Indexed OCR Text

Pages 521-540

كل هذا بخلاف الأموال، فإنه يجري فيها البذل، فلو قال شخص: هذا المال
لیس لفلان، ولکن أبحته وبذلته له، لأتخلص من خصومته، صح بذله.
هذا رأي أبي حنيفة. وقال الصاحبان: يجري الاستحلاف والنكول في هذه
الأشياء السبعة؛ لأن النكول عندهما إقرار، والإقرار يجري في هذه الأشياء، لكنه
فقط إقرار فيه شبهة ، فلا يقبل في الحدود، كما أشرنا . فنكول المدعى عليه دليل على
كونه كاذباً في إنكاره؛ لأنه لو كان صادقاً لما امتنع من اليمين الصادقة، فكان النكول
إقراراً دلالة أو تقديراً، إلا أنه إقرار فيه شبهة، وهذه الأشياء تثبت بدليل فيه شبهة،
إذ يجوز إثباتها بالشهادة على الشهادة، وشهادة رجل وامرأتين .
والفتوى على قول الصاحبين أي بتحليف المنكر، والقضاء عليه بالنكول في هذه
الأشياء، لا في الحدود والقصاص، واللعان؛ لأنه في معنى الحد؛ إذ أنه (أي اللعان)
بالنسبة للزوج يعد قائماً مقام حد القذف، وبالنسبة للمرأة يعد قائماً مقام حد الزنا،
فلا يجري النكول فيه(١). والخلاصة عند الحنفية: أنه لا تحليف في الحدود اتفاقاً،
ويستحلف في القصاص والأموال كلها اتفاقاً، واختلفوا في التحليف في سبع مسائل،
فعند الإمام: لا يستحلف. وعند الصاحبين: يستحلف. وكل ما يجري فيه التعزير
من الحقوق كالضرب والشتم والألفاظ القبيحة يجري فيه التحليف ولا يسقط
بالتقادم، وتقبل فيه شهادة النساء كما في سائر الحقوق(٢).
كيفية اليمين وأثرها في الدعوى: لليين كيفبة معينة، سواء أكانت يميناً
مردودة، أم مع الشاهد، أم يميناً من المدعى عليه.
اتفق العلماء على أن اليمين تكون بالله عز وجل دون غيره، لقوله مدافع: ((من
تكملة فتح القدير: ١٦٢/٦ - ١٦٦، البدائع: ٢٣٠/٦، الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه : ٤٤٣/٤، اللباب
(١)
شرح الكتاب للميداني : ٣١/٤ .
(٢)
الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ١٠٦ - ١٠٨ .
- ٥٢١ _

كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))(١) ولقوله عليه السلام: ((من حلف بغير الله فقد
كفر)) (٢)، واتفقوا أيضاً على أن اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المدين هي اليمين
بالله.
إلا أن الإمام مالك قال: أحب أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وإن استحلف
حاكم بالله، أجزأ.
وقال الشافعية: يندب تغليظ اليمين، وإن لم يطلب الخصم تغليظها فيما ليس
مال، ولا يقصد به مال کنكاح وطلاق ولعان وقصاص ووصاية ووکالة، وفي مال
يبلغ نصاب زکاة، لا فیما دونه.
والتغليظ يكون مثلاً بزيادة أسماء وصفات الله عز وجل، كأن يقول: والله
الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم السر والعلانية. أو
بالله الطالب الغالب المدرك المهلك الذي يعلم السر وأخفى.
وقال الحنابلة: اليمين التي يبرأ بها المدين هي اليمين بالله، وإن كان الحالف
كافراً، لقوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتها) وقوله سبحانه:
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ قال بعض المفسرين: ((من أقسم بالله، فقد أقسم جهد
(٣)
الیین)»(٣).
وقال الحنفية: للقاضي أن يحلف المسلم من غير تغليظ مثل: ((بالله)) أو ((والله)»،
وله أن يغلظ، أي يؤكد اليين بذكر أوصاف الله تعالى مثل قوله: قل: ((والله الذي
أخرجه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر، وفي لفظ ((أو ليسكت)) وفي لفظ ((من كان حالفاً فلا يحلف إلا
(١)
بالله)) ( نصب الراية: ٢٩٥/٣ ، نيل الأوطار : ٢٢٧/٨) .
رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعاً. ويروى ((فقد أشرك)) وهو عند أحمد،
(٢)
وكذا عند الحاكم، ورواه الترمذي وابن حبان بلفظ ((فقد كفر وأشرك)) ( نيل الأوطار، المرجع السابق ) .
راجع بداية المجتهد : ٤٥٥/٢، المغني: ٢٢٦/٩ ، مغني المحتاج : ٤٧٢/٤ .
(٣)
- ٥٢٢ -

لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السرما يعلم من
العلانية: مالفلان هذا علي ولا قبلي هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا، ولا شيء
منه)) وله أن يزيد على هذه الصيغة وله أن ينقص منها، إلا أنه يجتنب العطف كيلا
يتكرراليمين؛ لأن المطلوب منه يمين واحدة. ولا يستحلف بالطلاق في ظاهر
الرواية، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) وفي
لفظ: ((أوليذر)).
ولا يجب تغليظ اليمين عند الحنفية والحنابلة على المسلم بزمان كيوم الجمعة بعد
العصر، ولا بمكان مثل بين الركن والمقام بمكة، وعند منبر النبي ◌ُ ◌ّ في المدينة؛ لأن
المقصود تعظيم المقسم به: أي الله تعالى، وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجابه حرج
على القاضي، حيث يكلف حضورها، والحرج مرفوع (١).
وقال مالك والشافعي كما بينا: تغلظ اليمين في الزمان في اللعان ؛ لأن الله تعالى
قال في اللعان محدداً أن يكون بعد صلاة العصر: ﴿ تحبسونها من بعد الصلاة فيقسمان
بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً﴾ وتغلظ في المكان عند الحلف على قدر معين من
الحقوق، وهذا القدر عند مالك ثلاثة دراهم فصاعداً، فمن ادعي عليه بثلاثة دراهم
فأكثر، وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، فإن كان مسجد النبي عليه الصلاة
والسلام، فلا خلاف أنه يحلف على المنبر، وإن كان في غيره من المساجد، ففيه
روايتان: إحداهما وهي الراجحة حيثما كان في المسجد، والثانية عند المنبر.
وقال الشافعي : يحلف في المدينة عند المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي
القدس في المسجد عند الصخرة، وكذلك يحلف في كل بلد عند المنبر، والنصاب الذي
بندب فيه التغليظ كما عرفنا هو نصاب الزكاة أي عشرون ديناراً(٣).
(١) تكملة فتح القدير: ١٧٤/٦، البدائع: ٢٢٧/٦، اللباب شرح الكتاب: ٤٠/٤ وما بعدها، المغني : ٢٢٨/٩ وما
بعدها .
(٢)
بداية المجتهد: ٤٥٥/٢، الشرح الكبير: ٢٢٨/٤، الشرح الصغير: ٦٢/٥، المغني: ٢٢٨/٩ ، مغني المحتاج :
٣٧٧/٣، ٤٧٢/٤ ٠
- ٥٢٣ -

ثم قال الحنفية وغيرهم: إن كان الحالف كافراً فتغلظ اليمين في حقه، فإن كان
يهودياً، حلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى. وإن كان نصرانياً حلف بالله الذي
أنزل الإنجيل على عيسى، وإن كان مجوسياً حلف بالله الذي خلق النار، فيغلظ على
كل واحد بحسب اعتقاده. والوثني لا يحلف إلا بالله. ولا يحلف الكفار عند الحنفية في
بيوت عباداتهم، لكراهة دخولها، ولما فيه من إيهام تعظيمها. وأجاز الحنابلة تحليفهم
في المواضع التي يعظمونها(١).
الحلف على البت أو نفي العلم: ويحلف الشخص باتفاق أئمة المذاهب
الأربعة على البت (وهو القطع والجزم) في فعله إثباتاً كان أو نفياً؛ لأنه يعلم حال
نفسه ويطلع عليها، فيقول في البيع والشراء حالة الإثبات: (والله لقد بعت بكذا أو
اشتريت بكذا) وفي حالة النفي: (والله ما بعت بكذا، ولا اشتريت بكذا).
وكذلك يحلف الشخص أيضاً على البت على فعل غيره إن كان الأمر إثباتاً كبيع
وإتلاف وغصب؛ لأنه يسهل معرفة الواقع والشهادة به، وإن كان نفياً فيحلف على
نفي العلم، أي لا يعلم أنه كذلك، لعدم علمه بما فعل غيره، فيقول: (والله ما علمت أنه
فعل كذا) لأن نفي الشيء يعسر معرفته(٢). وعليه، إذا ادعى إنسان على آخر أنه سرق
منه شيئاً أو غصب منه شيئاً، فيحلف المدعى عليه على البت أنه ما سرق أو غصب.
وإن ادعى على فعل الغير، كأن ادعى ديناً على ميت بحضور وارثه، أو أن أباه سرق
منه شيئاً، فيحلف الوارث بالله ما يعلم أن على أبيه ديناً أو أنه سرق هذا الشيء.
صفة المحلوف عليه: إذا كان المدعى به أرضاً وأنكر المدعى عليه، يحلف على
الحاصل فعلاً في النهاية، فيقول: (والله ما هذه الأرض لفلان، ولا شيء منها) وإن
(١)
تكملة فتح القدير : ١٧٦/٦، البدائع: ٢٢٧/٦ ، اللباب : ٤٠/٤ وما بعدها .
(٢)
الدر المختار: ٤٤٤/٤، مغني المحتاج: ٤٧٣/٤ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ١٨٠/٦ ، المغني: ٢٣٠/٩ وما
بعدها . قال الكاساني في البدائع : ٢٧٩/٥: ومن حلف على غير فعله ، يحلف على العلم ؛ لأنه لا علم له بما ليس
بفعله ، ومن حلف على فعل نفسه يحلف على البتات .
- ٥٢٤ -

