فيه من حيث إن الشرع سلبه قدرة التبرع، فلا يؤمن عدوله من التبرع إلى الإقرار (٢). المطلب السابع - الإقرار بالنسب: يمكن الإقرار ببنوة طفل تصحيحاً لوضع سابق کزواج مكتوم، لا من زنى. وهذا الإقرار بالنسب - أي القرابة - نوعان: الأول : أن يلحق المقر النسب بنفسه. الثاني : أن يلحقه بغيره. وإلحاق النسب بالغير قد يثبت النسب، وقد يقتصر فقط على المشاركة بالإرث دون ثبوت النسب. وقد اشترط الفقهاء شروطاً أربعة لصحة إقرار الإنسان بنسب على نفسه، أي باستلحاق النسب من نفسه، وهي(٢): (١) مغني المحتاج: ٢٤٠/٢ ، المغني : ١٩٧/٥. (٢) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني : ص ١٠٢ وما بعدها . راجع البدائع: ٢٢٨/٧، تكملة فتح القدير : ١٤/٧، الدر المختار : ٤٨٥، تبيين الحقائق: ٢٧/٥، اللباب : ٨٦/٢، الشرح الكبير: ٤١٢/٣ - ٤١٤، مغني المحتاج: ٢٥٩/٢ ، المغني : ١٨٤/٥. (٣) - ٦٣٩ - أ- أن يكون المقر به مجهول النسب: فإن كان معروف النسب من غيره، لم يصح استلحاقه بالإقرار؛ لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره، ولا يحتمل ثبوته له، ولأن المقر يقطع نسب المقر به الثابت من غيره. وقد لعن النبي مَ الٍ من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه(١). ٣ - أن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر، فلا يكذبه الحس ظاهراً أو لا ينازعه فیه منازع، بأن یکون في سن یمکن أن یکون منه بحیث یولد مثله لمثله، فلو كان المقر به في سن لا يتصور كونه منه، أو كان المقر مقطوع الذكر والأنثيين من زمن يتقدم على زمن بدء الحمل بالمقر به، لم يصح الإقرار بثبوت نسبه؛ لأن الحس يكذبه. وكذلك إذا نازع المقر منازع آخر غيره لم يثبت نسبه؛ لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارض الإقراران، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر. ٣ - أن يصدق المقر له في إقراره إن كان أهلاً للتصديق بأن يكون مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً عند الجمهور، أو يستطيع أن يعبر عن نفسه، أي يكون مميزاً عند الحنفية؛ لأن الولد له حق في نسبه، وهو أعرف به من غيره. فإن كان الولد صغيراً لا يعبر عن نفسه - بحسب رأي الحنفية - لم يعتبر تصديقه، لأنه بمنزلة المتاع. وقال المالكية: ليس تصديق المقر به شرطاً لثبوت النسب من المقر؛ لأن النسب حق للولد على الآب، فیثبت یاقراره بدون توقف على تصديق منه إذا لم يقم دليل على كذب المقر. ٤ - ألا يكون فيه حمل النسب على الغير، سواء كذبه المقرله أم صدَّقه؛ لأن (١) رواه أبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ ( من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة ) ورواه الطبراني عن خارجة بن عمرو الجمحي ، وفيه ضعيف ، وأخرجه الشيخان أيضاً ( الجامع الصغير: ١٦٢/٢، وراجع مجمع الزوائد: ٢١٤/٤، ٢٨٥/٦ ، مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر : ١١/٤ ) . - ٦٤٠ -