أ
ادعى أنه أقرضه ألفاً أو غصبه ألفاً أو أودعه ألفاً، وأنكر المدعى عليه، فيحلف «بالله
ما يستحق المدعي رد شيء عليه)) ولا يحلف بالله ما استقرضت أو غصبت أو
استودعت؛ لأنه قد تحصل هذه الأسباب ثم يفسخ، أي يزول معنى القرض أو الغصب
أو الإيداع بالهبة أو بالبيع، فلو حلف المدعى عليه على السبب الذي هو الغصب
ونحوه لتضرر به، فيحلف على الحاصل في النهاية لدفع الضرر عنه. وقال أبو
يوسف: إنه يحلف على القرض والغصب والإيداع.
ومن ادعى أنه اشترى من هذا حيواناً، فأنكر المدعى عليه، استحلف بالله ما بينكما
بيع قائم في هذا الحيوان . ولا يستحلف بالله ما بعت، خلافاً لأبي يوسف؛ لأنه قد يبيع
الحيوان، ثم يفسخ البيع أو تطرأ عليه الإقالة، فلا يبقى البيع على حاله.
وفي النكاح، يحلف المنكر: ((بالله ما بينكما نكاح قائم في الحال)) لأنه قد يطرأ
عليه الخلع .
وكذلك في دعوى الطلاق، يحلّف المدعى عليه: «بالله ما هي بائن منك في هذه
الساعة بالوجه الذي ذكرته المدعية)» ولا يستحلف بالله ما طلقها، خلافاً لأبي
يوسف، لاحتمال تجدد النكاح بعد البينونة، فيحلف على ما هو حاصل فعلاً في
النهاية، لأنه لوحلف على السبب الذي هو الطلاق، لتضرر المدعى عليه، وهذا قول
أبي حنيفة ومحمد.
أما على قول أبي يوسف: فيحلف المدعى عليه في جميع هذه الصور على سبب
الدعوى من طلاق ونحوه إلا إذا حدث منه تعريض للقاضي بأمر طارئ كما بينا،
فيقول المدعى عليه للقاضي إذا طلب منه اليمين: ((بالله مابعت أيها القاضي، إن
الإنسان قد يبيع شيئاً، ثم يقيل فيه)) أي يفسخ البيع بالإقالة(١).
(١) راجع تكملة فتح القدير: ١٧٧/٦ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ٤١/٤ وما بعدها، البدائع: ٢٢٨/٦.
- ٥٢٥ -

العبرة في اليمين بنية القاضي المستحلف: يلاحظ أن العبرة في الحلف بنية
القاضي المستحلف للخصم، لقوله مافعل: ((اليمين على نية المستحلف))(١) وقد حمل هذا
الحديث على الحاكم؛ لأنه الذي له ولاية الاستحلاف، فلو أخذ بنية الحالف، لبطلت
فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد، فلو ورَّى الحالف في
يمينه، بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي، أو تأول أي اعتقد خلاف
نية القاضي، أو استثنى الحالف، كقوله عقب يمينه: ((إن شاء الله)) أو وصل باللفظ
شرطاً، مثل إن دخلت الدار(٢)، بحيث لا يسمع القاضي كلامه، لم يدفع ما ذكر إثم
اليمين الفاجرة، وإلا ضاع المقصود من اليمين وهو حصول الهيبة من الإقدام عليها .
أثر اليمين في الدعوى : وأما أثر اليين في الدعوى فهو أنه يترتب عليها قطع
الخصومة والمنازعة وعدم المطالبة بالحق في الحال لا مطلقاً، وإنما مؤقتاً إلى وقت
إمكان إقامة البينة، فلا تفيد اليمين براءة ذمة المدعى عليه عند جمهور العلماء(٣)، لما
روى ابن عباس ((أن النبي ◌ُ ◌ّ أمر رجلاً بعد ما حلف، بالخروج من حق صاحبه،
كأنه مٍَّ علم كذبه))(٤) فدل على أن اليمين لا توجب براءة.
القضاء بشاهد ويمين :
إذا أقام المدعي شاهداً، وعجز عن تقديم شاهد آخر، وحلف مع شاهده، هل
يقضى له بشاهده و یمینه ؟
١ - قال الحنفية(٥): لا يقضى بالشاهد الواحد مع اليمين في شيء، لقوله تعالى:
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة، وفي لفظ له: ((يمينك على ما يصدقك به صاحبك)) (سبل السلام: ١٠٢/٤ ،
الإلمام لابن دقيق العيد: ص ٤٢٧ ) .
(٢)
مغني المحتاج : ٤٧٥/٤ .
البدائع: ٢٢٩/٦، مغني المحتاج: ٤٧٧/٤، بداية المجتهد : ٤٥٤/٢.
(٣)
(٤)
رواه أبو داود والنسائي والحاكم وأحمد عن ابن عباس .
المبسوط: ٣٠/١٧، البدائع: ٢٢٥/٦، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شتلوت والسايس: ص ١٢٨ .
(٥)
- ٥٢٦ -

﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن
ترضون من الشهداء) وقوله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ طلب القرآن
الكريم إشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، فقبول الشاهد الواحد ويمين المدعي زيادة
على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ في القرآن الكريم لا يجوز إلا بمتواتر أو
مشهور، وليس هناك واحد منهما .
واستدلوا بالسنة أيضاً بقوله عالٍ فيما رواه مسلم وأحمد: ((ولكن اليمين على
المدعى عليه)) وفي لفظ ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) وقال حُ لّ المدع:
«شاهداك أو يمينه))(١).
فالحديث الأول أوجب اليمين على المدعى عليه، فلو جاز القضاء بشاهد ويمين
المدعي، لما بقيت اليمين واجبة على المدعى عليه. ثم إنه في هذا الحديث وفي الحديث
الثاني جعل الرسول عليه الصلاة والسلام جنس اليمين حجة للمنكر، فإن قبلت يمين
المدعي، لم يكن جميع أفراد اليمين على المنكرين.
وكذلك تضمن الحديث الثاني قسمة وتوزيعاً بين المتخاصمين، والقسمة تنافي
اشتراك الخصين في أمر وقعت القسمة فيه.
5
والحديث الثالث خير المدعي بين أمرين لا ثالث لهما: إما البينة أو يمين المدعى
عليه، والتخيير بين أمرين يمنع تجاوزهما إلى غيرهما أو الجمع بينهما.
٢ - وقال جمهور الفقهاء(٢): يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال، واستدلوا بما
رواه البخاري ومسلم وأحمد عن الأشعث بن قيس ( نيل الأوطار: ٢٠٢/٨).
(١)
راجع بداية المجتهد: ٤٥٦/٢، الشرح الكبير للدردير: ٤٧/٤، المهذب: ٢٠١/٢ ، ٣٣٤ ، مغني المحتاج :
(٢)
٤٤٣/٤، ٤٨٢، المغني: ١٥١/٩، ٢٢٥، الميزان: ٢٠٠/٢ ، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شلتوت
والسايس : ص ١٢٩ ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص ١٢٢ وما بعدها .
- ٥٢٧ -

ثبت عن النبي مت٣ : ((أنه قضى بشاهد ومین))(١).
قال الشافعي : وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه
غيره، مع أن معه غيره مما يشده. وقال النسائي: إسناده جيد. وقال البزار: في
الباب أحاديث حسان، أصحها حديث ابن عباس وقال ابن عبد البر: لا مطعن
لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل العلم في صحته.
الإقرار:
الإقرار سيد الأدلة غالباً، وهو إذا كان بيِّناً لاخلاف في وجوب القضاء به.
وسنخصص مبحثاً مستقلاً له .
المبحث الخامس - حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين:
قد ترفع دعويان للقضاء حول موضوع واحد، ويكون لكل واحد من
المتداعيين بينة تساند مدعاه، وتثبت حقه في موضوع الدعوى المتنازع عليه، فكيف
يقضي القاضي بينهما ؟
تنازع الدعويين قد يكون في ملك مطلق أو في ملك مقيد بسبب. والملك
المطلق: أن يدعي شخص الملك من غير أن يتعرض لذكر سبب الملكية، بأن يقول:
((هذا ملكي)) ولا يقول: ((هذا ملكي بسبب الشراء أو الإرث أو نحوهما)).
(١) هذا الحديث متواتر، رواه أكثر من عشرين صحابياً كما ذكر ابن الجوزي والبيهقي، روى ذلك في خلافياته
والصحابة كأبي هريرة وعمر وابن عمر وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وسعد بن عبادة
وعبد الله بن عمرو، والمغيرة بن شعبة ، وعمارة بن حزم ، وسُرَّق ، بأسانيد حسان ، وأصحها حديث ابن عباس
الذي أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة ، والدارقطني والبيهقي ( راجع نصب الراية: ٩٦/٤ وما
بعدها، نيل الأوطار: ٢٨٢/٨، النظم المتناثر من الحديث المتواتر: ص ١٠٩، مجمع الزوائد : ٢٠٢/٤، سبل
السلام: ١٣١/٤، الإلمام : ص ٥٢١ ) .
- ٥٢٨ -

والملك المقيد بسبب : أن يدعي شخص ملكية شيء مع بيان سبب الملكية
کنتاج ونکاح وشراء وإرث(١).
وتعارض الدعويين في ملك مطلق يحدث عادة بين اثنين: أحدهما - يكون
الشيء في يده وهو المسمى صاحب اليد أو الداخل أو الحائز(٢). والثاني - لا يكون
الشيء في يده، ويسمى في لغة الفقهاء: الخارج أو غير الحائز، وقد يتم التنازع بين
الخارجین عن ذي الید، أو بین ذوي الید أنفسهم .
وقد تكون بينة كل من المتنازعين مؤرخة، أو إحداهما مؤرخة، والأخرى
بدون تاريخ، أو أن تاريخ إحداهما أسبق من الأخرى.
سنبحث هذه الافتراضات في نوعين : دعوى الملك المطلق ودعوى الملك المقيد.
النوع الأول- تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في ملك
مطلق :
نجد في هذا القسم احتمالات ثلاثة: وهي التعارض في الدعويين بين الخارج عن
ذي اليد وذي اليد، والتعارض في الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد، والتعارض
في الدعو یین بین ذوی الید .
الأول- تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد : إذا كانت الدعوى من
الخارج أي (غير الحائز) على ذي اليد أي (الحائز) دعوى الملك، وأقام كل منهما بينة،
فإما أن تكون البينتان غير مؤرختين، أو مؤرختين وتاريخها سواء، أو تاريخ
أحدهما أسبق من الآخر، أو أحدهما بتاريخ، والآخر من غير تاريخ.
(١) تكملة فتح القدير : ١٥٦/٦.
الحيازة : وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه، وتصرف الحيازة مثل السكنى والزرع والغرس والهبة والبيع
(٢)
والهدم ونحوها .
- ٥٢٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٤)

ففي هذه الصور قال الحنفية والحنابلة في الجملة: تقدم بينة المدعي أي الخارج
إلا أن تكون بينة أحدهما أسبق تاريخاً من الأخرى، فتقدم عند أبي حنيفة وأبي
يوسف، ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق؛ لأنها لا تفيد أكثر مما تفيده
اليد؛ إذ أن ظاهر الملك ثابت له باليد فلم تثبت له شيئاً زائداً. والتفصيل فيما يأتي(١):
٢ - إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد بدون تاريخ: فبينة المدعي
وتسمى بينة الخارج أولى بالقبول عند الحنفية والحنابلة؛ لقول النبي مع الله: ((البينة
على الدعي، واليمين على المدعى عليه))(٣) فجعل جنس البينة على المدعي، فلا يؤبه
البينة ذي اليد؛ لأنه ليس بمدع، فلا تكون البينة حجته(٣). والدليل على أنه ليس
بمدع عدم انطباق وصف المدعى عليه، لأن المدعي : هو من يخبرعما في يد غيره
لنفسه. والموصوف بهذه الصفة هو الخارج، لا ذواليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه
لنفسه، فلم يكن مدعياً، وإنما هو مدعى عليه، فلا تكون البينة حجة له، فتعد بینته
لاغية .
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على
التعديل، ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت أمراً
ظاهراً تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة، أي أن بينته لا تفيد أكثر مما تفيد اليد، أي
الحيازة فقط .
٢ - إذا كانت البينتان مؤرختين، وتاريخهما سواء: يقضى للمدعي الخارج؛ لأنه
(١) المبسوط: ٣٢/١٧، تكملة فتح القدير: ١٥٦/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٢٥/٦، ٢٣٢، الدر المختار: ٤٥٥/٤ ،
كتاب القدوري مع اللباب : ٣٢/٤ ، المغني : ٢٧٥/٩ وما بعدها .
(٢) .
رواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن ابن عباس .
وبعبارة أخرى : هي أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى عليه ، فوجب ألا ينقلب
(٣)
الأمر ، وهذا عندهم من باب العبادة .
- ٥٣٠ -

لم يثبت سبق ملك أحدهما؛ إذ أنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي الحال حال
دعوى ملك مطلق، كالصورة الأولى.
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: يقضى للأسبق وقتاً أيهما كان عند
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي في النوادر عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند
رجوعه من الرقة، وقال: لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت ولا غيره إلا في
النتاج؛ لأنه لاقيمة لبينته إذ أنه مدعى عليه، والبينة حجة المدعي.
والصحيح القول الأول وهو ظاهر الرواية؛ لأن بينة صاحب الوقت الأسبق
أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد، فيثبت له الحق في موضوع النزاع إلى
أن يثبت الآخر سبباً لنقل الملكية له.
٤ - إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: يقضى للخارج عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن
الملك المطلق يحتمل التأخر والسبق، لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته،
كان وقتها أسبق. فوقع الاحتمال في سبق الملك المؤقت، وإذا حصل الاحتمال في شيء
سقط اعتباره، فيسقط اعتبار الوقت، وتبقى الدعوى دعوى ملك مطلق، فيقضى
للخارج.
وقال أبو يوسف: يقضى لصاحب البينة المؤرخة؛ لأن بينة صاحب الوقت
أظهرت الملك له في وقت معين خاص به، لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق
بيقين، بل تحتمل بينته المعارضة وعدمها، والمعارضة لا تثبت بالشك، فبقيت بينة
صاحب التاريخ سالمة عن المعارضة، فیقضی له.
وقال المالكية والشافعية في هذه الصور(١): تقدم بينة صاحب اليد وتسمى بينة
(١) مغني المحتاج: ٤٨٠/٤، المهذب: ٣١١/٢ .
- ٥٣١ _

الداخل على الإطلاق؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، فتعارضت البينتان، وترجحت
بينة صاحب اليد بيده أي بحيازته، كترجيح أحد الحديثين المتعارضين بالقياس،
فيقضى بالشيء لصاحب اليد، ولأن بينة المدعى عليه تفيد معنى زائداً على كون
الشيء المدعى فيه موجوداً بيده.
ولأن جانب المدعى عليه أقوى، استصحاباً للأصل، فالأصل معه وهو بقاء
ما كان على ما كان، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان، وجب
إبقاء يد صاحب اليد على ما كانت عليه، ويقدم هو، كما لو لم تكن بينة لأحد
المتنازعين .
ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله: ((أن النبي ◌ُّ اختصم إليه رجلان في
دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله مد ئل
للذي هي في يده»(١).
الثاني - تعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك مطلق :
إذا تنازع اثنان عيناً، وهي في يد شخص ثالث، وهو منكر لها، وأقام كل منهما
بينة یرید بها إثبات حقه فيها .
فقال الشافعية في الأرجح: تهاترت البينتان أي تساقطتا وبطلتا لتناقض
موجبيها ، سواء أكانت البينتان مطلقتي التاريخ، أم متفقتين فيه، أم إحداهما
مطلقة عن التاريخ والأخرى مؤرخة. فأشبه ذلك تعارض الدليلين ولا مرجح
بينهما ، فكأنه لا بينة، ويصار إلى الحكم في القضية، كما لو تداعيا ولا بينة لواحد منهما،
أخرجه البيهقي ولم يضعفه بلفظ: (( أن رجلين اختصما في ناقة ، فقال كل واحد منهما : نُتجت هذه الناقة
. (١)
عندي ، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله مَ قل للذي هي في يده . ورواه الدارقطني وفي إسناده ضعف ،
ورواه أبو حنيفة، وأخرج نحوه عن الشافعي إلا أن فيه ((تداعيا دابة)) ولم يضعف إسناده (راجع سبل
السلام: ١٣٥/٤) وانظر حادثة مشابهة رواها الطبراني في مجمع الزوائد: ٢٠٣/٤ .
- ٥٣٢ -

فيحلف كل واحد منهما يميناً، ويقضى بالشيء بينهما نصفين. وفي قول عندهما: يقرع
بینھا، ویرجح من خرجت قرعته(١).
وكذلك قال المالكية : تسقط البينتان، ويقضى كأنه لا بينة فيحلف كل منهما
يميناً، ويقسم الشيء بينهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضي له (٣).
والراجح عند الحنابلة: أنه تسقط البينتان ويقترع المدعيان على اليمين كما لو لم
تكن بينة، فمن خرجت له قرعته حلف، وأخذ العين(٣).
وقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بينهما نصفين إلا أن يكون تاريخ أحدهما
أسبق، فيقضى له به، وتفصيله في الصور الأربعة الآتية(٤):
١ و٢ - إذا كانت الدعوى من الخارجين، وقامت البينتان على ملك مطلق، بلا
تاريخ أوتاريخهما سواء، والشيء في يد ثالث: فيقضى به بينهما نصفين، عملاً
بالبينتين بقدر الإمكان(٥)، صيانة لهما عن الإلغاء؛ لأن العمل بالدليل واجب بالقدر
الممكن، أي أنه إذا تعذر العمل بالبينتين في كل الشيء المتنازع فيه، أمكن العمل بها
في بعض الشيء، فيقضى لكل واحد منهما بالنصف؛ لأنها تساويا في الدعوى،
5
فيتساويان في القسمة.
(١)
مغني المحتاج: ٤٨٠/٤ ، المهذب : ٣١١/٢.
بداية المجتهد : ٤٦١/٢، الميزان: ١٩٥/٢، الشرح الكبير للدردير : ٢٢٢/٤ وما بعدها .
(٢)
(٣)
المغني : ٢٨٧/٩ .
تكملة فتح القدير: ٢١٧/٦، البدائع: ٢٣٦/٦، الدر المختار: ٤٥٦/٤، اللباب شرح الكتاب : ٣٢/٤.
(٤)
(٥)
لكن إن ادعى اثنان نكاح امرأة، وأقاما البينة على ذلك، لم يقض بواحدة من البينتين لعدم أولوية إحداهما،
وتعذر الحكم بها لعدم قبول المحل اشتراكها، ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما، إذا لم تؤقت البينتان وقتاً
للزواج، فأما إذا وقتتا، فصاحب الوقت الأول أولى. وإن أقرت المرأة لأحدهما قبل إقامة البينة، فهي امرأته
لتصادقهما على الزواج ، والزواج مما يحكم به بتصادق الطرفين . فإن أقام الآخر البينة على الزواج ، قضي بها ؛
لأن البينة أقوى من الإقرار. ( اللباب شرح الكتاب: ٣٢/٤) .
- ٥٣٣ -

ويؤيده ((أن رجلين اختصما إلى رسول الله مظفرٍ في بعير، وأقام كل واحد منهما
البينة أنه له، فقضى رسول الله ماقام به بينهما نصفين))(١).
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فالأسبق أولى؛ لأن كلّ من
الخارجين ينطبق عليه وصف المدعي، فكانت بينتاهما مسموعتين مقبولتين قضاء،
فترجح إحداهما بأسبقية التاريخ؛ لأنها أثبتت الملك في وقت لم تعارضه فيه البينة
الأخرى، فيؤمر صاحب اليد بتسليم الشيء المتنازع عليه إلى المقضي له، إلى أن يثبت
الآخر انتقال الملكية إليه بطريق ما .
٤ - إن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: یقضى بينهما نصفين عند أبي حنيفة، ولا
عبرة للتاريخ؛ لأن الملك المؤرخ يحتمل أن يكون سابقاً عن تاريخ ملك الآخر،
ويحتمل أن يكون متأخراً عنه، لوجود احتمال أن صاحب الملك الآخر لو أرخ لكان
تاريخه أقدم، ونظراً لطروء الاحتمال في التاريخ، سقط اعتباره، فبقي ادعاء ملك
مطلق بالنسبة لكل منهما . وعند أبي يوسف: يقضى لصاحب الوقت، أي صاحب
الملك المؤرخ؛ لأن البينة المؤرخة أظهرت الملك في زمان لا تعارضها فيه بيقين البينة
المطلقة عن التاريخ، بل تحتمل المعارضة وعدم المعارضة، فلا تثبت المعارضة بالشك،
فتثبت بينة صاحب التاريخ بلا معارض، فيكون هو أولى بالشيء.
وعند محمد: يقضى لصاحب الملك المطلق الذي لم تذكر بينته تاريخاً؛ لأن البينة
القائمة على الملك المطلق أقوى؛ إذ أنه مالك من الأصل حكماً، بدليل استحقاقه زوائد
الشيء من أولاد وألبان وأصواف وغلات ونحوها .
(١) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري بلفظ ((أن رجلين ادعيا بعيراً على
عهد رسول الله مَّم، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسمه النبي ◌َّ بينهما نصفين)) ورواه الطبراني في
الكبير عن جابر بن سمرة ، وفيه متروك ( نصب الراية: ١٠٩/٤، نيل الأوطار: ٣٠٠/٨، الإلمام: ص ٥٢٢ ،
سبل السلام : ١٣/٤ ) .
- ٥٣٤ _

الثالث- تعارض الدعويين في ملك مطلق بين ذوي الید:
إذا كانت هناك دار يجوزها اثنان، أي تحت يدهما ، فادعاها كل منهما، وأقام
كل منهما بينة على ملكيته لها، فقال الشافعية على الصحيح(١): تهاترت البينتان، أي
تساقطتا وبطلتا لتعارضهما وتناقض موجبها، كتعارض الدليلين دون مرجح
لأحدهما، فیقضى ببقاء الدار في يدهما، کما کانت قضاء ترك، إذ ليس أحدهما أولى بها
من الآخر. وفي قول: يقرع بينهما كما أشرنا سابقاً.
وقال الحنابلة : إذا تنازع رجلان في عين في أيديها، وأقام كل واحد منهما بينة،
وتساوت البینتان، تعارضتا، وقسمت العین بینھما نصفين، لما روى أبو موسى رضي
الله عنه: ((أن رجلين اختصا إلى رسول الله مُ ته في بعير فأقام كل واحد منهما
شاهدين، فقضى رسول الله عَ لّ بالبعير بينهما نصفين)) رواه أبو داود، ولأن كل واحد
من المتنازعين يعد بالنسبة لما في يده داخلاً في نصف الشيء، وخارجاً عن النصف
الآخر(٢) وقد عرفنا أنه يقضى ببينة الخارج؛ لأنه هو المدعي.
وقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بين صاحبي اليد نصفين، إلا أن تكون
بينة أحدهما أسبق تاريخاً من بينة الآخر، وتفصيله فيما يأتي(٣).
١ - إن أقام كل واحد من صاحبي اليد بينة أن الشيء له: فإنه يقضى لكل واحد
منهما بالنصف الذي في يد صاحبه؛ لأنه كما ذكرنا عند الحنابلة يعتبر خارجاً بالنسبة
لذلك النصف، والخارج: هو المدعي، وهو الذي تقبل بينته، وأما النصف الذي في
يده فيترك في يده قضاء ترك، وعلى هذا فكأن الدار الواحدة بمنزلة دارين، في يد
(١)
مغني المحتاج: ٤٨٠/٤، المهذب : ٣١١/٢ .
(٢)
المغني : ٢٨٠/٩ وما بعدها .
البدائع: ٢٤٠/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٤٨/٦ وما بعدها، المبسوط: ٣٢/١٧ ، الدر المختار :
(٣)
٤٦٠/٤، الكتاب مع اللباب : ٣٢/٤.
- ٥٣٥ -

كل واحد منهما دار، وكل واحد منهما يدعيها، فكان كل واحد منهما مدعياً لما في يد
صاحبه، فعليه البينة، ومنكر الدعوى: صاحبه بالنسبة لما في يده.
وكذلك إن أقام أحدهما البينة ولم يقم الآخر بينة: يقضى له بالنصف الذي في
يد صاحبه، وأما ما في يده فرك في يده قضاء ترك.
وأيضاً إذا لم يكن لأحدهما بينة: يترك الشيء في يديها قضاء ترك، حتى لو
قامت لأحدهما بينة بعدئذ تقبل ؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه حقيقة.
٢ - إن أرخ كل منهما بينته، وتاريخهما سواء يقضى بالشيء بينهما نصفين، كما في
الصورة الأولى.
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق: فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا عبرة للتاريخ بالنسبة لصاحب اليد، فيكون الشيء بينهما
نصفین، والحجج سبق بيانها .
٤ - إن أرخ أحدهما دون الآخر: يقضى بالشيء بينهما نصفين عند أبي حنيفة
ومحمد، ولا عبرة للوقت؛ لأنه ساقط الاعتبار لوجود الاحتمال في تقدمه عن تاريخ
بينة الآخر وتأخره. وقال أبو يوسف: هو لصاحب التاريخ، وأدلة كل من
الفريقين عرفت فيما سبق.
هل ترجح بينة أحد المتداعيين بكثرة عدد الشهود أو اشتهار
العدالة ؟ .
في الصور السابقة الذكر وغيرها من حالات تعارض البينات قرر جمهور الفقهاء
أنه لا ترجح إحدى البينتين بكثرة عدد الشهود، ولا اشتهار العدالة؛ لأن كلاً من
البينتين حجة كاملة من الطرفين بتقدير الشرع، فلا تتقوى بالزيادة، كما هو الشأن
في الديات: لا يختلف مقدارها باختلاف الأشخاص.
- ٥٣٦ -

وقال الإمام مالك: يرجح بزيادة العدالة، كما يرجح بها أحد الخبرين
المرويين، ولا يرجح بكثرة العدد(١).
النوع الثاني - تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في دعوى
الملك بسبب: دعوى الملك بسبب كما عرفنا: هي أن يذكر فيها سبب الملك من
إرث أو شراء أو نتاج. وسنبحث كل حالة على حدة فيما يأتي. ومجمل القول في الملك
المقيد عند الحنفية: هو أنه إذا ادعى اثنان تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض، أو
ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق، ففي هاتين الصورتين تقبل
بينة ذي اليد باتفاق الحنفية .
الحالة الأولى - دعوى الملك بسبب الإرث:
نبحث تعارض دعوتي الملك بسبب الإرث في حالتين: حالة ما إذا كان أحد
المتداعيين خارجاً، والآخر صاحب يد، وحالة ما إذا كان التداعي بين خارجين على
ما في يد ثالث.
تعاـ
أولاً - تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد في دعوى الملك
بالإرث:
إذا كان متاع في يد رجل، فأقام رجل البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له،
وأقام صاحب اليد البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له، فقال الحنفية: يقضى به
للخارج سواء ذكروا وقتاً أم لم يؤقتوا، أو أرخوا وكان تاريخهما سواء. فإن كان
تاریخ أحدهما أسبق فهو له. وتفصيله فیما یأتي (٢):
تكملة فتح القدير: ٢٤٣/٦، المبسوط: ٤١/١٧، الدر المختار: ٤٩٥/٤، اللباب : ٣٧/٤ ، مغني المحتاج :
(١)
٤٨٢/٤، الميزان: ١٩٥/٢، المغني: ٢٨٢/٩، بداية المجتهد: ٤٦١/٢، الشرح الكبير للدردير: ٢٢٠/٤.
(٢)
المبسوط : ٤٤/١٧، البدائع : ٢٣٣/٦.
- ٥٣٧ -

١ - إذا أقام كل واحد من الخارج وذي اليد البينة على أنه ملكه مات أبوه وتركه
ميراثاً له: يقضى به للخارج؛ لأن كل واحد من المتداعيين أثبت ملكية المتاع للميت،
لكن قام الوارث مقام الميت فيما يملكه، فكأن الوارثين ادعيا ملكاً مطلقاً من غير
سبب، فيقضى به للخارج، كما عرفنا في دعوى الملك المطلق.
٢ و٣- كذلك يقضى بالمتاع المتنازع عليه للخارج إذا أرخا وتاريخها سواء أو
ذكر أحدهما تاريخاً دون الآخر؛ لأنه في الصورة الأولى سقط اعتبار الوقتين
للتعارض، فبقي دعوى مطلق الملك. وفي الصورة الثانية: لا عبرة للوقت؛ لأنه
يحتمل تأخر ملك الآخر وتقدمه، ومع الاحتمال لا ينظر إلى الوقت.
٤ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فهو لصاحب الوقت الأسبق عند
أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن بينته أثبتت له الملك في وقت لا ينازعه فیه الآخر.
وقال محمد: يقضى به للخارج؛ لأن دعوى الإرث دعوى ملك الميت، فكل
واحدة من البينتين أظهرت ملك الميت، لكن قام الوارث مقام الميت في ملك الميت،
فكأن المورثين ادعيا ملكاً مطلقاً أو مؤرخاً منذ سنة مثلاً من غير ذكر سبب للملك،
وقد عرفنا أنه في هذه الحالة يقضى بالشيء للخارج عند محمد.
ثانياً - تعارض الدعويين بين الخارجين على ثالث في دعوى الإرث:
إذا وجدت دار في يد شخص، ثم أقام شخصان آخران غيره كل منهما البينة على
أن الدار ملك له، مات أبوه، وترك الدار میراثاً له.
فقال الحنفية(١): يقضى بالدار بين الشخصين نصفين، سواء أرخت البينتان
وقت الإرث أم لم تؤرخاه، أو كان تاريخهما سواء، لما ذكرناه أن الملك الموروث هو
(١) المرجعان السابقان، المبسوط: ص ٤١، البدائع: ص٢٣٧.
- ٥٣٨ -

ملك الميت بعد موته، وإنما الوارث يخلفه، ويقوم مقامه في ملكه، فكأن المورثين
حضرا وادعيا ملكاً مطلقاً عن الوقت لهما في يد ثالث، أو مؤقتاً وكان تاريخهما سواء،
أو أحدهما مؤقتاً والآخر مطلقاً، وقد عرفنا أنه يقضى بالشيء حينئذ مناصفة بين
الخارجين؛ لأنها مدعيان متساويان في الادعاء.
وإن كان تاريخ أحدهما أسبق: فهو له عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن
الوارث بإقامة البينة يظهر الملك للمورث لا لنفسه، فيصير كأنه حضر المورثان،
وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة، وتاريخ أحدهما أسبق، وحينئذ يقضى الأسبقهما
وقتاً، لإثباته الملك في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر.
وقال محمد: يقضى بالشيء بين الخارجين في هذه الحالة نصفين، ولا عبرة
للتاريخ عنده في الميراث، لما ذكرنا أن الموروث ملك الميت، والوارث قام مقامه، فلم
يكن الموت تاريخاً لملك الوارث، فسقط اعتبار التاريخ لملكه، وكأنه لم يكن، فبقي
دعوى الملك المطلق عن التاريخ، فيتساوى الخارجان حينئذ.
الحالة الثانية - دعوى الملك بسبب الشراء:
إذا تنازع اثنان على ملكية دار مثلاً، وكانت الدار في يد أحدهما فادعى أحدهما
الشراء من الآخر، أوادعى كل منهما الشراء من صاحبه، أو كانت الدار في يد شخص
ثالث، فادعى كل منهما الشراء من صاحب اليد أو من رجل آخر غير الذي ادعى
عليه صاحبه، فكيف يحكم القاضي بينهما ؟ يعرف الجواب من الصور الآتية:
١- التنازع بين الخارج وذي اليد(١):
نجد في هذه الحالة افتراضات ثلاثة:
(١) البدائع: ٢٣٣/٦ وما بعدها، تحفة الفقهاء: ٢٠١/٣ وما بعدها الطبعة القديمة، الكتاب مع اللباب: ٣٦/٤.
- ٥٣٩ -

أولاً - إذا ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف ليرة ونقده
الثمن: يقضى للخارج بالبينة؛ لأنه هو المدعي .
ثانياً - إذا ادعى صاحب اليد الشراء من خارج: يقضى له بالبينة؛ لأنه يصح
تلقي الملك من الخارج؛ لأنه هو المدعي.
ثالثاً-إذا ادعى كل واحد من الخارج وصاحب الید أنه اشترى الدار من
صاحبه بألف ليرة ونقده الثمن، وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك ولم يؤرخا وقت
الشراء، أو أرخا وتاريخهما سواء:
فإن لم يثبتا قبض المبلغ بالبينة: لا تقبل البينتان عند أبي حنيفة وأبي
يوسف، ولا يجب لواحد منهما على صاحبه شيء، ويترك المدعى به في يد الحائز، أي
صاحب اليد؛ لأن كل مشتري يكون مقراً بكون المبيع ملكاً للبائع. وعلى هذا تعد
دعوى الشراء من كل واحد منهما إقراراً بملك المبيع لصاحبه، وتكون البينتان قائمتين
على إثبات إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه، وبين موجبي الإقرارين تناف
وتناقض، فتعذر العمل بالبينتين أصلاً.
وقال محمد: يقضى بالبينتين، ويؤمر صاحب اليد بتسليم المدعى به للخارج؛
لأن الجمع والتوفيق بين الدليلين مطلوب بقدر الإمكان، والتوفيق هنا ممكن:
بتصحيح العقدين بأن نفترض أن صاحب اليد اشترى المبيع أولاً من الخارج
وقبضه، ثم اشتراه الخارج ثانية من صاحب اليد، ولم يقبضه، وإنما باعه مرة
أخرى لصاحب اليد. فبذلك يمكن تصحيح العقدين : الأول والثاني بالتقدير
المذكور.
ولا یصح افتراض العکس : بأن نقدر أن الخارج اشتری أولاً من صاحب اليد،
ولم يقبضه، وإنما باعه ثانية لصاحب اليد؛ لأنه يترتب على هذا الافتراض إفساد
- ٥٤٠ -